الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يدور في خلده لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتها له فيتبعانه على الكفر ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر، وعقوبته دل ذلك على نبوته وأنه مؤيد من الله بعصمته.
وقال ابن كثير: (وقد رأيت أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا).
الرابع: إنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره قال بعد ذلك كله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١) الكهف (٨٢). يعني ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحي إلي فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته، ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا. وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الأمر دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه.
стр. 10117
قول ابن حجر العسقلاني في نبوة الخضر:
جاء في الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٠ ج ١ قال ﵀: (باب ما ورد في كونه نبيا) أي في نبوة الخضر. قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١) وهذا ظاهره أنه فعله بأمر الله، والأصل عدم الواسطة ويحتمل أن يكون بواسطة نبي آخر لم يذكر وهو بعيد ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام لأن ذلك لا يكون من غير النبي وحيا حتى يعمل به
стр. 10118
ما عمل من قتل النفس وتعريض الأنفس للغرق فإن قلنا إنه نبي فلا إنكار في ذلك.
وقال ابن حجر وأيضا فكيف يكون النبي تابعا لغير نبي وقد قال الثعالبي هو نبي في سائر الأقوال وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزنادقة اعتقاد كون الخضر نبيا، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي. كما يزعم قائلهم (بهذا البيت من الشعر):
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
وقال ابن حجر في الإصابة ص ٤٣١ ج ١.
(ومما يستدل على نبوته ما أخرجه عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس قال: قال موسى لما لقي الخضر: السلام عليك يا خضر قال: وعليك السلام يا موسى قال: وما يدريك أني موسى قال: أدراني بك الذي أدراك بي).
стр. 10119
أقوال العلماء في رسالة الخضر:
وقد اتفق الجمهور على نبوة الخضر ﵇ كما تقدم ولكن اختلفوا هل كان نبيا رسولا أم كان نبيا؟
جاء في الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٠ ج ١ قال ابن حجر العسقلاني: اختلف من قال إنه كان نبيا هل كان رسولا؟
جاء عن ابن عباس ووهب بن منبه أنه كان نبيا غير مرسل.
وجاء عن إسماعيل بن أبي زياد ومحمد بن إسحاق وبعض أهل الكتاب أنه أرسل إلى قومه فاستجابوا له ونصر هذا القول أبو الحسن الرماني ثم ابن الجوزي.
стр. 10120
وقال الثعالبي هو نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار.
وقال أبو حيان في تفسيره والجمهور على أنه نبي وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه وعلم موسى الحكم بالظاهر.
стр. 10121
أقوال المتصوفة في الخضر:
جاء في الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٠ ج١ قال ابن حجر العسقلاني: (وذهب إلى أنه كان وليا جماعة من الصوفية وقال به أبو علي بن موسى من الحنابلة وأبو بكر ابن الأنباري في كتابه الزاهر بعد أن حكى عن العلماء قولين هل كان نبيا أو وليا).
وقال أبو القاسم القشيري في رسالته المسماة (بالرسالة القشيرية) وهي من كتب الصوفية، قال (لم يكن الخضر نبيا وإنما كان وليا).
أقول: وهذا القول معلوم لدى الصوفية وذلك لتقوية مذهبهم ودعم أساطيرهم في ترويج القصص الخرافية والحكايات الخيالية التي روجوها بين العوام في أمر الخضر. وقال ابن حجر العسقلاني في الإصابة ص ٤٣٠ ج ١.
(وحكى الماوردي قولا ثالثا أنه ملك من الملائكة يتصور بصورة الآدميين).
وقال أبو الخطاب بن دحية.
(لا ندري هل هو ملك أو نبي أو عبد صالح).
стр. 10122
تعقيب ابن كثير على قول من قال بأن الخضر ملك أو ولي:
وقد عقب ابن كثير ونعى قول من قال بأنه ملك من الملائكة وقول من قال بأنه ولي من الأولياء كان عنده علم الباطن.
فقد جاء في البداية والنهاية ص ٣٢٨ ج١ قال ابن كثير: وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه.
بمعنى ليس للصوفية دليل صحيح يرتكزون عليه ولا مستند يعتمدون عليه بأن الخضر كان وليا وإنما ثبتت نبوته بالأدلة الصحيحة كما تقدم.
