← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

الأول: من الناحية اللفظية. الثاني: من الناحية المعنوية. الثالث: من الناحية الزمنية. أما من الناحية اللفظية، فإن العرب كانوا أهل فصاحة وبيان شهد لهم بذلك أشعارهم وخطبهم وأمثالهم ومقدرتهم على النقد وتمييز الغث من السمين، وكانوا قد برعوا في اللغة ووصلوا إلى مستوى رفيع، وقد وصفهم الرافعي بقوله: " كالعرب أصحاب الفطرة اللغوية والحسن البياني الذين صرفوا اللغة وشققوا أبنيتها وهذبوا حواشيها وجمعوا أطرافها واستنبطوا محاسنها ". وقد كان العرب على مستوى رفيع من البلاغة والنقد والذوق البياني، خذ مثلا على ذلك، أنه عرض على الخنساء بيتان من الشعر لحسان بن ثابت في سوق عكاظ وهي قوله: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خال وأكرم بنا ابنما ١ - فقالت الخنساء: " ضعفت افتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع. قال: وكيف؟ قالت: قلت: " لنا الجفنات " والجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، ولو قلت الجفان لكان أكثر. وقلت: "الغر " والغرة الباقي في الجبهة، ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعا. وقلت: " يلمعن " واللمع شيء يأتي بعد الشيء ولو قلت: يشرقن لكان أكثر؛ لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت: " بالضحى " ولو قلت بالعشية لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقا. وقلت: " أسيافنا " والأسياف دون العشر. ولو قلت سيوفنا كان أكثر. وقلت: " يقطرن " فدللت على قلة القتل، ولو قلت يجرين لكان أكثر لانصباب الدم، وقلت دما والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك ".

стр. 10047

وقوم حالهم كما وصفت لك لم يكن عندهم مانع من الإتيان بمثل القرآن الذي نزل بلغتهم إلا العجز، وهذا دليل على أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو كلام الله جلت قدرته. وأما من الناحية المعنوية فإن العرب كانوا على مستوى من رجاحة العقل والفطنة والذكاء بحيث يستطيعون الإتيان بمثل القرآن لو كان من كلام البشر، وقصة الخنساء في نقد شعر حسان خير شاهد لما نقول، لكن أنى لهم وهو كلام الله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). وأما من الناحية الزمنية فإن القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة وبقي التحدي قائما، ولو نزل القرآن دفعة واحدة لاعتذروا بأن الوقت قصير، ولطلبوا من النبي ﷺ أن يمهلهم، لكن الوقت طويل ولم يكن لديهم مانع إلا شعورهم بالعجز.

стр. 10048

ثانيا: مظاهر الإعجاز البياني للقرآن الكريم وهي سبعة: الأول: الخصائص العامة للأسلوب القرآني . الثاني: ضرب الأمثال في القرآن الكريم. الثالث: الإيجاز في القرآن الكريم. الرابع: التكرار في القرآن الكريم. الخامس: الكلمة القرآنية. السادس: الجملة القرآنية. السابع: الفاصلة القرآنية.

стр. 10049

الأول الخصائص العامة للأسلوب القرآني ٢ - القرآن الكريم يجري على نسق غاية في البلاغة والفصاحة، خارج عن المألوف من نظام جميع كلام العرب، فله أسلوب يختص به ويميزه عن سائر الكلام، فلا هو بالشعر ولا بالنثر، لكنك لو قرأت بعض آياته شعرت بالنسق العجيب بينها، وكذا بين الكلمات، وحتى بين الحروف، فتجد تناسقا عجيبا بين الرخو والشديد والمجهور والمهموس والانفتاح والإطباق. . الخ، بحيث إذا قرأت القرآن شعرت بتأثير شديد في نفسك (١) استمع إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٣). ١ - يمتاز القرآن باتساق عباراته وبلاغتها وبديع نظمه على كثرة سوره وطولها وقصرها، من غير أن تختل هذه المزية فيه بخلاف كلام العرب؛ فإنك لا تجد لحكيم ولا لشاعر أو فصيح كلاما بطول القرآن وعلو شأنه، بل قد يبدع أحدهم في بعض قوله ويخفق في آخر، بل قد يناقض نفسه، أما القرآن فهو كما وصفه الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤). ٣ - الناظر في القرآن يجد فيه القصص والمواعظ، والاحتجاج، والحكم والأحكام، والوعد والوعيد، والتبشير والتخويف، ومع ذلك فهو غاية في الفصاحة وبديع النظم بخلاف كلام البشر من نثر أو شعر، فقد يجيد أحد الشعراء في المدح دون الهجاء أو التأبين دون التقريظ أو

