على الإسلام أو المسلمين حتى يسيروا خلفهم تقليدا ومتابعة؛ لأنهم يريدون الاستعلاء والتسلط بباطلهم، وطمس أنوار الحق الساطعة من عند الله.
وإذا كانوا لن يرضوا في رسول الله ﷺ ، وهو صفوة الخلق وأعلاهم منزلة، حيث وقفوا ضد دعوته بالمرصاد عنادا ومكابرة وصدا، فإن أمته ﷺ لا تستغرب ما تلقى في كل عصر ومكان من اليهود وأعوانهم من أمور تنبئ عن حقدهم على الإسلام وأهله، ترصد ذلك الأحداث التاريخية، وتكشفه ضغائن النفوس.
وفي كل مرة يأتي هدفهم بغاية، أو يسوقونه خلف مقصد: فمرة باسم الأرض والغلات، وأخرى باسم الاقتصاد والمصالح، وثالثة باسم العلم والنظريات، ورابعة تحت مظلات الفكر والمؤتمرات والصداقة، وغير هذا من مسميات متعددة، وغايات ومقاصد متباينة، إلا أنهم لم يظهروا جلية الأمر باسم العقيدة، مع أنها هي المقصد الحقيقي، فهم يخشون عند إعلانها من إثارة الحماسة العقدية في نفوس المسلمين، وتحريكها في جوانحهم؛ لأن الواقع التاريخي والحقيقة المعروفة من الأحداث المرصودة، كما أوضحه لهم كبير المبشرين (المنصرين) الإنجليز في الثلث الأول من هذا القرن الميلادي صموئيل زويمر: بأن المسلمين لا يقبلون من يجابههم باسم المناوأة لدينهم، رغم جهل أكثرهم به، إذا كان المتحدث غربيا، فهم يثورون لذلك حمية، ويتصدون لمقاتلة ذلك المتعرض له بحماسة واستماتة، ولا نستطيع الصمود أمامهما.
ولهذا سيظل اليهود في الدرجة الأولى، ثم النصارى جاهدين في محاربة هذا الدين، كائدين لأبنائه بسبل وغايات مختلفة، فهم متعصبون لعقائدهم، شديدو الحرص على جذب الناس إليها، ويبذلون في هذا السبيل أموالا وجهودا، ولا يتورعون عن سفك الدماء، وتخريب البيوت والديار؛ لتحقيق هدفهم الأسمى، وهو صد الناس عن دين الله، وإماتة
стр. 10012
جذوته في النفوس، بالتشكيك في تعاليمه، وصلاحها لكل عصر ويسلكون في هذا السبيل طرقا، وينتهجون أساليب، منها الكذب والافتراء على رسول الله ﷺ ، والنيل من سيرته، وتفسير أمور كثيرة في التشريع الإسلامي، والتاريخ المواكب لنشره بما يحلو لهم من التلبيس، ووضع الأمور في غير مواضعها، كما اعترف بذلك الدكتور " بجيل كروث " في المؤتمر الذي عقد في عام ١٩٧٩م في قرطبة بأسبانيا، باسم المؤتمر الثاني للمناظرة بين المسلمين والنصارى عندما قال: " لا يوجد صاحب دعوة تعرض للتجريح والإهانة ظلما على مدى التاريخ مثل محمد ".
وكما يلمس ذلك الضغن منهم كل من يقرأ كتب الاستشراق، ويتعمق في دعوات المبشرين وتقاريرهم، مع أن الجميع ومن قبلهم علماء اليهود وأحبارهم في عهد رسول الله ﷺ يعرفون حقيقة الرسالة المحمدية، وما جاء به محمد ﷺ من الحق، كما أخبر الله عن سالفيهم عند معاندتهم لرسول الله ﷺ في قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) وانطلاقا من عقيدتهم هذه فإن أعمال يهود في المدينة وفي خيبر مع رسول الله ﷺ معروفة حسبما أبان الله عنهم، ووفق ما رصد في السيرة النبوية الكريمة، ثم جاءت المجابهة في محاولة جيوشهم الوقوف بشدة في وجه الزحف الإسلامي على ديار الشام منذ موقعة مؤتة في عام ٨ هـ، ثم حاولوا الكيد للمسلمين في عهد الخلفاء الراشدين فالأمويين والعباسيين بكل ما أوتوا من قوة وتدبير، ولكن الله أبطل كيدهم، وأظهر دينه وأعز جنده، فاتسعت دائرة الإسلام، وأصبحت ديار الشام قاعدة إسلامية تخرج منها الجيوش لنصرة دين الله، ودعوة الناس إليه.
стр. 10013
لكنهم كالنار تحت الرماد عندما يجدون مجالا للتحرك تنبعث الشرارة،
стр. 10014
ففي عام ٤٨٨ هـ اغنتم البابا أربان الثاني اجتماعا في مجمع كلير مونت عاصمة إقليم أوفرن بفرنسا لأن نقطة ضعف من المسلمين قد حانت، فألقى خطابا أثار حماسة النصارى لحرب المسلمين في سبيل توحيد الكنيستين الشرقية والغربية تحت سيطرته، ودعا للحروب الصليبية ضد المسلمين، ووعد من يحارب بالمحافظة على أموالهم ورعاية أولادهم، علاوة على ما ينتظرهم من مال وشهرة، وصار يطوف البلاد على حماره حاملا الصليب محرضا ومحمسا حتى استجابوا له (١).
ثم تظهر حقائقهم، عن واقع أعمالهم ضد الإسلام والمسلمين، عندما تلوح لهم بارقة النصر، فقد ذكر ابن الأثير (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ) في حوادث عام ٤٩٢هـ في وصف المذبحة التي أحدثها الصليبيون في بيت المقدس عند دخولهم إياه بعد حصار طويل، أمورا شنيعة منها قوله: " وقتل الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارق الأوطان، وجاور بذلك الموضع الشريف " (٢).
وحتى لا يكون القارئ متأثرا بمحاولة كثير من كتاب الغرب حول الدعوة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وما فيه من مبالغات وتزويدات، حيث يعتبرون ذكر مثل هذا الرقم من التزويدات، نثبت في هذا المكان ما أورده الكاتب ول ديورانت في موسوعته التي ترجم منها إلى اللغة العربية حتى الآن ٤٢ جزءا، وما نقله عن القس رميند الأجيلي الذي حضر هذه المذبحة بقوله: " وشاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رءوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم الآخر يعذبون عدة أيام ثم أحرقوا بالنار، وكنت ترى
стр. 10015
في الشوارع أكوام الرءوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل "، ثم نقل عن شاهد آخر قوله: " إن النساء كن يقتلن بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم، ويقذف بهم من فوق الجسور، أو تهشم رءوسهم بدقها بالعمد، وذبح سبعون ألفا من المسلمين الذين بقوا بالمدينة " (١).