стр. 10123
حياة الخضر والأدلة على ذلك:
هناك من يرى أن الخضر لا يزال حيا وأنه باق إلى أن يقتله الدجال ثم يحييه وتزعم الروايات أنه دفن آدم ﵇ بعد خروجهم من طوفان نوح وكل ذلك حكايات غير صحيحة لا تقوم بها حجة ولا تثبت بمثلها الأمور الغيبية وقد ردها علماء الإسلام وأبطلها أئمة الحديث وسيأتي ذلك في موضعه.
الأدلة على حياة الخضر:
ذكر ابن حجر العسقلاني في الإصابة أحاديث وحكايات تدل على وجود الخضر إلى يومنا هذا وقد أشار إلى ضعفها ونكارتها ومنها: -
(١) قال ابن حجر العسقلاني في الإصابة ص ٤٣١ ج ١: روى الدارقطني عن ابن عباس قال.
(نسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال).
стр. 10124
وقال ابن حجر: وذكر ابن إسحاق في المبتدأ قال حدثنا أصحابنا أن آدم لما حضره الموت جمع بنيه وقال: إن الله منزل على أهل الأرض عذابا فليكن جسدي معكم في المغارة حتى تدفنوني بأرض الشام فلما وقع الطوفان قال نوح لبنيه إن آدم دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه وأنجز الله وعده فهو يحيا إلى ما شاء الله أن يحيا.
أقول: ومما يدل على بطلان هذه الحكاية الخيالية فقد وردت آثار صحيحة على أن الذي تولى دفن آدم ﵇ حين موته هم الملائكة كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ص ٩٨ ج ١ قال ﵀:
ولما توفي آدم ﵇ وكان يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله من الجنة، وعزوا فيه ابنه شيثا ﵇ إلى أن قال: وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى بن ضمرة السعدي قال: رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا: هذا أبي بن كعب فقال: إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بني إني أشتهي من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفئوس والمساحي والمكاتل فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟ قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة، فقالوا: لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك فخلي بيني وبين ملائكة ربي فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره ثم حثوا عليه ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم" إسناد صحيح إليه.
وقال ابن حجر في الإصابة ص ٤٣٢ ج١ قال الحارث بن أبي
стр. 10125
أسامة في مسنده حدثنا عبد الرحيم بن واقد حدثني محمد بن بهران حدثنا أباه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الخضر في البحر واليسع في البر يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج ويحجان ويعتمران كل عام ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل»).
قال ابن حجر: عبد الرحيم وأبان متروكان.
وقال ابن حجر في الإصابة ص ٤٣٢ ج١ وقال عبد الله بن المغيرة عن ثور عن خالد بن معدان عن كعب قال الخضر على منبر من نور بين البحر الأعلى والبحر الأسفل وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية ذكره العقيلي وقال: عبد الله بن المغيرة يحدث بما لا أصل له. وقال ابن يونس: إنه منكر الحديث.
وقال ابن حجر في الإصابة: وقال النووي في تهذيبه قال الأكثرون من العلماء هو حي (يعني الخضر) موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه من الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر. وقال أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة منهم. قال وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين.
وقال ابن حجر في الإصابة ص ٤٣٣ ج١ معقبا على كلام النووي وابن الصلاح: قال ﵀:
(اعتنى بعض المتأخرين بجمع الحكايات المأثورة عن الصالحين وغيرهم ممن بعد الثلاثمائة والعشرين مع ما في أسانيدها بعضها ممن
стр. 10126
يضعف لكثرة أغلاطه واتهامه بالكذب كأبي عبد الرحمن السلمي وأبي الحسن بن جهضم).
وقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية أحاديث وروايات عن الصالحين وغيرهم تدل على حياة الخضر إلى آخر الزمان وقد عقب عليها وبين عيبها وعللها وعدم صحتها ومنها ما يلي:
جاء في البداية والنهاية ص ٣٣١ ج ١ قال ابن كثير وقد روى ابن عساكر عن أبي داود الأعمى نفيع وهو كذاب وضاع عن أنس بن مالك: أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي ﷺ وهو يدعو ويقول: " اللهم أعني على من ينجيني مما خوفتني وارزقني شوق الصالحين إلى ما شوقتهم إليه فبعث إليه أنس بن مالك فسلم عليه فرد ﵇ وقال له: إن الله فضلك على الأنبياء كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره " الحديث.
