بعدي (١)» (٢).
وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء وبدعة التشيع والخوارج. هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت.
المسألة الثانية: مكان ظهور البدع:
تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان والعراقان. والشام. منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام.
وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية. فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، أما التجهم فإنما ظهر في ناحية خراسان وهو شر البدع، وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك فكان عندهم مهانا مذموما إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام فإنه كان ظاهرا، وقد ثبت
стр. 10222
في الصحيح عن النبي ﷺ «أن الدجال لا يدخلها (١)»، ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا إلى زمن أصحاب مالك، وهو من أهل القرن الرابع، فأما الأعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة المنورة بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة كما خرج من سائر الأمصار (٢).
стр. 10223
٢ - الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع:
مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وقد وضح ذلك النبي ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطا، فقال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا: (٣)» فمن أعرض عن الكتاب والسنة تنازعته الطرق المضللة والبدع المحدثة، فالأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية: الجهل بأحكام الدين، اتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل:
١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة
стр. 10224
قل العلم، وفشا الجهل كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: «من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا (١)» وقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (٢)» فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.
٢ - اتباع الهوى - من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.
٣ - التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٥)، وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما
стр. 10225
احتجوا بمذاهبهم ومشائخهم وآبائهم وأجدادهم.
٤ - التشبه بالكفار هو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث «أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى:، لتركبن سنن من كان قبلكم (٢)». ففي هذا الحديث أن التشبيه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب محمد ﵊ أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله، وهذا هو نفس الواقع اليوم؛ فإن غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية وإقامة المآتم وبدع الجنائز والبناء على القبور وغير ذلك.
стр. 10226
الفصل الثالث
موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة
ومنهج أهل السنة والجماعة في الرد عليهم
١ - موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة:
ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة وينكرون عليهم بدعهم ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك:
١ - عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا فقلت له: ما لك؟
فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا (١).
٢ - «عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث، عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري. فقال: أخرج عليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا. فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا. وقال: وما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة. فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة. فيهللون مائة،
стр. 10227
فيقول: سبحوا مائة. فيسبحون مائة. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه. حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم مريد للخير لن يصيبه؟ إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وأيم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج (١)».
٣ - جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس ﵀، فقال: من أين أحرم؟ فقال: من الميقات الذي وقت رسول الله ﷺ وأحرم منه. فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك. فقال: ما تكره من ذلك. قال: أكره عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في ازدياد الخير. فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
وأي فتنة أعظم من أنك خصصت بفضل لم يختص به
стр. 10228
رسول الله ﷺ ؟ (١) وهذا نموذج. ولا زال العلماء ينكرون على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله.
стр. 10229
٢ - منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع:
منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم، حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها. ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن، والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبا خاصة في ذلك، كما ألف الإمام أحمد كتاب الرد على الجهمية، وألف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن سعيد الدارمي، وكما في شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من الرد على تلك الفرق وعلى القبورية والصوفية. وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع فهي كثيرة منها على سبيل المثال من الكتب القديمة.
كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي.
كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءا كبيرا منه.
كتاب إنكار الحوادث والبدع لابن وضاح.
كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي.
كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة.
стр. 10230
ومن الكتب العصرية:
كتاب الإبداع في مضار الابتداع للشيخ: علي محفوظ.
كتاب السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات. للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي.
رسالة التحذير من البدع للشيخ: عبد العزيز بن باز.
ولا يزال علماء المسلمين- والحمد لله- ينكرون البدع ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخطب الجمع والندوات والمحاضرات، مما له كبير الأثر في توعية المسلمين والقضاء على البدع وقمع المبتدعين.
стр. 10231
الفصل الرابع
في بيان نماذج من البدع المعاصرة وهي:
١ - الاحتفال بالمولد النبوي .
٢ - التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك.
٣ - البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.
البدع المعاصرة كثيرة بحكم تأخر الزمن وقلة العلم وكثرة الدعاء إلى البدع والمخالفات، وسريان التشبه بالكفار في عاداتهم وطقوسهم مصداقا لقوله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم (١)».
стр. 10232
١ - الاحتفال بمناسبة المولد النبوي في ربيع الأول:
ومن هذا التشبه بالنصارى في عمل ما يسمى بالاحتفال بالمولد النبوي، يحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلين في ربيع الأول من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد ﷺ ، فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوع أو الأمكنة المعدة لذلك، ويحضره جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم، يعملون ذلك تشبها بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح ﵇، والغالب أن هذا الاحتفال علاوة على كونه بدعة وتشبها بالنصارى لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات؛ كإنشاء القصائد التي فيها الغلو في حق الرسول ﷺ إلى درجة دعائه من دون الله والاستغاثة به.