стр. 10050

الوصف دون الغزل، أو عكس ذلك، لكنك لا ترى شاعرا ولا ناثرا يجيد كل ما سبق من الأساليب بنفس القوة. ولذلك ضرب العرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب (١). ٤ - إن معاني القرآن مصوغة بشكل محكم بديع تصلح لأن يخاطب بها الناس على اختلاف بيئاتهم وتفاوتهم في الثقافة والعلوم بحيث تؤدي الغرض الذي سيقت من أجله، فيتأثر كل سامع لها ويفهم منها مقصدها على اختلاف ثقافة السامعين وعقولهم، استمع معي إلى قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ (٢)، فالعرب في زمن الرسول ﵊ فهموا من هذه الآية على قلة علومهم، دليلا على قدرة الله سبحانه، وهو أنه خلق الشمس والقمر يبعثان بالضياء إلى الأرض، وقد غاير الله سبحانه في التعبير بالنسبة لكل منهما تنويعا للفظ، وهذا معنى صحيح تدل عليه الآية، وأما عالم اللغة فيفهم أن الآية سيقت للدلالة على قدرة الله وسمى الله الشمس سراجا؛ لأنها تجمع إلى النور الحرارة، وسمى القمر منيرا؛ لأنه يبعث بضياء دون حرارة، وهذا المعنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة، وأما علماء الفلك في هذه الأيام فقالوا: نعم الآية مسوقة للدلالة على قدرة الله، لكن الله سبحانه غاير بين وصف الشمس وبين وصف القمر، فسمى القمر منيرا لا مضيئا؛ لأنه جسم مظلم يعكس ما يسقط عليه من ضوء الشمس. وهذا صحيح لغة؛ فإننا نقول غرفة منيرة إذا انعكس عليها الضوء من مصباح في وسطها، أما الشمس فإن الحرارة والضوء ينبعثان منها فناسب تسميتها سراجا

стр. 10051

الثاني ضرب الأمثال في القرآن الكريم وقد اعتمد الأسلوب القرآني على ضرب الأمثال، وجعله قاعدة أساسية في التعبير عن المعاني. ومن أساليب ضرب الأمثال المتبعة في القرآن (١): أ - إخراج المعاني الذهنية في صورة حسية ترسم في المخيلة حية متحركة، خذ هذا المعنى الذهني المجرد، وهو أن الكفار محرومون من دخول الجنة، وأنهم غير مقبولين عند الله بتاتا، وتأمل كيف عرضه الله في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢)، هكذا في صورة حسية ترسم في الخيال صورة تفتح أبواب السماء وصورة ولوج الجمل في سم الخياط. وسواء أكان الجمل هو الحيوان المعروف أم الحبل الغليظ، فقد استقر في مخيلة السامع استحالة دخول الكافرين الجنة (٣). ومن أمثلة ذلك أيضا أنك لو أردت أن تعرض لمعنى النفور الشديد من دعوة الإيمان بصورته التجريدية تقول: إن القوم ينفرون أشد النفرة من دعوة الإيمان، أما القرآن فقد عرض فيه الأمر بأسلوب تصويري حسي فقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٤) ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٥) ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٦)، فاشترك هنا مع الذهن حاسة البصر وملكة الخيال، وانفعال السخرية من هؤلاء الذين يفرون من الحق كما تفر حمر الوحش من الأسد (٧). ب - تصوير الحالات النفسية والمعنوية في صورة حسية متخيلة، حية متحركة. فعندما أراد الله سبحانه أن يفضح ويعري أولئك الذين هيأ لهم

стр. 10052

سبيل الهداية لكنهم رفضوا، فأصبحوا في شقاء بما علموا وما جهلوا، فلا هم استراحوا بما هيأ الله لهم من سبيل الخير والرشاد، ولا هم استراحوا بإعراضهم عن هذا الخير، فيصور القرآن حالتهم النفسية والمعنوية هذه في صورة حسية متحركة، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). يقول سيد قطب: " إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات، إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع. . . . ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخا، ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه، فهو ينسلخ من آيات الله، ويتجرد من الغطاء الواقي والدرع الحامي، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم، فيصبح غرضا للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه. . . ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد. . إذا نحن بهذا المخلوق لاصقا بالأرض ملوثا بالطين، ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد. . كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر " (٣). ج - عرض القضايا المنطقية والجدلية في أسلوب ضرب الأمثال، وذلك في معرض الاستدلال على عظمة الخالق وقدرته، فالقرآن يأتي بالدليل المقنع من واقع الناس وما يشاهدونه ويعايشونه، لكنه معروض في صورة مؤثرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤).

стр. 10053

ومع أن هذا المشهد كما تلاحظ يتكرر في حياة الناس إلا أنه عرض بأسلوب تصويري، وكأنها لوحة طبيعية رسمت عليها النخيل والأعناب المثمرة (١). د - إعطاء الحركة لما من شأنه السكون وخلع الحياة على المواد الجامدة والظواهر الطبيعية والانفعالات الوجدانية، فتصبح كأنها أشخاص بارزة لها عواطفها وخلجاتها الإنسانية، تأمل في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٢)، تجد التعبير بالاشتعال يجعل الخيال يتصور أن للشيب حركة في الرأس كحركة اشتعال النار في الهشيم، مما يضفي على النص الحياة والجمال (٣). وأما خلع الحياة على المواد الجامدة فمثاله قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (٤)، فالصبح مشهد معروف متكرر للناس، لكنه في التعبير القرآني كأنه شخص حي يتنفس كما يتنفس الأحياء، وكذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٦). وأما تصوير الانفعالات الوجدانية فهو في غاية الروعة، فالغضب والروع والبشرى انفعالات وجدانية تصبح في التعبير القرآني كأنها حية متحركة، فالغضب يسكت كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ (٧). والروع يذهب ويزول، والبشرى تجيء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٨). إلى غير ذلك من أساليب التصوير المتبعة في التعبير القرآني. وطريقة التصوير التي يتبعها القرآن الكريم في التعبير لها فائدة عظيمة في وصول المعاني إلى النفس بشتى الوسائل؛ لأن المعاني إذا عرضت في صورتها التجريدية خاطبت الذهن فقط، أما إذا عرضت بالأسلوب التصويري فإنها