قال ابن كثير: وهو مكذوب لا يصح سندا ولا متنا. كيف لا يتمثل بين يدي رسول الله ﷺ ويجيء بنفسه مسلما ومتعلما. وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتي ويسلم عليهم ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه حتى يتعرف إليه بأن موسى بني إسرائيل.
وقال ابن كثير: وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي بعد إيراده حديث أنس هذا وأهل الحديث متفقون على أنه حديث منكر الإسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة.
стр. 10127
(٢) حديث التعزية:
جاء في البداية والنهاية ص ٣٣١ ج ١ قال ابن كثير: فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلا أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا كامل بن طلحة حدثنا عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك قال.
«لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت وخلفا من كل هالك فإلى الله أنيبوا وإليه فارغبوا ونظر إليكم في البلاء فانظروا فإن المصاب من لم يجبر وانصرف. فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم، هو أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇».
قال ابن كثير معقبا: وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي ثم قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيف وهذا منكر، قال ابن كثير: قلت: عباد بن عبد الصمد هذا ابن معمر البصري روى عن أنس نسخه، قال ابن حيان والعقيلي: أكثرها موضوع، وقال البخاري: منكر الحديث.
(ب) وقال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٣٢ ج ١ وقال الشافعي في مسنده أخبرنا القاسم بن عبد الله وهو العمري.
شيخ الشافعي - بسنده إلى علي بن الحسين قال: لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء عن كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإليه فارجعوا فإن المصاب من حرم الثواب. قال ابن الحسين أتدرون من هذا؟ هذا الخضر.
стр. 10128
قال ابن كثير: شيخ الشافعي القاسم العمري متروك. قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: " يكذب" زاد أحمد " ويضع الحديث".
стр. 10129
(٣) اجتماع الخضر وإلياس في موسم الحج:
قال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٣٣ ج ١ وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنبأني أبو القاسم ابن الحصين إلى أن قال حدثنا الحسن بن زريق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا قال: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم فيحلق كل منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هذه الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف الشر إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال ابن عباس من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات آمنه الله من الغرق والحرق والسرق، قال وأحسبه قال: ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب».
قال ابن كثير معقبا على هذا الحديث: قال الدارقطني في الأفراد هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم يحدث به غير هذا الشيخ عنه يعني الحسن بن زريق هذا. وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي مجهول وحديثه غير محفوظ وقال أبو الحسن بن المنادي هو حديث واه بالحسن بن زريق.
стр. 10130
(٤) اجتماع الخضر وجبريل في عرفات:
وقال ابن كثير وقد روى ابن عساكر من طريق علي بن الحسن الجهضمي وهو كذاب عن ضمرة بن حبيب المقدسي بسنده إلى أن قال: يجتمع كل يوم عرفة بعرفات جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر وذكر حديثا طويلا موضوعا تركنا إيراده قصدا ولله الحمد.
стр. 10131
تعقيب ابن كثير:
وقد عقب ابن كثير على الأحاديث الواردة في حياة الخضر في البداية والنهاية ص ٣٣٤ ج ١ قال ﵀: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ في كتابه " عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر " للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبين أنها موضوعات ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها وقد أجاد فيذلك وأحسن الانتقاد.
стр. 10132
موت الخضر والأدلة على ذلك:
قال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٣٤ ج ١ وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المنادي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي وقد انتصر لذلك وألف كتابا سماه (عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر) فيحتج لهم بأشياء كثيرة منها: -
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (١) فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح انتهى. والأصل عدمه ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قوله.
وقال ابن كثير: إن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢)
قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد
стр. 10133
وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه ذكره البخاري عنه.
قال ابن كثير: فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق فلو كان حيا في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه وينصره لئلا يصل أحد من الأعداء إليه. لأنه إن كان وليا فالصدق أفضل منه وإن كان نبيا فموسى أفضل منه، وقد روى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني (١)».
وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة، وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلهم أتباعا له وتحت أوامره وفي عموم شرعه. . وأسهب ابن كثير في ذلك. . .
وقال ابن كثير: والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا ربه واستنصره واستفتحه على من كفر به " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض" وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة حتى جبريل ﵇ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب:
وثبير بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
قال ابن كثير: " فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته".
стр. 10134
سؤال وجواب:
قال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٣٥ ج ١ فإن قيل فهل يقال إن الخضر كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟؟
فالجواب: أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات ثم قال ابن كثير: ما الحاصل له على هذا الاختفاء وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبوية والآيات القرآنية وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة والروايات المقلوبة والآراء البدعية والأهواء العصبية وقتاله مع المسلمين في غزواتهم وشهودة جمعهم وجماعاتهم ونفعه إياهم ودفع الضرر عنهم ممن سواهم وتسديده العلماء والحكام وتقريره الأدلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كنونه في الأمصار. وجوبه الفيافي والأقطار. واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم. وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. أهـ.
стр. 10135
الأدلة على موت الخضر:
قال ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٣٦ ج ١ ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما.
عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله ﷺ صلى ليلة العشاء ثم قال: أرأيتم ليلتكم هذه فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد (١)». وفي رواية عين تطرف قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ هذه وإنما أراد انخرام قرنه ".
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته بقليل
стр. 10136
أو بشهر «ما من نفس منفوسة أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ (١)» رواه أحمد.
(٣) وعن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله ﷺ قبل أن يموت بشهر يسألونني عن الساعة وإنما علمها عند الله أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسه اليوم يأتي عليها مائة سنة (٢)». رواه أحمد. وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نضرة وأبي الزبير كل منهما عن جابر.
قال ابن كثير: قال ابن الجوزي فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر. قال فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله ﷺ كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع فلا إشكال، وإن كان قد أدرك زمانه فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة فيكون الآن مفقودا لا موجودا لأنه داخل في هذا العموم والأصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله والله أعلم.
стр. 10137
حكايات في رؤية الخضر والرد عليها:
جاء في البداية والنهاية ص ٣٣٣ ج ١ قال ابن كثير: وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبد الملك بن مروان يأتي جامع دمشق أحب أن يتعبد ليلة في المسجد فأمر القومة أن يخلوه له ففعلوا فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء فقال للقومة: ألم آمركم أن تخلوه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا الخضر يجيئ كل ليلة يصلي هاهنا.
وقال ابن كثير: وقال ابن عساكر أيضا بسنده أن رباح بن عبيدة قال: رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدا على يديه فقلت في نفسي إن هذا الرجل حافي قال فلما انصرف من الصلاة قلت من الرجل الذي كان معتمدا على يدك آنفا قال: وهل رأيته يا رباح، قلت: نعم، قال:
стр. 10138
ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخي الخضر بشرني أني سألي وأعدل أي سيلي الخلافة ويحكم بالعدل بين الرعية.
وعقب على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية ص ٣٣٤ ج١ بعد أن ساق مثل هذه الخرافات قال ﵀: وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياة الخضر إلى اليوم وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا لا يقوم بمثلها حجة في الدين والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد.
стр. 10139
وظيفة الخضر:
تروي الحكايات العجيبة وتزعم الروايات الغريبة بأن الخضر كان وزيرا لذي القرنين وأنه وقف معه على جبل في الهند فاطلع على رسالة آدم ﵇ الموجهة إلى ذريته يأمرهم فيها بتقوى الله ويحذرهم من الشيطان الذي أخرجه من الجنة.
فقد جاء في الإصابة في تمييز الصحابة ص ٤٣٢ ج١ قال ابن حجر العسقلاني: ويروى عن سليمان الأشج صاحب كعب الأحبار عن كعب الأحبار أن الخضر كان وزير ذي القرنين وأنه وقف معه على جبل في الهند فرأى ورقة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم من آدم أبي البشر إلى ذريته أوصيكم بتقوى الله وأحذركم كيد عدوي وعدوكم إبليس فإنه أنزلني هنا. قال فنزل ذو القرنين فمسح جلوس آدم فكان مائة وثلاثين ميلا ".
