← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

والناس في لهفة ينتظرون. فلما تكلم خلع نفسه وأراد الناس أن يختاروا رجلا آخر، ولكن الناس ضجوا وهاجوا وماجوا وصاحوا قائلين: قد اخترناك ورضينا بك فل أمرنا باليمن والبركة. وخطب عمر خطبته المشهورة التي كانت أشبه بخطبة أبي بكر الصديق التي قال فيها: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد ﵊، ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١)، وكان ذلك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين (٢).

стр. 10187

الانقلاب الكبير في الخلافة الإسلامية بعد موت سليمان بن عبد الملك: كان عمر في حياة سليمان يعايش الظلم ولا يستطيع تغييره، والآن وقد أتته الفرصة لتغييره فماذا يقول لربه حين يلقاه إن سكت عن الظلم أو توانى في رفعه، فكتب من فوره ثلاثة كتب وأنفذها إلى أصحابها: الأول: بعزل أسامة بن زيد صاحب صدقات مصر الذي أنهك أهلها، وحلب الدر حتى انقطع، وكان ظالما غشوما معتديا في العقوبات يقطع الأيدي في خلاف ما يؤمر به. والكتاب الثاني برجوع جيش مسلمة بن عبد الملك عن بلاد الروم، فقد كاد هذا الجيش يفنى من طول الحصار، والكتاب الثالث: بعزل يزيد بن أبي مسلم عن أفريقية؛ لجبروته وظلمه ومخالفته للحق، وما عجل بذلك إلا لنذر نذره لله تعالى فوفى بنذره، ويهم عمر بمغادرة المسجد بعد انتهاء الخطبة فإذا بموكب الخلفاء ينتظره عند الباب

стр. 10188

مهرجان كبير، خيول ومراكب، وسرادقات وفرسان وصخب فيشيح عن هذا كله ويقول: إيتوني ببغلتي (١). ويجتاز الطريق من المسجد صوب الدار فإذا بالطريق مغطى بالفرش والسجاد الذي لم يستعمل من قبل، والذي كان من تقاليد بني مروان أن يضعوه لكل خليفة جديد كي تطأه قدماه أول ما تطأ، فجعل عمر يركله برجله حتى يفضي إلى الحصير ويلتفت إلى مزاحم قائلا: ضم هذا لأموال المسلمين (٢). ويتقدم إليه أهل سليمان قائلين: هذا لنا وهذا لك. فيجيبهم قائلا: ما هذا لي ولا لسليمان ولا لكم، ولكن يا مزاحم ضم هذا لبيت مال المسلمين (٣). لقد كان انقلابا كبيرا، وكان على عكس التيار لا يستطيعه إلا من أوتي قوة في العقيدة وصلابة في الحق وإيمانا راسخا، لقد رد الجواري إلى أهلهن وبلادهن، ورد المظالم إلى أهلها، وألغى المجالس التي أشبهت مجالس الأباطرة والقياصرة، وتمسكت بسنن كسرى وقيصر إلى بساطتها الأولى ووضعها الإسلامي، فنهى عن القيام له وابتدأ بالسلام، وأباح دخول المسلمين عليه بغير إذن (٤)، هذا الشاب الذي كان يلبس الحلة بألف دينار ولا يلبسها إلا مرة واحدة، نراه بعد أن تولى الخلافة وتحمل المسئولية لا يلبس إلا قميصا واحدا، وينظر فيرى زوجته فاطمة بنت عبد الملك تلبس عقدا رائعا من جوهر ثمين كان أبوها عبد الملك قد أهداها إياه، فيتقدم إليها ويضعها أمام اختيار صعب.