стр. 10054

تخاطب الذهن والحس والوجدان، وتصل إلى النفس من منافذ شتى " من الحواس بالتخييل، ومن الحس عن طريق الحواس، ومن الوجدان المنفعل بالأصداء والأضواء، ويكون الذهن منفذا واحدا من منافذها الكثيرة إلى النفس لا منفذها المفرد الوحيد " (١).

стр. 10055

الثالث الإيجاز في القرآن الكريم من خصائص الأسلوب القرآني الإيجاز وهو التعبير عن المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة تؤدي الغرض من غير إخلال بالمعنى. والإيجاز نوعان: إيجاز حذف وإيجاز قصر. أما إيجاز الحذف فهو: إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام (١). ومن أمثلة إيجاز الحذف قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢)؛ فإن الآية تشير إلى شيوع القول في أهل القرية، وأن القرية كلها تكلمت في ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (٣) ففي هذه الآية إيجاز حذف وهو حذف الجواب كأنه قيل: لكان هذا القرآن كذا وكذا. . والحذف هنا أبلغ من الذكر؛ لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان. وأما إيجاز القصر فهو: بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف (٤) وله أمثلة كثيرة في القرآن حتى أن الشيخ أبا زهرة ﵀ قال بأن هذا النوع من الإيجاز لا تكاد تخلو منه سورة أو جزء سورة (٥). ومن أمثلة إيجاز القصر:

стр. 10056

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١). يقول الباقلاني: " هذه تشمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشمل على جملة وتفصيل وجامعة وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكم في هذين الأمرين، فما ظنك بما دونهما؟ لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم والقلوب لا تقر على هذا الجور. ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله وعطفت عجزه على صدره " (٢). ومن أمثلة إيجاز القصر، قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾ (٣) حياة وقد كان العرب يستحسنون بل يعجبون بحكمة قالوها ويعتبرونها قمة البلاغة لما فيها من إيجاز وهي قولهم" القتل أنفى للقتل". وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٤) يفوق ما استحسنه العرب من أربعة أوجه (٥). الأول: أن الآية أكثر فائدة، ففيها من المعاني والفوائد ما في قولهم (القتل أنفى للقتل) وزيادة المعاني الحسنة التالية: أ - إبانة العدل بذكر كلمة القصاص وأن القتل ليس تشفيا من المقتول. ب - الترغيب في القصاص بذكر الحياة وجعلها نتيجة له.

стр. 10057

ج- القصاص يشمل النفس والأعضاء بخلاف لفظ القتل، فإنه قاصر على النفس. ثم إن مفاد الآية مستقيم على إطلاقه لأن الإنسان إذا علم أن اعتداءه على الآخرين يوجب القصاص منه ارتدع عن قتلهم أو جرحهم فكان ذلك سبب حياته وحياة من أراد قتله. أما الحكمة فإن مفادها غير مستقيم على إطلاقه، فليس كل قتل أنفى للقتل كما تقول، بل إن القتل عدوانا أدعى للقتل وليس أنفى له. الثاني: الآية أوجز عبارة، فإن قوله تعالى: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) تتكون من عشرة أحرف، أما قولهم " القتل أنفى للقتل" فيتكون من أربعة عشر حرفا. الثالث: الآية لا تكرار فيها بخلاف حكمة العرب ففيها تكرار لفظ القتل. الرابع: الآية أحسن تأليفا لملاءمة حروفها بعضها بعضا، يقول الرماني: " وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة فهو مدرك بالحس وموجود في اللفظ، فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد الهمزة عن اللام. وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام " (٢). ومن أمثلة إيجاز القصر قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٣) فإن الآية تشير إلى الصراع الدائم بين الخير والشر وبين الحق والباطل وبين الفضيلة والرذيلة. وأن سيطرة الشر والباطل والرذيلة يؤدي إلى فساد في الأرض ولا يزول هذا الفساد إلا بمقاومة الخير والحق والفضيلة له (٤).

