← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له؟ انتهى كلام ابن الجوزي في المنار المنيف.

стр. 10152

خلاصة القول: والحق الذي لا ريب فيه ولا شك أن الأمور الغيبية لا تثبت بالمنامات ولا بالإرهاصات ولا بالمكاشفات، وإنما تثبت بدليل شرعي من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ . ولا دليل على وجود الخضر وحياته إلى يوم القيامة كما تدعيه الصوفية وأثبتته بالحكايات الغريبة وبالمنامات والأوهام كل ذلك من نسيج الخيال لبس عليهم الشيطان فأوقعهم في شباكه وحباله. فالخضر ﵇ مات كسائر الأنبياء والمرسلين فرحمه الله رحمة واسعة وذلك للأدلة التي أوردها علماء الإسلام. وفي ما كتبه هؤلاء الفحول من أئمة المسلمين ما يكفي ويشفي لمن أراد الحق. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) وأسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل إنه على كل شيء قدير وصلى الله على نبينا محمد ﷺ . يوسف عبد الرحمن البرقاوي محتويات البحث من هو الخضر صاحب موسى ﵇. مقتطفات من أقوال العلماء. نسب الخضر. سبب تسميته الخضر. نبوة الخضر والأدلة على ذلك. قول ابن حجر العسقلاني في نبوة الخضر.

стр. 10153

أقوال العلماء في رسالة الخضر. أقوال المتصوفة في الخضر. تعقيب ابن كثير على من قال بأنه ملك أو ولي. حياة الخضر والأدلة على ذلك. حديث التعزيه (تعزية الخضر بوفاة النبي حين موته). اجتماع الخضر وإلياس في موسم الحج. اجتماع الخضر وجبريل في عرفات. تعقيب ابن كثير على ذلك. موت الخضر. سؤال وجواب طرحه ابن كثير. الأدلة على موت الخضر. حكايات في رؤية الخضر والرد عليها. وظيفة الخضر ورسالة آدم لذريته. بطلان دعوى حياة الخضر. كلام ابن القيم الجوزيه في الخضر (في كتابه المنار المنيف). كلام البخاري في الخضر. كلام ابن الجوزي في أمر الخضر. إثبات موت الخضر من عشرة أوجه. خلاصة القول في موضوع الخضر.

стр. 10154

صفحة فارغة

стр. 10155

عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين للأستاذ / أحمد فهيم مطر. مقدمة: - الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد: - عمر بن عبد العزيز شخصية إسلامية تاريخية نالت حظها من حب الله وحب الناس جميعا وما ذلك إلا لما تميزت به هذه الشخصية من صفات نادرة صارت مضرب المثل، ومن أهم هذه الصفات هو العدل الذي ملأ به الأرض، ورد المظالم إلى أهلها حتى أنهم ليقولون: إن الشياه والذئاب والوحوش كانت ترعى في مكان واحد فلا تعتدي الوحوش على الشياه ولا تقربها. قال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز. فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها؟ فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس، وقال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشتاء. من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدله كف الذئاب عن شائنا، وقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة.

стр. 10156

فقلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك. فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة (١). ومن أهم تلك الصفات التي تميزت بها تلك الشخصية أيضا: هي الزهد والخشية من الله، وتقواه وترك الدنيا بزخارفها وزينتها. قال مالك بن دينار: الناس يقولون: مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها (٢). وقد استحق أن يطلق عليه لقب: خامس الخلفاء الراشدين. فقد روى أبو عبيدة السري بن يحيى بن أخي هناد بن السري قال: سمعت قبيصة بن عقبة يقول: سفيان الثوري يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز ﵃ (٣). وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز (٤). ولقد استقام الناس في عهده ولزموا جادة الطريق، والناس على دين ملوكهم، فقد كان العامة في زمن الوليد وسليمان يسأل بعضهم بعضا عن المغنيات والقيان والتشييد والبنيان، أما في زمن عمر بن عبد العزيز فقد كان يسأل بعضهم بعضا عن القرآن وحفظه وتلاوته وورده. رحم الله عمر على ما قدم للإسلام والمسلمين من خير في زمن امتلأ بالمفاسد والشرور ولا عجب في ذلك ولا غرابة فهو من ولد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. وإن لذلك قصة:

стр. 10157

مولده ونسبه: كان عمر بن الخطاب ﵁ يعس ليلا في المدينة يتحسس أحوال الرعية، فتلك هي مسئولية الحاكم المؤمن الذي يخاف عقاب الله ويرجو ثوابه وكثيرا ما رأى في ظلمات الليل من باك مسح له دمعته، ومن حزين خفف عنه حزنه وألمه، ومن مكروب فرج عنه كربته، وفي إحدى الليالي كان يسير ومعه مولاه أسلم، فاستراح إلى ظل حائط، فسمع امرأة تقول لفتاة لها، وقد ظنت ألا يسمعها أحد: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت الفتاة: أو ما علمت أن أمير المؤمنين عمر نهى عن مذق اللبن بالماء. قالت المرأة: - قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر. قالت الفتاة: - إن كان عمر لا يراني فإن رب عمر يراني. وهنا عجب عمر من قولها وقوة إيمانها ومخالفتها أمها التي أرادتها على المعصية مع فقرها وحاجتها إلى المال. فقال عمر لمولاه أسلم بصوت ضعيف حتى لا يسمعه أحد. علم الباب يا أسلم واعرف المكان. وفي الصباح أرسل أسلم ليعرف له القائلة والمقول لها، فأخبره بأنها فتاة من بني هلال تعيش هي وأمها في ذلك البيت وليس لهما من عائل. فجمع عمر أولاده على الفور وقال لهم: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ ولو كان بأبيكم معل ما سبقه أحد منكم إلى هذه الجارية:

стр. 10158

فقال له عاصم: - يا أبت، إنه لا زوجة لي فزوجني. فقال له عمر: اذهب يا بني فتزو جها فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب (١) فتزوجها عاصم فولدت له أنثى أم عاصم، فتربت في بيت الزهد والتقشف فنشأت كما نشأوا وتعلمت رواية الحديث من أبيها وجدها حتى ساقت المقادير عبد العزيز بن مروان للزواج منها، وكان واليا على مصر من قبل أخيه عبد الملك بن مروان فولدت له أربعة أبناء منهم عمر بن عبد العزيز ﵁. إذن فقد ولد عمر بمصر بحلوان قرية بمصر وأبوه أمير عليها سنة إحدى وقيل ثلاث وستين وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ (٢). ونشأ في نعمة أبيه وفي ترفه فقد كان أبوه أخا للخليفة عبد الملك وله ولاية العهد من بعده، وقد اختار لنفسه مدينة هواؤها عليل ونسيمها بليل بعيدة عن العمران تمتاز بالصفاء والهدوء وبعيون مائها المعدنية التي يستشفى بها من كثير من الأمراض وسكن فيها هو وأهله تسمى مدينة حلوان. تربى عمر بن عبد العزيز في عز من الملك وبحبوحة من العيش وظل من النعيم، ثم ذهب عمر إلى المدينة المنورة مع أمه لزيارة أخواله ومكث ما شاء الله أن يمكث بها، فأرسل عبد العزيز بن مروان إلى زوجته بالقدوم عليه ومعها ابنها إلا أنها استشارت عمها عبد الله بن عمر في ذلك فأشار عليها بالذهاب وحدها وترك عمر في المدينة ليتعلم العلم ويتأدب بأدبها.

стр. 10159

الرؤيا الصادقة: كان ابن الخطاب قد رأى رؤيا فقام منها يمسح النوم عن وجهه ويعرك عينيه ويقول: من هذا الذي يكون أشج من ولدي ويسير بسيرتي (١) ويقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا (٢) وكان عجب عمر كبيرا لهذه الرؤيا. فكيف تتحقق وقد حرم أولاده جميعا من الخلافة؟ ومع ذلك فقد قصها على أهله فصدقوها وعلقت بأذهانهم جميعا وانتظروا تأويلها. وكثيرا ما كان عبد الله بن عمر يردد ليت شعري، من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا (٣)؟ وانتظر هذه الرؤيا كثير من الناس وقلقوا من أجلها. كيف لا وهي بمثابة هدم لهم وتقويض لبنائهم وضياع لمستقبلهم وكان الحجاج بن يوسف يفزع عند ذكر تلك الرؤيا ويخاف أن تتحقق في حياته.

стр. 10160

بوادر الرؤيا: في إحدى زيارات عمر لأبيه في مصر دخل بصحبة أخ له اصطبل الخيل ينتقل فيه من مكان إلى مكان بين الخيول الكثيرة ورفسته بغلة فشجت جبهته وسال الدم منها غزيرا. فلم يصح أخوه ولم يولول بل ظل يضحك ضحكا عاليا حتى اجتمع الناس حوله وعلموا بالأمر فأسرع أبوه وأمه وأخذا بيده وتعجبوا من ضحك أخيه فانتهره أبوه ولكنه صاح قائلا: الله أكبر هذا أشج بني مروان الذي يملك (١) فتنبه عبد العزيز بن مروان وقال لزوجته أم عاصم فرحا:

стр. 10161

ويحك إنه أشج بني مروان وإنه لسعيد (١). ومنذ ذلك الحين أطلق على عمر أشج بني مروان أو بني أمية أو أشج قريش.