стр. 10189

قال: اختاري. إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك؛ فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت فاطمة: - - لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه (١). تلك هي المرأة التي يقول فيها الشاعر: - بنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخلائف والخليفة زوجها ذلك هو الوفاء، وهذا هو الإيمان، ويمتد ذلك الوفاء وهذا الإيمان إلى ما بعد وفاته فيعرض عليها يزيد بن عبد الملك ما تخلت عنه من الجواهر والحلي فترد قائلة: - لا والله لا أطيب به نفسا في حياته، وأرجع فيه بعد موته (٢). وينظر عمر فيرى خالد بن الريان الذي قتل الحروري بحضرته أيام الوليد. فيقول له: ضع هذا السيف عنك. وعزله وجعل يقول: اللهم إني قد وضعت لك خالد بن الريان فلا ترفعه أبدا. ثم يتفرس عمر في وجوه الحرس فيرى عمرو بن مهاجر الأنصاري وكان تقيا: فقال له عمر حين رآه: والله إنك لتعلم يا عمرو أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكني قد سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة. خذ هذا السيف. وقد وليتك حرسي (٣). وقد شمل هذا الانقلاب الكبير كل نواحي الحياة، فتنازل عمر عن كل القطائع والأراضي والمزارع التي أقطعت له، وردها جميعا أو أثمانها إلى بيت مال المسلمين، ثم أمر الأمراء أن يؤدوا ما بأيديهم من حقوق الناس حتى لا يكرههم على ترك ذلك بالقوة، فثقل ذلك عليهم وتبرموا، ولكنهم علموا أن عمر لن يتباطأ في إنزال العقوبة بهم إن امتنعوا عن الأداء، فلجئوا إلى عمة

стр. 10190

لهم كانوا يحترمونها وكانت مقدمة عند الخلفاء، فذهبت إلى عمر وهي مغضبة، فقال لها: يا عمة: إن رسول الله ﷺ قبض فترك الناس على ورد مورود، فتولى ذلك الورد رجل فلم يستنقص منه شيئا، ثم تولاه الرجل بعد الرجل حتى ولي معاوية، فشق منه الأنهار، ثم لم يزل الناس يكرون منه حتى تركوه يابسا ليس فيه قطرة؛ وايم الله لئن أبقاني الله لأعيدنه إلى مجراه الأول. ولما يئست منه عمته انصرفت وأتت القوم فقالت لهم: - تزوجون ابنكم عبد العزيز من آل عمر بن الخطاب، فإذا نزعوا إلى الشبه جزعتم؟ اصبروا له وذوقوا مغبة أمركم (١).

стр. 10191

العدالة والتنفيذ: لم تكن العدالة كلمة تقال أو شعارا ينطق به، بل لقد نفذت تنفيذا عمليا جديا لا محاباة فيه لحاكم أو محكوم مهما علا شأنه وكانت قيمته، وقد جعل للقضاء قدسية وجعل كلمته فوق كلمة الخليفة، وكان يطبق هذا على نفسه وعلى غيره. جاءه مصري من حلوان يقول له، إن أباه عبد العزيز اغتصب ضيعته في إبان ولايته على مصر، وعنف المصري على عمر فلان له وقال: نازعني منازعة كريمة، ولا تشتم عرضي فإن لي فيه شركاء وإخوة وأخوات، وهؤلاء لا يرضون أن أرد لك الضيعة بغير القضاء، والرأي أن نذهب إلى القاضي. واستمع القاضي للمتخاصمين فقضى للمصري، فقال عمر: قد أنفقنا عليها ألف ألف درهم. فنظر القاضي فإذا عمر وأهله قد أخذوا من غلتها بقدر ما أنفقوا: فقال:

стр. 10192

قد أخذتم منها ما أنفقتم عليها فردوها لصاحبها. فقال عمر: - بارك الله عليك أيها القاضي. وقام فرد الأرض للمصري (١). - وكان عمر يستعجل القاضي فيحكم بالحكم متى علم بالمظلمة ووثق من وقوعها حتى لا يلحق بالمظلوم ضرر من طول مدتها، إلا أن يكون هذا بقطع أو قتل يرجع فيه إلى الخليفة، وكان لا يسمح بالتعذيب أو الإيذاء للحصول على اعتراف من المتهم؛ لأن ذلك ينافي الكرامة الإنسانية، ومنذ الساعات الأولى لتولي عمر الخلافة أعلن للناس بتحديد قاطع لا غموض فيه: أن من أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس: يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته، ويدلنا من العدل إلى ما لا نهتدي إليه، ويكون عونا لنا على الحق، ويؤدي الأمانة إلينا وإلى الناس، ولا يغتب عندنا أحدا، ومن لم يفعل فهو في حرج من صحبتنا والدخول علينا (٢). وكان عمر يراقب عماله وولاته، فإذا أخطأ بعضهم كان التوبيخ وكان الإنذار، فإذا تمادى العامل أو الوالي في خطئه كان العزل والتنحية عن العمل. وجعل عمر موسم الحج مؤتمرا عاما لجميع المسلمين يسمع مشورتهم، ويأخذ منهم ويعرف عن طريقهم أحوال بلادهم وولاتهم. هذه هي العدالة التي توخاها عمر بن عبد العزيز، إنصاف الناس جميعا، رفع الظلم عن المظلومين، وإحقاق الحق، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولنسمع إلى صرخاته وهو يطلقها في جموع الحجيج: " أنا معول كل مظلوم، ألا وإن أي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم (٣). "