стр. 10058

الرابع التكرار في القرآن الكريم وهو من أساليب الفصاحة في اللغة العربية لما ينطوي عليه من فوائد في الكلام. فإن كلام البلغاء لا يتكرر عبثا وإنما لفوائد ومعان جديدة. ولما كان هذا حال كلام العرب، فكلام الله أولى بذلك فإنك لا ترى كلمة أو آية تكررت إلا لحكمة وفائدة. وقد استعمل التكرار في القرآن جريا على عادة العرب في كلامهم، يقول الزركشي: " وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة، ظنا أنه لا فائدة له، وليس كذلك، بل هو من محاسنها لا سيما إذا تعلق بعضه ببعض، وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كررته توكيدا، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء عليه، حيث تقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم ". وقبل أن أجمل أغراض وفوائد التكرار في القرآن الكريم أسوق للقارئ صورا من التكرار في الشعر الجاهلي لبيان أنه من أساليب العرب المتبعة في الكلام. مثال ذلك شعر المهلهل بن ربيعة بمناسبة حرب البسوس يصف الأيام التي كانت الدائرة فيها لبني تغلب على بكر: على أن ليس عدلا من كليب ... إذا رجف العضاة من الدبور (١) على أن ليس عدلا من كليب ... إذا طرد اليتيم عن الجزور على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور على أن ليس عدلا من كليب ... غداة بلابل الأمر الكبير (٢)

стр. 10059

على أن ليس عدلا من كليب ... إذا هبت رياح الزمهرير على أن ليس عدلا من كليب ... إذا وثب المثار على المثير على أن ليس عدلا من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور على أن ليس عدلا من كليب ... إذا علنت نجيات الأمور ومن ذلك قصيدة الحارث بن عباد بمناسبة حرب البسوس التي مطلعها: كل شيء مصيره للزوال ... غير ربي وصالح الأعمال ثم يقول في قصيدته: قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال (١) قربا مربط النعامة مني ... ليس قولي يراد لكن فعالي قربا مربط النعامة مني ... جد نوح النساء بالإعوال قربا مربط النعامة مني ... شاب رأسي وأنكرتني العوالي قربا مربط النعامة مني ... للسرى والغدو والآصال قربا مربط النعامة مني ... طال ليلي على الليالي الطوال قربا مربط النعامة مني ... لاعتناق الأبطال بالأبطال قربا مربط النعامة مني ... واعدلا من مقالة الجهال قربا مربط النعامة مني ... ليس قلبي عن القتال بسال قربا مربط النعامة مني ... كلما هب ريح ذيل الشمال قربا مربط النعامة مني ... لبجير مفكك الأغلال قربا مربط النعامة مني ... لكريم متوج بالجمال قربا مربط النعامة مني ... لا نبيع الرجال بيع النعال قربا مربط النعامة مني ... لبجير فداه عمي وخالي إلى غير ذلك مما ورد في أشعارهم من تكرار بعض الكلمات أو الجمل (٢) أما أهم فوائد التكرار في القرآن فهي:

стр. 10060

١ - تقرير المعنى وتوكيده، فإن الكلام إذا تكرر تقرر. وقد ظهر هذا الأمر في المواطن التالية: أ- في الآيات المسوقة للوعيد والتهديد، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٤). ب- في الآيات المسوقة في مقام التعظيم والتهويل أو التعجب، كقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ (٥) ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ (٧) ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٩) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (١١) ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (١٢). ج- في الآيات المسوقة في التنبيه على ما ينفي التهمة حتى يتلقى الكلام بالقبول، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (١٣) ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (١٤). د- في الآيات المسوقة في مقام الاتعاظ، كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (١٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (١٦). هـ - في الآيات المسوقة في مقام إنعام الله على عباده وبيان قدرته كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ (١٧) وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ (١٨) وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ (١٩). ٢ - إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيا تجديدا لعهده، كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (٢٠). وقوله تعالى في نفس السورة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢١)،

стр. 10061

وغيرها من الأمثلة كثير (١). بيان إعجاز القرآن للعرب فإن من عجز عن الإتيان بالمعنى بصورة واحدة فإنه يعجز من باب أولى عن الإتيان بالمعنى الواحد بصور وقوالب لفظية غاية في الفصاحة والبيان. إفادة معنى جديد فإن بعض الآيات تكررت في كتاب الله وفي كل مرة تكون متعلقة بما قبلها، كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٢) كررت هذه الآية في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة، ثمان مرات عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم فناسب ذكر الآلاء عقيب كل ذلك. ثم تلتها سبع آيات فيها ذكر النار وأهوال يوم القيامة، فحسن ذكر الآلاء عقيبها لأن في صرف المؤمن عن عذاب النار أكبر نعمة، وبعد هذه السبع ثمان آيات في وصف الجنتين وأهلهما ونعيمهم فيهما فحسن أن يذكر عقيبها نعم الله على المؤمنين أن وفقوا للعمل الصالح فاستحقوا الجنتين، ثم بعد ذلك ثمان آيات للجنتين اللتين دونهما، ومن استحقها بتوفيق الله ناسب ذكر نعمة الله عليه.