وقد حرص النصارى في حروبهم الصليبية التي استمرت في بلاد الشام قرابة مائتي عام، حاولوا الامتداد فيها إلى الحرمين الشريفين حرصا على تمكين عقيدتهم، والدعوة لها على أنها هي الهدى، ومحاولة قسر الناس عليها، وإبادة من يخالفها، حتى قيض الله حربا على يد صلاح الدين الأيوبي (٥٣٢ - ٥٨٩ هـ) غيرت مجرى التاريخ في عام ٥٨٣هـ، أعلت قدر الإسلام والمسلمين في ذلك الصراع، فمعركة " حطين " تعتبر من المعارك الفاصلة في التاريخ، وقد وصفها المقدسي في كتابه الروضتين قائلا: " غير أن هذه النوبة المباركة كانت للفتح المقدسي مقدمة، ولمعاقد النصر وقواعده مبرمة محكمة (٢)، فتنفس المسلمون الصعداء بعد أن ارتفعت راية الإسلام عالية، معلنة رفع الظلم الواقع على المسلمين ودينهم، وليثأر المسلمون من خصومهم، حيث انفتح لهم أوسع أبواب النصر في الحروب الصليبية، وذلك بإخراج النصارى عن حكم بيت المقدس، والهيمنة عليه، وقد وصف ذلك بالنصر وما جرى في بيت المقدس من فتح، وعدالة في معاملة النصارى، ابن الأثير في تاريخه وصفا ضافيا، مشيرا لذلك اليوم الحافل بالفرحة العامة للمسلمين بدخول القدس، وهو
стр. 10016
يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب عام ٥٨٣هـ، حيث طهر صلاح الدين المسجد الثالث مسرى رسول الله ﷺ من صلبانهم، ثم صلى في المسجد الأقصى بمن معه الجمعة التالية بعد انقطاع في ٤ شعبان سنة ٥٨٣هـ، وأظهر تسامح قواد المسلمين عندما ينتصرون، فقد عفا عن البطريك الكبير، وغيره من قادتهم ونسائهم ومنحهم أموالهم يخرجون بها، عدا " ريتشارد قلب الأسد " الذي حلف أن يذبحه بيده تأثرا لجرأته على غزو المدينة المنورة، حيث وصل في حملته إلى ينبع؛ ليعطيهم درسا عمليا عن مكانة الإسلام في تربية أبنائه على الغضب لله ولدينه، وللمحافظة على العهود ورعايتها (١).
стр. 10017
وفي الجانب الآخر نجد أن فرديناند وزوجته ايزابيلا التي شاركته الحكم يعملان الأفعال الشنيعة في الأندلس لطمس حضارة الإسلام، وإجبار الناس على ترك دينهم، تحت أشد أنواع العقاب، وإحراق الكتب الإسلامية في ميدان غرناطة منذ تنازل لهم آخر ملوك الأندلس من المسلمين، محمد بن الأحمر - أبو عبد الله (٨٦٧ - ٩٤٠هـ) عن ضياعه وسائر أملاكه في غرناطة، وأن يعبر إلى المغرب في موعد أقصاه شهر أكتوبر من عام ١٤٩٣م الموافق لعام ٨٩٨ هـ.
واستمرت الكنيسة تواصل تحريضها في محاولة لطرد المسلمين من الأندلس، وإلزام من بقي بالتحول للنصرانية، ومتابعتهم في بيوتهم حتى لا يرتبطوا بالإسلام في المظهر واللباس والطعام والغسل، والنظافة والأسماء أما العبادة وقراءة القرآن فمن باب أولى، وكان العقاب شديدا على من يلاحظ
стр. 10018
عليه شيء من ذلك، أو يمتنع من الذهاب للكنيسة، أو يتحدث أو يكتب اللغة العربية، وقد وصف المطران " جريرو " " الموريسكيين " وهذا هو الاسم الذي أطلقوه على المسلمين - في عام ١٥٦٥م الموافق لعام ٩٧٣هـ في كتاب باللغة الأسبانية، نقله عنه محمد عبد الله عنان بقوله: إنهم خضعوا للتنصير، ولكنهم لبثوا كفرة في سرائرهم، وهم يذهبون للقداس تفاديا للعقاب، ويعملون خفية في أيام الآحاد والأعياد، ويحتفلون يوم الجمعة، أعظم من احتفالهم بيوم الأحد، ويستحمون حتى في ديسمبر، ويقيمون الصلاة خفية، ويقدمون أولادهم للتنصير خضوعا للقانون، ثم يغسلونهم لمحو آثار التنصير، ويجرون ختان أولادهم، ويطلقون عليهم أسماء عربية، وتذهب عرائسهم إلى الكنيسة في ثياب أوربية، فإذا عدن إلى المنزل استبدلنها بثياب عربية، واحتفل بالزواج طبقا للرسوم العربية؟ ويعلق المؤلف على هذا القول بما نصه: والظاهر أن هذه الأقوال تنطوي على كثير من الصدق، ذاك أن الأمة الموريسكية المهيضة بقيت بالرغم مما يصيبها من شنيع العسف والإرهاق متعلقة بتراثها الروحي القديم، وبالرغم مما فرض على الموريسكيين من نبذ دينهم ولغتهم، فقد لبث الكثير منهم مسلمين في سرائرهم، يزاولون شعائرهم خفية، ويكتبون أحكام الإسلام والأدعية والمدائح النبوية بالقشتالية الأصلية أو بالقشتالية المكتوبة بأحرف عربية (١).
وقد ذكر المقري (٩٩٢ - ١٠٤١هـ): أن النصارى بالأندلس قد شددوا على المسلمين بها في التنصر، حتى أنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلا عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا، ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى أن كان إخراج النصارى إياهم عام ١٠١٧ هـ، فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر
стр. 10019
بتلمسان ووهران، وخرج جمهورهم بتونس، فتسلط عليهم الأعراب، ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم (١).
ويعلل الناصري في تاريخه الاستقصاء: أسباب جلاء المسلمين من الأندلس بأنه بعد استيلاء صاحب قشتالة على غرناطة سنة ٨٩٧ هـ وقد التزم أهلها طاعته، والبقاء تحت حكمه على شروط اشترطوها عليه، وأن عدو الله قد نقض تلك الشروط عروة عروة، وكان أهل الأندلس من أجل ذلك كثيرا ما يهاجرون من بلاد الكفر إلى بلاد الشام أثناء هذه المدة السالفة (٢).