والتعليق عليها يكفي أنها من الإسرائيليات فهي عن كعب الأحبار.
(٢) والرواية الثانية تفيد وتصرح بأن الخضر موكل بالبحار كما أن إلياس موكل بالفيافي والقفار كما جاء في الإصابة ص ٤٣٢ ج ١ قال ابن حجر:
стр. 10140
" ويروى عن الحسن البصري قال: وكل إلياس بالفيافي ووكل الخضر بالبحور وقد أعطيا الخلد إلى الصيحة الأولى وهما يجتمعان في موسم كل عام ".
ولا شك أن هذا القول أشبه بكلام الصوفية القائلين بأن هناك أربعة أقطاب متدركون ويتصرفون بالكون ومنهم قطب الغوث التي تحيا به العباد والبلاد إلى غير ذلك من الخرافات التي ترفضها العقول السليمة.
فإن الجاهلية قبل الإسلام كانت تترفع عن مثل هذا الاعتقاد فكانوا يقرون بتوحيد الربوبية بأن الله هو الخالق الرزاق مدبر الأمر ومسير الكون والمهيمن على كل شيء. والمؤمن بالله واليوم الآخر يكفر بهذه الأساطير والخرافات التي جرت الأمة إلى الشرك والوقوع في المتاهات. فالمتصرف بالكون هو فاطر السماوات والأرض رب الكون وخالقه الكبير المتعال. وخلق الله ملائكته الأطهار للقيام بالأعمال والمهام بإذنه تعالى وهيأهم لما خلقوا له.
قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ (١) ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ (٢) ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ (٣) ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ (٤) ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (٥) النازعات (١ - ٥).
وأرجح الأقوال لتفسير هذه الآيات الكريمات أن هذه الأعمال من مهام الملائكة الأطهار كما ذكره الشوكاني في تفسيره فتح القدير ص ٣٧٧ ج ٥.
وهنا يرد علينا سؤال: كيف أعطي إلياس والخضر الخلد في الدنيا وقد نفى القرآن الكريم ذلك بالنسبة للبشر؟؟
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٦) الأنبياء ٣٤.
стр. 10141
بطلان دعوى حياة الخضر:
وأما الحكايات والروايات والأحاديث التي تفيد وتصرح بحياة الخضر ووجوده ورؤيته أحيانا وظهوره على بعض الخواص ممن يدعي الكرامة والولاية فهي كلها باطلة غير صحيحة وقد ردها أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه " الموضوعات ص ١٩٣ - ١٩٩ ج ١" وقدح برواتها غيره من أئمة الجرح والتعديل كالحافظ أبي الحسين بن المنادي وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم من المختصين وذلك ببطلان متونها وجهالة بعض أسانيدها وتجريح رواتها؛ كالرملي والسري بن يحيى والقاسم العمري وعبد الله بن المحرز والحسن بن زريق وأبي داود الأعمى وأبو جعفر العقيلي وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهم ممن لا تقوم بروايته حجة في الدين. وهؤلاء منهم الكذاب أو متهم بالكذب أو مجهول الحال أو به علة قادحة ترد بها روايته كما أشار إلى ذلك ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الروايات التي تدل على وجود الخضر وحياته " من ص ٣٣١ - ٣٣٤ ج ١" فبين ﵀ عللها وأثبت بطلانها وعدم صحتها.
وقد ألف في وفاة الخضر الحافظ أبو الحسين بن المنادي المتوفى سنة ٣٣٦ هـ. وبالمقابل فقد ألف في حياة الخضر " عبد المغيث بن زهير الحربي الحنبلي " المعاصر لابن الجوزي والمتوفى قبله سنة ٥٨٣ هـ. وألف ابن الجوزي كتابه (عجالة المنتظر في شرح حال الخضر) في نقض كتاب عبد المغيث بن زهير. وكانت وفاة ابن الجوزي سنة ٥٩٦ هـ.
وكذلك ألف شيخ الإسلام ابن تيمية جزءا في وفاة الخضر كما ذكر ذلك تلميذه ابن القيم في رسالته " أسماء مؤلفات ابن تيمية " ص ٢٢. وكذلك ألف الشيخ علي القاري جزءا في المسألة سماه كشف الخدر عن أمر الخضر وهو مطبوع في روسيا في قازان قديما (١).