стр. 10062

الخامس الكلمة القرآنية ولا أعني بذلك الكلمة القرآنية المفردة، وإنما مكانة الكلمة في النظم القرآني المعجز لأن قيمة المفردات ليست ذاتية وإنما تعود قيمتها إلى مكانها من النظم المعجز الأخاذ، ومعلوم أن التحدي لم يحصل بالكلمة بل أقل ما حصل بسورة. ويظهر الإعجاز اللغوي في الكلمة القرآنية من عدة وجوه: الأول: الكلمة في القرآن مسوقة في موقعها المناسب لتؤدي المعنى المراد

стр. 10063

وتتلاءم من الناحية اللفظية والمعنوية مع ما قبلها وما بعدها خذ مثالا لذلك قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ (١) ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٢) ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٤) ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥)، فلو استبدلت كلمة الفجر بكلمة الصبح أو كلمة الوتر بكلمة الفرد أو كلمة الحجر بكلمة العقل لاختل حسن نظم الكلمات. وتأمل أيضا كلمة يسر تجد أن الياء حذفت منها للانسجام مع كلمة الفجر، عشر، الوتر، الحجر. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (٦) ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٧) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٨) فلو تقدمت كلمة مني على كلمة العظم لاختل النظم في الآيات ولأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر (٩). الثاني: أن الكلمة القرآنية مسوقة في موقعها المناسب بحيث تعطي بمدلولها ما تلقيه من ظلال المعنى المراد بكماله وتمامه مع ما فيه من إيحاءات، ولو استبدلت بغيرها ما استفيد المعنى المراد. وقد تجد كلمة في القرآن الكريم تعبر عن معنى يعجز البشر عن التعبير عنه إلا بعدة كلمات. خذ مثالا لذلك، كلمة استقاموا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١٠)، فقد جمعت هذه الكلمة الإتيان بالخير كله والبعد عن الشر كله (١١). ومن أمثلة ذلك أننا لو أردنا بيان فوائد النار في حياة الناس نقول: إنها مما يحتاج إليها في الحضر والسفر وفي طهي الطعام عند الجوع ثم ننعم بدفئها في برد الشتاء القارص. كل هذه المعاني ذلك عليها كلمة (المقوين) في قوله تعالى:

стр. 10064

﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (١) ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ (٢) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٣). إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الباب (٤). الثالث: إن هناك بعض الكلمات يظن القارئ أنها مترادفة، فإذا تأملت استعمالاتها في القرآن رأيت بعضها استعمل في موطن والبعض الآخر في موطن آخر، وفي كل موضع يبلغ التعبير القرآني ذروته في حسن الصياغة ودقة التعبير. خذ مثالا لذلك، كلمتي (هامدة)، (خاشعة) استعملت في القرآن للدلالة على الأرض قبل نزول المطر وخروج النبات منها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٦) ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٧) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) يقول سيد قطب: " وعند التأمل السريع في هذين السياقين يتبين وجه التناسق في (هامدة) و (خاشعة). إن الجو في السياق الأول جو بعث وإحياء وإخراج فمما يتسق معه تصوير الأرض بأنها (هامدة) ثم تهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج. وإن الجو في السياق الثاني هو جو

стр. 10065

عبادة وخشوع، وسجود، يتسق معه تصوير الأرض بأنها "خاشعة" فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت. . . . " (١). ومن أمثلة ذلك التمام والكمال، فالفرق بينهما أن الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، ولذلك كان استعمال كلمة (كاملة) أبلغ من استعمال كلمة (تامة) في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢)، لأن التمام علم من العدد وإنما جاءت كلمة (كاملة) لنفي احتمال نقص في الصفات (٣). ومن ذلك أيضا القعود والجلوس، فالأول يستعمل لما فيه لبث بخلاف الثاني، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٤)، إشارة إلى أنه لا زوال لذلك، وقال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٥) لأن مثل هذه الجلسات لا تحصل إلا في زمن يسير (٦). إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة (٧).

стр. 10066

السادس الجملة القرآنية ما سبق قوله في الكلمة القرآنية نقوله هنا، وهو أن المقصود مكانة الجملة في النظم القرآني المعجز لا الجملة المفردة، لأن قيمة الجملة ليست ذاتية، وإنما تعود قيمتها إلى مكانها من النظم المعجز الأخاذ، لذلك أقل ما وقع به التحدي السورة لا الجملة. ومظاهر الإعجاز في الجملة القرآنية كثيرة منها: الأول: أنها مسوقة في موقعها المناسب لتتلاءم مع ما قبلها وما بعدها، وتنبئ عن حسن نظم الكلمات وهي غاية في الإحكام

стр. 10067

والترابط. ولهذا كان حفظ القرآن أيسر من حفظ سائر أنواع النثر. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ (١) فلو أخذنا كلمة (النذر) منفصلة عما قبلها في الآية لوجدنا ثقلا في توالي الضمة على النون والذال معا لكن الكلمة جاءت في القرآن متلائمة تماما مع السياق يقول الرافعي: " تأمل مواضع القلقلة في دال (لقد) وفي الطاء من (بطشتنا) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا)، مع الفصل بالمد، ليكون تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة ثم ردد نظرك في الراء من (تماروا) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النذر) حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها فلا تجفو عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم اعجب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون (أنذرهم) وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر) " (٢). ومثال ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣). اشتملت هذه الآية على تسع جمل متلائمة مع ما قبلها وما بعدها وهي في غاية الدقة والإحكام. أما الجملة الأولى في تلك الآية فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) والآية التي قبلها تضمنت أن كل من في السماوات