فعندما نستعرض التاريخ وأحداثه في ديار المسلمين؛ الشام والأندلس في الحروب الصليبية، وحتى بعد سقوط آخر معقل للمسلمين بالأندلس، حيث أنشئوا ديوان التحقيق لمتابعة المسلمين والبطش بهم، ثم في أوروبا بعد تحالف دولها للقضاء على الدولة العثمانية؛ لأنها رمز لاجتماع المسلمين تحت مظلة واحدة، تلم شملهم، وتوحد صفوفهم، بالعقيدة الإسلامية.
стр. 10020
ثم أخيرا بعد غرسهم دولة اليهود في قلب العالم الإسلامي بوعد بلفور في فلسطين ، ومساعدتهم بتأسيسها منذ عام ١٩٤٨م ١٣٦٧هـ، بهذا وبغيره فإننا نلمس صدق الدلالة القرآنية في غضب اليهود والنصارى من دين الإسلام، وجهودهم لتحويل الناس عنه بطرق مختلفة، تتباين في كل عصر بحسب ما يراه المخططون كفيلا، بنفرة الناس من الإسلام وإبعادهم عن تعاليمه، والدعوة إلى أن دياناتهم هي الحق.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ [١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ] في تفسيره عند مروره بالآية الكريمة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١)
стр. 10021
الآية: يخبر تعالى رسوله أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه دينهم؛ لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه هو الهدى، فقل لهم: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ (١) الذي أرسلت به: ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ (٢) وأما ما أنتم عليه فهو الهوى بدليل قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣)
فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع اليهود والنصارى والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله ﷺ ، فإن أمته داخلة في ذلك؛ لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤)، فاليهود والنصارى سيظلون يحاربون دين الإسلام وأهله، ويكيدون لهم بغايات متعددة، وطرق متشعبة، ولن يرضوا عنهم إلا أن يحيدوا عن طريقه السليم، ولا يشرفهم كما قال أحد المبشرين أن يدخلوا النصرانية، بل يهمهم أن يكون المسلمون لهم تبعا، وأن يشككوهم في دينهم؛ لأن النصارى واليهود غير ملتزمين بعقائدهم الأصلية، وفي هذا اتباع للهوى الذي يريده هؤلاء القوم بصرف المسلمين عن عقيدتهم التي أرادها الله لهم حسدا من عند أنفسهم، حتى يتساووا في الظلم؛ لما في هذا المنهج من محاربة لله، ولشرعه.
فاليهود من سماتهم دائما الفساد والإفساد، ونفوسهم مجبولة على هذا وتبعهم النصارى في ذلك المعتقد، متفقين في التصدي لمحمد ﷺ ودعوته التي جاء بها من عند الله، مع اختلاف الأكاذيب، وتعمد التشويه فيما قاموا به من دراسة للدين الإسلامي وكتبه وتاريخه، والدس بأساليب متنوعة.
ومع هذا فيجب ألا يغرب عن البال اختلافهم فيما بينهم، وتباين
стр. 10022
طرقهم العقدية كما قال جل وعلا عنهم في محكم التنزيل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (١).
ولم يعرف لهم في التاريخ القديم أو الحديث اتفاق إلا في معاداة الإسلام؛ لأن الصراع في العقيدة التي بموجبها العلاقة بالله جل وعلا هي المحك والذي بموجبه تتجلى بواطن النفس ودخائل أعمالها.
يقول سيد قطب في الظلال: تلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي ينفعهم هو البرهان، وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك يا محمد على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق، ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت لن يرضيهم من هذا كله شيء إلا أن تتبع ملتهم، وتترك ما معك من الحق، إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان، إنها هي العقيدة، هذه هي حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض، وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة، إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي، وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما، وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين.
إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها، ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاما شتى، في خبث ومكر وتورية، إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلامهم (٢).
فاليهود وإن قفرت منهم معابدهم، والنصارى وإن تساهلوا في ارتياد
стр. 10023
كنائسهم، سيبقى انتماؤهم العقدي يربطهم بالطريقة التي كانوا عليها هم وآباؤهم. ولن يرضوا التخلي عنه، أو المناقشة من أجل الوصول للحقيقة المجردة من الهوى بل يسعون جاهدين في تثبيت معتقداتهم في الأمم الأخرى، وصرف المستنيرين منهم عن المنافذ المؤدية لإدراك الحقيقة، لأن انصرافهم لدراسة الإسلام والقناعة بتعاليمه أشد عليهم من دفاع المسلمين.
فهم يتبنون أفكارا وآراء تستحوذ على أذهان البسطاء، وتموه على الباحثين عن الحق، وذلك بأهمية قادتهم - أحبارا ورهبانا - في الريادة الفكرية والدينية، مستغلين تأثر كثير من المسلمين ظاهريا، ببهرج حضارة الغرب علميا وعسكريا وصناعيا، وغير ذلك، حسبما فعلته وسائلهم الإعلامية في نفوس كثير من الناس.
стр. 10024
فكانت الفرصة مواتية لإبراز نماذج من دعواتهم في استقطاب البارزين في العالم ، بعد أن اطمأنوا إلى توفر أسماء من رضعوا من لبانهم وتشبعوا بفكرهم؛ تثقيفا وقراءة وتعليما وولاء؛ لاعتقادهم بأن مثل هؤلاء من خيرة من يذيع وجهات نظرهم، ويدافع عن مقاصدهم بدراية أو تقليد.
وقد قيل: الجهل داء قاتل، ثم ينساق خلفهم المقلدون، ونستطيع أن نضع نماذج لتلك الدعوات بما جد في الآونة الأخيرة من عصرنا الحاضر، حتى يستعد المسلمون لمجابهتها، وإعداد العدة المناسبة لمثيلاتها؛ ليكون ذلك مهيئا للنفوس في تخطي ما يهدف إليه أعداء الإسلام، من أمور بعيدة المرمى، نحو ديننا وسلامة عقيدتنا، وتنقية فكرنا مما يخالفه، والمداخل إلى ذلك:
١ - اللقاء الإبراهيمي الذي تبناه المسلم الفرنسي جارودي حيث عقد بقرطبة ما بين ١٢ - ١٥/ ١٢ / ١٩٨٧م، وقد سبق هذا عدة لقاءات وتلاه وسيتلوه اجتماعات أخرى، والمفهوم عن هذا اللقاء حسب إطاره الأصلي بأنه مجرد حوار إسلامي مسيحي، لكن الظاهرة التي أدركها بعض الحضور
стр. 10025
والمهتمين أنه قد دعي إليه بعض اليهود، وهذا مكسب عظيم لهم ليستغلوا الموقف، ويقولوا: إن خلافنا مع العرب خلاف سياسي لا ديني عقدي، والله جل ثناؤه قد أبان في كتابه الكريم بأنهم أشد أعداء للمسلمين من المشركين عبدة الأوثان فقال جل وعلا: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١).