стр. 10193

عمر ونشر الدعوة الإسلامية: عمل عمر جهده وصرف عنايته على نشر الدعوة الإسلامية بتبليغها للناس ودعوتهم إليها بالحسنى، فصار يرسل إلى القادة وإلى الأمراء والحكومات يدعوهم إلى الإسلام، ويرسل الفقهاء لدعوة الناس وتعليمهم الدين الصحيح وحقيقة التوحيد، وقد آتى ذلك ثماره ودخل الناس في دين الله أفواجا، فوضع عمر الجزية عمن أسلم، فكان ذلك دافعا لدخول الناس في الدين الجديد حين علموا صفاءه ونقاءه، وأنه لا يرهق الناس ولا يبخسهم حقهم، ولقد لامه بعض عمال الأقاليم على سياسة وضع الجزية، ولكن عمر يجابهه بالقول الفصل: " ضع الجزية عمن أسلم قبح الله رأيك؛ فإن الله إنما بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا، ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم في الإسلام على يديه " (١). وفي خراسان أقلق بعض من لهم مصالح خاصة دخول الناس بكثرة في الإسلام، فتقدموا إلى الجراح عاملها أن يمتحن هؤلاء الناس بالختان؛ ليعرف رغبتهم الحقيقية، فنقل الجراح ذلك إلى عمر. فرد عليه ردا حاسما قاطعا: " إن الله بعث محمدا ﷺ داعيا ولم يبعثه خائنا " (٢). وتأتي إليه رسالة عامله على البصرة التي يقول فيها: " الناس قد كثروا في الإسلام وخفت أن يقل الخراج ". فيجيبه عمر: " فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا" (٣). وتوسع عمر في دعوته فأرسل الرسائل إلى جميع ملوك الأرض يدعوهم إلى الدخول في الإسلام، فأرسل إلى الهند وإلى ما وراء النهر، فاستجاب له خلق كثير، ونشط عمال الولايات حين رأوا هذه الرغبة من عمر حتى أنه

стр. 10194

ليقال: إنه قد دخل على يد الجراح عامله على خراسان أكثر من أربعة آلاف شخص في الإسلام.

стр. 10195

عمر وأهل الذمة: لقد عامل عمر أهل الذمة معاملة طيبة نابعة من صميم الإسلام وتسامحه وعدله وما فيه من مساواة لجميع الأجناس على السواء. وكان الحجاج قد ابتدع أن يختم على بيادرهم حتى يؤدوا الجزية، فكره عمر أن يفعل فعل الحجاج وأن يؤذي كرامة أهل الذمة (١). وكان جميع الولاة يعرفون هذا عن عمر، فكانوا يعاملونهم معاملة حسنة تقوم أساسا على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وقد خفف عمر الجزية المفروضة على النصارى في كل بلد إسلامي، وقد عزل بعض الولاة لإساءتهم إلى أهل الذمة: وقد كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه (٢).

стр. 10196

عمر والخوارج: خرجت خارجة من العراق على الدولة الأموية في سنة مائة من الهجرة، وكان عامل العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن، فأمره عمر أن يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله فلما لم يستجيبوا بعث إليهم جيشا فهزمتهم الحرورية، وبالرغم من رغبة عمر في السلم إلا أنه لم يقف مكتوف اليدين أمام ذلك العصيان وهذا التمرد، فقام بإرسال مسلمة بن عبد الملك إليهم فاستطاع أن يهزمهم شر هزيمة، ومع ذلك فقد كان يحمل كتابا إلى شوذب

стр. 10197

الخارجي يسأله فيه عن سبب خروجه ودعوته إلى المناظرة، وكان في خطاب عمر: إنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ولست بأولى مني بذلك، فهلم أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا (١). ويذكر ابن الجوزي أن جماعة من الخوارج دخلوا عليه يوما وأخذوا يناقشونه في بعض القضايا، فأشار إليه بعض أصحابه أن يرعبهم ويتغير عليهم فرفض ذلك، ولم يزل يرفق في نقاشه مع هؤلاء الخوارج حتى أخذ عليهم كل حجة، ورضوا بأن يرزقهم وأن يكسوهم ما دام خليفة، وخرجوا وهم على هذا الاتفاق، وما إن غادروا المكان حتى التفت عمر إلى أحد أصحابه قائلا: " إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك دون الكي فلا تكوينه أبدا " (٢).