стр. 10068

والأرض ساجد لله فلزم الإنكار على عبدة الأصنام والتوجه إليهم بهذه الجملة الآمرة بلفظ "قل". ولما كان عبدة الأصنام يقرون توحيد الربوبية ناسب أن يأتي جواب الجملة الأولى على لسان محمد ﵊ وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ (١) ولما بين الله سبحانه أنه الرب لكل المخلوقات ناسب أن يسألهم النبي: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ (٢) ومن يعبد جمادات لا تنفع ولا تضر يكون كالأعمى الذي يعيش في الظلمات بخلاف من يهديه الله ولذلك ناسب أن يأتي بعد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٣) ولما كان من البدهي أن الظلمة لا تساوي النور وأن العمى لا يساوي البصر فهم أيضا أن الجاهل الذي يعبد جمادات لا تنفع ولا تضر لا يساوي العالم الموحد لله، لذا أكد الله سبحانه ما تقدم بالجملتين التاليتين: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) وقد جاء قوله: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٥) متلائما مع ما قبله لأن خالق كل شيء تلائمه وتثبت له صفة الوحدانية والقهر والقوة (٦). الثاني: أن الجملة القرآنية تدل على معنى واسع يعجز عنه الناس بعبارات كثيرة، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٧) وقد سبق الحديث عن هذه الآية في مبحث الإيجاز في القرآن. ومن أمثلة ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٨). فقد جمعت هذه الآية كل خير ونهت عن كل شر قال ابن مسعود ﵁: " إن أجمع آية للخير والشر في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٩) ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:

стр. 10069

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١). فهذه الآية احتوت على معان كثيرة لو أردنا أن نصوغها بلغتنا مع الحفاظ على ما فيها من المعاني لاحتجنا إلى أضعاف كلماتها (٢).

стр. 10070

السابع الفاصلة القرآنية اختلف العلماء في تعريف الفاصلة القرآنية. فقال الرماني: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني (١). وقال ابن منظور (٢): الفواصل أواخر الآيات في كتاب الله (٣). وكذا قال الزركشي: الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع (٤). ويرى بعض العلماء أن رءوس الآيات والفواصل مترادفان (٥) وهي نهايات الآيات كما قدمت. ويرى آخرون أن الفاصلة أعم، فهي الكلام المنفصل مما بعده. والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس آية وكذلك الفواصل يكن رءوس آي وغيرها. فكل رأس آية فاصلة ولا عكس (٦). ومن الفواصل ما هو آية كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (٧)، ﴿الْحَاقَّةُ﴾ (٨) ومنها ما هو بعض آية وهو الغالب كما سيأتي. والفواصل بحسب حرف الروي نوعان: الأول: المتماثلة: وهي التي تماثلت حروف رويتها سواء في الحرف الأخير كقوله تعالى:

стр. 10071

﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (١) ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (٢) ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾ (٣) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) أو في الحرفين الأخيرين كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٥) ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (٦) ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٧) ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٨). أو في الأحرف الثلاثة الأخيرة كقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٩) ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (١٠)، أو في الأحرف الأربعة الأخيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١١) ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (١٢)، وقد استقلت الفواصل المتماثلة بإحدى عشرة من سور المفصل (١٣) ومعظمها مكي (١٤). ويسمي البعض الفواصل المتماثلة بالمتجانسة (١٥) أو ذات المناسبة التامة. والأصوب عندي أن تسمى المتماثلة لأن التجانس كما هو معلوم عند علماء التجويد يكون بين حرفين اتحدا مخرجا واختلفا صفة. وكذا التماثل أولى من ذات المناسبة التامة لأن المصطلح يفضل أن يكون أقصر بشرط الدلالة على المعنى بتمامه وقد تحقق هنا بقولنا (التماثل). الثاني: الفواصل المقاربة: كالميم مع النون في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١٦) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١٧) والدال مع الباء في قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (١٨) ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (١٩)

стр. 10072

والتقارب في الحروف يكون بين حرفين تقاربا مخرجا وصفة كالذال والسين أو تقاربا صفة لا مخرجا كالذال والجيم (١). ويلاحظ أن الفاصلة القرآنية تأتي مكملة للمعنى الذي قبلها ومناسبة له بحيث لو تغيرت اختل المعنى. . . يدرك هذا كل من عنده ذوق أدبي. حكى الأصمعي قال: كنت أقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) والله غفور رحيم " وبجنبي أعرابي فقال: كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله. قال أعد فأعدت. فقال ليس هذا كلام الله. فانتبهت فقرأت ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) فقال: أصبت هذا كلام الله. فقلت أتقرأ القرآن. قال: لا. فقلت: من أين علمت؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع، ولو غفر فرحم لما قطع ". وقد يسأل سائل ما الحكمة في أن بعض الفواصل غريبة اللفظ مثل كلمة "ضيزى" في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (٤)، فكلمة ضيزى بمعنى جائرة أو ظالمة، فلماذا عدل عن الكلمات المألوفة إلى الكلمة غير المألوفة. والجواب على هذا السؤال من وجهين: الأول: من جهة حسن النظم والتناسق فإن سورة النجم تنتهي فواصلها بالألف المقصورة فناسب أن تكون الفاصلة كلمة ضيزى لا كلمة جائرة أو ظالمة. الثاني: إن نسبة البنات إلى الله ونسبة الأولاد إليهم أمر في أشد الغرابة فناسب أن يعبر عنه بلفظ غريب تنبيها على غرابة القسمة (٥).

