← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

صفحة فارغة

стр. 10082

صفحة فارغة

стр. 10083

مصادر ومراجع البحث - الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (مصر، مكتبة النهضة المصرية، ط ١ سنة ١٩٥٠ م). - الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله: دلائل النبوة، خرج أحاديثه: عبد البر عباس، حققه: محمد رواس قلعه جي (دمشق، دار ابن كثير، ط ١، ١٩٧٥ م). - الآمدي، علي بن أبي علي بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام، تعليق: عبد الرزاق عفيفي (الرياض، مؤسسة النور، ط ١، ١٣٨٧ هـ). - الباقلاني، محمد بن الطيب بن محمد، إعجاز القرآن، تحقيق: السيد محمد صقر (القاهرة: دار المعارف ط ٣، ١٩٦٣ م). (والنشر، ط ٢ سنة ١٩٦٣). - بدوي، أحمد أحمد: من بلاغة القرآن (القاهرة، مكتبة نهضة مصر ط ٣، د. ت). - البغدادي، عبد القاهر بن طاهر: الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم (بيروت، دار الآفاق الجديدة ط ٥ سنة ١٩٨٢ م). - البوطي، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن تأملات علمية وأدبية في كتاب الله (دمشق، مكتبة الفارابي، ط ٤ سنة ١٩٧٥م).

стр. 10084

- الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن: الرسالة الشافية- مطبوعة ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول (القاهرة، دار المعارف، ط ٣، سنة ١٩٧٦م). - الحسناوي، محمد: الفاصلة القرآنية (حلب، دار الأصيل للطباعة والنشر، د. ت) - الحكيم، السيد محمد: إعجاز القرآن (القاهرة، مطبعة دار التأليف، سنة ١٩٧٨ م). - الخطابي، حمد بن محمد إبراهيم، بيان إعجاز القرآن - مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول (القاهرة، دار المعارف، ط ٣ سنة ١٩٧٦ م). - خلاف، عبد الوهاب: علم أصول الفقه (القاهرة، مكتبة الدعوة الإسلامية ط ٨، مصورة عن ط ٧ سنة ١٩٥٦ م). - دبل، محمد بن سعد: النظم القرآني في سورة الرعد (بيروت، عالم الكتب، د. ت). - الرافعي، مصطفى صادق: إعجاز القرآن (القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، ط ٨ سنة ١٩٦٥ م). - الرماني، علي بن عيسى: النكت في إعجاز القرآن - مطبوع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - تحقيق: محمد خلف الله، محمد زغلول (القاهرة، دار المعارف ط ٣، سنة ١٩٧٦ م). - الزرقاني، محمد عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن (القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، د. ت). - الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله: البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط ١ سنة ١٩٥٧ م). - الزركلي، خير الدين: الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والمستعربين والمستشرقين (بيروت، دار العلم للملايين، ط ٣، سنة ١٩٦٩ م). - أبو زهرة، محمد: المعجزة الكبرى القرآن (القاهرة، دار الفكر العربي، د. ت). - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري: الإتقان في علوم القرآن (القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط ٣ سنة ١٩٥١ م). السيوطي: معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق محمد علي البجاوي (مصر، دار الفكر العربي، د. ت). - الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط (القاهرة، المطبعة الحسينية المصرية، ط ٢، ١٣٤٤ هـ). - القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن (القاهرة، دار الكتاب العربي سنة ١٣٨٧ هـ).

стр. 10085

- قطب، سيد: التصوير الفني في القرآن، (بيروت، القاهرة، دار الشروق، د. ت). قطب: في ظلال القرآن (بيروت، دار الشروق، ط ١٠، سنة ١٩٨٢ م). - ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر: الفوائد المشوق إلى علوم القرآن (بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت). - الكرماني، محمود بن حمزة بن نصر: أسرار التكرار في القرآن الكريم، دراسة وتحقيق: عبد القادر أحمد عطا (القاهرة، دار الاعتصام ط ٢ سنة ١٩٧٦م). - معبد، محمد أحمد: الملخص المفيد في علم التجويد، (المدينة المنورة مكتبة طيبة، ط ١ سنة ١٩٨٤ م). - الملا، عمر الملا جويس: تطور دراسات إعجاز القرآن وأثرها في البلاغة العربية (بغداد، مطبعة الأمة سنة ١٩٧٢م، ساعدت جامعة بغداد على نشره). - ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي: لسان العرب (بيروت، دار صادر سنة ١٩٥٦م). - المولى، محمد أحمد جاد ومعه علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم: أيام العرب في الجاهلية (مصر، دار إحياء الكتب العربية، د. ت). - ابن هشام، عبد الملك بن هشام الحميري: السيرة النبوية، تحقيق، مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٣ سنة ١٩٧١م). - ابن يعيش، يعيش بن علي بن يعيش، شرح المفصل (بيروت، عالم الكتب، د. ت).