وقد نهى النبي ﷺ عن الغلو في مدحه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله (١)»، والإطراء معناه الغلو في المدح، وربما يعتقدون أن الرسول ﷺ يحضر احتفالاتهم، ومن المنكرات التي تصاحب هذه الاحتفالات الأناشيد الجماعية المنغمة وضرب الطبول وغير ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء مما يسبب الفتنة ويجر إلى الوقوع في الفواحش، وحتى لو خلا هذا الاحتفال من هذه المحاذير واقتصر على الاجتماع وتناول الأطعمة وإظهار الفرح. كما يقولون. فإنه بدعة محدثة «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٢)» وأيضا هو وسيلة إلى أن يتطور ويحصل فيه ما يحصل في الاحتفالات الأخرى من المنكرات.
стр. 10233
وقلنا: إنه بدعة لأنه لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرا بعد القرن الرابع الهجري أحدثه الفاطميون الشيعة، قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني ﵀: أما بعد فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد، هل له أصل في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا. فقلت وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون. وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيما. . . من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا مع اختلاف الناس في مولده؛ فإن هذا لم يفعله السلف. . . . ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف ﵃ أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة للنبي ﷺ وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كان محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سننه باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان؛ فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (٢). انتهى.
стр. 10234
وقد ألف في إنكار هذه البدعة كتب ورسائل قديمة وحديثة. وهو علاوة على كونه بدعة وتشبها فإنه يجر إلى إقامة موالد أخرى كموالد الأولياء والمشايخ والزعماء فيفتح أبواب شر كثيرة.
стр. 10235
٢ - التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا:
التبرك: طلب البركة، وهي ثبات الخير في الشيء وزيادته، وطلب ثبوت الخير وزيادته إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه وهو الله سبحانه فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياءا وأمواتا لا يجوز؛ لأنه إما شرك إن اعتقد أن ذلك الشيء يمنح البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله، وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي ﷺ وريقه، وما انفصل من جسمه ﷺ ، فذلك خاص به ﷺ في حال حياته، بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها؛ ليتبركوا بها وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى - ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة، لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء؛ ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى؛ ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال: إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء.
وأيضا فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلى فيه بالمدينة النبوية دائما لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا
стр. 10236
الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال أن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعته ﷺ . (١).
стр. 10237
٣ - البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله:
البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل، وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدا؛ منها: الجهر بالنية للصلاة، بأن يقول: نويت أن أصلي لله كذا وكذا، وهذا بدعة؛ لأنه ليس من سنة النبي ﷺ ، ولأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (٢).
والنية محلها القلب فهي عمل قلبي لا عمل لساني، ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا، ومنها طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء وللأموات، ومنها إقامة المآتم على الأموات وصناعة الأطعمة واستئجار المقرئين، يزعمون أن ذلك من باب العزاء، أو أن ذلك ينفع الميت، وكل ذلك بدعة لا أصل لها وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها الاحتفال بالمناسبات الدينية كمناسبة الإسراء والمعراج ومناسبة الهجرة
стр. 10238
النبوية، وهذا الاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له من الشرع، ومن ذلك ما يفعل في شهر رجب كالعمرة الرجبية، وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به كالتطوع بالصلاة والصيام؛ فإنه لا ميزة له على غيره من الشهور لا في العمرة والصيام والصلاة والذبح للنسك فيه، ولا غير ذلك، ومن ذلك الأذكار الصوفية بأنواعها كلها بدع ومحدثات؛ لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها. ومن ذلك تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ويوم النصف من شعبان بصيام؛ فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء خاص به. ومن ذلك البناء على القبور واتخاذها مساجد وزيارتها لأجل التبرك بها، والتوسل بالموتى وغير ذلك من الأغراض الشركية، وزيارة النساء لها مع «أن الرسول ﷺ لعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (١)».
وختاما: نقول: إن البدع بريد الكفر، وهي زيادة دين لم يشرعه الله ولا رسوله، والبدعة شر من المعصية الكبيرة. والشيطان يفرح بها أكثر مما يفرح بالمعاصي الكبيرة؛ لأن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها، والمبتدع يفعل البدعة يعتقدها دينا يتقرب به إلى الله فلا يتوب منها، والبدع تقضي على السنن، وتكره إلى أصحابها فعل السنن وأهل السنة، والبدعة تباعد عن الله وتوجب غضبه وعقابه وتسبب زيغ القلوب وفسادها.
ما يعامل به المبتدعة: تحرم زيارة المبتدع ومجالسته إلا على وجه النصيحة له والإنكار عليه؛ لأن مخالطته تؤثر على مخالطه شرا، وتنشر عدواه إلى غيره.