стр. 10198

عمر وبدعة سب علي ﵁: كان بنو أمية من أيام معاوية بن أبي سفيان يسبون عليا ﵁ فوق المنبر، وكان ذلك متفشيا في جميع البلاد التي تحت إمرتهم، فلما تولى عمر بن عبد العزيز كره ذلك ونهى عنه، وجعل مكانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). وفي ذلك يقول كثير عزة: وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بريا ولم تتبع مقالة مجرم تكلمت بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلم

стр. 10199

عمر والتكافل الاجتماعي: لقد عمل عمر ابن عبد العزيز والتكافل الاجتماعي منذ ولايته على تجريد بني أمية من كثير من أملاكهم وإقطاعياتهم التي اقتطعوها بدون حق، وتمزيق صكوكها واحدا بعد الآخر، وإدخالها في بيت مال المسلمين، وصمد عمر لبني أمية، ولم يضعف أمام اعتراضاتهم المتكررة، ورد جميع الأراضي والحقوق التي اغتصبت من الناس لهم، وأعطى كل ذي حق حقه. وبعث إليه والي البصرة برجل اغتصبت أرضه فرد عمر هذه الأرض إليه، ثم قال له: كم أنفقت في مجيئك إلي؟ قال يا أمير المؤمنين تسألني عن نفقتي، وأنت قد رددت علي أرضي وهي خير من مائة ألف؟ فأجابه عمر: إنما رددت عليك حقك. ثم ما لبث أن أمر له بستين درهما كتعويض له عن نفقات سفره (١). وعمل عمر على إزالة الضرائب المجحفة، وكانت قد فرضت على الناس قبل ذلك من أجل تنمية موارد الدولة، كأجور ضرابي النقود، وهدايا النيروز والمهرجان، وأجور الفيوج - أي رسول السلطان الذي يسعى بالكتب - وأجور البيوت، ودراهم النكاح (٢). وأسقطت المكوس وأوضح عمر سبب ذلك بقوله: " أما المكس فإنه البخس الذي نهى الله عنه، فقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٣). غير أنهم كنوه باسم آخر (٤). وقد سبق أن أصدر أمره برفع الجزية عن كل الذين أسلموا ودخلوا الإسلام، رغم اعتراضات كثيرة من الولاة وأصحاب المصالح.

стр. 10200

وصار لا يحصل من المسلمين إلا الزكاة مع تقويمها وتخريصها بالحق والعدل، وخوفا من التلاعب أمر بتوحيد المكاييل والموازين في أنحاء الدولة الإسلامية. ويتجه عمر إلى فكرة الضمان الاجتماعي التي تحقق هذا التكافل الذي يسعى إليه للجميع، فكانت الصدقات تؤخذ من الأغنياء ثم توزع على الفقراء. ويتحدث ابن جحزم عامل عمر على صدقات بني تغلب قائلا: إنه يأتي إلى الحي ويدعوهم بأموالهم فيقبضها، ثم يدعو فقراءهم ويقسمها فيهم، حتى أنه ليصيب الرجل الفريضتين أو الثلاث، فما أفارق الحي وفيهم فقير، ثم آتي إلى الحي الآخر فأصنع بهم كذلك، فما أنصرف إلى الخليفة بدرهم (١). وكان عطاء الرجل لا ينقطع بموته بل ينتقل إلى ورثته، وأمر أن تقام الخانات ومراكز الضيافة في البلاد، وتزويد المسافرين بالطعام ودلالتهم على الطريق، ونراه يوزع العطاء على جميع محاربي الدولة بالعدل الشامل دون تفريق بين عربي وغير عربي، ما دام الجميع يحملون راية لا إله إلا الله، ويعزل واليه على خراسان؛ لأنه منع ألوفا من الموالي الذين كانوا يغزون، منعهم عطاءهم (٢). وقد رفع عمر الجزية عن الرهبان في مصر، ونظر كذلك إلى الكنيسة فألغى الضريبة التي كانت تقوم بدفعها. وكتب إلى عامله على البصرة أن انظر في أهل الذمة فارفق بهم، وإذا كبر الرجل منهم وليس له مال فأنفق عليه (٣). وكان جباة الزكاة إذا لم يجدوا فقراء لإعطائهم الزكاة اشتروا بها عبيدا