والذي يجب معرفته أن هذا اللقاء لم يكن جديدا، كما دعا إليه الجارودي، ولكنه قديم دعا إليه مفكرو اليهود والنصارى، يلمس هذا في مثل آراء كثير من الفرنسيين وغيرهم ممن تحمسوا لهذا اللقاء؛ ليدسوا من خلاله ما يعن لهم من فكر مثل: -
- لويس سينيون الذي دعا إلى ربط الأديان التوحيدية الثلاثة بنفس الشبكة، وذلك من خلال وصلها بالإيمان الإبراهيمي.
- ميشال حايك في كتاباته العديدة، وضمن ثلاثة كتب له نشرت باللغة الفرنسية عام ١٩٦٤م - ١٩٧٢م - ١٩٧٨م.
- مكسيم رودنسون أستاذ العلوم التاريخية والسلالات في جامعة باريس في كتابه العرب المنشور في باريس عام ١٩٧٩م الموافق لعام ١٤٠٠هـ حيث أكد على هذه النظرية.
يقدس اليهود نظرية الإسماعيلية وإدخالها في كتبهم، إذ صارت كلمة إسماعيلي مرادفة لكلمة عربي؛ لأن العرب ينحدرون من إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر المطرودة من سارة أم إسحاق جد اليهود - حسب عبارتهم.
- اهتمام اليهود ودعوتهم للتقارب العرقي مع العرب؛ لأنهم أبناء عم فإبراهيم يجمعهم نسبا، ويقولون: كلنا نؤمن بإبراهيم مع ما في هذا من مغالطة بتكذيبهم أنبياء الله بعده وعداوتهم معهم حتى بلغ بهم الأمر إلى إيذائهم، أو قتلهم كما قصه القرآن الكريم علينا.
стр. 10026
٢ - دعا البابا قبل عشر سنوات إلى اجتماع عقد في روما للتقارب بين الأديان وانبثق عن ذلك مؤتمرات للمناظرة بين المسلمين والنصارى، حيث عقد المؤتمر الثاني في قرطبة عام ١٩٧٩م الموافق لعام ١٤٠٠ هـ.
وقد نتج عن ذلك حوار بين المسلمين والنصارى في كل مكان من أوروبا، وبدأ في السنوات الأخيرة يدب إلى أمريكا وفي الجامعات بالذات إلا أن الملاحظ في ذلك الحوار تعدي حرية الفكر التي يؤمن بها بعض القوم بعد ضعف الكنيسة، حيث تسرب رجال الدين المتعصبون في الديانة النصرانية لفرض معتقدهم.
وقد استغل اليهود هذا المدخل الفكري لبث سمومهم، مما يعارض المصلحة الإسلامية في الحوار المقنع؛ لأن هؤلاء وهؤلاء ينطلقون مما أبانته الآية الكريمة بطمس العقيدة الإسلامية، والنظرة الشمولية في الفكر والعبادات وحماية الفرد والجماعة، والتعتيم على العدالة الإسلامية التي تتوق إليها النفوس البشرية بعدما استشرى الظلم عندهم وصار الحق لا يأخذه إلا القوي.
٣ - وفي العام الماضي ١٤٠٧هـ تأسست جماعة عالمية للمؤمنين بالله، من منطلق مفهوم النصارى في شهر مارس سنة ١٩٨٧م، وأعطت نفسها شعارا هو: " المؤمنون متحدون " وقد كان هذا الشعار ثمرة لدعوة البابا عندما دعا في قرية أسيس في ٢٧/ ١٠ / ١٩٨٦م إلى صلاة مشتركة، قدم نفسه فيها للعالم بأنه القائد الروحي للأديان جميعا، وأنه حامل رسالة السلام للبشرية جمعاء. . وقد كان له ما أراد، فقد لبى حضورها عدد من المسلمين واليهود والبوذيين وغيرهم، وقد توسع شعارهم هذا، فنشأ عن هذه الدعوة ضمن ذلك اللقاء: -
- نادي الشباب المتدين الذي أنشئ صيف عام ١٩٨٧م ١٤٠٧ هـ.
стр. 10027
- الناس متحدون تكونت بعد ذلك بمدة قصيرة في أبريل عام ١٩٨٧م الموافق رمضان سنة ١٤٠٧هـ.
- المؤمنون متحدون: الجماعة العالمية للمؤمنين بالله في ٢١ مارس سنة ١٩٨٧م الموافق شعبان سنة ١٤٠٧هـ.
- إلى جانب نداوت ولقاءات في الحوار بين الديانات، ويكسب بحمد الله جواد الإسلام الرهان في الجولة، وتعلو حجته كما في اللقاء مع القساوسة في السودان في محرم سنة ١٤٠١ هـ، وحوار أحمد ديدات مع القس المتعصب سويجارت، ففي الأولى أسلم ١٥ قسا وبإسلامهم أسلم ٥٠٠ نصراني، وبالثاني ظهرت مكانة الإسلام وقوة حجته.
- الدعوة لإقامة معبد للأديان في سيناء.
- الدعوة لاجتماع المجمع المسكوني القادم في بيت لحم بالأرض المحتلة عام ٢٠٠٠م.
- إقامة الصلاة في مسجد قرطبة في عام ١٣٩٤هـ ودعي لاحتفال بذلك لتأكيد علاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين: الإسلام والمسيحية.
وقد رد على هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بمقال نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في تلك السنة تحت عنوان: لا أخوة بين المسلمين والكافرين، ولا دين حق غير دين الإسلام.
وقد سبق هذا كما سيتلوه دعوات أخرى تنطلق من نظرتهم في الاستعلاء، وأن الهيمنة يجب أن تتحرك مما بعثوه هم، وحسب تفسيرهم أيضا؛ لكسب الرأي العام في السمعة والمكانة، ويأبون الوصول للحقيقة التي وضحها رسول الله ﷺ في مثل قوله: «نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد» رواه البخاري في صحيحه، ذلك أن دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ شريعة لأمته، هو دين الإسلام الذي جاءت به جميع الأنبياء،
стр. 10028
وعلى جميع الثقلين الانصياع لشريعته الكاملة الناسخة لما قبلها والعامة فيما ينفع الناس بمعاشهم ومصادرهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
فاليهود يريدون خلف هذه الدعوات كسر الطوق الذي فرض عزلتهم في العقيدة؛ لكي يجتمعوا مع المسلمين وقادة المؤسسات الإسلامية بهدف هدم جدار العقيدة، الذي يتحصن المسلمون وراءه شعوبا وجماعات في جهادهم ضد أعدائهم، ذلك أن عزتهم ونصرهم لا يكونان إلا بتوفيق الله، ثم باسم الإسلام عقيدة وعملا، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ (٤٠ ق هـ - ٢٣هـ): " نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومتى ابتغينا العز بغيره أذلنا الله ".