стр. 10162

رجوع عمر إلى المدينة: - ذهب عمر إلى المدينة فقد كان لها محبا وبها كلفا وخالط العلماء وأخذ عنهم وأقبل على حفظ القرآن والحديث وروى عن كثير من الصحابة وأعلام التابعين وكان عالمه المفضل الذي أخذ عنه أكثر من غيره هو ابن عتبة فقد كان يؤثره على غيره ويختلف إلى مجلسه من وقت لآخر.

стр. 10163

علم عمر: بعد أن غرف عمر من معين العلم وبلغ فيه مبلغا كبيرا وصل إلى مرتبة الاجتهاد، فأقبل عليه كثير من الفقهاء يأخذون عنه حتى بعض الذين أخذ منهم كانوا يأخذون عنه، وصار حجة في العلم يفتي العلماء والعامة على السواء. وقد روى الثوري عن عمرو بن ميمون قال: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة (١).

стр. 10164

زواج عمر: بلغ عمر مبلغ الشباب ففكر في الزواج ولم يصل بعيدا فقد اهتدى إلى عمه عبد الملك بن مروان للزواج من ابنته فاطمة، وكان عبد الملك يفكر

стр. 10165

ففرح عمر فرحا شديدا وقال: - وصلك الله يا أمير المؤمنين فقد أجزلت وكفيت. فسر عبد الملك، وأعجب برده وجوابه وأبدى له استحسانه، وثار الحسد في بعض أولاده فقالوا له: - هذا كلام تعلمه فأداه. ولم ير عبد الملك بدا من أن ينتهز فرصة المفاجأة؛ ليظهر أولاده على ذكاء عمر ويخمد غضبهم عليه، وظل يترقب حتى دخل عليه عمر يوما وعنده أولاده فقال: يا عمر، كم نفقتك؟ فقال عمر: - الحسنة بين السيئتين يا أمير المؤمنين: قال: - وما هي؟ قال: - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). فقال عبد الملك لأولاده: - - ومن علمه هذا (٢)؟

стр. 10166

إمرة المدينة بعد خناصرة: مات عبد العزيز بن مروان، وكانت له ولاية العهد بعد عبد الملك إلا أن عبد الملك جعل ولاية العهد لابنه الوليد ثم سليمان، فأراد أن يرضي عمر بن عبد العزيز فجعله أميرا على خناصرة سنة خمس وثمانين للهجرة، وهي بلدة

стр. 10167

من أعمال حلب قريبة من البادية، وظل على إمارتها حتى وفاة عبد الملك، وفي عهد الوليد ولاه المدينة بعد أن عزل عنها إسماعيل المخزومي، ولكن عمر اشترط على الوليد لقبوله الولاية ألا يأخذه بعمل أهل العدوان والظلم، فلم ير الوليد بدا من أن يقبل؛ لأنه كان في حاجة لرضا أهل المدينة. وتولى عمر إمارة المدينة في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين للهجرة، فدخلها في موكب عظيم يتألف من ثلاثين بعيرا، وفرح أهلها بلقائه وحل في دار جده مروان، وسلم الناس عليه بالإمارة ورحبوا به ترحيبا كبيرا فقد عقدوا عليه الأمل في إزاحة الظلم عنهم، فقد كان ابن المدينة وما زال بها قريب العهد.

стр. 10168

مجلس الشورى: لقد قرب عمر الفقهاء إليه وكون منهم مجلسا استشاريا يأخذ برأيهم ولا يقطع أمرا دونهم، ويراقبون المظالم ويكونون عونا للحق والعدل، ولم يكن ذلك منه إلا حبا في العدل بين الناس، وحبا لهؤلاء الفقهاء الذين كانوا أساتذة له، ولأنه كان يثق بعلمهم وتقواهم، وكان منهم الفقيه العالم سليمان بن يسار وابن عتبة العالم الناسك، وسالم العالم الزاهد الذي التقى مع هشام بن عبد الملك في الكعبة، وكان وليا للعهد فقال له هشام: - سلني حاجة. فقال له سالم: - إني لأستحي من الله أن أسأل في بيت الله غيره. فلما خرجا قال له هشام: - الآن قد خرجت فسلني حاجتك. فقال له سالم: - - من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟

стр. 10169

فقال: - بل من حوائج الدنيا. فقال سالم: - ما سألت من يملكها. فكيف أسأل من لا يملكها (١)؟