стр. 10086

صفحة فارغة

стр. 10087

حكمة مشروعية الاحتساب وحكمه، ووظيفته وأنواعه ودرجاته وطرقه للدكتور محمد عثمان صالح (أ) حكمة مشروعية الاحتساب وحكمه: شرع الله الاحتساب لحكمة عظيمة، وفائدة لا تخفى على ذوي العقول السليمة، فهم يرون بلا عناء أن للاحتساب أهميته البالغة، ودوره الخطير في إيجاد البناء الاجتماعي القوي المتماسك. لهذا جعله الله منهاج الفلاح، والصلاح للمؤمنين. كما جعله ميزة لخير الأمم، ومناط تفضيلها على العالمين - كما جعله الترياق لكل سموم المعاصي التي قد تهجم على جسد الأمة وتفسد عافيتها. وقد أجمع العلماء الذين بحثوا في حكم الاحتساب وحكمة مشروعيته على وجوبه. لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الأمة في مجملها وبأدلة من القرآن والسنة المطهرة، وإجماع العلماء. أما في القرآن الكريم فنجد الأمر به في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) فالعرف الذي يؤمر به هو المعروف والعبرة بعموم اللفظ. والدليل الثاني من القرآن قوله تعالى:

стр. 10088

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). فالأمر في الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (٢) أمر للوجوب الكفائي خوطب به سائر الأمة. قال بعض المفسرين: "من" في " ولتكن منكم" للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية. . . وقيل: زائدة (أي لتكونوا أمة) (٣). وقال ابن كثير ﵀ معناه: " أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد بحسبه. . . (٤) أما من السنة فالأدلة كثيرة منها قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٥)». وفي رواية أخرى «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٦)» ومنها قوله ﷺ : «لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به، فإنه لن يقدم أجله، ولن يحرمه رزقا هو له (٧)». أما الإجماع فقد اتفقت كلمة الأمة كلها قديما وحديثا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن من العلماء من جعله أصلا من الأصول التي بدونها لا يكون إيمان (٨).

стр. 10089

فالاحتساب بإجماع أهل الإسلام فرض لازم من الفروض التي إذا تركتها الأمة أثمت، وظلمت، واستحقت عقاب الله لها بشتى ضروب المحن في الدنيا، وبشتى صنوف العذاب في الآخرة. أما إذا قام به من يكفي في ذلك فقد سلمت الأمة، ونجت وتم بناؤها الاجتماعي. فهو إذن فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ولكنه في أحوال أخرى يكون فرض عين وتفصيلا لهذا الحكم يقول بعض الباحثين: " إذا كانت الحسبة فريضة في الجملة فإنما ذلك بالنظر إليها لا إلى ما تتعلق به من أقوال وأفعال. إذ يطرأ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحكام مختلفة تبعا لمرتبة ذاك المعروف وذاك المنكر ". وأضيف إلى هذا منزلة من يقوم به ومكانته. . . الخ. فالمعروف المأمور به قد يكون فرضا. وقد يكون سنة، أو مستحبا. وعندئذ يكون حكم الأمر به تابعا لحكمه ذاته. والمنهي عنه يكون حراما أحيانا. ويكون مكروها تحريميا أو تنزيهيا أحيانا أخرى، وعند ذلك يحكم على النهي بحسب حكم المنهي عنه ذاته، هذا في الحالات الفردية، أما لو ترك المسنون كله في المجتمع، أو ارتكب المكروه عامة في المجتمع فعندئذ يكون حكم الاحتساب فرضا على ذلك، إحياء للسنة، وإماتة للبدعة، وتصحيحا لما قد يسود في المجتمع من مفهوم خاطئ مخالف لشرع الله. وإضافة إلى هذا أقول: قد يكون الاحتساب فرض عين على من شاهد منكرا محرما دون سواه من الناس ومن ذلك النساء اللاتي يطلعن على بعض الأمور التي لا يطلع عليها سواهن فلا بد أن يأمرن وينهين بالحسنى، ومن ذلك المحتسب المعين أو المولى من قبل السلطة فيتعين عليه الأمر والنهي إذا وصل إلى علمه ما يوجب ذلك، ومن ذلك الرفيق في السفر أو العمل أو الدراسة. فعلى الفرد من هؤلاء يتعين الاحتساب.