ومن هذا تدرك محاولة أعداء دين الله في كل زمان بما يناسبه، وضع الشراك للمسلمين لتصيد عثرات منهم، في محاولة لصرفهم عن غايتهم التي خلقوا من أجلها، وللمباعدة بينهم وبين عقيدتهم التي رفعهم الله بها؛ ليكونوا خير أمة أخرجت للناس، ذلك أن الخيرية التي قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢)،. لم تكن خاصة لشعب بذاته ولا لطائفة بعينها، ولكن هذا لمن رضي بشريعة الله دينا، واتبع هدي محمد ﷺ وأدى حق ذلك، حسب الوصف لهذه الخيرية، كما توضحه باقي الآية الكريمة: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبانة أهداف اليهود والنصارى ونواياهم ضد الإسلام، وفضح أساليبهم ودعاواهم، وألا يشترك معهم في حوارهم
стр. 10029
وندواتهم، إلا من يؤمن عليه من التأثر والانحراف، ويرجى نفعه وتأثيره في الآخرين، وذلك بالمجادلة الحسنة، والبحوث الوافية الغامضة، والدعوة برفق في توضيح حقائق الإسلام، المقرونة بالوقائع، والمعالجة للأوضاع، وبالأسلوب المقنع المريح، حتى يدركوا حقيقة العقيدة المرتبطة بالله، والتي هي محور العمل الإسلامي.
ذلك أن الآية التي أوضحت خيرية هذه الأمة خاطبت عقول أهل الكتاب بما ينفعهم، عندما تتحرك جذوة الخير في نفوسهم، وتنصاع لأمر الله استجابة ورضا بما شرع لعباده على وجه الأرض، حيث يقول جل وعلا: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٢).
стр. 10030
ودين الإسلام لم ينه عن دعوة هؤلاء، ولا عن إبانة الحقيقة لهم، ولا عن مجادلتهم مع أنهم متحمسون لعقائدهم، متشددون في باطلهم.
بل إن منهج هذا الدين الحرص على الدعوة والتوضيح لكل ذي لب، حتى تقوم الحجة، وتبرأ الذمة، ونعى بالذات على أهل الكتاب في مواضع كثيرة بالرفق واللين وحسن المجادلة، ثم المباهلة عندما يشتدون في باطلهم، ويتجاهلون ما لديهم من حقائق يحاولون طمسها مغالطة، كما قال سبحانه:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
لأن الجدال المتشدد في دين الله مما يورث الهزيمة، ويوقع النفوس في أشد
стр. 10031
ما نهيت عنه، إذ يوردها المهالك، كما قال : ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ (١)، وأداء لحق العهد المأخوذ على من عرف شرع الله بتوضيحه للناس حتى لا يقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من قبل من كتمان الحق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٢). واستجابة لأمر الله وخوفا من وعيده في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٣)؛ فإن من واجب من يشارك في أمثال هذه اللقاءات، عليه أن يكون متصفا بأمور منها: -
١ - العلم فيما يتحدث عنه، والإحاطة بجوانبه حتى لا تنزلق قدمه بعثرة في لسانه، فتحسب غلطة على الأمة الإسلامية، أو تلصق بالدين نفسه، خاصة عند أمثال هؤلاء الذين يعتبرون ما يصدر عن الأشخاص تعبيرا عن شعور الأمة، وانعكاسا للعقيدة.
٢ - الإدراك لما قصدوه في ندواتهم هذه، وما قدموه للملأ من موضوعات؛ لإبانة نظرة الإسلام وتوضيحه للأمور من منطلق المفهوم الإسلامي، حسبما وضح من مصدري التشريع فيه، وفهمه الصفوة الأولى من هذه الأمة، لا من زاوية ادعاءاتهم هم.
٣ - الحلم وضبط النفس: فالمناظرات والمداولات تستدعي الإثارة، ومن يغضب يسيء من حيث أراد الإحسان، أما الحليم فإنه يستجر من يناظره برفق ولين حتى يدرك خفايا نفسه، ثم يسيطر على الموقف لاقتران حلمه بالإدراك والعلم.
стр. 10032
٤ - التواضع ولين الجانب من غير ضعف، وذلك مما يعلي مكانة العلماء، ويحببهم لنفوس الآخرين، مهما كانت الخصومة، ويدعوهم هذا للاستجابة والأخذ عنهم، فقد جاء في الحديث الشريف: «من تواضع لله رفعه (١)» رواه أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري (٢)، فالكبر يغلف النفس برداء الاحتقار والازدراء.
٥ - المثالية في التطبيق؛ لأن ثمرة العلم العمل، وعلم بلا عمل كما قال العلماء: كشجر بلا ثمر. والمثالي يكون قدوة صالحة في نفسه، ونموذجا حيا للاقتداء، ولقد جاء الوعيد الشديد لمن يعمل بخلاف ما يقول، من ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).
على أن يسبق فكرة المشاركة في أي لقاء دراسة جدوى المشاركة، وما يترتب عليها من مصالح، ونوايا المشاركين والداعين والخلفية الفكرية والعقدية عن كل فهم، مع أخذ ذلك بعمق وحيطة، استرشادا بما جاء في كتاب الله من كشف نوايا أهل الكتاب - اليهود والنصارى - في مثل هذه الآيات الكريمات، التي تخاطبهم وتدعوهم إلى الحق، وتبين لهم ما وقعوا فيه من العيوب والأخطاء، وتدعوهم إلى كلمة سواء: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٦) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٨) ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٩).
стр. 10033
إذ مهمة من يتحدث باسم الإسلام في لقاء خطير كهذا، أن ينطلق من عقيدة الإسلام فكرا وعملا واعتقادا، حتى يحقق الثمرة المرجوة منه.
ولعلنا لو رجعنا إلى دقائق التقارير، والأخبار المرصودة عن تلك الدعوات الموجهة عنوة للمسلمين، وتابعها الغيورون من المسلمين، فإننا سوف نراها تسير في خط مغاير للإسلام هدفا وتشريعا وفكرا للأسباب التالية: -
١ - يعتبرون هنري دومونث مؤسس الصليب الأحمر رمز الإحسان، ودارون صاحب نظرية التطور والارتقاء، والذي يرى أن الإنسان أصله قرد، رمزا للتطور، وكارل ماركس مؤسس الاشتراكية الشيوعية رمز المساواة.
وهؤلاء كلهم يهود الانتماء، ومعلومة أفكارهم ومبادئهم، فهم يعتبرونهم من رموز الإنسانية.
٢ - يرون أن كل الأديان بمستوى واحد ويعدون منها اليهودية والنصرانية والإسلام وكذلك البوذية وأيضا الماسونية والمؤمنون الأحرار بإله واحد في النصارى.