стр. 10170

المعدن الأصيل: كان عمر في فتوته وشبابه ولم يكن بعد قد تزهد ونسك، وكان به ترف ونعيم إلا أنه كان يميل إلى الحق وإلى الخوف والخشية من الله، فإذا وعظه واعظ بكى واستغفر، ولكنه يرجع من جديد إلى ترفه ونعيمه، فقد كان يلبس من الثياب الناعم منها حتى إذا لبسها مرة تركها إلى غيرها، يقول السيوطي: - كان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا إلا أنه كان يبالغ في التنعم، فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية (١). وهذه المشية التي كان يمشيها اشتهر بها، فسميت المشية العمرية، وقلدتها فتيات المدينة إلا أنه أقلع عنها بعد الخلافة. وكان يتطيب من أحسن الطيب حتى أن الناس كانوا يذهبون إلى المغسلة لغسل ثيابهم مكان ثيابه حتى ينالها من طيبه وعطره، وتلك كانت هي القشرة الظاهرة لعمر، أما بداخله فكان في حاجة إلى أن يوقظه أحد. وفي يوم من الأيام كان يمر بالمدينة ساحبا ثوبه جارا ذيله، فناداه محمد بن كعب القرظي أحد الفقهاء قائلا:

стр. 10171

- يا عمر إن رسول الله ﷺ قال: «ما جاوز الكعبين فهو في النار». فالتفت إليه عمر مغضبا وأغلظ عليه في الرد وقال له: - - اتق الله يا كعب، ولا تكن ذبالة تضيء للناس وتحرق نفسها (١). ولكن ابن كعب الفقيه كان يعرف حقيقة عمر وصفاء نفسه ومعدنه الأصيل الذي يمتلئ بالتقوى والإيمان، وإن كانت تغطيه تلك القشرة الظاهرية من مظاهر الترف والنعيم الذي تربى فيه. وما زال الفقهاء بعمر حتى أزاحوا عنه تلك القشرة الخارجية، وكشفوا عن معدنه الأصيل الثمين بالتعاون مع مزاحم مولاه، حتى استيقظ الإيمان في نفسه والخوف من الله وعقابه حتى لقد قال عمر: إن أول من أيقظني لهذا الشأن مزاحم، فوالله ما هو إلا أن قال ذلك حتى كشف عن وجهي الغطاء (٢).

стр. 10172

توسعة المسجد النبوي: انتهز الوليد فرصة إمارة عمر على المدينة وحب الناس له وثقتهم به والتفافهم حوله، وأراد أن يوسع المسجد النبوي وأن يدخل فيه بيوت أمهات المؤمنين، فقد كان يعلم أن ذلك من أصعب الأمور على أهل المدينة؛ لمحاولة عبد الملك قبله التي باءت بالفشل، وقد ضج الناس وفزعوا وبكوا بكاء شديدا كأن الرسول ﷺ لم يمت إلا في ذلك اليوم، فكف عبد الملك عما عزم عليه. ولكن الوليد يريد أن يصل إلى ما لم يستطع عبد الملك أن يصل إليه، فكتب إلى عمر وهو يثق من قيامه بهذه المهمة خير قيام، فجمع عمر الفقهاء وأعلمهم بما قال الوليد، فوافقوا على قوله، ورضي الناس حين رضي

стр. 10173

الفقهاء، وأدخلت بيوت أمهات المؤمنين التسعة في المسجد، واشترى عمر ما بجوار المسجد، وتم البناء وزخرف وزين وقدمت القبلة وجوف المحراب ورفعت المنارة، ولما بنيت المئذنة ازدادت المآذن انتشارا تشبها بمآذن الشام.

стр. 10174

الوليد في المدينة: قام الوليد بزيارة المدينة، فتلقاه عمر بموكب حافل من وجهاء المدينة وقصد الوليد المسجد ينظر إلى بنائه وتشييده، وكان عمر قد أخلى له المسجد من الناس، ولكنه لم يستطع أن يخليه من الفقيه العالم سعيد بن المسيب الذي أبى الخروج إلا عندما يحين وقت خروجه، وكان يجلس عند المحراب، وكيف يخرج من أجل فرد حتى ولو كان أمير المؤمنين؟ إن نداء الله واجب التلبية على نداء أمير المؤمنين، إذ كان مضى على سعيد تقليد خمسين عاما وعادتها، ولم يناد للصلاة في فريضة مكتوبة إلا وسعيد أسبق الناس إلى المسجد قبل الأذان (١). وكان عمر يعلم ضغينة الوليد على سعيد؛ لأنه قد امتنع عن المبايعة له بالخلافة حين أمره عبد الملك بذلك، وعذب وضرب ستين جلدة من قبل الوالي، وطيف به على الناس في تبان من صوف وعليه مسوح (٢) وهي ثياب قصيرة. وحاول عمر أن يعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا يرى سعيدا. ولكن الوليد التفت وقال: - من هذا الشيخ؟ أهو سعيد؟ فذهب إليه فقال له: - كيف أنت أيها الشيخ؟

стр. 10175

فوالله ما تحرك سعيد، فقال: - بخير والحمد لله. فكيف أمير المؤمنين، وكيف حاله؟ قال عمر: ثم انصرف الوليد وهو يقول: هذا بقية الناس. وأنا أقول: أجل يا أمير المؤمنين (١)

стр. 10176

خوف الحجاج من عمر: لقد كان الحجاج يخشى من ظهور أشج بني أمية الذي يعدل، ولما تأكد له أنه عمر بن عبد العزيز حقد عليه حقدا شديدا، وصار يتحين الفرصة المناسبة للإيقاع به عند الخليفة، وقد واتته تلك الفرصة، وذلك أنه بعد زيارة الوليد للمدينة غضب أهلها عليه لأسباب كثيرة منها: أنه جرهم وراءه مشيا لدعوتهم إلى الفداء بذي خشب، ومنها أنه أراد إخلاء المسجد من الناس حتى يكون له وحده ساعة دخوله، ومنها أنه وزع الأموال على الأغنياء وترك الفقراء، فعندما علم أهل العراق بغضب أهل المدينة لجئوا إليهم فارين من ظلم الحجاج بن يوسف الثقفي، وزاد الأمور تعقيدا أن الوليد جعل الحجاج أميرا على الحج فكان لا بد من مروره على المدينة وأهل المدينة لا يحتملون رؤيته ففزعوا إلى عمر في ذلك، فكتب إلى الوليد بتنحية الحجاج عن طريق المدينة وعدم مروره عليها فقبل الوليد خوفا من ثورة الناس. فكانت فرصة الحجاج بأن كتب إلى الوليد بعد ذلك أن كثيرا من أهل العراق ومراقيه قد لجئوا إلى المدينة ومكة وأن ذلك وهن وضعف، وما زال الحجاج بالوليد حتى أوغر صدره على عمر فقرر عزله عن إمارة المدينة.

стр. 10177

جاءه خبر عزله عن المدينة وأقبل الوالي الجديد الذي سيلي المدينة بعده وهو عثمان بن حيان المري وهو يتهددهم ويتوعدهم وأرسل حراسه يبحثون عن العراقيين ويسوقونهم إلى السجن، أما عمر فقد خرج ليلا من المدينة هو ومزاحم خفية عن أعين الناس وتذكر حين خروجه قول رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده ما خرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه أو ماله (١)»، وتذكر أيضا قوله ﷺ : «المدينة تنفي خبثها (٢)»، فاضطرب وقال: يا مزاحم: نخاف أن نكون ممن نفت المدينة (٣). وفي الموطأ بلغني أن عمر بن عبد العزيز حين خروجه من المدينة التفت إليها ثم بكى وقال: يا مزاحم: أتخشى (٤) أن نكون ممن نفته المدينة (٥). وواصل رحلته حتى وصل قرب دمشق وأقام بالسويداء بمقاطعة له بعيدا عن الضوضاء.

стр. 10178

كلمة حق عند سلطان جائر: جلس عمر في مقاطعته بالسويداء وراجع نفسه وما حوله فوجد العالم الإسلامي يموج في بحر متلاطم من الظلم والجور، فالولاة يظلمون الناس وينهبون أموالهم ويأكلونها ظلما وعدوانا ولا رقيب عليهم ولا حسيب، والبلاء يزداد في كل يوم ونار الظلم تشتعل ويشتد أوارها ويندلع لهيبها ولا يصطلي بها إلا الضعفاء من عامة الناس، فيا ويل من قصر في دفع المطلوب منه مهما كان كثيرا، والوليد يسمع ويرى ويعينهم على ظلمهم وبغيهم، وقد أطلق يد الحجاج في قصف رقاب العباد وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

стр. 10179

ومن أجل هذا كله فكر عمر ثم رأى من واجبه أن يتحرك وأن ينصح الخليفة فإذا لم يسمع النصيحة ويستجب لها يكون قد أدى ما عليه تجاه دينه، ولا يهمه أغضب الخليفة أم رضي، ما دام قد أوصل كلمة الحق إليه وأعلنها صريحة مدوية ليبرئ ذمته أمام الله يوم القيامة. فأخذ طريقه إلى دمشق حيث الوليد بن عبد الملك فنصحه في عماله وولاته وعنف عليه في النصح، وذات يوم قال له: - يا أمير المؤمنين، إن عندي لك نصيحة، فإذا خلا لك عقلك واجتمع فهمك فسلني عنها. قال الوليد: ما يمنعك الآن؟ قال: - أنت أعلم. إذا اجتمع لك ما أقول فإنك أحق أن تفهم. فسكت الوليد أياما، ثم دخل عليه عمر في جماعة من أهل الشام. فقال الوليد: - نصيحتك يا أبا حفص. ولعله أراد بذلك أن يحرجه فيخفف، ولكن عمر لم يخفف من صريح النصح فقال: - إنه ليس بعد الشرك إثم أعظم عند الله من الدم، وإن عمالك يقتلون ويكتبون لك ذنب المقتول، وأنت المسئول عنه والمأخوذ به، فاكتب إليهم ألا يقتل أحد منهم أحدا حتى يكتب إليك بذنبه، ثم يشهد عليه ثم تأمر بأمرك على أمر قد وضح لك. فكتم الوليد غيظه وقال: - بارك الله فيك يا أبا حفص: ثم رأى الوليد أن يجرب فكتب إلى الأمصار وخص الحجاج بن يوسف بما في نصيحة عمر، فكان جواب الحجاج أن يرسل إلى الوليد برجل حروري من الخوارج كان يسب الخلفاء من بني أمية ثم يسمو في ذلك صعدا ويزداد سبا حتى يبلغ الوليد فيستوفي له الشتم والسب لأنه يراه أجور الخلفاء وأظلمهم ولا سيما حين استعمل الحجاج