стр. 10090

(ب) وظيفة الاحتساب وأثره في البناء الاجتماعي: وظيفة الاحتساب في المجتمع وظيفة بالغة الخطورة إذ حولها مدار البناء أو الهدم. فهي إذا نهضت بها الأمة فقد رفعت من بنائها ومن شأن "البنائين"، وإذا قصرت عنها فقد أتاحت الفرصة للهدم و"الهدامين". وما المجتمع إلا بناء لا يتم إلا بمنع الهدم فيه. يقول الشاعر: متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذ كنت تبنيه وغيرك يهدم ووظيفة الاحتساب هذه قد وضحها المصطفى ﷺ أوضح بيان في صورة تمثيلية أخرى هي صورة السفينة التي يركب فيها جمع من الناس، يقول في مثل ضربه لهذا ﷺ . «مثل القائم في حدود الله (٢)». في هذا الحديث أوضح دليل على أن المحتسبين هم صمام الأمان لسفينة المجتمع، مثلما هم البناءون للحضارات؛ أو هم كالخلايا الحية في جسد الأمة فإذا تعطلت وظائفها تعرضت الحياة كلها للهلاك والضياع وأصبحت الأمة في عداد الأحياء وما هي كذلك. قيل لابن مسعود ﵁: من ميت الأحياء؟

стр. 10091

فقال: الذي لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا. وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان ﵁، كما أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى (١). وبتفريط أهل الاحتساب من الدعاة يسود الفاسقون والمترفون وبهم تهلك القرى والأوطان. وتحذيرا من هذا المصير ومن أمثال هؤلاء يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٢). ولا شك أن تجنب هذا المصير يوجب على الجميع بحسب مراتبهم وقدراتهم أن يعملوا لإشاعة الخير وإبطال الشر، وأن يؤدوا وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ أن مدارها أن يكون الدين كله لله، وأن يعيش المجتمع في ظل نظام الإسلام، لأن ترك ذلك من أعظم الفتن التي أمر الله تعالى بالقتال لمنع حدوثها- قال جل شأنه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣). وكان علماء الأمة وأمراؤها يدركون خطورة الغفلة عن الاحتساب وترك الأمر فوضى للجهال والعصاة. كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يحذر جلساءه من مصير الغافلين، التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يقرأ لهم رحمه الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤). كما كان غيره من السلف يتلو دائما في مواعظه قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).

стр. 10092

(ج) أنواع الاحتساب ودرجاته: للاحتساب أنواع مختلفة بحسب النظر إلى المحتسب عليهم، أو النظر إلى القائمين بالاحتساب، فإذا نظرنا في تقسيمه من هذا الوجه فيكون على ثلاثة أنواع: النوع الأول: دعوة الأمة الإسلامية الأمم الأخرى إلى الإسلام وذلك من مقام الشهادة والريادة الذي جعله الله خاصية لهذه الأمة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١). والشهادة على الأمم هي دعوتهم إلى الإسلام وإقامة الحجة عليهم ليوم القيامة. النوع الثاني: الدعوة الخاصة بالمسلمين والتي يقوم بها العلماء والوعاظ والدعاة المربون. ومصدرها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢). وقوله تعالى مبينا ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين من الطاعة والانقياد: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٣).

стр. 10093

وقوله في وصف المؤمنين الناجين من الخسران: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١). النوع الثالث: الدعوة الجزئية وتكون بين الأفراد بعضهم بعضا وهي أكثر المراتب التصاقا بموضوع الاحتساب، لأن ترك المعروف وإتيان المنكر إنما يظهر أولا في الأفراد، فإذا تمادوا ولم يردعهم رادع، أصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا- كما هو مشاهد - والدليل على هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٢) ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ (٣) ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (٤). أما درجات الاحتساب فإنها تتفاوت بجسب تحقيق بعض الصفات في المحتسب، كالقدرة أو العجز والقوة أو الضعف، والعلم أو الجهل. فالدرجة الأولى: وهي أعلاها أن يغير المنكر بيده بمعنى أن يزيله فعلا ولو اقتضى الأمر استعمال القوة، والاستعانة بغيره، وتتأكد هذه الدرجة إذا كان ما يقوم به المحتسب دفع ضرر مباشر كتخليص النفس البريئة، ودفع المعتدي (الصائل)، والدفاع عن عرض مسلم. وهذه المرتبة يقوى عليها أرباب السلطة، وأصحاب القدرة والجاه، ومن ولته الدولة أمر الاحتساب، والآباء والمربون في منازلهم وفي قراباتهم ونحو ذلك. وقد يقدر عليها العامة برفع الأمر إلى القضاء. أو إلى المحتسب الذي قد تفوض له بعض الصلاحيات في التعزير أو التأديب. الدرجة الثانية: تغيير المنكر بالقول، وهذه الدرجة يستطيعها أغلب الناس خاصة إذا قوى بعضهم بعضا، بأن استحسن المجتمع فعل من يغير المنكر واستهجن سكوت من أقر الباطل. والاحتساب بالقول تقوم به الحجة على العامة والخاصة، والسلطان