стр. 10073

وقد تختلف الفاصلتان في موضعين والمحدث عنه واحد وذلك لنكتة لطيفة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). ففي الآية الأولى يقول الحق جل وعلا للإنسان إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان: كونك ظلوما وكونك كفارا. وفي الآية الثانية يقول الحق سبحانه للإنسان ولي عند إعطاء النعمة لك وصفان وهما أني: غفور رحيم، أقابل ظلمك بغفراني وكفرك برحمتي. ثم سؤال آخر يطرحه المرء هنا: ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف المنعم، وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه؟ والجواب أن سياق الآية في سورة إبراهيم في وصف الإنسان وما جبل عليه. فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه. وأما آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى وإثبات ألوهيته وتحقيق صفاته، فناسب ذكر وصفه سبحانه. وختاما، وبعد بيان مظاهر الإعجاز البياني للقرآن الكريم يظهر بطلان القول بالصرفة. وأول من قال بهذا الرأي النظام المعتزلي، ومراده بالصرفة أن الله سبحانه صرف همم العرب في زمن الرسالة عن معارضة القرآن، والإتيان بمثله. أي أن القرآن ليس معجزا لفصاحة ألفاظه وبلاغته وحسن نظمه وإنما لصرف الله العرب عن الإتيان بمثله. ولولا صرف الله العرب عن الإتيان بمثل القرآن لأتوا بمثله، وهم أهل الفصاحة والبيان. ويرى النظام أن وجه إعجاز القرآن يكمن في إخباره عن الغيوب (٣) ولم يرتض المعتزلة قول النظام وأكثرهم على تكفيره (٤).

стр. 10074

وقول النظام بالصرفة يرجع إلى قاعدة الحسن والقبح العقليين عند المعتزلة، وملخصها: أن كل ما رآه العقل حسنا، فهو عند الله حسن ومطلوب الفعل، وكل ما رآه العقل قبيحا فهو عند الله قبيح ومطلوب الترك. ومن وجهة نظر النظام العقل لا يحيل على العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، أن يأتوا بمثل القرآن لولا أن الله صرف هممهم. فجعل النظام ما رآه العقل حكما في هذه المسألة وهو الفصل فيها، مع أن مقولته منقوضة بعدة أدلة نقلية وعقلية منها:: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). فهذه الآية تدل على بطلان القول بالصرفة لأنه لو كان إعجاز القرآن يكمن في صرف العرب عن الإتيان بمثله لما كان في اجتماع الإنس والجن فائدة. يلزم القول بالصرفة أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان وحسن النظم، وأن يكون ما قالوه من شعر زمن الجاهلية أبلغ وأقوى من الشعر الذي قالوه بعد بعثة محمد ﷺ ، وحصول التحدي لهم، وليس الأمر كذلك. لو حصل نقص في فصاحة العرب وبلاغتهم وحسن نظمهم للكلم، لكان هذا عذرا لهم ولقالوا لمحمد ﵊، لقد كان بإمكاننا أن نأتي بمثل القرآن في السابق، لكنك سحرتنا فحلت بيننا وبين الإتيان بمثل القرآن. لكن ذلك لم يحصل، مع حرصهم الشديد على وصف الرسول ﷺ بأوصاف لا تليق. بل وصفوه بأنه ساحر في كثير من الأمور، لكنهم لم يصفوه بأنه سحرهم في المقدرة على النظم والفصاحة والبيان.

стр. 10075

- يلزم القول بالصرفة أن يكون العرب بعد بعثة محمد ﷺ قد سلبوا الحكمة وضعفت أذهانهم وتفكيرهم، وليس الأمر كذلك. - لو كان كلام العرب قبل بعثة محمد ﷺ من شعر أو نثر مثل نظم القرآن لما انبهروا بالقرآن الذي سمعوه من محمد ﷺ ، ولما كان له مزية على كلامهم. لكن واقعهم يشهد بخلاف ذلك، فهذا الوليد بن المغيرة يقول: " والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق وإن فرعه لجنات" (١) وكذا عتبة بن ربيعة قال: ". . . . والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة". وكذا يروى في قصة إسلام عمر، قوله عن القرآن: " ما أحسن هذا الكلام وأكرمه" (٢) وقوله: " فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام"، (٣)، إلى غير ذلك من القصص الكثيرة التي تدل دلالة قاطعة على أن أسلوب القرآن كان معجزا ولم يكن العرب قد تعودوه أو سمعوا مثله. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حسين مطاوع الترتروي