стр. 10201

وأعتقوهم، ويبلغ التكافل الاجتماعي ذروته بقضاء الدين عن المدينين، وإعانة من يريد الزواج وتقديم المساعدة إلى من يريد أداء فريضة الحج. لو اجتمع علماء اقتصاد العالم كله ما استطاعوا أن يوازنوا بين موارد الدولة ومصارفها كما فعل عمر، ومهما تشدق وطبل المطبلون من العلمانيين والشيوعيين، وكل من نادى بفصل الدين عن الدولة، نقول لهم: ها هو المجتمع الإسلامي المتكامل، لا ظلم فيه ولا جور، ولا جائع ولا مسكين ولا محتاج ولا تفرقة فيه ولا محاباة، يقوم أساسا على القيم والأخلاق الإنسانية، ويطبق المبادئ الإسلامية كاملة، وظل كذلك فترة من الزمن في عهد رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده. وتجدد ذلك في عهد عمر بن عبد العزيز الذي طبق فأحسن التطبيق، فكانت السعادة وكان الرخاء، وكان الأمن والأمان والمساواة الاجتماعية بين جميع الأجناس، والحب الذي خفقت به القلوب، حتى أنهم كانوا يبحثون عن الفقير يعطونه الزكاة فلا يجدونه.

стр. 10202

عمر والشعراء: كان الشعراء في عهد الخلفاء من بني أمية يمدحونهم وينالون عطاءهم ونوالهم، وكان الخلفاء يغرفون لهم غرفا ويكيلون لهم كيلا؛ لأنهم يعلمون خطرهم ونفاذ كلامهم في الناس، ولكن عمر بن عبد العزيز والشعراء لا يخاف أحدا ولا يخشى إلا الله، ولا يعطي لأحد إلا ما يستحقه من بيت المال فوقف الشعراء (١) على بابه أياما طوالا لا يأذن لهم حتى شفع لهم عدي بن أرطأة، وقال يا أمير المؤمنين: إن الشعراء ببابك وأقوالهم باقية، وإن رسول الله قد مدح وأعطى وفيه أسوة لكل مسلم. قال: صدقت، فمن الباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة. فقال عمر: لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه أليس هو القائل:

стр. 10203

ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي ... هنالك أو في جنة أو جهنم والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ قال: جميل بن معمر العذري. قال: أليس هو القائل: أظل نهاري لا أراها وتلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ قال: كثير بن عزة. قال: أليس هو القائل: رهبان مكة والذين عهدتهم ... يبكون من حذر الفراق قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزة ركعا وسجودا أبعده الله، والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ قال: الأحوص الأنصاري. قال: لا دخل علي أبدا، أليس هو القائل: الله بيني وبين سيدها ... يفر عني بها وأتبعه فمن بالباب غيره؟ قال الفرزدق: قال: أليس هو القائل: هما ولتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره والله لا يدخل علي أبدا، فمن بالباب غيره؟ فقال: الأخطل. قال: أليس هو القائل: ولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بقائم كالعبد يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح أبعده الله، فوالله لا دخل علي أبدا، ولا وطئ لي بساطا، فمن بالباب غيره؟ قال جرير: قال: أليس هو القائل: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام فإن كان لا بد فهذا. فأذن له: فدخل جرير وهو يقول: إن الذي بعث النبي محمدا ... جعل الخلافة في إمام عادل

стр. 10204

فلما مثل بين يديه، قال له عمر: اتق الله ولا تقل إلا حقا. فأنشأ يقول: كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر قال: يا جرير: ما أرى لك فيما هاهنا حقا. قال: يا أمير المؤمنين إني ابن سبيل ومنقطع. فقال له: ويحك يا جرير: قد ولينا هذا الأمر ولا نملك إلا ثلاثمائة درهم؛ فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية. فأخذها جرير: وقال: والله يا أمير المؤمنين لهي أحب مال اكتسبته. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوؤكم، خرجت من عند الخليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. وأنشد: رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا

стр. 10205

موت عمر الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، وعمر يضع الآخرة نصب عينيه، وكان دائما يذكر الموت وكثيرا ما كان يتمثل بقول القائل: من كان حين تمس الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما جدثا (١) وذهب عمر في زورة إلى الشمال، وهناك في دير سمعان مرض، ولما أيقن عمر أنها النهاية نام للعلة، وكانت العلة هي السم الذي دسه له بنو أمية حتى يتخلصوا منه، ويعودوا إلى ما تعودوا عليه من الترف والإسراف وإنفاق