стр. 10142
كلام ابن القيم الجوزية في أمر الخضر:
قال ابن القيم في كتابه المنار المنيف ص ٦٧ الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد.
كحديث: «إن رسول الله ﷺ كان في المسجد فسمع كلاما من ورائه فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر».
وحديث: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام».
وحديث: «يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر». الحديث المفترى الطويل ".
قال ابن القيم: سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق؟ فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه. وما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان.
стр. 10143
كلام البخاري في الخضر:
قال ابن القيم في المنار المنيف: وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء؟ فقال كيف يكون هذا؟ وقد قال النبي ﷺ : «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد (١)» (رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
стр. 10144
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أمر الخضر .
قال ابن القيم في المنار المنيف ص ٦٨ وسئل عنه يعني الخضر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي النبي ﷺ ، ويجاهد بين يديه ويتعلم منه. وقد قال النبي ﷺ يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض (١)». وكانوا ثلاثمائة وثلاثة
стр. 10145
عشر رجلا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذ؟؟
стр. 10146
كلام ابن الجوزي في موضوع الخضر:
فقد جاء في المنار المنيف ص ٦٩ قال ابن القيم الجوزية قال أبو الفرج ابن الجوزي: والدليل على أن الخضر ليس بباق في الدنيا أربعة أشياء: القرآن والسنة وإجماع المحققين من العلماء والمعقول. وأخذ ﵀ يبين ذلك:
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (١) الصافات فلو دام الخضر كان خالدا. وقد تقدم كلام ابن الجوزي في البداية والنهاية ص ٣٣٤ ج ١ قال ابن كثير: قال ابن الجوزي " فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح انتهى" ثم قال ابن كثير: والأصل عدمه حتى يثبت ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله.
(٢) وأما السنة: فذكر الحديث: «أريتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو اليوم عليها أحد (٢)» متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته بقليل: «ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية (٣)».
(٣) وأما إجماع المحققين من العلماء: فقد ذكر عن البخاري وعلي بن موسى الرضا: أن الخضر مات؛ وأن البخاري سئل عن حياته فقال: وكيف يكون ذلك؟ وقد قال النبي ﷺ : «أرأيتكم ليلتكم فإن على
стр. 10147
رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد (١)» قال: وممن قال إن الخضر مات إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو الحسين المنادي وهما إمامان وكان ابن المنادي يقبح من يقول إنه حي.
وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد وذكر عن بعض أهل العلم: أنه احتج بأنه لو كان حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ .
وقال: حدثنا أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني (٢)» رواه الإمام أحمد في المسند.
فكيف يكون حيا ولا يصلي مع النبي ﷺ الجمعة والجماعة ويجاهد معه؟ ألا ترى أن عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة ولا يتقدم، لئلا يكون ذلك خدشا في نبوة نبينا ﷺ .
قال ابن القيم في المنار المنيف ص ٧٣ قال أبو الفرج: وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة.
стр. 10148
(٤) أما الدليل من المعقول فمن عشرة أوجه:
أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول إنه ولد آدم لصلبه وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذكر في كتاب يوحنا المؤرخ. ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.
الثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من ولد ولده كما زعموا وأنه
стр. 10149
كان وزير ذي القرنين فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا بل مفرط في الطول والعرض.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلق الله آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعد (١)»، وما ذكر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم الناس.
الوجه الثالث (٢): أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد.
الوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحا لما نزل من السفينة مات من كان معه ثم مات نسلهم ولم يبق غير نسل نوح. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (٣) وهذا يبطل قول من قال: إنه كان قبل نوح.
الوجه الخامس: أن هذا لو كان صحيحا أن بشرا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح: لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكورا في غير موضع لأنه من أعظم آيات الربوبية. وقد ذكر الله من أحياه ألف سنه إلا خمسين عاما، وجعله آية فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر؟ ولهذا قال بعض أهل العلم ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان.
(وقد تقدم من قول الإمام إبراهيم الحربي).
الوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم وذلك حرام بنص القرآن أما المقدمة الثانية: فظاهرة. وأما الأولى: فإن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن
стр. 10150
أو السنة أو إجماع الأمة فهذا كتاب الله تعالى فأين حياة الخضر فيه؟ وهذه سنة رسول الله ﷺ فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة هل أجمعوا على حياته؟.
الوجه السابع: أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر، فيالله العجب. هل للخضر علامة يعرفها بها من رآه؟ وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا الخضر. ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله. فأين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب؟.
الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال له: " ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (١) فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم ولا يعرفون من الشريعة شيئا؟ وكل منهم يقول: قال الخضر وجاءني الخضر وأوصاني الخضر.
فيا عجبا له: يفارق كليم الله تعالى ويدور على صحبة الجهال ومن لا يعرف كيف يتوضأ ولا كيف يصلي؟.
الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كذا وكذا لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين. إلا أن يقال: إنه لم يأت إلى رسول الله ﷺ ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل: إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه.
الوجه العاشر: أنه لو كان حيا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة وتعليمه العلم
стр. 10151
أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له؟ انتهى كلام ابن الجوزي في المنار المنيف.
стр. 10152
خلاصة القول:
والحق الذي لا ريب فيه ولا شك أن الأمور الغيبية لا تثبت بالمنامات ولا بالإرهاصات ولا بالمكاشفات، وإنما تثبت بدليل شرعي من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ . ولا دليل على وجود الخضر وحياته إلى يوم القيامة كما تدعيه الصوفية وأثبتته بالحكايات الغريبة وبالمنامات والأوهام كل ذلك من نسيج الخيال لبس عليهم الشيطان فأوقعهم في شباكه وحباله. فالخضر ﵇ مات كسائر الأنبياء والمرسلين فرحمه الله رحمة واسعة وذلك للأدلة التي أوردها علماء الإسلام. وفي ما كتبه هؤلاء الفحول من أئمة المسلمين ما يكفي ويشفي لمن أراد الحق. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) وأسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل إنه على كل شيء قدير وصلى الله على نبينا محمد ﷺ .
يوسف عبد الرحمن البرقاوي
محتويات البحث
من هو الخضر صاحب موسى ﵇.
مقتطفات من أقوال العلماء.
نسب الخضر.
سبب تسميته الخضر.
نبوة الخضر والأدلة على ذلك.
قول ابن حجر العسقلاني في نبوة الخضر.
стр. 10153
أقوال العلماء في رسالة الخضر.
أقوال المتصوفة في الخضر.
تعقيب ابن كثير على من قال بأنه ملك أو ولي.
حياة الخضر والأدلة على ذلك.
حديث التعزيه (تعزية الخضر بوفاة النبي حين موته).
اجتماع الخضر وإلياس في موسم الحج.
اجتماع الخضر وجبريل في عرفات.
تعقيب ابن كثير على ذلك.
موت الخضر.
سؤال وجواب طرحه ابن كثير.
الأدلة على موت الخضر.
حكايات في رؤية الخضر والرد عليها.
وظيفة الخضر ورسالة آدم لذريته.
بطلان دعوى حياة الخضر.
كلام ابن القيم الجوزيه في الخضر (في كتابه المنار المنيف).
كلام البخاري في الخضر.
كلام ابن الجوزي في أمر الخضر.
إثبات موت الخضر من عشرة أوجه.
خلاصة القول في موضوع الخضر.
стр. 10154
صفحة فارغة
стр. 10155
عمر بن عبد العزيز
خامس الخلفاء الراشدين
للأستاذ / أحمد فهيم مطر.
مقدمة: -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد: -
عمر بن عبد العزيز شخصية إسلامية تاريخية نالت حظها من حب الله وحب الناس جميعا وما ذلك إلا لما تميزت به هذه الشخصية من صفات نادرة صارت مضرب المثل، ومن أهم هذه الصفات هو العدل الذي ملأ به الأرض، ورد المظالم إلى أهلها حتى أنهم ليقولون: إن الشياه والذئاب والوحوش كانت ترعى في مكان واحد فلا تعتدي الوحوش على الشياه ولا تقربها.
قال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز. فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها؟ فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس، وقال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشتاء. من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدله كف الذئاب عن شائنا، وقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة.