وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، في ذكر المنام الطويل عن النبي ﷺ : «ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه، فجاءته أفراطه الصغار فثقلوا ميزانه (١)».
وعن داود بن أبي هند (٢). قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يدعون للحساب فقدمت إلى الميزان، فوضعت حسناتي في كفة وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فبينا أنا كذلك مغموم، إذ أتيت بشيء كالمنديل أو كالخرقة البيضاء، فوضعت في حسناتي (فرجحت على السيئات) (٣) فقيل لي: تدري ما هذا؟ قلت: لا. قال: سقط كان لك. قلت: إنه قد كانت لي صبية ابنة لي. فقيل لي: تيك ليست لك؛ لأنك كنت تتمنى موتها (٤).
وفي (١٨٧ / أ) هذا إشارة إلى أن الميزان إنما يثقل بما يثقل على النفوس: من المصائب ويشق، فأما ما لا يثقل عليها ولا يشق لمن يتمنى موته من أولاده فلا يثقل به الميزان.
قال ابن أسلم (٥): «مات ابن لداود ﵇ فحزن عليه حزنا شديدا. فأوحى الله (إليه) (٦): ماذا كنت مفتديه؟ قال: بطلاع (٧) الأرض ذهبا. قال: فأوحى الله إليه: إن لك عندي من الأجر بحساب
стр. 9977
ذلك». وفي رواية «قال: يا داود ما كان يعدل هذا الولد عندك؟ قال: كان يعدل عندي ملء الأرض ذهبا. قال: فلك يوم القيامة عندي ملء الأرض ثوابا (١). سبحان من لا يحصي العباد نعمه. وربما كانت نعمه فيما يسوء أكثر من نعمه فيما يسر كما قيل: شعر». .
إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما فيهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر
لما كان للمؤمن داران: دار يرتحل منها، ودار ينتقل إليها ويقيم بها أمره أن ينقل من دار ارتحاله إلى دار إقامته؛ ليعمرها من بعض ما أعطاه في دار ترحاله.
وربما أخذ منه كرها ما يعمر به دار إقامته، ويكمل له به عمارتها وإصلاحها، ويقدم له إليها ما يحب من أهل ومال وولد، يسبقونه إليها؛ ليقدم على ما يحب من مال وأهل وولد، وإن كان المؤمن (١٨٧ / ب) لا يشعر بذلك.
فما فرق إلا ليجمع، ولا أخذ إلا ليرد، ولا سلب (إلا) (٢) ليهب، ولا استرد العواري إلا ليردها تمليكا ثابتا لا استرجاع فيه بعد ذلك!!
وفي مراسيل الحسن، «أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لأن أموت قبل أخي أحب إلى. فقال: لأن يكون لك أحب إليك من أن تكون له (٣)».
قال الحسن: علموا أن ما لهم من أهاليهم (إلا) (٤). ما قدموا
стр. 9978
أمامهم (١). وكذا قال عمر بن عبد العزيز (٢) وغيره. ويشهد له حديث: «الرقوب من لم يقدم ولدا (٤)».
سبحان من أنعم على عباده بما خولهم من المال والولد، ثم استرجع بعض ذلك منهم كرها، وعوضهم الصلاة والرحمة والهدى وذلك أفضل مما أخذ كما قيل: شعر. . . . .
عطيته إذا أعطى سرورا ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أجل قدرا ... وأحمد في عواقبها مآبا (٥)
أرحمته التي جاءت بكره ... أم الأخرى التي جلبت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بضر ... أجل لفقد من صبر احتسابا
آخره، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا (٦).
الوليد بن عبد الرحمن الفريان
стр. 9979
التدابير الزجرية والوقاية
في التشريع الإسلامي
وتطبيقها
الشيخ: إسماعيل بن محمد الأنصاري
أوضحت الشريعة الإسلامية المحرمات ومنعت منها منعا يثير في النفوس شدة الخوف من الإقدام عليها، واتخذت للزجر عنها وللوقاية من أضرارها التدابير التالية: -
(١) سد باب الوسائل والذرائع المفضية إلى ارتكاب تلك المحرمات بتحريم تلك الوسائل والنهي عنها ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرم تلك الطرق والوسائل ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه، إذ لو أباح الوسائل والذرائع المفضية إلى المحرم كان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به، وذلك يأباه علمه تعالى وحكمته كل الإباء، كما أوضحه الإمام ابن القيم في (ج٣ "إعلام الموقعين" ص ١٣ ط مكتبة الكليات الأزهرية) وأتبع لك قوله: " بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه عد متناقضا، وحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة؟ التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال.
ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها " وذكر ابن القيم في صفحة ١٥٩ أن سد الذرائع
стр. 9980
هو أحد أرباع التكليف، وأوضح ذلك بقوله ﵀: " فإنه - أي التكليف - أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: أحدهما ما يكون النهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين ". وقد ذكر شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في "إقامة الدليل على إبطال التحليل ج / ٣ من الفتاوى المصرية، ص / ١٤٠ " أن شواهد قاعدة سد باب الذرائع المفضية إلى المحرمات أكثر من أن تحصر، وسرد منها ثلاثين شاهدا، قال صفحة ١٤٥ بعد سردها: " لم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه، أو منصوص عليه، أو مأثور عن الصدر الأول ". وذكر تلميذه العلامة شمس الدين ابن القيم في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" منها تسعة وتسعين شاهدا منها نهي الشارع عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة، وإن ظلموا أو جاروا ما أقاموا الصلاة؛ سدا لذريعة الفساد والشر الكثير الذي يحصل بقتالهم، وذكر أنه قد حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما هم عليه. قال ابن القيم " والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن ".