стр. 10206

أموال المسلمين على ملذاتهم وشهواتهم، وكان عمر يعرف أن السم من يد الخادم، واعترف له الخادم بذلك وأقر له بالمبلغ الذي تقاضاه، فرد عمر المبلغ إلى بيت مال المسلمين، وأمر الخادم بالذهاب حيث لا يراه أحد، ولما أيقن بالموت نهض يخطب بخناصرة، ويقول: واعلموا إنما الأمان غدا لمن حذر الله وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان. فلما انتهى من خطبته رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق، وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها (١). ونفس عمر قد تاقت شوقا إلى الله وإلى لقائه، وأحب أن يموت من علته، ولقد كان يقول: إن لي نفسا تواقة لم تتق إلى منزلة إلا تاقت إلى ما هي أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة (٢). وحضر أولاد عمر حين علموا بمرضه، فدعاهم فنظر إليهم ثم قال: بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم، أي بني لقد تركتكم وتركت لكم خيرا كثيرا، يا بني إن أباكم مثل بين أمرين: إما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب، قوموا يعصمكم الله، قوموا يرزقكم الله (٣). واشتد المرض على عمر وكان بجانبه زوجته الوفية فاطمة ومسلمة بن عبد الملك ووصيف له يقال له مرثد، وسهروا بجانبه الليلة كلها، قالت فاطمة: اشتد عدم استقراره من الألم الليلة، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفا له يقال له (مرثد) فقلت له: يا مرثد كن عند أمير

стр. 10207

المؤمنين، فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه. ثم انطلقنا فضربنا برؤوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرثدا خارجا من البيت نائما، فأيقظته فقلت: يا مرثد ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني قائلا لي: اخرج عني، فوالله إني لأرى شيئا ما هو بإنس ولا جان. فخرجت فسمعته يتلو هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). قال مرثد: فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه للقبلة وأغمض عينيه وإنه ميت ﵀ (٢). وكان ذلك لعشر بقين - وقيل: لخمس بقين - من رجب سنة إحدى ومائة، وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر (٣). وذهب شهيد العدالة والمبادئ السامية التي أقرها الإسلام وأراد تطبيقها كاملة لإسعاد البشرية، وظلت سيرته ماثلة في أذهان الناس وفي قلوبهم، واسمه يملأ الأزمان وشهد له الأعداء قبل الأصدقاء، وحزن عليه المسلمون حزنا شديدا، ورثاه الشعراء، قال جرير بن عطية: ينعي النعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حج بيت الله واعتمرا حملت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وسرت فينا بأمر الله يا عمرا فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا (٤) رحم الله عمر، وكل من سار بسيرته وعدل كعدله وزهد كزهده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أحمد فهيم مطر

стр. 10208

المراجع والمصادر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني البداية والنهاية لعماد الدين أبي الفداء تاريخ الأمم والملوك لمحمد بن جرير الطبري تاريخ الخلفاء للحافظ جلال الدين السيوطي تاريخ اليعقوبي لمحمد بن أبي يعقوب بن واضح ثمرات الأوراق للشيخ تقي الدين الحموي ثمار القلوب لأبي منصور الثعالبي ديوان جرير دار صادر - بيروت رجال الفكر والدعوة الإسلامية لأبي الحسن الندوي سير أعلام النبلاء الإمام شمس الدين الذهبي سيرة عمر بن عبد العزيز لأبي الفرج بن الجوزي سيرة عمر بن عبد العزيز لأبي محمد بن عبد الحكم شذرات الذهب لأبي الفرج ابن العماد صفة الصفوة لأبي الفرج ابن الجوزي الطبقات لابن سعد العقد الفريد لابن عبد ربه الكامل في التاريخ لابن الأثير الكامل للمبرد المرشد في الدين الإسلامي لجماعة من الأساتذة المصريين معجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي الموطأ للإمام مالك النجوم الزاهرة لجلال الدين أبي المحاسن