стр. 10180

على العراق. وأرسل الوليد إلى عمر في الظهيرة في وقت لم يكن يرسل إليه فيه فحضر فدخل عليه فإذا هو قاطب بين عينيه فقال له: اجلس هنا. وأشار إلى مجلس الخصوم بين يديه، فجلس عمر وليس عند الوليد إلا الحرسي القاسي القلب خالد بن الريان قائما بسيفه. فقال الوليد للحروري: - - ما تقول في فلان وفي فلان من الخلفاء؟ فسبهم الحروري ولعنهم. ثم قال: - وما تقول في؟ فقال الحروري: ظالم جائر جبار. فقال الوليد لحارسه خالد بن الريان: - اضرب عنقه. فضرب الحرسي عنقه. ثم عاد الوليد على عمر فقال له. كيف ترى فيمن سب الخلفاء؟ أترى أن يقتل؟ فسكت عمر. فانتهره الوليد. وقال: ما لك لا تتكلم؟ فظل ساكتا لا يتكلم. وعاد الوليد واستمر عمر في صمته. ولما برم عمر بالوليد قال: - ينكل به. فازداد غضب الوليد لأنه كان يريد من عمر أن يفتي بقتله. ثم ترك مجلسه ودخل إلى بيته؛ وأشار ابن الريان إلى عمر بالانصراف. قال عمر: فانصرفت وما تهب ريح من ورائي إلا وأنا أظن أنه رسول يردني إليه (١) وكانت منزلة عمر تزداد يوما بعد يوم وحب الناس له يتعاظم ولهذا رأى الوليد أن يستعين بعمر حين فكر في خلع سليمان من ولاية العهد وجعلها في أبنائه فقال له عمر:

стр. 10181

- يا أمير المؤمنين إنا بايعنا لكما في عقدة واحدة فكيف نخلعه ونتركك (١).

стр. 10182

موت الحجاج كان لعمر رأي في الحجاج بن يوسف الثقفي لظلمه وجبروته وبغيه وسفكه دماء الناس بالظنة والشبهة فكان يقول: " لو أن الأمم تخابثت يوم القيامة فأخرجت كل أمة خبيثها ثم أخرجنا الحجاج لغلبناهم (١). ومات هذا الطاغية وجاء خبره إلى الوليد فحزن عليه حزنا شديدا وما لبث أن لحق به جبار آخر وهو قرة بن شريك والي مصر والذي كان متسلطا على رقابها فكان حزن الوليد أشد. فصعد الوليد إلى المنبر وهو حاسر الرأس فنعاهما للناس وقال: - والله لأشفعن لهما شفاعة تنفعهما: وكان عمر بين الناس والوليد يهذي بهذا الكلام فسخر من قوله وعجب لضلالته وقال لمن حوله: - انظروا إلى هذا الخبيث، لا أناله الله شفاعة محمد ﷺ وألحقه بهما (٢). لقد صلى عمر بن عبد العزيز صلاة الشكر لله على خلاص العالم من شرهما، وتنفس الناس الصعداء في الحجاز والعراق ومصر. ولقد استجاب الله دعوة عمر في الوليد فلم يمض على موت الحجاج إلا القليل حتى مات الوليد بأرض فلسطين وتولى الخلافة بعده سليمان

стр. 10183

بن عبد الملك، وقد تولى عمر أخذ البيعة لسليمان بنفسه في اليوم الذي مات فيه الوليد، وكان سليمان أحسن من صاحبه يستجيب للنصيحة، فقرب إليه عمر يستشيره وينصحه إلا أنه لم يستجب له في نصيحة واحدة وهي نهمه إلى الطعام، فقد كان أكولا يلتهم كل ما أمامه من الطعام على كثرته ولا يبقي منه شيئا. وحج عمر مع سليمان وفي عرفات أبرقت السماء وأرعدت حتى كاد البرق يخطف أبصارهم، فخاف سليمان كما خاف أهل الموقف جميعا إلا أن عمر كان يضحك، فقال له: - أتضحك يا عمر وأنت تسمع وترى ما تسمع وترى؟ فقال عمر: - يا أمير المؤمنين هذه رحمة الله قد أفزعتك فكيف لو جاءك عذابه (١).