стр. 10094

والرعية، ويدخل في القول الكتابة بأنواعها، والخطابة، والشريط المسجل والحوار المباشر ونحوه، ولهذه المرتبة فقه عظيم يلتمس من المصادر التي تناولت موضوع الحسبة ومن الأمور الضرورية التي ينبغي معرفتها اختيار الأسلوب الأمثل الذي يلخصه قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الدرجة هو مناط الأمر الذي نرمي إليه لينتفع العامة من تصنيف هذا البحث، بمعنى أن دائرة القول متسعة بحيث تشمل نشاط كل الأفراد الذين يحبون أن تشيع أحكام الله تعالى، وتختفي الفواحش والمخالفات، ويسود - في الجملة - شرع الله تعالى، ولا نرى في هذا العصر الذي عمت فيه الصحوة الإسلامية النزول عن هذه الدرجة - بفضل الله - وتوفيقه لهذه الأمة - ثم بفضل الروح العامة التي بثتها السياسة الواعية للولاة والدعاة - يوم أن تعاونوا على تثبيت أحكام شرع الله ورفضوا مقولات من ينسبون أحكام الشريعة إلى حاكم مقهور، أو شهر من الشهور، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. الدرجة الثالثة: الاحتساب بالقلب، وهذا يكون حيث الضعف العام، والعجز التام، في حالة تسلط الفسقة أو الملحدين، أو المتسلطين القاهرين. وبفضل الله تعالى هذه درجة لا يتجاوزها من في قلبه مثقال حبة من إيمان. فالإنكار القلبي للمعاصي والشرور والمظالم يمكن أن يقوم به كل أحد، ولا يعذر في ذلك مكلف. . . . وفائدة هذه الدرجة نقاء قلب المؤمن في

стр. 10095

حساسيته ورفضه للمنكر (١). وبقاء العزيمة على التغيير بحيث يظل متربصا حتى إذا سنحت الفرصة، انقض على الباطل. . . وفي تاريخ المسلمين الحديث عظات ودروس من هذا النوع. . . فقد رأينا مصير الذين لم ينكروا المنكر واستمرؤا ما فرضته عليهم زمرة العصاة والطغاة من علمانية ومخالفة ظاهرة لشرع الله.

стр. 10096

(د) طرق الاحتساب (مراتبه): أما طرق الاحتساب التي يعبر عنها بعض العلماء بمراتب الاحتساب فهي متعددة بحسب النظر إلى الأسلوب المختار والطريقة التي يتبعها من يقوم بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وهذه الطرق أو المراتب المتدرجة تصلح كل واحدة منها لحالة من الحالات. فالأسلوب الذي يصلح مع إنسان قد لا يصلح مع آخر، والطريقة المتبعة في حالة معينة قد لا تكون بالضرورة هي العلاج لحالة أخرى. وهكذا قد يسلك المحتسب طريقا تعليميا رفيقا مع فرد، وطريقا وعظيا تذكيريا مع آخر، أو أسلوبا تقريعيا شديدا مع فئة، أو تهديديا بإنزال العقوبة مع فئة أخرى. وقد يستخدم القوة في منع منكر - إذا كان ذلك تحت دائرة مكنته أو سلطته، أو يرفع الأمر للحاكم لإنزال العقوبة أو التعزير المناسب. وهكذا تختلف طرق الاحتساب وفقا لاختلاف الحالات والأحوال. ولمزيد من التفصيل أقول إن طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خمس طرق هي:

стр. 10097

الأولى: الطريقة التعليمية: وهي من أفضل الطرق وأنجحها، إذ أن خطاب الله تعالى للناس يبدأ بتعليهم فروض الدين وأركان الإيمان، ومحاسن الأخلاق، والحلال والحرام. وهذه الطريقة هي طريقة "البلاغ" التي أمر الله بها سائر الرسل والنبيين. ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (١). والرسول محمد ﷺ كان يقول: «إنما بعثت معلما (٢)» وكان يقول لأهل مكة من محكم التنزيل: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣). وقد طبق هذه الطريقة عمليا في مواطن كثيرة حين يرى منكرا لا يقدر الآخرون على اختيار الأسلوب المناسب لإزالته، من ذلك مثلا حادثة الرجل الذي لم يحسن صلاته فعلمه كيف يصلي. وحادثة الأعرابي الذي بال في مسجده ﷺ ، فهم به الصحابة - أي أرادوا تأديبه عنفا- فقال ﷺ «لا تزرموه (٤)» أي لا تقطعوا عليه البول. ثم قال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء (٥)». وفي رواية أنه قال «دعوه وأريقوا على بوله سجلا- أي دلوا- من ماء فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين (٦)». وهكذا طبق الصحابة هذه الطريقة التعليمية ومن جاء بعدهم من السلف وكانوا يفترضون في الذي يأمرونه بالمعروف أو ينهونه عن المنكر عدم العلم، فيختارون الأسلوب الأمثل لتعليمه، حتى لا تأخذه العزة بالإثم.