٣ - يضعون صلاة مشتركة اخترعوها من أنفسهم بصفتها ووقتها يمارسها من ينتمي إلى دعواتهم، أسموها صلاة روح القدس، وكذلك نشيدا يردده الجميع أسموه نشيد الإله الواحد: رب وأب.
٤ - اللوائح التي وضعوها داخلية، تسعى لإذابة الفوارق الدينية، ومسخ الشخصية، ويهدفون من ذلك بالدرجة الأولى الشخصية الإسلامية.
стр. 10034
٥ - يعتبرون يوم صلاة البابا في أسيس ٢٧ أكتوبر عيدا لكل الأديان، ويوم أول يناير هو يوم التآخي.
٦ - أما شعارهم فيتثمل في راية عليها شعار الأمم المتحدة وقوس قزح وإشارة (٧) رمز النصر، وهو اسم أول سفينة اكتشفت القارة الأمريكية، وحملت رسالة النصرانية إلى تلك البلاد.
وكل هذه تختلف شكلا ومضمونا عن المعتقد الإسلامي، وتعمق جذورا ينهى عنها الإسلام، وقد نهانا رسول الله ﷺ عن التشبه بأعمال وأفعال المناوئين لشرع الله. . وهذا مما يجب أن يدركه المشارك لهم في اللقاء؛ ليرفضه أو يطلب استبداله في مدخله معهم للحوار كشرط أولي؛ لإشعارهم بفهم المشارك واعتزازه بدينه.
أما غير المعلن من النوايا، فهو ما يهدف دعاة هذه المبادئ من ورائه إلى زعزعة الإسلام من النفوس، ومحاولة تقويض دعائمه لتثبيط الهمم عنه خوفا وحسدا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) خاصة بعد أن أحسوا بعودة جديدة من المسلمين ولا سيما الشباب لدينهم، ورغبة من بعض المفكرين الغربيين الانتماء للإسلام عقيدة أو فكرا أو دراسة.
إن وحدة الأديان التي يدعون إليها ليست جديدة، وإن تغيرت مسمياتها بما يحاول به دعاتها الخداع والمراوغة، ولعل هذا مما يتضح لنا من استقراء الحوار الفكري في القرآن، ومجادلة أهل الكتاب مع رسول الله ﷺ ، وإن أخذت التسمية الجديدة نمطا خاصا فهي في جوهرها تلتقي مع الأصل في الهدف والغاية، كما مر في الآيات السابقة قولهم: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (٢) إن مشاركة المسلمين في أمثال هذه اللقاءات يجب أن ينطلق من العقيدة الإيمانية والحجة الداحضة، والفهم العميق لما يراد
стр. 10035
الدخول فيه، مع النية الصادقة. . وأن تكون الدعوة إلى كلمة سواء، أبانها الله لرسوله ﷺ في دعوة أهل الكتاب للحق بقوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١).
- وأن نربطهم بعقيدة التوحيد بالله ربا واحدا لا شريك له وأن محمدا عبد الله ورسوله، فلا تفريق في شرع الله، ولا تفريق بين رسل الله، إذ الإيمان كل لا يتجزأ: بالله، وبملائكته، وبرسله، وبكتبه، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فندعوهم إلى حقيقة الإيمان، وإلى البراءة مما يخالف أمر الله، وشرعه الذي شرع.
- نشعرهم أن منطلقنا اليوم هو منطلقنا بالأمس حيث اقتفى أسلافنا أثر رسول الله ﷺ واتبعوا ما جاءهم به، وعندما دخل أهل الكتاب مع رسول الله ﷺ قبل خمسة عشر قرنا من الباب الذي فتحوه اليوم على نطاق أوسع، وبأساليب أخبث؛ لاحتواء الديانات كلها ومنها الإسلام، ومحاولة جعل الهيمنة لهم قياديا وفكريا وعقديا، في تشريع استبدلوه بشرع الله.
- فمهمتنا في أي لقاء أن ندعوهم إلى هدف أسمى، وغاية كبيرة لم تكن من وضع البشر أو مغلفة بمطامع شخصية ونوايا مبيتة نريد أن ندعوهم إلى شيء أراده الله للإنسانية جمعاء، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، وفيه سعادة من اتبعه في الدنيا والآخرة، وشقاوة من عاند وابتعد عنه الأبدية.
إنها دعوة لاتفاق المقصد في العقيدة والعمل، وتحكيم شرع الله
стр. 10036
الذي شرع لعباده، وفق ما أمر الله، وحسبما بلغ به رسوله الأمين ﷺ ، وجاء على لسان جميع الأنبياء قبله.
- نوضح لهم أننا أقرب إلى إبراهيم الخليل منهم؛ لأنه كان حنيفا مسلما، وشريعة محمد ﷺ هي الإسلام الحنيف، وإبراهيم هو سمى محمدا وأصحابه من قبل بالمسلمين، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
وإبراهيم ﵇ الذي يدعون الانتماء إليه نسبا هم مخالفون له عقيدة وعملا كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
وقد أبان الله عن تعلقهم الواهي بإبراهيم، مع مخالفتهم له فيما سار عليه هو والأنبياء من بعده بقوله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣).
ومع ادعاءاتهم قديما وحديثا بأحقيتهم في إبراهيم فهم بعيدون عنه، مباينون لمنهجه، وهذه الأمة الإسلامية هي أولى منهم بإبراهيم كما قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
стр. 10037
ونعرفهم بالحنيفية الصحيحة التي نعتقدها، وهي ملة إبراهيم، فهو لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، وحقيقتها الاتجاه إلى الله بالقلب، وتصديق ذلك بالعمل، فهو واحد أحد فرد صمد لا شريك له، ولا مثيل له ولا نظير كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
فمهمة من يشارك تبيين الحقائق، وتوضيح العقيدة الصحيحة، في مواطن الخلاف برفق ولين وأسلوب مقنع ومباهلتهم بالإذعان للحق، إذا استبان طريق الرشد، وعدم المعاندة، والتعصب الأعمى، كما باهل رسول الله ﷺ نصارى نجران، فرفضوا خوفا من أن يحيق بهم عملهم، ويمحقهم عنادهم، حيث أوضحت ذلك الآية الكريمة في سورة آل عمران:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٢).
وأوضح ما دار في الموقف ابن كثير في تفسيره والطبري وغيرهما.