ويجب التحذير منهم ومن شرهم إذا لم يمكن الأخذ على أيديهم، ومنعهم من مزاولة البدع، وإلا فإنه يجب على علماء
стр. 10239
المسلمين وولاة أمورهم منع البدع والأخذ على أيدي المبتدعة، وردعهم عن شرهم؛ لأن خطرهم على الإسلام شديد.
ثم إنه يجب أن يعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم، وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق؛ لأن في ذلك القضاء على الإسلام وتشويه صورته.
نسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعداءه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
صالح بن فوزان الفوزان
стр. 10240
صفحة فارغة
стр. 10241
عبد الله الترجمان الأندلسي
حياته وأعماله
الشيخ / عبد القيوم محمد شفيع البستوي
قصة إسلام أكبر قسيس أندلسي في القرن الثامن الهجري، كان يبحث عن شخصية " فارقليط " فهداه الله إلى الإسلام وأخرجه من ظلمات التثليث إلى نور التوحيد.
في الوقت الذي كان الصليبيون يكرسون جهودهم في نشر المسيحية المحرفة على يدي شاول، أو البولس - اليهودي - في ربوع الأندلس بعد نفي المسلمين منها، يهدي الله رجلا من أكبر علماء النصارى ورهبانهم، ويشرح صدره للإسلام فآمن واستقام، وجاهد بيده ولسانه وقلمه؛ لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
وقد ألف هذا الرجل كتابا كشف فيه عن فضائح النصرانية، ومكائد علماء النصارى ومفتريات مؤلفي الأناجيل وأكاذيبهم، وسماه " تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب ".
وقد قمت بتلخيص قصة حياته هذه من كتابه المذكور الذي عقد فيه فصلا خاصا عن حياته وأعماله، وأحوال
стр. 10242
زمانه، عسى أن ينفع الله به قوما يؤمنون بربهم حق إيمانه، وآخرين لم يؤمنوا به، ولكنهم لو أخلصوا النية في الإيمان بربهم، لكانت حياة هذا الرجل نبراسا لهم بإذن الله وتوفيقه.
стр. 10243
اسمه:
ذكر الدكتور محمد علي حماية - محقق تحفة الأريب - أن المستشرق الأسباني " أسين بلاثيوس " قال: إن عبد الله الترجمان كان قبل إسلامه قسيسا يدعى " انسلم تورميدا " (١)، أما المؤلف نفسه فلم يتعرض لاسمه في كتابه.
ولادته ونشأته:
ولد في مدينة " ميورقة " بالأندلس ما بين عام (٧٥٨ هـ) إلى عام (٧٥٩ هـ). إثر سقوط الأندلس على أيدي الصليبيين الحاقدين الغاشمين.
وكان ينتمي إلى أسرة لها منزلة سامية في نفوس النصارى، فكان أبوه ذا شخصية بارزة في المدينة، ولم يكن له ذرية سوى المؤلف،
стр. 10244
ولذلك نشأ في كنف والديه تحت ظل الحب الوافر والعناية البالغة، واهتم والده بتعليمه وتربيته منذ نعومة أظفاره.
فلما بلغ السادسة من عمره أرسله إلى رهبان؛ ليتعلم منهم الإنجيل، فحفظ قرابة نصف الإنجيل عن ظهر قلب في عامين فقط، وواصل دراسته إلى أن تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنوات (١).
стр. 10245
رحلته لطلب العلم:
بعد ما تعلم مبادئ العلوم الدينية والمنطقية قام برحلة واسعة النطاق في طلب العلم، وكان ينتقل من مدينة إلى مدينة بغية الحصول على مزيد من العلم، إلى أن ألقى عصى الترحال في مدينة " بانولية " التي كان يسميها النصارى مدينة العلم، وقضى في تلك المدينة شطرا من عمره حتى بلغ أمانيه في العلم وانجلت له حقيقة التوحيد، وانكشفت له فضيحة التثليث، فعزم على معرفة الحق وقبوله. كما سيأتي تفصيله.
стр. 10246
لقاؤه مع أكبر قسيس وملازمته إياه:
وفي الوقت الذي كان مقيما في مدينة " بانولية " التقى براهب كبير السن عظيم المرتبة كان يدعى " نقلاد مارتيل "، وما أن علم المؤلف رتبة هذا الراهب إلا ورغب في ملازمته وتقرب إليه بخدمته وامتثال أوامره، ولما أدرك الشيخ نباهة المؤلف وحرصه الشديد على حصول العلم قام بتشجيعه وإكرامه، فجعله أخص تلاميذه، وسلمه مفاتيح مسكنه وخزائنه.