стр. 10098

من ذلك حادثة اشتهرت عند الناس، كان المعلمان فيها طفلين صغيرين- وربما هما الحسن والحسين ﵄ حين رأيا رجلا لا يحسن الوضوء، فقال أحدهما يا عم، زعم أخي هذا أني لا أحسن الوضوء، فانظر إلى وضوئي. فتوضأ كأحسن ما يكون الوضوء ثم قال الآخر انظر إلى وضوئي. فتوضأ كأحسن ما يكون الوضوء فأدرك الرجل عندئذ أنه هو المخطئ في وضوئه. وقال لهما لا شيء في وضوئكما. وإنما وضوئي أنا هو الناقص ". وهكذا ينبغي أن يسير مريد الحسبة، بعيدا عن الغلظة أو الجفوة أو التعالي أو قذف الناس بالجهل، فينفر القريب، ويتباعد البعيد. . على أنه كان في استطاعته أن يقول لمن يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر " هذه يا أخي فريضة أمر الله بها، أو هذه معصية نهى الله عنها". " ففي الناس من يقصر في طاعة، ولا يعلم أنه مأمور بها، وفيهم من يفعل معصية ولا يعلم أنه منهي عنها، فلا بد من تعريفه بالحكم أولا " (١)، ولا ينزل إلى طريقة أخرى إلا إذا تأكد له أن المخاطب غير جاهل بالحكم حينئذ يختار أسلوبا آخر.

стр. 10099

الثانية: الطريقة الوعظية التذكيرية: وهذه الطريقة التي تنفع مع الناسي أو المتجاهل، أو الكسلان أو العاصي، المستهين بأمر الله تعالى. ويستحسن أن يختار المحتسب مع هؤلاء الأسلوب الأمثل الذي ينفع في كل حالة. فإذا كان المخاطب في جماعة فالأولى أن يكون الخطاب عاما على ما كان يفعله رسول الله ﷺ حين يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا (١)». . .

стр. 10100

وإذا كان الشخص المخاطب يصلح معه أن يخاطب على انفراد وبعيدا عن الآخرين فيستحسن أن يلجأ معه إلى أسلوب وعظي تذكيري، كأن يقول: يا أخي اتق الله في نفسك. ولا أحب لك إلا ما أحب لنفسي، فإنه حدث منك كذا وكذا ويسوق له الأدلة على الوجوب أو الحرمة أو السنة أو الكراهة، ويذكره بالثواب أو العقاب الأخروي وعاقبة الاستقامة في الدنيا والآخرة. وإن كان من ذوي الحسب ذكره بأن هذا لا يليق من أمثاله. . الخ. ولا يتحول المحتسب عن هذه الطريقة إلى طريقة أخرى إلا إذا علم أن المخاطب لا يفيده هذا الأسلوب.

стр. 10101

الثالثة: طريقة التعنيف والتقريع: وهذه الطريقة تصلح لبعض الناس دون سواهم. إن طبائع الناس فيها اختلاف كبير فبعضهم يميل إلى البهيمية إذ فيه من طبع الحيوان قدر غير قليل. . وبعضهم يميل إلى التصابي وإن فرقت السنين أو العقود بينه وبين عهد الطفولة والصبا، وبعضهم يميل إلى الكبرياء والتعالي أو الغفلة والغرور فهذا أو ذاك لا يصلح معهما إلا شيء من الخطاب الزاجر، أو التوجيه الناهي الآمر، أو التعنيف المباشر. وإذا اقتضى الحال من ذي المروءة والمكانة من المحتسبين أن يوجه التقريع أو اللوم أو شيئا من عنيف القول فلا بأس. مثل أن يقول اتق الله أو يا عدو نفسه. أو ألا تخاف الله. .؟ ولكن لا بد من الحذر الشديد في اختيار هذا الأسلوب مع الغرباء، أو الحمقى ويحسن أن يكون في دائرة الأقربين أو الأولاد أو نحوهم إذ أن الغريب والأحمق قد تأخذهما العزة بالإثم فيحدث ما لا تحمد عقباه. والقاعدة الفقهية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإذا استخدم هذا الأسلوب مع الولاة أو الحكام فينبغي أن يرجح صدق إيمانهم

стр. 10102

وخوفهم من الله وأن يكون في منتهى القوة والقناعة والزهد معهم. فيكون كشأن عالم أهل مكة المشهور عطاء بن أبي رباح مع الخليفة الأموي عبد الملك: " عن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح ﵁ على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره، وحواليه الأشراف من كل بطن - أي قبيلة - وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به قام إليه، وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد. ما حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس. واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم، ولا تغلق بابك دونهم. فقال له: أجل، أفعل. ثم نهض عطاء وقام فقبض عليه عبد الملك - أي على يده - وقال يا أبا محمد، إنما سألتنا حاجة لغيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك أنت؟ قال: ما لي إلى مخلوق حاجة. ثم خرج. فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف" (١). وإذا أجدت هذه الطريقة مع بعض الناس ولم تجد مع آخرين فإنه يغير الأسلوب ويلجأ إلى طريقة أخرى من الطرق المناسبة.