- أما إذا رفضوا الانصياع للحق بعد عرضه، واستمروا في دعاواهم وعصبياتهم الباطلة، وتراءى من كل ذلك الإصرار على جذب المسلمين لمصائدهم، وأن خلف هذه الدعاوى أمر مبيت كما يتضح من ظواهر التقارير والأخبار المرصودة، وكما سوف يبرز من مجريات اللقاءات، فيجب عدم الاستمرار في المشاركة ضمن هذه اللقاءات؛ لعدم صدق النوايا لأن المقاطعة رد عملي على جميع ادعاءاتهم الظاهرة والخفية، ويجب أن نشهدهم على تمسكنا بديننا، والتبرؤ مما يدعون إليه؛ لأنها دعوة باللسان، موجهة إعلاميا، سيئة النوايا نحو
стр. 10038
الإسلام وأهله، ونبتعد عن دعواتهم هذه، ونقول كما أمر الله ورسوله الكريم من قبل: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (٢) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ (٣) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (٤) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٥).
ثم يبقى دور المسلمين كتابا ومفكرين في توضيح تلك النوايا للناس، عبر الصحافة الإسلامية والإعلام الهادئ الرصين، وتفنيد الفكرة والهدف، وتكريس الغاية لذلك؛ لأن هذا العمل يجب أن يكون حمية لله، ودفاعا عن دينه الحق، حتى لا يغتر بذلك الأسلوب من لا قدرة لديه على التمييز، وحتى يعرف الباحثون عن الحقيقة عندهم بيقظتهم الفكرية، ما تحت الدعوة المغلفة فيبحثون لهم عن طرق تعينهم على فهم الحقيقة وتباعدهم عن هذه الدعوات، إنها لأمانة يجب أن تراعى، وغاية يجب أن تدرك، وسموم يجب التحذير من أخطارها. . . . والله الهادي سواء السبيل.
د / محمد بن سعد الشويعر
стр. 10039
الإعجاز البياني للقرآن الكريم
أركانه ومظاهره
الدكتور: حسين مطاوع الترتوري
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين الذي أنزل القرآن على رسوله الأمين بلسان عربي مبين، وبين فيه ما يحقق سعادة الناس في الدارين، وهو المعجزة الكبرى للرسول ﵊، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا، وبعد:
فإن موضوع علم أصول الفقه: الأدلة الكلية الموصلة إلى الفقه وأقسام هذه الأدلة ومراتبها وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها.
وأول هذه الأدلة الكلية وأهمها القرآن الكريم، وهو حجة على الناس وأحكامه واجبة الاتباع، وذلك؛ لأنه من عند الله سبحانه.
والدليل على أن القرآن من عند الله لا من عند البشر إعجازه لهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه.
ومن هنا كان مبحث إعجاز القرآن من أشرف المباحث وأجلها، وهو إلى جانب ذلك موضوع يشترك في بحثه علماء الأصول باعتبار أن القرآن أحد الأدلة الكلية بل هو أهمها كما قدمت، ويشترك في بحثه علماء اللغة؛ لأن
стр. 10040
القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣) فهم القادرون على اكتشاف رفعة أسلوبه وتميزه على سائر كلام العرب وعلو شأنه وعظمته، وكذا فإن مبحث الإعجاز يعتبر من مباحث علوم القرآن ويدخل من جانب آخر في مباحث العقيدة.
وقد استعنت بالله على الكتابة في إعجاز القرآن هذا البحث وسميته: الإعجاز البياني للقرآن الكريم، أركانه ومظاهره.
وأما هدف هذه الدراسة فهو بيان أركان الإعجاز البياني ووجوه هذا الإعجاز ومظاهره، وإبطال القول بمذهب الصرفة الذي قال به النظام المعتزلي.
стр. 10041
أولا
أركان الإعجاز البياني للقرآن الكريم وهي ثلاثة
الأول: التحدي: وهو طلب المبارزة والمنازلة والمعارضة.
بعث الله محمدا ﷺ رسولا إلى العرب وأعطاه آية وبرهانا على صدقه، القرآن الكريم وقال لهم: إن هذا القرآن من عند الله، فلما كذبه العرب، تحداهم وكان ذلك على عدة مراحل:
تحداهم أن يأتوا بقرآن مثله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٢) ولكن أنى لهم أن يأتوا بمثله وهو كلام الله المنزه عن كل ما يشوب كلام البشر من نقص، لم يستجب العرب لهذا التحدي، وبعدها تحداهم الله أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) ولم يستجيبوا فتحداهم أن يأتوا بسورة فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٦).
стр. 10042
ومع كل ما سبق من التحدي فلم يأتوا بقرآن مثله ولا بعشر سور مثله ولا بسورة مثله أو من مثله، وعندها آمن من شاء الله له الهداية وكفر من أصر على عناده، وهذا الصنف الأخير بدلا من أن يستجيب للتحدي مع يقينهم بالعجز لجأوا إلى أسلوب العاجز المكابر، فوصفهم الله بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (١).
لذا سجل القرآن عجز الإنس والجن مهما أوتوا من قوة وبذلوا من جهد، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢)
стр. 10043
الثاني: وجود المقتضي عند المتحدى لمواجهة التحدي
أما وجود المقتضي فإن محمدا ﷺ دعاهم إلى توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وهذا ما جعلهم يقفون في وجه دعوته، خاصة زعماء قريش؛ لأنهم عرفوا أن دعوة الرسول ﷺ تقضي على امتيازاتهم القبلية ومواقعهم الاجتماعية وتجعل الولاء والتوجه لله وحده، وهذا يفقدهم زعامتهم التي بنيت على اعتبارات جاهلية لم يقرها الإسلام ونفاها، وجعل الميزان الذي يوزن به الناس التقوى، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١).
وقد كان العرب يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فعاب عليهم القرآن فعلتهم هذه وسفه أحلامهم؛ لأن العاقل السوي لا يعبد صنما ينحته بيده أو يصنعه من تمر إذا جاع أكله، بل أكثر من لك فقد سجل القرآن أن كل من وقف في وجه الدعوة عنادا وكفرا أضل من الأنعام وكالدواب
стр. 10044
والكلاب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).
ومن هنا كانت حاجتهم ماسة وحرصهم شديدا على أن يأتوا ولو بسورة من مثله؛ ليبطلوا حجة محمد ﷺ بأن القرآن من عند الله ويثبتوا أن مسلكهم في العبادات وفي كل حياتهم صحيح، وأن ما وصفهم به القرآن بأنهم كالأنعام والدواب والكلاب وغير ذلك إنما هو باطل، لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
يقول الرافعي في وقفة له عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (٥) " تأمل نظم الآية تجد عجبا، فقد بالغ في اهتياجهم واستفزازهم؛ ليثبت أن القدرة فيهم على المعارضة كقدرة الميت على أعمال الحياة لن تكون ولن تقع، فقال لهم: " ولن تفعلوا " أي هذا منكم فوق القدرة وفوق الحيلة وفوق الاستعانة وفوق الزمن، ثم جعلهم وقودا ثم قرنهم إلى الحجارة ثم سماهم كافرين، فلو أن فيهم قوة بعد لك لانفجرت ولكن الرماد غير النار " (٦)
стр. 10045
الثالث: انتفاء المانع عند المتحدى من قبول التحدي
وذلك من ثلاثة وجوه (١).