стр. 10184

عمر يتولى الخلافة: مرض سليمان بن عبد الملك فلما أيقن بالموت قال لرجاء بن حيوة: - إنه منذ مات ابني أيوب لم أجد بعده من يصلح للخلافة من أولادي. ودنا الموت فقلق سليمان وأمر رجاء بن حيوة أن يعرض عليه أولاده في السيوف ودروع القتال لعله يرى في أحدهم مخايل رجولة أو شجاعة فيوصي له بالخلافة، فقال سليمان: إن بني صبية صغار أفلح من كان له كبار فقال له عمر بن عبد العزيز: يقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١) ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢).

стр. 10185

وأعاد عمر قول الله تعالى حين أعاد سليمان قوله فاتعظ سليمان، ثم نوى في نفسه ليعقدن عقدا لا يكون فيه للشيطان نصيب (١). واستشار سليمان رجاء بن حيوة في عمر بن عبد العزيز فأشار عليه خيرا وامتدح عمر، ولكن سليمان تردد في عدم تنفيذ بني أمية للوصية إن اختار لهم عمر ففكر في الأمر، ثم هداه الله أن يجعل أحدهم بعده فجعل بعده يزيد بن عبد الملك، ولما استقر على هذا الرأي أشار عليه رجاء بكتابة العهد وختمه وأخذ البيعة لمن فيه، فكتب العهد وخطه بيده، ثم ختمه ابن أبي نعيم صاحب الخاتم، ثم طواه سليمان ودعا بأهل بيته من الأمراء وأهل البيعة، فطلب إليهم أن يبايعوا لمن في العهد المطوي المختوم، فبايعوا وأسلمه لرجاء. ولما مات سليمان بايع الناس مرة أخرى، وعندما أعلن رجاء بن حيوة اسم الخليفة الجديد، وجم بنو مروان وأخذتهم الدهشة، ولكنهم قد بايعوا وانتهى الأمر، ولكن هشاما لم يستطع أن يكظم غيظه فقال: هاه، لا والله لا أبايع: فسل حرسي من أهل الشام سيفه، وقال: تقول لأمر قضاه أمير المؤمنين هاه؟ فقال هشام: نسمع ونطيع إن كان رجلا من بني عبد الملك. فقال له رجاء: إذن أضرب عنقك. فجذبه الناس حتى سقط على الأرض، وقالوا: سمعنا وأطعنا. ولما أعلن رجاء اسم الخليفة الثاني خفف ذلك من حدة التوتر التي أصابت بني أمية. أما عمر فقد عقر وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته قط (٢). ومشى إليه رجاء مسلما بالإمارة طالبا إليه أن يقوم إلى المنبر، فقال عمر: أنشدك الله يا رجاء، فقال له: أناشدك الله أن يضطرب بالناس حبل (٣) وأخذ بيده رجاء وأصعده المنبر، فجلس طويلا لا يتكلم

стр. 10186

والناس في لهفة ينتظرون. فلما تكلم خلع نفسه وأراد الناس أن يختاروا رجلا آخر، ولكن الناس ضجوا وهاجوا وماجوا وصاحوا قائلين: قد اخترناك ورضينا بك فل أمرنا باليمن والبركة. وخطب عمر خطبته المشهورة التي كانت أشبه بخطبة أبي بكر الصديق التي قال فيها: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد ﵊، ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١)، وكان ذلك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين (٢).

стр. 10187

الانقلاب الكبير في الخلافة الإسلامية بعد موت سليمان بن عبد الملك: كان عمر في حياة سليمان يعايش الظلم ولا يستطيع تغييره، والآن وقد أتته الفرصة لتغييره فماذا يقول لربه حين يلقاه إن سكت عن الظلم أو توانى في رفعه، فكتب من فوره ثلاثة كتب وأنفذها إلى أصحابها: الأول: بعزل أسامة بن زيد صاحب صدقات مصر الذي أنهك أهلها، وحلب الدر حتى انقطع، وكان ظالما غشوما معتديا في العقوبات يقطع الأيدي في خلاف ما يؤمر به. والكتاب الثاني برجوع جيش مسلمة بن عبد الملك عن بلاد الروم، فقد كاد هذا الجيش يفنى من طول الحصار، والكتاب الثالث: بعزل يزيد بن أبي مسلم عن أفريقية؛ لجبروته وظلمه ومخالفته للحق، وما عجل بذلك إلا لنذر نذره لله تعالى فوفى بنذره، ويهم عمر بمغادرة المسجد بعد انتهاء الخطبة فإذا بموكب الخلفاء ينتظره عند الباب