стр. 10103

الرابعة: طريقة التهديد بإنزال العقوبة البدنية أو المادية: وهذا أسلوب ينفع من بعض الناس فهؤلاء كالنيام لا يستيقظون إلا إذا حلت بهم صيحة، أو قرع آذانهم نذير الألم والبلاء. فهم من ذوي الأحاسيس ولكنها أحاسيس متجمدة لا يذيبها إلا حر الخوف من العقوبة. ويشترك في هذه الطبيعة بعض الرجال، وبعض النساء، وكثير من الفتيان والصبيان. والمربي الوالد، أو المحتسب المجاهد حين يلجأ لهذا الأسلوب القاسي فإنما يقصد الشفقة والرحمة بالمخاطب يريد نجاته من الخسران في الدنيا والهلاك في الآخرة فهو إذا استخدم التهديد بإنزال العقوبة البدنية أو المادية فإنما يقصد الرحمة للمخاطب. فيكون في هذا كما قال الشاعر: فقسا ليزدجروا ومن يك راحما ... فليقس أحيانا على من يرحم وقد باشر هذا الأسلوب رسول الله ﷺ حين تعرض يوما لمن يتركون صلاة الجماعة فقال: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم (١)». كما درج على نفس الطريقة كثير من الخلفاء والولاة والعلماء. . . . وكان أبرز هؤلاء الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ الذي نشر هيبة الإسلام على سائر الدولة الإسلامية من شدة محاسبته للخاصة والعامة وتهديده بالعقوبة للمتهاونين والعصاة والغافلين. ومع التهديد بالعقوبة لعله يحسن الهجر والإعراض قبل الانتقال إلى مرحلة تالية ربما كان ذلك خيرا لبعض الوقت، على أنه حين التمادي في ترك المعروف أو الاستحلاء للمنكر ينبغي أن يلجأ إلى الأسلوب الآخر.

стр. 10104

الخامسة: طريقة المنع بالقوة . وهذه كما هو معلوم تكون آخر الدواء كالكي بالنار تماما، وهي درجة مخصصة للقادر على التغيير باليد، من الآباء والمربين وذوي الجاه والسلطة أو المكانة العلمية والأدبية التي لا تنازع، أو المحتسب المولى. ففي هذه الحالة للمحتسب أن يستخدم قدرته على كسر أدوات المعصية من أواني خمور، أو أدوات لهو باطل، أو وسائل معصية مقطوع حرمتها. ولقد كان واقعنا في بعض البلاد الإسلامية تفويض اجتماعي لذوي الجاه والعلم أن يغيروا المنكر بأيديهم في الطرقات أو الأسواق أو في وسائل المواصلات العامة. وكان لكبير السن الهيبة والمنزلة التي بها يستطيع أن يقيم أمر العامة على الجادة دون أن يتعرض لأي مضايقة أو أذى إذا ما استخدم يده في ذلك ولكن اختفت الآن هذه الظاهرة أو كادت أن تختفي فما علينا إلا البحث عن الخلل الذي طرأ في حياتنا الاجتماعية وجعل كثيرا من الناس يحجمون عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الطريق. ولعل العلاج لهذه الظاهرة هو إشاعة مزيد من الفقه بين المحتسبين لأن هذه المنزلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد لا ينبغي أن يتصدى لها إلا من هو عالم بما يأمر به أو ينهى عنه، ومطلع أيضا على الطرق بالأساليب التي تتخذ الحكمة رائدا لها. محمد عثمان صالح