стр. 10209

مشروعية قول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) بعد صلاة الفجر والمغرب الشيخ / فريح بن صالح البهلال سائل يقول: سألت بعض طلبة العلم عن مشروعية هذا الذكر في هذين الوقتين، فأجاب بأنه غير مشروع، وأنه لا يفعله. ولكني أرى كثيرا من المسلمين يداومون على فعله في دبر هاتين الصلاتين الفجر والمغرب، فهل فعلهم هذا صواب أم تقليد أعمى؟ الجواب: الحمد لله هذا الذكر مشروع بدليل قول الرسول ﷺ : «من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشرات مرات، كتب الله له بكل واحدة عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت له حرزا من كل مكروه، وحرزا من الشيطان الرجيم، ولم يحل للذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملا إلا رجلا يفضله يقوله أفضل مما قال (١)»، أو كما قال ﷺ . رواه سبعة من صحابة رسول الله ﷺ : معاذ بن جبل وأبو ذر وأبو أيوب وأبو الدرداء وعمارة بن شبيب السبائي وأم سلمة وعبد الرحمن بن غنم ﵃ بطرق كثيرة. وغالبها حسنة وفيها الضعيفة. وإليك قول أهل العلم في بيان درجة كل طريق منها: -

стр. 10210

فأما حديث معاذ بن جبل فرواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٥) رقم (١١٩) قال فيه الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٢٤٠): رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد حسن " اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٩): رواه الطبراني: من طريق عاصم بن منصور، ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله ثقات " اهـ. قلت: هو في التقريب قال عنه الحافظ: مقبول. وأما حديث أبي ذر فأخرجه الترمذي (٥/ ٥١٥) رقم (٣٤٧٤)، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٩/ ٤٤٤): وأخرجه النسائي والطبراني في الأوسط. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. قلت: وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير. وهو تساهل منه؛ لأن رجاله كلهم ثقات ما عدا شهر بن حوشب، صدوق له أوهام، وهذا لا يقتضي ضعف الحديث بل يكون حسنا. والله أعلم. قال عبد القادر الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول (٤/ ٢٣٠)، قد حسنه الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار بعد ذكر طرقه، ولذلك قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب اهـ. وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد (٥/ ٤١٥) وابن حبان في صحيحه / مورد الظمآن ص (٥٨٢) رقم (٢٣٤١) وقال المنذري في الترغيب (١/ ٢٣٩): وأخرجه النسائي. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٧): " رواه أحمد والطبراني باختصار، وفي إسناده أحمد بن محمد بن إسحاق وهو مدلس. وفي إسناد الطبراني محمد بن أبي ليلى وهو ثقة سيء الحفظ. وبقية رجالهما ثقات " اهـ.

стр. 10211

وأما حديث أبي الدرداء فقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨): رواه الطبراني في الكبير والأوسط. وفيه موسى بن محمد بن عطاء البلقاوي، وهو متروك اهـ. قلت: وله شواهد كثيرة كما تقدم ويأتي، يكون بها حسنا لغيره. وأما حديث عمارة بن شبيب السبائي فقال الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٢٣٩): رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد ولا نعرف لعمارة سماعا من النبي ﷺ اهـ. قلت: هو في الترمذي (٥/ ٥٤٤) رقم ٣٥٣٤، وقال: حسن غريب. وأما حديث أم سلمة فأخرجه أحمد (٦/ ٢٩٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨): " رواه أحمد والطبراني بنحوه أخصر منه. وإسنادهما حسن " اهـ. وأما حديث عبد الرحمن بن غنم فأخرجه أحمد أيضا (٤/ ٢٢٧)، وقال الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٢٤١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته. وقد روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٨): " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وحديثه حسن " اهـ. قلت: والاختلاف في صحبة عبد الرحمن بن غنم لا يقدح في الحديث. وذلك أنه إن لم يكن صحابيا فهو من كبار ثقات التابعين. قاله الحافظ ابن حجر في التقريب عن العجلي. الحاصل، أن طرق هذا الحديث عن هؤلاء الصحابة ﵃ كلها حسان ما عدا طريق حديث أبي الدرداء فضعيفة. ومن القواعد المقررة

стр. 10212

في علم الحديث أن طريق الحديث الحسن إذا تعددت يكون بها صحيحا لغيره، ويكون الحديث حجة يعمل به، وعلى هذا يكون عمل المسلمين من قول هذا الذكر الشريف في دبر صلاة الفجر وصلاة المغرب هو الصواب؛ لأنه مبني على أصل ثابت، وقول المفتي سامحه الله أنه غير مشروع قد جانب الصواب، وقال قولا بلا علم. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن للحديث ألفاظا وروايات غير ما ذكرت كلفظ: «من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثاني رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله (١)». . الخ، كما في حديث أبي ذر عند الترمذي. وكلفظ: «له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير (٢)». . الخ وغيرها. هذا والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. فريح بن صالح البهلال.