стр. 10046
الأول: من الناحية اللفظية.
الثاني: من الناحية المعنوية.
الثالث: من الناحية الزمنية.
أما من الناحية اللفظية، فإن العرب كانوا أهل فصاحة وبيان شهد لهم بذلك أشعارهم وخطبهم وأمثالهم ومقدرتهم على النقد وتمييز الغث من السمين، وكانوا قد برعوا في اللغة ووصلوا إلى مستوى رفيع، وقد وصفهم الرافعي بقوله: " كالعرب أصحاب الفطرة اللغوية والحسن البياني الذين صرفوا اللغة وشققوا أبنيتها وهذبوا حواشيها وجمعوا أطرافها واستنبطوا محاسنها ".
وقد كان العرب على مستوى رفيع من البلاغة والنقد والذوق البياني، خذ مثلا على ذلك، أنه عرض على الخنساء بيتان من الشعر لحسان بن ثابت في سوق عكاظ وهي قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خال وأكرم بنا ابنما
١ - فقالت الخنساء: " ضعفت افتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع. قال: وكيف؟ قالت: قلت: " لنا الجفنات " والجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، ولو قلت الجفان لكان أكثر. وقلت: "الغر " والغرة الباقي في الجبهة، ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعا. وقلت: " يلمعن " واللمع شيء يأتي بعد الشيء ولو قلت: يشرقن لكان أكثر؛ لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت: " بالضحى " ولو قلت بالعشية لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقا. وقلت: " أسيافنا " والأسياف دون العشر. ولو قلت سيوفنا كان أكثر. وقلت: " يقطرن " فدللت على قلة القتل، ولو قلت يجرين لكان أكثر لانصباب الدم، وقلت دما والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك ".
стр. 10047
وقوم حالهم كما وصفت لك لم يكن عندهم مانع من الإتيان بمثل القرآن الذي نزل بلغتهم إلا العجز، وهذا دليل على أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو كلام الله جلت قدرته.
وأما من الناحية المعنوية فإن العرب كانوا على مستوى من رجاحة العقل والفطنة والذكاء بحيث يستطيعون الإتيان بمثل القرآن لو كان من كلام البشر، وقصة الخنساء في نقد شعر حسان خير شاهد لما نقول، لكن أنى لهم وهو كلام الله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١).
وأما من الناحية الزمنية فإن القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة وبقي التحدي قائما، ولو نزل القرآن دفعة واحدة لاعتذروا بأن الوقت قصير، ولطلبوا من النبي ﷺ أن يمهلهم، لكن الوقت طويل ولم يكن لديهم مانع إلا شعورهم بالعجز.
стр. 10048
ثانيا:
مظاهر الإعجاز البياني للقرآن الكريم
وهي سبعة:
الأول: الخصائص العامة للأسلوب القرآني .
الثاني: ضرب الأمثال في القرآن الكريم.
الثالث: الإيجاز في القرآن الكريم.
الرابع: التكرار في القرآن الكريم.
الخامس: الكلمة القرآنية.
السادس: الجملة القرآنية.
السابع: الفاصلة القرآنية.
стр. 10049
الأول
الخصائص العامة للأسلوب القرآني
٢ - القرآن الكريم يجري على نسق غاية في البلاغة والفصاحة، خارج عن المألوف من نظام جميع كلام العرب، فله أسلوب يختص به ويميزه عن سائر الكلام، فلا هو بالشعر ولا بالنثر، لكنك لو قرأت بعض آياته شعرت بالنسق العجيب بينها، وكذا بين الكلمات، وحتى بين الحروف، فتجد تناسقا عجيبا بين الرخو والشديد والمجهور والمهموس والانفتاح والإطباق. . الخ، بحيث إذا قرأت القرآن شعرت بتأثير شديد في نفسك (١) استمع إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٣).
١ - يمتاز القرآن باتساق عباراته وبلاغتها وبديع نظمه على كثرة سوره وطولها وقصرها، من غير أن تختل هذه المزية فيه بخلاف كلام العرب؛ فإنك لا تجد لحكيم ولا لشاعر أو فصيح كلاما بطول القرآن وعلو شأنه، بل قد يبدع أحدهم في بعض قوله ويخفق في آخر، بل قد يناقض نفسه، أما القرآن فهو كما وصفه الله:
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤).
٣ - الناظر في القرآن يجد فيه القصص والمواعظ، والاحتجاج، والحكم والأحكام، والوعد والوعيد، والتبشير والتخويف، ومع ذلك فهو غاية في الفصاحة وبديع النظم بخلاف كلام البشر من نثر أو شعر، فقد يجيد أحد الشعراء في المدح دون الهجاء أو التأبين دون التقريظ أو
стр. 10050
الوصف دون الغزل، أو عكس ذلك، لكنك لا ترى شاعرا ولا ناثرا يجيد كل ما سبق من الأساليب بنفس القوة. ولذلك ضرب العرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب (١).
٤ - إن معاني القرآن مصوغة بشكل محكم بديع تصلح لأن يخاطب بها الناس على اختلاف بيئاتهم وتفاوتهم في الثقافة والعلوم بحيث تؤدي الغرض الذي سيقت من أجله، فيتأثر كل سامع لها ويفهم منها مقصدها على اختلاف ثقافة السامعين وعقولهم، استمع معي إلى قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ (٢)، فالعرب في زمن الرسول ﵊ فهموا من هذه الآية على قلة علومهم، دليلا على قدرة الله سبحانه، وهو أنه خلق الشمس والقمر يبعثان بالضياء إلى الأرض، وقد غاير الله سبحانه في التعبير بالنسبة لكل منهما تنويعا للفظ، وهذا معنى صحيح تدل عليه الآية، وأما عالم اللغة فيفهم أن الآية سيقت للدلالة على قدرة الله وسمى الله الشمس سراجا؛ لأنها تجمع إلى النور الحرارة، وسمى القمر منيرا؛ لأنه يبعث بضياء دون حرارة، وهذا المعنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة، وأما علماء الفلك في هذه الأيام فقالوا: نعم الآية مسوقة للدلالة على قدرة الله، لكن الله سبحانه غاير بين وصف الشمس وبين وصف القمر، فسمى القمر منيرا لا مضيئا؛ لأنه جسم مظلم يعكس ما يسقط عليه من ضوء الشمس. وهذا صحيح لغة؛ فإننا نقول غرفة منيرة إذا انعكس عليها الضوء من مصباح في وسطها، أما الشمس فإن الحرارة والضوء ينبعثان منها فناسب تسميتها سراجا