стр. 10105

صفحة فارغة

стр. 10106

من هو الخضر صاحب موسى ﵇ الشيخ / يوسف عبد الرحمن البرقاوي قصة حياة الخضر من القصص التي راجت بين العوام واشتهرت عند الجماعات المتصوفة فأوقع الشيطان الكثير من جهلة هذه الأمة في متاهات لا حدود لها وفي ضلالات سحيقة في أمر الخضر. ونسج الغلاة من أهل الضلال الحكايات الغريبة والخرافات البعيدة عن الحق والصواب واعتبروا ذلك من باب الولاية لهم وكرامة لأمثالهم زاعمين بأن الله تعالى أكرمهم بها. والحق إنما هي تخرصات وأوهام مبنية على إرهاصات خيالية وحكايات معتمدة على المكاشفات والمنامات والتي هي من وحي الشيطان لبس بها على أوليائه وأتباعه فأضلهم بذلك سواء السبيل. وقد بحث علماء الإسلام هذا الموضوع بحثا وافيا في كتبهم المعتبرة على ضوء ما قررته الأدلة الشرعية وأوضحوا هذا الأمر جليا فمن أراد المزيد من الاطلاع فعليه مراجعة كتاب الإصابة في تمييز الصحابة وفتح الباري وكلاهما لابن حجر العسقلاني والبداية والنهاية لابن كثير وكتاب المنار المنيف لابن القيم وكتاب كشف الخدر عن أمر الخضر للشيخ علي القارئ وكتاب عجالة المنتظر في شرح حال الخضر لأبي الفرج ابن الجوزي. ففي هذه المراجع الجواب الشافي لمن أراد أن يقف على حقيقة الخضر. وقد جمعت هذا البحث من كتب علماء الإسلام المعتبرة وعزوت كل قول إلى قائله مع بيان المرجع الذي اعتمدت عليه ليكون القارئ على نور

стр. 10107

وبصيرة من هذا الموضوع الذي روجته حكايات الخرافيين وأساطير المتصوفين.

стр. 10108

مقتطفات من أقوال العلماء: جاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٢٩ ج ١ قال ابن حجر العسقلاني ﵀: (الخضر صاحب موسى اختلف في نسبه وفي كونه نبيا وفي طول عمره وبقاء حياته وعلى تقدير بقائه إلى زمن النبي ﷺ وحياته بعده فهو داخل في تعريف الصحابة على أحد الأقوال ولم أر من ذكره منهم من القدماء مع ذهاب الأكثر إلى الأخذ بما ورد من أخباره في تعميره وبقائه وقد جمعت من أخباره ما انتهى إلي علمه مع بيان ما يصح من ذلك وما لا يصح). وجاء في كتاب المنار المنيف ص ٧٦ قال ابن القيم ﵀: (الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد). وسيأتي ذلك في موضعه وقد أجاد وأفاد ابن القيم في بيان الأدلة على موت الخضر وأبطل مزاعم القائلين بحياته وذلك من عشرة أوجه وأثبت موت الخضر بالأدلة الصحيحة. (٣) وجاء في كتاب الموضوعات لابن الجوزي ص ١٩٥ ج ١ قال ﵀: (يلتقي الخضر وإلياس كل عام فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هذه الكلمات. " بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.).

стр. 10109

فقد اعتبر ابن الجوزي ذلك من الموضوعات التي لا أصل لها من الصحة.

стр. 10110

نسب الخضر: فقد نقل ابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة عشرة أقوال في نسب الخضر أسوقها للقارئ كما جاء في الإصابة (ص ٤٢٩ ج١). الأول: قيل هو ابن آدم لصلبه وهذا القول رواه الدارقطني في الأفراد من طريق رواد بن الجراح عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس. ورواد ضعيف ومقاتل متروك والضحاك لم يسمع من ابن عباس. الثاني: إنه ابن قابيل بن آدم ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين قال: حدثنا مشيختنا منهم أبو عبيدة فذكره وقالوا هو أطول الناس عمرا وهذا معضل وحكى صاحب هذه المقالة أن اسمه خضرون وهو الخضر وقيل اسمه عامر ذكره أبو الخطاب ابن دحية عن حبيب البغدادي. الثالث: جاء عن وهب بن منبه أنه بليا بن ملكان بن فالح بن شالخ بن عامر بن أرفخشد بن سام بن نوح وبهذا قال ابن قتيبة وحكاه النووي وزاد " كلمان " بدل " ملكان ". الرابع: جاء عن إسماعيل بن أبي أديس أنه المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد. الخامس: هو ابن عمائيل بن النون بن العيص بن إسحاق حكاه ابن قتيبة أيضا وكذا سمى أباه عمائيل مقاتل. السادس: إنه من سبط هارون أخي موسى روي عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس وهو بعيد وأعجب منه قول

стр. 10111

ابن إسحاق أنه أرميا بن خلفيا وقد رد ذلك أبو جعفر ابن جرير. السابع: إنه ابن بنت فرعون حكاه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة وقيل ابن فرعون لصلبه حكاه النقاش. الثامن: إنه اليسع حكي عن مقاتل أيضا وهو بعيد أيضا. التاسع: إنه من ولد فارس جاء ذلك عن ابن شوذب أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب. العاشر: إنه من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه، وقيل كان أبوه فارسيا وأمه رومية. وقيل العكس كان أبوه روميا وأمه فارسية. وهذه الأقوال ذكر بعضها ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٢٦ ج ١ وقد ضعف ابن كثير بعض هذه الروايات.

стр. 10112

سبب تسميته الخضر: جاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٠ ج ١ قال ابن حجر العسقلاني: (وثبت في الصحيحين أن سبب تسميته الخضر أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء هذا لفظ أحمد من رواية ابن المبارك عن عمر عن همام عن أبي هريرة قال: والفروة الأرض اليابسة). وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة رفعه.