стр. 10076

صفحة فارغة

стр. 10077

صفحة فارغة

стр. 10078

صفحة فارغة

стр. 10079

صفحة فارغة

стр. 10080

صفحة فارغة

стр. 10081

صفحة فارغة

стр. 10082

صفحة فارغة

стр. 10083

مصادر ومراجع البحث - الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (مصر، مكتبة النهضة المصرية، ط ١ سنة ١٩٥٠ م). - الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله: دلائل النبوة، خرج أحاديثه: عبد البر عباس، حققه: محمد رواس قلعه جي (دمشق، دار ابن كثير، ط ١، ١٩٧٥ م). - الآمدي، علي بن أبي علي بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام، تعليق: عبد الرزاق عفيفي (الرياض، مؤسسة النور، ط ١، ١٣٨٧ هـ). - الباقلاني، محمد بن الطيب بن محمد، إعجاز القرآن، تحقيق: السيد محمد صقر (القاهرة: دار المعارف ط ٣، ١٩٦٣ م). (والنشر، ط ٢ سنة ١٩٦٣). - بدوي، أحمد أحمد: من بلاغة القرآن (القاهرة، مكتبة نهضة مصر ط ٣، د. ت). - البغدادي، عبد القاهر بن طاهر: الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم (بيروت، دار الآفاق الجديدة ط ٥ سنة ١٩٨٢ م). - البوطي، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن تأملات علمية وأدبية في كتاب الله (دمشق، مكتبة الفارابي، ط ٤ سنة ١٩٧٥م).

стр. 10084

- الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن: الرسالة الشافية- مطبوعة ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول (القاهرة، دار المعارف، ط ٣، سنة ١٩٧٦م). - الحسناوي، محمد: الفاصلة القرآنية (حلب، دار الأصيل للطباعة والنشر، د. ت) - الحكيم، السيد محمد: إعجاز القرآن (القاهرة، مطبعة دار التأليف، سنة ١٩٧٨ م). - الخطابي، حمد بن محمد إبراهيم، بيان إعجاز القرآن - مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول (القاهرة، دار المعارف، ط ٣ سنة ١٩٧٦ م). - خلاف، عبد الوهاب: علم أصول الفقه (القاهرة، مكتبة الدعوة الإسلامية ط ٨، مصورة عن ط ٧ سنة ١٩٥٦ م). - دبل، محمد بن سعد: النظم القرآني في سورة الرعد (بيروت، عالم الكتب، د. ت). - الرافعي، مصطفى صادق: إعجاز القرآن (القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، ط ٨ سنة ١٩٦٥ م). - الرماني، علي بن عيسى: النكت في إعجاز القرآن - مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول (القاهرة، دار المعارف ط ٣، سنة ١٩٧٦ م). - الزرقاني، محمد عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن (القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، د. ت). - الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله: البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط ١ سنة ١٩٥٧ م). - الزركلي، خير الدين: الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والمستعربين والمستشرقين (بيروت، دار العلم للملايين، ط ٣، سنة ١٩٦٩ م). - أبو زهرة، محمد: المعجزة الكبرى القرآن (القاهرة، دار الفكر العربي، د. ت). - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري: الإتقان في علوم القرآن (القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط ٣ سنة ١٩٥١ م). السيوطي: معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق محمد علي البجاوي (مصر، دار الفكر العربي، د. ت). - الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط (القاهرة، المطبعة الحسينية المصرية، ط ٢، ١٣٤٤ هـ). - القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن (القاهرة، دار الكتاب العربي سنة ١٣٨٧ هـ).

стр. 10085

- قطب، سيد: التصوير الفني في القرآن، (بيروت، القاهرة، دار الشروق، د. ت). قطب: في ظلال القرآن (بيروت، دار الشروق، ط ١٠، سنة ١٩٨٢ م). - ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر: الفوائد المشوق إلى علوم القرآن (بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت). - الكرماني، محمود بن حمزة بن نصر: أسرار التكرار في القرآن الكريم، دراسة وتحقيق: عبد القادر أحمد عطا (القاهرة، دار الاعتصام ط ٢ سنة ١٩٧٦م). - معبد، محمد أحمد: الملخص المفيد في علم التجويد، (المدينة المنورة مكتبة طيبة، ط ١ سنة ١٩٨٤ م). - الملا، عمر الملا جويس: تطور دراسات إعجاز القرآن وأثرها في البلاغة العربية (بغداد، مطبعة الأمة سنة ١٩٧٢م، ساعدت جامعة بغداد على نشره). - ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي: لسان العرب (بيروت، دار صادر سنة ١٩٥٦م). - المولى، محمد أحمد جاد ومعه علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم: أيام العرب في الجاهلية (مصر، دار إحياء الكتب العربية، د. ت). - ابن هشام، عبد الملك بن هشام الحميري: السيرة النبوية، تحقيق، مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٣ سنة ١٩٧١م). - ابن يعيش، يعيش بن علي بن يعيش، شرح المفصل (بيروت، عالم الكتب، د. ت).
следующие страницы →