стр. 10213

تعريف البدعة أنواعها وأحكامها الشيخ / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان الحمد لله رب العالمين، أمرنا بالاتباع ونهانا عن الابتداع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الذي بعثه الله؛ ليقتدى به ويطاع، وعلى آله وأصحابه وسائر الأتباع - وبعد: فهذه فصول في بيان أنواع البدع والنهي عنها - اقتضى كتابتها واجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: الفصل الأول تعريف البدعة - أنواعها وأحكامها ١ - تعريفها: البدعة في اللغة مأخوذة من البدع، وهو الاختراع على غير مثال سابق. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). أي: مخترعها على غير مثال سابق. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢). أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد. بل

стр. 10214

تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. والابتداع على قسمين: ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة، وابتداع في الدين وهذا محرم؛ لأن الأصل فيه التوقيف، قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)». وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)».

стр. 10215

٢ - أنواع البدع: البدعة في الدين نوعان؛ النوع الأول بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم، النوع الثاني بدعة في العبادات كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها، وهي أنواع: النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة، بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع، أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها. النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا. النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية

стр. 10216

مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ . النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة، لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.

стр. 10217

٣ - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها: كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة؛ لقوله ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١)»، وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)». وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» فدل الحديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة. وكل بدعة ضلالة مردودة. ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم. وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة، ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها، ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقادهم المخالفة للأدلة الشرعية، ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع (٤).

стр. 10218

تنبيه: من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله ﷺ : «فإن كل بدعة ضلالة (١)»؛ لأن الرسول ﷺ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: فقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة (٢)» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد (٣)»، فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه. وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة (٤). انتهى. وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه). وقالوا أيضا: إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف، مثل جمع القرآن في كتاب واحد. وكتابة الحديث وتدوينه. والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة - وقول عمر: (نعمت البدعة) يريد البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل إنه بدعة فهو بدعة لغة لا شرعا؛ لأن البدعة شرعا: ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه. وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبا متفرقا فجمعه الصحابة ﵃ في مصحف واحد حفظا له.

стр. 10219

والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي، وتخلف عنهم في الأخير خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة ﵃ يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ خلف إمام واحد، كما كانوا خلف النبي ﷺ ، وليس هذا بدعة في الدين، وكتابة الحديث أيضا لها أصل في الشرع، فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ ، فدون المسلمون السنة بعد ذلك حفظا لها من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ من الضياع وعبث العابثين.

стр. 10220

الفصل الثاني ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إلى ذلك ١ - ظهور البدع في حياة المسلمين وتحته مسألتان: المسألة الأولى: وقت ظهور البدع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من

стр. 10221

بعدي (١)» (٢). وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء وبدعة التشيع والخوارج. هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت. المسألة الثانية: مكان ظهور البدع: تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان والعراقان. والشام. منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام. وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية. فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، أما التجهم فإنما ظهر في ناحية خراسان وهو شر البدع، وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك فكان عندهم مهانا مذموما إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام فإنه كان ظاهرا، وقد ثبت

стр. 10222

في الصحيح عن النبي ﷺ «أن الدجال لا يدخلها (١)»، ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا إلى زمن أصحاب مالك، وهو من أهل القرن الرابع، فأما الأعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة المنورة بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة كما خرج من سائر الأمصار (٢).

стр. 10223

٢ - الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع: مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وقد وضح ذلك النبي ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطا، فقال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا: (٣)» فمن أعرض عن الكتاب والسنة تنازعته الطرق المضللة والبدع المحدثة، فالأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية: الجهل بأحكام الدين، اتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل: ١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة

стр. 10224

قل العلم، وفشا الجهل كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: «من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا (١)» وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (٢)» فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا. ٢ - اتباع الهوى - من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع. ٣ - التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٥)، وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما

стр. 10225

احتجوا بمذاهبهم ومشائخهم وآبائهم وأجدادهم. ٤ - التشبه بالكفار هو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث «أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:، لتركبن سنن من كان قبلكم (٢)». ففي هذا الحديث أن التشبيه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب محمد ﵊ أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله، وهذا هو نفس الواقع اليوم؛ فإن غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية وإقامة المآتم وبدع الجنائز والبناء على القبور وغير ذلك.
следующие страницы →