стр. 10113

«إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة فاهتزت تحته خضراء (١)». والفروة الحشيش اليابس). قال عبد الله بن أحمد أظنه تفسير عبد الرزاق، وفي الباب عن ابن عباس من طريق قتادة عن عبد الله بن الحارث ومن طريق منصور عن مجاهد عن النووي كنيته أبو العباس وهذا متفق عليه. وجاء في فتح الباري شرح البخاري ص ٤٣٣ ج ٦ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء (٢)» رواه البخاري وغيره.

стр. 10114

نبوة الخضر: جاء في تفسير القرطبي ص ١٦ ج ١١ عند قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (١) الكهف آية ٦٥ قال القرطبي ﵀: (العبد هو الخضر ﵇ في قول الجمهور وبمقتضى الأحاديث الثابتة. إلى أن قال: والخضر نبي عند الجمهور، وقيل: عبد صالح والآية تشهد بنبوته، لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي، وقيل: كان ملكا أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما حمله من علم الباطن). وقال القرطبي: (والأول الصحيح والله أعلم. أهـ). أقول: هذا القرطبي من أئمة المفسرين يرجح نبوة الخضر فبطلت دعوى من قال إنه ولي أعطاه الله علم الباطن.

стр. 10115

الأدلة على نبوة الخضر: قال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٢٨ ج ١ بعد أن ساق قصة موسى ﵇ مع الخضر قال ﵀. (وقد دل سياق القصة على نبوة الخضر من وجوه: - أحدها: قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (١) الثاني: " قوله تعالى حكاية عن قول موسى للخضر ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢) ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٣) ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (٤) ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٥) ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٦) الكهف (٦٦ - ٧٠). قال ابن كثير: (فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ولم يرد على موسى هذا الرد بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصوما ولم تكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقبا من الزمان، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه وقد خص من العلوم الكونية والأسرار النبوية مما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بني إسرائيل الكريم). وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني على نبوة الخضر ﵇. الثالث: إن الخضر أقدم على قتل الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام وهذا دليل مستقل على نبوته وبرهان ذلك على عصمته، لأن

стр. 10116

الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يدور في خلده لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتها له فيتبعانه على الكفر ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر، وعقوبته دل ذلك على نبوته وأنه مؤيد من الله بعصمته. وقال ابن كثير: (وقد رأيت أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا). الرابع: إنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره قال بعد ذلك كله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١) الكهف (٨٢). يعني ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحي إلي فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته، ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا. وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الأمر دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه.

стр. 10117

قول ابن حجر العسقلاني في نبوة الخضر: جاء في الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٠ ج ١ قال ﵀: (باب ما ورد في كونه نبيا) أي في نبوة الخضر. قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١) وهذا ظاهره أنه فعله بأمر الله، والأصل عدم الواسطة ويحتمل أن يكون بواسطة نبي آخر لم يذكر وهو بعيد ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام لأن ذلك لا يكون من غير النبي وحيا حتى يعمل به

стр. 10118

ما عمل من قتل النفس وتعريض الأنفس للغرق فإن قلنا إنه نبي فلا إنكار في ذلك. وقال ابن حجر وأيضا فكيف يكون النبي تابعا لغير نبي وقد قال الثعالبي هو نبي في سائر الأقوال وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزنادقة اعتقاد كون الخضر نبيا، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي. كما يزعم قائلهم (بهذا البيت من الشعر): مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي وقال ابن حجر في الإصابة ص ٤٣١ ج ١. (ومما يستدل على نبوته ما أخرجه عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس قال: قال موسى لما لقي الخضر: السلام عليك يا خضر قال: وعليك السلام يا موسى قال: وما يدريك أني موسى قال: أدراني بك الذي أدراك بي).

стр. 10119

أقوال العلماء في رسالة الخضر: وقد اتفق الجمهور على نبوة الخضر ﵇ كما تقدم ولكن اختلفوا هل كان نبيا رسولا أم كان نبيا؟ جاء في الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٠ ج ١ قال ابن حجر العسقلاني: اختلف من قال إنه كان نبيا هل كان رسولا؟ جاء عن ابن عباس ووهب بن منبه أنه كان نبيا غير مرسل. وجاء عن إسماعيل بن أبي زياد ومحمد بن إسحاق وبعض أهل الكتاب أنه أرسل إلى قومه فاستجابوا له ونصر هذا القول أبو الحسن الرماني ثم ابن الجوزي.

стр. 10120

وقال الثعالبي هو نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار. وقال أبو حيان في تفسيره والجمهور على أنه نبي وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه وعلم موسى الحكم بالظاهر.
следующие страницы →