стр. 10188

مهرجان كبير، خيول ومراكب، وسرادقات وفرسان وصخب فيشيح عن هذا كله ويقول: إيتوني ببغلتي (١). ويجتاز الطريق من المسجد صوب الدار فإذا بالطريق مغطى بالفرش والسجاد الذي لم يستعمل من قبل، والذي كان من تقاليد بني مروان أن يضعوه لكل خليفة جديد كي تطأه قدماه أول ما تطأ، فجعل عمر يركله برجله حتى يفضي إلى الحصير ويلتفت إلى مزاحم قائلا: ضم هذا لأموال المسلمين (٢). ويتقدم إليه أهل سليمان قائلين: هذا لنا وهذا لك. فيجيبهم قائلا: ما هذا لي ولا لسليمان ولا لكم، ولكن يا مزاحم ضم هذا لبيت مال المسلمين (٣). لقد كان انقلابا كبيرا، وكان على عكس التيار لا يستطيعه إلا من أوتي قوة في العقيدة وصلابة في الحق وإيمانا راسخا، لقد رد الجواري إلى أهلهن وبلادهن، ورد المظالم إلى أهلها، وألغى المجالس التي أشبهت مجالس الأباطرة والقياصرة، وتمسكت بسنن كسرى وقيصر إلى بساطتها الأولى ووضعها الإسلامي، فنهى عن القيام له وابتدأ بالسلام، وأباح دخول المسلمين عليه بغير إذن (٤)، هذا الشاب الذي كان يلبس الحلة بألف دينار ولا يلبسها إلا مرة واحدة، نراه بعد أن تولى الخلافة وتحمل المسئولية لا يلبس إلا قميصا واحدا، وينظر فيرى زوجته فاطمة بنت عبد الملك تلبس عقدا رائعا من جوهر ثمين كان أبوها عبد الملك قد أهداها إياه، فيتقدم إليها ويضعها أمام اختيار صعب.

стр. 10189

قال: اختاري. إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك؛ فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت فاطمة: - - لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه (١). تلك هي المرأة التي يقول فيها الشاعر: - بنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخلائف والخليفة زوجها ذلك هو الوفاء، وهذا هو الإيمان، ويمتد ذلك الوفاء وهذا الإيمان إلى ما بعد وفاته فيعرض عليها يزيد بن عبد الملك ما تخلت عنه من الجواهر والحلي فترد قائلة: - لا والله لا أطيب به نفسا في حياته، وأرجع فيه بعد موته (٢). وينظر عمر فيرى خالد بن الريان الذي قتل الحروري بحضرته أيام الوليد. فيقول له: ضع هذا السيف عنك. وعزله وجعل يقول: اللهم إني قد وضعت لك خالد بن الريان فلا ترفعه أبدا. ثم يتفرس عمر في وجوه الحرس فيرى عمرو بن مهاجر الأنصاري وكان تقيا: فقال له عمر حين رآه: والله إنك لتعلم يا عمرو أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكني قد سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة. خذ هذا السيف. وقد وليتك حرسي (٣). وقد شمل هذا الانقلاب الكبير كل نواحي الحياة، فتنازل عمر عن كل القطائع والأراضي والمزارع التي أقطعت له، وردها جميعا أو أثمانها إلى بيت مال المسلمين، ثم أمر الأمراء أن يؤدوا ما بأيديهم من حقوق الناس حتى لا يكرههم على ترك ذلك بالقوة، فثقل ذلك عليهم وتبرموا، ولكنهم علموا أن عمر لن يتباطأ في إنزال العقوبة بهم إن امتنعوا عن الأداء، فلجئوا إلى عمة

стр. 10190

لهم كانوا يحترمونها وكانت مقدمة عند الخلفاء، فذهبت إلى عمر وهي مغضبة، فقال لها: يا عمة: إن رسول الله ﷺ قبض فترك الناس على ورد مورود، فتولى ذلك الورد رجل فلم يستنقص منه شيئا، ثم تولاه الرجل بعد الرجل حتى ولي معاوية، فشق منه الأنهار، ثم لم يزل الناس يكرون منه حتى تركوه يابسا ليس فيه قطرة؛ وايم الله لئن أبقاني الله لأعيدنه إلى مجراه الأول. ولما يئست منه عمته انصرفت وأتت القوم فقالت لهم: - تزوجون ابنكم عبد العزيز من آل عمر بن الخطاب، فإذا نزعوا إلى الشبه جزعتم؟ اصبروا له وذوقوا مغبة أمركم (١).
следующие страницы →