стр. 9981
(٢) إيجاب الكفارة على مرتكب ما يوجبها قال ابن القيم في (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص ١٥٣ ط مطبعة أمين عبد الرحمن، شارع محمد علي بمصر): " شرع الكفارات في ثلاثة أنواع: أحدها ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه فباشره في الحالة التي عرض فيها التحريم كالوطء في الإحرام والصيام، وطرده الوطء في الحيض والنفاس بخلاف الوطء في الدبر. ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض لا يصح؛ فإنه لا يباح في وقت دون وقت فهو بمنزلة التلوط وشرب المسكر.
النوع الثاني: ما عقد لله من نذر أو ما لله من يمين أو حرمة الله، ثم أراد حله فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها تحلة، وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الإثم بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء؛
стр. 9982
فإن الحنث قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، وقد يكون مباحا، وإنما الكفارة حل لما عقده.
النوع الثالث: ما تكون فيه جابرة لما فات ككفارة قتل الخطأ وإن لم يكن هناك إثم وكفارة قتل صيد الخطأ، فإن ذلك من باب الجوابر، والنوع الأول من باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما صنعه العقد ". ذكر ابن القيم هذا ثم قال: " لا يجتمع الحد والكفارة في معصية بل كل معصية فيها حد فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد عليه ". وذكر من النوع الذي تجب فيه الكفارة الظهار.
стр. 9983
(٣) عقوبات مقدرة من الشارع على بعض الجرائم كالجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقتل والجراح والقذف والسرقة، وتعرف هذه العقوبات باسم الحد، قال الإمام ابن القيم في كلامه على عقوبات تلك الجنايات في (إعلام الموقعين ج ٢ ص ١١٤): " أحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان والقتل ولا في الزنا الخصاء ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله؛ لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه فلا يطمع في استلاب غيره حقه، قال: ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير العظيم، فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من
стр. 9984
الجناية جنسا ووصفا وقدرا لذهبت بهم الآراء كل مذهب وتشعبت بهم الطرق كل مشعب ولعظم الاختلاف واشتد الخطب، فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنة ذلك وأزال عنهم كلفته وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعا وقدرا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النكال، ثم بلغ من سعة رحمته وجوده أن جعل تلك العقوبات كفارات لأهلها وطهرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة، فرحمهم بهذه العقوبات أنواعا من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أحوال: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، وتغريم مال وتعزير ".
ثم بين ابن القيم حكمة كل عقوبة من تلك العقوبات التي رتبتها الشريعة على كل جناية من تلك الجنايات،
стр. 9985
وذكر أن الجناية على الدين والطعن فيه والارتداد عنه من الجرائم التي توجب القتل، وقال فيها: " هذه الجناية أولى بالقتل وكف عداون الجاني عليه من كل عقوبة إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم، ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة، فإذا حبس شره وأمسك لسانه وكف أذاه والتزم الذل والصغار وجريان أحكام الله ورسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضرر عليهم، والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين ".
كما استوفى ابن القيم الكلام على جريمة الزنا، وبيان الحكمة فيما رتبه الشرع عليها من العقاب.
стр. 9986
ومما له صلة بوجوه الزجر الرادعة عنه ما ذكره العلامة القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون المالكي في كتابه (تبصرة الحكام بمناهج الأقضية وأصول الأحكام " ج ٢ بهامش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك لأبي عبد الله محمد عليش ص ١٢١ - ١٢٣) ذكر أن ل ما شرع من الأحكام للسياسة والزجر ستة أصناف وبينها بقوله:
١ - الصنف الأول شرع لصيانة الوجود كالقصاص في النفوس والأطراف، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). معناه أن القصاص الذي كتبته عليكم إذا أقيم ازدجر الناس عن القتل، قال ابن الفرس في أحكام القرآن: في هذه الآية الكريمة تنبيه على الحكمة في شرع القصاص وإبانة الغرض منه. وقال قتادة: جعل الله تعالى هذا القصاص حياة ونكالا وعظة لأهل الجهل، فكم رجل هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن القصاص حجز بعضهم عن بعض، وخص أولي الألباب وإن كان الخطاب عاما؛ لأنهم أصحاب العقول الذين ينظرون في العواقب، ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) يعني الدماء. وأما القصاص في الأطراف فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣).
стр. 9987
الآية؛ ليزدجر الناس عن الإقدام على شيء من ذلك.
ومن ذلك قتال الخوارج والمحاربين والكفار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (١). الآية، وفي قتال الكفار زيادة معنى، وهو إعلاء كلمة الحق ومحو الشرك به.
стр. 9988
٢ - الصنف الثاني من الأحكام شرع لحفظ الأنساب كحد الزنا قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وبينت السنة حكم التغريب وحد الزاني الثيب.
стр. 9989
٣ - الصنف الثالث من الأحكام شرع لصيانة الأعراض ؛ لأن صيانتها من أكبر الأغراض، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١). وألحق الشرع بذلك التعزير على السب والأذى بالقول على حسب اجتهاد الإمام في ذلك.
стр. 9990
٤ - الصنف الرابع من الأحكام شرع لصيانة الأموال كحد السرقة وحد الحرابة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ويلتحق بذلك تعزير الغصاب ونحوهم.
стр. 9991
٥ - الصنف الخامس من الأحكام شرع لحفظ العقل كحد الخمر، وقد نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (١) إلى قوله:
стр. 9992
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (١) ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢). ووردت السنة بحد الشارب.
стр. 9993
٦ - الصنف السادس من الأحكام شرع للردع والتعزير نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) إلى قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (٢) أي: ليذوق جزاء فعله، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٤) ثم شرع كفارة ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (٦) وقوله تعالى:: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (٧) الآية، وقصة الثلاثة الذين خلفوا، وغير ذلك مما ورد به القرآن العظيم وأطال ابن فرحون بعد هذا في إيراد ما ورد في باب الردع والتعزير من السنة وما جاء فيه عن الصحابة ﵃.
ذكر ابن فرحون جميع ذلك في فصل عقده للدلالة على مشروعية السياسة العادلة من الكتاب والسنة بعد أن قال: " السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشرع يحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم، وتدفع كثيرا من المظالم، وتردع أهل الفساد، ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية، فالشريعة توجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها، وهي باب واسع تضل فيه الأفهام وتزل فيه الأقدام، وإهماله يضيع الحقوق ويعطل الحدود ويجرئ أهل الفساد ويعين أهل العناد، والتوسع فيه يفتح أبواب المظالم الشنيعة ويوجب
стр. 9994
سفك الدماء وأخذ الأموال بغير الشريعة، ولهذا سلكت فيه طائفة مسلك التفريط المذموم فقطعوا النظر عن هذا الباب إلا فيما قل، ظنا منهم أن تعاطي ذلك مخالفة للقواعد الشرعية فسدوا من طرق الحق سبيلا واضحة، وعدلوا إلى طريق للعناد فاضحة؛ لأن في إنكار السياسة الشرعية والنصوص الشريفة تغليطا للخلفاء الراشدين، وطائفة سلكت في هذا الباب مسلك الإفراط فتعدوا حدود الله تعالى، وخرجوا عن قانون الشرع إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة - أي غير الشرعية - وتوهموا أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة، وهو جهل وغلط فاحش، فقد قال عز من قائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فدخل في هذا جميع مصالح العباد الدينية والدنيوية على وجه الكمال، وقال ﷺ : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا؛ كتاب الله وسنتي (٢)». وطائفة توسطت وسلكت فيه مسلك الحق وجمعوا بين السياسة والشرع فقمعوا الباطل ودحضوه، ونصبوا الشرع ونصروه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ". اهـ.
стр. 9995
هذا ومما يجب للتنبه له أن الدافع إلى ارتكاب الجريمة في بعض الأحيان قد يكون عذرا، فلا توقع العقوبة لمرتكبيه لدلالة ذلك الدافع على أن الارتكاب ليس بخبث الطوية وإثارة الفوضى، ومن أدلة ذلك:
(١) ما رواه البيهقي في باب من زنى بامرأة مستكرهة من " السنن الكبرى " ج ٨ قال: " أخبرني أبو القاسم زيد بن جعفر بن محمد العلوي بالكوفة وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي بنيسابور، قالا: أنبأنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، ثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، أنبأنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أتى عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة جهدها العطش فمرت على راع فاستسقت،
стр. 9996
فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فتشاور الناس في رجمها، فقال علي ﵁: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها. ففعل ". قال ابن القيم في (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ٤٨ مطبعة الاتحاد الشرقي) قلت: " والعمل على هذا لو اضطرت المرأة إلى طعام أو شراب عند رجل فمنعها إلا بنفسها وخافت الهلاك فمكنته من نفسها فلا حد عليها ". ثم قال ابن القيم: " فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحالة أن تمكن من نفسها؟ أم يجب عليها أن تصبر ولو ماتت؟ قلت: هذه حكمها حكم المكرهة على الزنا التي يقال لها: إن مكنت من نفسك وإلا قتلتك، والمكرهة لا حد عليها ولها أن تفتدي من القتل بذلك، ولو صبرت لكان أفضل لها، ولا يجب عليها أن تمكن من نفسها، كما لا يجب على المكره على الكفر أن يتلفظ به، وإن صبر حتى قتل لم يكن آثما، فالمكرهة على الفاحشة أولى.
٢ - ما رواه السعدي، قال: حدثنا هارون بن إسماعيل الخراز، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حسان بن زاهر أن ابن حدير حدثه عن عمر قال: (لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة). قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العذق النخلة وعام سنة المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: أي لعمري. قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة. قال: قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب.
ثنا أبو النعمان عارم، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن ابن حاطب (أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم ردهم عمر، ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم، وايم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال:
стр. 9997
يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة. قال عمر: اذهب فأعطه ثمانمائة).
وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفعلين جميعا. ففي مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمر من أكمامه، فقال: فيه الثمن مرتين وضرب نكالا. وقال: وكل من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا عليه الغرم. وقد وافق أحمد على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي، وهذا محض القياس ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجانا، على خلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجانا لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء بل إذا وازنت بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة كالماء وشبهة القطع به مرة وشبهة دعوى ملكه بلا بينة وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيما وهو مأذون في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه فدرئ، نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع ". كلام ابن القيم في (إعلام الموقعين عن رب العالمين ج ٣ ص ١٠ - ١٢ مكتبة الكليات الأزهرية).
стр. 9998
٣ - عقوبات غير مقدرة من الشارع، وإنما يعرض الأمر فيها إلى ولي الأمر ، وتعرف هذه العقوبات باسم التعزير، وهو مشروع في كل معصية ليس فيها
стр. 9999
حد ولا كفارة باتفاق العلماء، قال الإمام ابن القيم في (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ١٠٦ مطبعة الإتحاد الشرقي) وهي: " أي تلك المعصية نوعان: -
ترك واجب، أو فعل محرم، فمن ترك الواجب مع القدرة عليه كقضاء الديون وأداء الأمانات من الوكالات والودائع وأموال اليتامى، والوقوف والأموال السلطانية، ورد المغصوب والمظالم، فإنه يعاقب حتى يؤديها.
وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق وجب عليها مثل من يقطع الطريق ويلتجئ إلى من يمنعه ويذب عنه، فهذا يعاقب حتى يحضره، فما وجب إحضاره من النفوس أو الأموال استحق الممتنع من إحضاره العقوبة، أما إذا كان إحضاره إلى من يظلمه أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق فهذا لا يجب بل لا يجوز؛ فإن الإعانة على الظلم ظلم ".
وعد ابن القيم في موضع آخر من (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) سرقة ما لا قطع فيه والنظر إلى الأجنبية من المعاصي التي يستحق صاحبها التعزير، كما ذكر أن اليمين الغموس منها عند أحمد وداود كما مثل في (إعلام الموقعين عن رب العالمين ج ٢ ص ١١٨ مكتبة الكليات الأزهرية) " بوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وقبلة الأجنبية والخلوة بها ودخول الحمام بغير مئزر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير " وأفاد شيخ الإسلام ابن تيمية في (إقامة الدليل على بطلان التحليل) ص ١٤٤ ج ٣ من الفتاوى المصرية) أن في ارتكاب ما لا تتقاضاه الطباع من المعاصي التعزير ونصه: " لم تشرع الحدود إلا في معصية تتقاضاها الطباع كالزنا والشرب والسرقة والقذف دون أكل الميتة والرمي بالكفر ونحو ذلك فإنه اكتفى فيه بالتعزير " اهـ.
هذا وهناك أمران يتطلب موضوع التعزير البحث فيهما، أحدهما: هل هو كالحد لا يجوز للإمام تركه؟ أم هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه؟
الثاني: هل مقدار التعزير بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة؟ وهل يبلغ بالتعزير في المعصية قدر الحد فيها.
وكيف الجواب لمن يرى الزيادة على عشرة
стр. 10000
أسواط في التعزير عن حديث: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله (١)».
وقد تناول الإمام ابن القيم جميع ذلك بالبحث، وأجاد فقال في الأمر الأول في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالميين ج ٢ ص ١١٨ ط مكتبة الكليات الأزهرية) قال في ارتكاب المعصية التي لا حد فيها ولا كفارة: " فيه التعزير قولا واحدا، لكن هل هو كالحد فلا يجوز للإمام تركه؟ أم هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه؟ كما يرجع إلى اجتهاده في قدره على قولين للعلماء: الثاني قول الشافعي، والأول قول الجمهور ".
وقال في الأمر الثاني المتعلق بمقدار التعزير قال في (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ١٠٧ طبعة مطبعة الاتحاد الشرقي): " وقد اختلف الفقهاء في مقدار التعزير على أقوال: -
أحدهما: أنه بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة فيجتهد فيه ولي الأمر.
الثاني: وهو أحسنها أنه لا يبلغ في التعزير في معصية قدر الحد فيها فلا يبلغ في التعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف. وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد.
والقول الثالث: أنه يبلغ بالتعزير أدنى الحدود إما أربعين أو ثمانين، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة.
والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزيز على عشرة أسواط وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره.
وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل؟ في قولان أحدهما: يجوز كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل. وقد ذكر بعض
стр. 10001
أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة كالتجهم والرفض وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري؛ لأنه كان داعية إلى بدعته وهذا مذهب مالك ﵀، وكذلك قتل من لا يزول إفساده إلا بقتله، وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل اللوطي، إذا أكثر من ذلك تعزيرا، وكذلك قالوا إذا قتل بالمثقل فللإمام أن يقتله تعزيرا، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا، وصاحباه يخالفانه في المسألتين، وهما مع جمهور الأمة.
هكذا استعرض الإمام ابن القيم هذه الأقوال في مقدار التعزير، ثم قال: " والمنقول عن النبي ﷺ وخلفائه ﵃ يوافق القول الأول؛ «فإن النبي ﷺ أمر بجلد الذي وطئ جارية امرأته وقد أحلتها له مائة (١)»، وأبو بكر وعمر ﵄ أمرا بجلد من وجد مع امرأة أجنبية في فراش مائة جلدة. وعمر بن الخطاب ﵁ ضرب الذي زور عليه خاتمه فأخذ من بيت المال مائة ثم في اليوم الثاني مائة ثم في اليوم الثالث مائة.
قال ابن القيم: " وعلى هذا يحمل قول النبي ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو في الرابعة فاقتلوه (٢)» فأمر بقتله إذا أكثر منه، ولو كان ذلك حدا لأمر به في المرة الأولى ".
وقد أجاد ابن القيم في زاد المعاد الكلام على حديث قتل شارب الخمر في الرابعة أو الخامسة حيث قال: " وصح عنه - أي عن النبي ﷺ أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة، واختلف الناس في ذلك فقيل: هو منسوخ وناسخه حديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٣)». وقيل: هو محكم، ولا تعارض بين الخاص والعام، ولا سيما إذا لم يعلم تأخر العام. وقيل: ناسخه حديث عبد الله بن حمار فإنه أتي به مرارا إلى رسول الله ﷺ فجلده ولم يقتله. وقيل: قتله تعزيرا حسب المصلحة، فإذا أكثر منه ولم ينهه الحد واستهان به فللإمام قتله تعزيرا لا حدا، وقد صح عن عبد الله بن
стр. 10002
عمر ﵄ أنه قال: " إيتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله لكم) وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النبي ﷺ ، وهم معاوية وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وقبيصة بن ذؤيب ﵃، وحديث قبيصة فيه دلالة على أن القتل ليس بحد وأنه منسوخ، فإنه قال فيه: «فأتي رسول الله ﷺ برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة (١)» رواه أبو داود.
قال ابن القيم: فإن قيل فما تصنعون بالحديث المتفق عليه، عن علي كرم الله وجهه أنه قال: «ما كنت لأرى من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر؛ فإن رسول الله ﷺ لم يسن فيه شيئا إنما هو شيء قلناه نحن (٢)» لفظ أبي داود، ولفظهما: «فإن رسول الله ﷺ مات ولم يسنه (٣)» قيل: المراد بذلك أن رسول الله ﷺ لم يقدر فيه بقوله تقديرا لا يزاد عليه ولا ينقص كسائر الحدود، وإلا فعلي ﵁ قد شهد أن رسول الله ﷺ قد ضرب فيها أربعين، وقوله: إنما هو شيء قلناه نحن يعني: التقدير بثمانين؛ فإن عمر ﵁ جمع الصحابة ﵃ واستشارهم فأشاروا بثمانين فأمضاها، ثم جلد علي كرم الله وجهه في خلافته أربعين، وقال: هذا أحب إلي.
ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة ﵃، والقتل إما منسوخ وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد؛ لينزجر الباقون فله ذلك، وقد حلق فيها عمر ﵁ وغرب، وهذا من الأحكام المتعلقة بالأئمة وبالله التوفيق ". اهـ. كلام ابن القيم في (زاد المعاد ج ٣ ص ٢١٠ ط المؤسسة العربية للطباعة والنشر ببيروت).
ومما يتعلق بالتعزير ما اختاره الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم في الجزء الثاني من (إعلام الموقعين عن رب العالمين ص ٤٨) أن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم قال: " بل هو يحسب الجريمة في صفتها وكبرها وصغرها، وعمر بن الخطاب قد تنوع تعزيره في الخمر فتارة بحلق الرأس،
стр. 10003
وتارة بالنفي، وتارة بزيادة أربعين سوطا على الحد الذي ضربه رسول الله ﷺ وأبو بكر وتارة بتحريق حانوت الخمار، وكذلك تعزير الغال، وقد جاءت السنة بتحريق متاعه، وتعزير مانع الصدقة بأخذها وأخذ شطر ماله معها، وتعزير كاتم الضالة الملتقطة بإضعاف الغرم عليه، وكذلك عقوبة سارق ما لا قطع فيه يضعف عليه الغرم، وكذلك قاتل الذمي عمدا، أضعف عليه عمر وعثمان ديته، وذهب إليه أحمد وغيره " اهـ.
وسلك ذلك المسلك في التعزير أيضا العلامة القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون المالكي، قال في كتابه (تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ج ٢ / ص ٢٦٠ - ٢٦٢) " والتعزير لا يختص
стр. 10004
بفعل معين، ولا قول معين، فقد «عزر رسول الله ﷺ بالهجر، وذلك في قضية الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم، فهجروا خمسين يوما لا يكلمهم أحد»، وقضيتهم مشهورة في الصحاح. وعزر رسول الله ﷺ بالنفي فأمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم، وكذلك الصحابة من بعده، ونذكر من ذلك بعض ما وردت به السنة مما قال ببعضه أصحابنا، وبعضه خارج المذهب، فمنها أمر عمر بن الخطاب بهجر صبيغ الذي كان يسأل عن الذاريات وغيرها، ويسأل الناس عن مشكلات القرآن، فضربه ضربا وجيعا ونفاه إلى البصرة أو الكوفة، وأمر بهجره، فكان لا يكلمه أحد حتى تاب، وكتب عامل البلد إلى عمر بن الخطاب ﵁ يخبره بتوبته، فأذن للناس في كلامه، ومنها أن عمر ﵁ حلق رأس نصر بن حجاج ونفاه من المدينة لما شبب النساء به في الأشعار وخشي الفتنة به.
ومنها ما فعله ﷺ بالعرنيين، ومنها «أمره ﷺ للمرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها». ومنها أن أبا بكر ﵁ استشار الصحابة في رجل ينكح كما تنكح المرأة، فأشاروا بحرقه في النار، فكتب أبو بكر ﵁ بذلك إلى خالد بن الوليد ﵁، ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك، وهو رأي ابن حبيب من أصحابنا، ذكره في مختصر الواضحة.
ومنها أن أبا بكر ﵁ حرق جماعة من أهل الردة، ومنها إباحته ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومنها أمره ﷺ بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، ومنها أمره لعبد الله بن عمر ﵁ بتحريق الثوبين المعصفرين ومنها «أمره ﷺ يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم (١)»، فدل على جواز الأمرين؛ لأن العقوبة بالكسر لم تكن واجبة، ومنها هدمه ﷺ لمسجد الضرار «ومنها أمره ﷺ بتحريق متاع الذي غل من الغنيمة»، ومنها إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر.
ومنها إضعاف الغرم على كاتم الضالة، ومنها أخذه شطر مال مانع الزكاة
стр. 10005
عزمة من عزمات الرب ﵎، ومنها أمره ﷺ لابس خاتم الذهب بطرحه فلم يعرض له أحد، ومنها أمره ﷺ بقطع نخيل اليهود إغاظة لهم.
ومنها تحريق عمر ﵁ المكان الذي يباع فيه الخمر، ومنها تحريق عمر ﵁ قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وصار يحكم في داره، ومنها مشاطرة عمر بن الخطاب عماله بأخذ شطر أموالهم فقسمها بينهم وبين المسلمين، ومنها أنه ﵁ ضرب الذي زور على نقش خاتمه وأخذ شيئا من بيت المال مائة ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، ومنها أن عمر ﵁ لما وجد مع السائل من الطعام فوق كفايته وهو يسأل أخذ ما معه وأطعمه إبل الصدقة، ومنها أنه ﵁ أراق اللبن المغشوش وغير ذلك مما يكثر تعداده، قال ابن فرحون بعد عرض هذه القضايا الدالة على أن التعزير لا يختص بفعل معين ولا قول معين، قال: " وهذه قضايا صحيحة معروفة، قال ابن قيم الجوزية: وأكثر هذه المسائل شائعة في مذهب أحمد ﵁، وبعضها شائع في مذهب مالك ﵁.
ومن قال أن العقوبة المالية منسوخة فقد غلط على مذهب الأئمة نقلا واستدلالا وليس يسهل دعوى نسخها، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته ﷺ مبطل لدعوى نسخها والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا لا يجوز فمذهب أصحابه عنده عيار على القبول والرد " انتهى.
وأما حديث: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله (١)». فيقول فيه الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين عن رب العالمين ج٢ ص٤٨) نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرنا - أي مما يدل على الزيادة في التعزير على عشرة أسواط - فإن الحد في لسان
стр. 10006
الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء؛ فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك؛ فإنه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (١) وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٢) فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال، وقال النبي ﷺ : «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها» وفي حديث النواس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب: «والسوران حدود الله (٣)»، ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة، فقوله ﷺ : «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله (٤)» يريد به الجناية التي هي حق الله.
قال - أي ابن القيم - فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المراد بالحد الجناية؟ قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده، وولده وأجيره للتأديب ونحوه؛ فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط. فهذا أحسن ما خرج عليه الحديث وبالله التوفيق. اهـ. كلام ابن القيم، وحيث إنه قد أشار فيه إلى هناك تخريجات لحديث: «لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله (٥)» فقد استحسنا إيرادها، فنقول وبالله التوفيق: قال الحافظ المنذري في (مختصر سنن أبي داود ج٦ ص ٢٩٤ طبعة السنة المحمدية) قال: " تأوله بعض أصحاب الشافعي ﵀ على أن الزيادة على الجلدات العشر إلى ما دون الأربعين لا يكون بالأسواط لكن بالأيدي والنعال والثياب ونحوها على ما يراه الإمام.
وتأوله غيرهم على أنه مقصور على زمن النبي ﷺ ؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وقيل: المراد بقوله ﷺ : «في حد من حدود الله (٦)» أي: حق من حقوقه، وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها؛ لأن المحرمات كلها من حدود الله.
وقال بظاهر الحديث أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأشهب في بعض الروايات عنه أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، ومذاهب العلماء في تقدير التعزير كثيرة. قال: وذكر ابن المنذر أن في إسناد الحديث مقالا، وقال أبو محمد الأصيلي: اضطرب إسناد حديث
стр. 10007
عبد الرحمن بن جابر فوجب تركه لاضطرابه، وقول ابن المنذر يرجع إلى ما ذكره الأصيلي من الاضطراب؛ فإن رجال إسناده ثقات، والاضطراب الذي أشار إليه هو أنه روي عن عبد الرحمن بن جابر وأبيه جميعا، عمن سمع النبي ﷺ . وهذه الطرق كلها مخرجة في الصحيحين على الاتفاق والانفراد.
وروي أيضا عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ . وهذا الاختلاف لم يؤثر عند البخاري ومسلم؛ لأنه يجوز أن يكون سمعه من أبيه عن أبي بردة فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا. وقوله: " عمن سمع النبي ﷺ " يريد به أبا بردة. وقوله: " عن رجل من الأنصار " يريد به أيضا أبا بردة؛ فإنه وإن كان قضاعيا بلويا فإنه حليف للأنصار فنسبه إليهم، وهو مشهور بالنسبة إليهم، وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني أن حديث عمر بن الحارث المصري الذي قال فيه: " عن أبيه " صحيح؛ لأنه ثقة وقد زاد رجلا وتابعه أسامة بن زيد. فهذا الدارقطني قد صحح الحديث بعد وقوفه على الاختلاف، وجنح إلى ما جنح إليه صاحبا الحديث ﵄ والله أعلم " أهـ كلام الحافظ المنذري في الحديث، وتتضح به مسالك العلماء في الحديث التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 10008
و من فوائد إقامة العقوبات الشرعية رفع العقوبات القدرية أو تخفيفها كما أوضحه الإمام ابن القيم في " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " حيث قال ص ١٠: " عقوبات الذنوب نوعان شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين إلا إذا لم تف إحداهما برفع موجب الذنب، ولم يكن فيه زوال دائه، وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية وربما كانت دونها، ولكنها تعم والشرعية تمضي؛ فإن الرب ﵎ لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية أو تسبب إليها، وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة؛ فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها،
стр. 10009
وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإن رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه ".
وقد أجاد ابن القيم في كتابه المذكور الكلام على العقوبات القدرية، وعلى العقوبات الشرعية، وعلى الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، وأتى في ذلك بما لا يستغنى عنه لولا الإطالة.
هذا وفي نهاية هذا المقال لا يفوتنا إيراد كلمة قيمة للتاج ابن السبكي في كتابه " معيد النعم ومبيد النقم " في إيجاب العمل بالشرع على من يفصل في القضايا لأهميتها فنقول: قال التاج ص ٤٠ - ٤٢ " عليه - أي على على من يفصل في القضايا - رفع الأمور إلى الشرع، وأن يعتقد أن السياسة - أي غير الشرعية - لا تنفع شيئا بل تضر البلاد والرعايا وتوجب الهرج والمرج، ومصلحة الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وشريعة نبينا محمد ﷺ متكفلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم، ولا يأتي الفساد إلا من الخروج عنها، ومن لزمها صلحت أيامه واطمأنت، ولم يقضي رسول الله ﷺ نحبه حتى أكمل الله لنا ديننا ".
قال التاج: " وقد اعتبرت - ولاينبئك مثل خبير - فما وجدت ولا رأيت ولا سمعت بسلطان ولا نائب سلطان ولا أمير ولا حاجب ولا صاحب شرطة يلقي الأمور إلى الشرع إلا وينجو بنفسه من مصائب هذه الدنيا، وتكون مصيبته أبدا أخف من مصيبة غيره، وأيامه أصلح وأكثر أمنا وطمأنينة وأقل مفاسد، وأنت إذا شئت فانظر تواريخ الملوك والآمراء العادلين والظالمين، وانظر أي الدولتين أكثر طمأنينة وأطول أياما، وكذلك اعتبرت فلم أر ولم أجد من يظن أنه يعلم الدنيا بعقله ويدبر البلاد برأيه وسياسته، ويتعدى حدود الله وزواجره إلا كانت عاقبته وخيمة، وأيامه منغصة منكدة وعيشه قلقا، وتفتح عليه أبواب الشرور ويتسع الخرق على الراقع، فلا يسد ثلمة إلا وتنفتح ثلامات، ولا يرقع فتنة إلا وينشأ بعدها فتن كثيرة وعلى مثله يصدق قول الشاعر:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وبهذا ينتهي البحث والله ولي التوفيق
إسماعيل الأنصاري
стр. 10010
ولن ترضى عنك
اليهود ولا النصارى
بقلم / د / محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونصلي ونسلم على من أرسله ربه رحمة للناس، وهاديا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وعلى آله وصحابته الذين نشر الله على أيديهم الحق في أرجاء المعمورة تحت ظلال السيوف، وبنور العلم، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: -
فقد ذكر ابن كثير ﵀ في تفسيره عندما مر بهذه الآية الكريمة:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (١) الآية. ما يلي: قال ابن جرير: يعني بقوله جل وعلا: وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق (٢).
فاليهود والنصارى في الدرجة الأولى، وأصحاب الملل الأخرى لهم تبع، لن ترضى نفوسهم المريضة، وأهواؤهم المتشبعة، وقلوبهم الحاقدة
стр. 10011
على الإسلام أو المسلمين حتى يسيروا خلفهم تقليدا ومتابعة؛ لأنهم يريدون الاستعلاء والتسلط بباطلهم، وطمس أنوار الحق الساطعة من عند الله.
وإذا كانوا لن يرضوا في رسول الله ﷺ ، وهو صفوة الخلق وأعلاهم منزلة، حيث وقفوا ضد دعوته بالمرصاد عنادا ومكابرة وصدا، فإن أمته ﷺ لا تستغرب ما تلقى في كل عصر ومكان من اليهود وأعوانهم من أمور تنبئ عن حقدهم على الإسلام وأهله، ترصد ذلك الأحداث التاريخية، وتكشفه ضغائن النفوس.
وفي كل مرة يأتي هدفهم بغاية، أو يسوقونه خلف مقصد: فمرة باسم الأرض والغلات، وأخرى باسم الاقتصاد والمصالح، وثالثة باسم العلم والنظريات، ورابعة تحت مظلات الفكر والمؤتمرات والصداقة، وغير هذا من مسميات متعددة، وغايات ومقاصد متباينة، إلا أنهم لم يظهروا جلية الأمر باسم العقيدة، مع أنها هي المقصد الحقيقي، فهم يخشون عند إعلانها من إثارة الحماسة العقدية في نفوس المسلمين، وتحريكها في جوانحهم؛ لأن الواقع التاريخي والحقيقة المعروفة من الأحداث المرصودة، كما أوضحه لهم كبير المبشرين (المنصرين) الإنجليز في الثلث الأول من هذا القرن الميلادي صموئيل زويمر: بأن المسلمين لا يقبلون من يجابههم باسم المناوأة لدينهم، رغم جهل أكثرهم به، إذا كان المتحدث غربيا، فهم يثورون لذلك حمية، ويتصدون لمقاتلة ذلك المتعرض له بحماسة واستماتة، ولا نستطيع الصمود أمامهما.
ولهذا سيظل اليهود في الدرجة الأولى، ثم النصارى جاهدين في محاربة هذا الدين، كائدين لأبنائه بسبل وغايات مختلفة، فهم متعصبون لعقائدهم، شديدو الحرص على جذب الناس إليها، ويبذلون في هذا السبيل أموالا وجهودا، ولا يتورعون عن سفك الدماء، وتخريب البيوت والديار؛ لتحقيق هدفهم الأسمى، وهو صد الناس عن دين الله، وإماتة
стр. 10012
جذوته في النفوس، بالتشكيك في تعاليمه، وصلاحها لكل عصر ويسلكون في هذا السبيل طرقا، وينتهجون أساليب، منها الكذب والافتراء على رسول الله ﷺ ، والنيل من سيرته، وتفسير أمور كثيرة في التشريع الإسلامي، والتاريخ المواكب لنشره بما يحلو لهم من التلبيس، ووضع الأمور في غير مواضعها، كما اعترف بذلك الدكتور " بجيل كروث " في المؤتمر الذي عقد في عام ١٩٧٩م في قرطبة بأسبانيا، باسم المؤتمر الثاني للمناظرة بين المسلمين والنصارى عندما قال: " لا يوجد صاحب دعوة تعرض للتجريح والإهانة ظلما على مدى التاريخ مثل محمد ".
وكما يلمس ذلك الضغن منهم كل من يقرأ كتب الاستشراق، ويتعمق في دعوات المبشرين وتقاريرهم، مع أن الجميع ومن قبلهم علماء اليهود وأحبارهم في عهد رسول الله ﷺ يعرفون حقيقة الرسالة المحمدية، وما جاء به محمد ﷺ من الحق، كما أخبر الله عن سالفيهم عند معاندتهم لرسول الله ﷺ في قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) وانطلاقا من عقيدتهم هذه فإن أعمال يهود في المدينة وفي خيبر مع رسول الله ﷺ معروفة حسبما أبان الله عنهم، ووفق ما رصد في السيرة النبوية الكريمة، ثم جاءت المجابهة في محاولة جيوشهم الوقوف بشدة في وجه الزحف الإسلامي على ديار الشام منذ موقعة مؤتة في عام ٨ هـ، ثم حاولوا الكيد للمسلمين في عهد الخلفاء الراشدين فالأمويين والعباسيين بكل ما أوتوا من قوة وتدبير، ولكن الله أبطل كيدهم، وأظهر دينه وأعز جنده، فاتسعت دائرة الإسلام، وأصبحت ديار الشام قاعدة إسلامية تخرج منها الجيوش لنصرة دين الله، ودعوة الناس إليه.
стр. 10013
لكنهم كالنار تحت الرماد عندما يجدون مجالا للتحرك تنبعث الشرارة،
стр. 10014
ففي عام ٤٨٨ هـ اغنتم البابا أربان الثاني اجتماعا في مجمع كلير مونت عاصمة إقليم أوفرن بفرنسا لأن نقطة ضعف من المسلمين قد حانت، فألقى خطابا أثار حماسة النصارى لحرب المسلمين في سبيل توحيد الكنيستين الشرقية والغربية تحت سيطرته، ودعا للحروب الصليبية ضد المسلمين، ووعد من يحارب بالمحافظة على أموالهم ورعاية أولادهم، علاوة على ما ينتظرهم من مال وشهرة، وصار يطوف البلاد على حماره حاملا الصليب محرضا ومحمسا حتى استجابوا له (١).
ثم تظهر حقائقهم، عن واقع أعمالهم ضد الإسلام والمسلمين، عندما تلوح لهم بارقة النصر، فقد ذكر ابن الأثير (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ) في حوادث عام ٤٩٢هـ في وصف المذبحة التي أحدثها الصليبيون في بيت المقدس عند دخولهم إياه بعد حصار طويل، أمورا شنيعة منها قوله: " وقتل الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارق الأوطان، وجاور بذلك الموضع الشريف " (٢).
وحتى لا يكون القارئ متأثرا بمحاولة كثير من كتاب الغرب حول الدعوة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وما فيه من مبالغات وتزويدات، حيث يعتبرون ذكر مثل هذا الرقم من التزويدات، نثبت في هذا المكان ما أورده الكاتب ول ديورانت في موسوعته التي ترجم منها إلى اللغة العربية حتى الآن ٤٢ جزءا، وما نقله عن القس رميند الأجيلي الذي حضر هذه المذبحة بقوله: " وشاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رءوس عدد كبير من المسلمين، وقتل غيرهم رميا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم الآخر يعذبون عدة أيام ثم أحرقوا بالنار، وكنت ترى
стр. 10015
في الشوارع أكوام الرءوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل "، ثم نقل عن شاهد آخر قوله: " إن النساء كن يقتلن بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء أمهاتهم، ويقذف بهم من فوق الجسور، أو تهشم رءوسهم بدقها بالعمد، وذبح سبعون ألفا من المسلمين الذين بقوا بالمدينة " (١).
وقد حرص النصارى في حروبهم الصليبية التي استمرت في بلاد الشام قرابة مائتي عام، حاولوا الامتداد فيها إلى الحرمين الشريفين حرصا على تمكين عقيدتهم، والدعوة لها على أنها هي الهدى، ومحاولة قسر الناس عليها، وإبادة من يخالفها، حتى قيض الله حربا على يد صلاح الدين الأيوبي (٥٣٢ - ٥٨٩ هـ) غيرت مجرى التاريخ في عام ٥٨٣هـ، أعلت قدر الإسلام والمسلمين في ذلك الصراع، فمعركة " حطين " تعتبر من المعارك الفاصلة في التاريخ، وقد وصفها المقدسي في كتابه الروضتين قائلا: " غير أن هذه النوبة المباركة كانت للفتح المقدسي مقدمة، ولمعاقد النصر وقواعده مبرمة محكمة (٢)، فتنفس المسلمون الصعداء بعد أن ارتفعت راية الإسلام عالية، معلنة رفع الظلم الواقع على المسلمين ودينهم، وليثأر المسلمون من خصومهم، حيث انفتح لهم أوسع أبواب النصر في الحروب الصليبية، وذلك بإخراج النصارى عن حكم بيت المقدس، والهيمنة عليه، وقد وصف ذلك بالنصر وما جرى في بيت المقدس من فتح، وعدالة في معاملة النصارى، ابن الأثير في تاريخه وصفا ضافيا، مشيرا لذلك اليوم الحافل بالفرحة العامة للمسلمين بدخول القدس، وهو