стр. 10247
هذا وقد لازم المؤلف ذلك الراهب الكبير عشر سنوات يتعلم منه النصرانية، أصولها وفروعها، حتى برع بين زملائه وفاق أقرانه.
النقاش حول شخصية فارقليط:
ولما طعن الشيخ في السن وأصابه الوهن بدأ يتخلف عن مجلس الدرس، وفي يوم من الأيام إذ كان متخلفا عن مجلس الدرس أثير الكلام حول شخصية " فارقليط " الذي بشر بنبوته عيسى ﵇، وقد وقع الخلاف بين أهل المجلس في تعيين هذا النبي وجرى بينهم نقاش طويل في هذا الصدد، وكل أدلى دلوه في غمار البحث، وأبدى رأيه في ضوء مبلغه من العلم والفهم إلا أن المجلس قد تفرق بهم دون أن يصلوا إلى نتيجة معينة رغم كثرة الكلام وطول النقاش.
ولما رجع المؤلف إلى منزل الشيخ سأله عما جرى بينهم من الكلام في غيبته.
فقال: يا سيدي كان موضوع الكلام في مجلس اليوم شخصية " فارقليط ".
وقد وقع بيننا اختلاف كبير في تعيين المراد من هذا النبي، وقد حكى المؤلف أمامه مفصلا ما قاله الحاضرون في هذا الصدد، فسأله الشيخ: وبماذا أجبت أنت؟
فقال: بما قاله القاضي فلان في تفسيره.
فقال: ما قصرت، ويكاد يكون جوابك صحيحا، وأما قول فلان
стр. 10248
فهو خطأ، وأما قول فلان فهو قريب من الصحة، وجعل يضعف آراء أهل المجلس إلى أن قال:
إن تفسير هذا الاسم المبارك لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وما أن سمع المؤلف هذا الكلام إلا وقد خر على قدميه وقبلهما، ثم قال: " يا سيدي أنت تعلم أني قد جئتك من بلاد نائية لا أقصد إلا العلم، وألازمك منذ عشر سنوات، وقد تعلمت منك في هذه المدة كثيرا من العلوم والحكم، ويسعدني جدا أن يكون ختام فضلك علي وإحسانك إلى أن تعرفني بهذا الاسم المبارك، فلما سمع الشيخ هذا الكلام مني جعل يبكي، وخاطبني قائلا: " يا ولدي والله إنك عزيز علي بما لاحظت منك الإخلاص في العلم، وبما بذلت في الجهد في خدمتي، ووالله إن في معرفة هذا الاسم المبارك لفائدة عظيمة، ولكنني أخشى أنه لو ظهر سر هذا الأمر منك لقام النصارى عليك وقتلوك، فقال: يا سيدي أنا لن أتكلم في هذا الأمر ما لم تأذن لي في ذلك.
فقال الشيخ: لعلك تذكر عندما جئتني كنت قد سألتك عن بلدك وعن بلاد المسلمين، أهم قريب منك؟ وهل يقاتلونكم أم تقاتلونهم؟
وقد كنت سألت عن ذلك لأعرف منك مدى كراهيتك من
стр. 10249
المسلمين وحقدك عليهم، واعلم يا بني أن " فارقليط "، اسم من أسماء نبي المسلمين.
وقد أنزل عليه الكتاب الرابع، وهو الذي ورد ذكره على لسان دانيال النبي، وقال فيه: إن دينه يكون دين حق وملته ملة بيضاء، وقد بشر به عيسى ﵇ أيضا في الإنجيل.
يقول المؤلف: فقلت لهذا الشيخ: فما رأيك في دين النصارى؟
فقال: يا بني لو كان النصارى على دينهم لكانوا على دين الله؛ لأن دين عيسى ودين جميع الأنبياء دين الله.
فقلت: فما طريق النجاة إذن؟
فقال: أن تدخل في دين الله الإسلام.
فقلت له: يا سيدي إن العاقل لا يختار لنفسه إلا ما يراه خيرا له، فإن كنت تعلم أن الإسلام خير وأفضل فما يمنعك من قبوله؟
стр. 10250
يقول المؤلف: ولما سمع الشيخ هذا الكلام مني قال: يا بني إن الذي ذكرته لك من فضل الإسلام ومقام نبي المسلمين وفقني الله لمعرفة ذلك بعد ما كبر سني، وضعف جسمي، وقلت حيلتي، هذا ولم يبق لي العذر الآن وإن حجة الله قائمة علي، ولكن لو هداني الله وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق، ولا يخفى " حب الدنيا رأس كل خطيئة "، وأنت ترى منزلتي عند النصارى، وفي هذا الوقت لو عرفوا مني أنني أميل إلى الإسلام شيئا لقتلوني في حينه، ولو نجوت منهم ولحقت بالمسلمين وقلت لهم: جئتكم مسلما لردوا علي: لا تمنن علينا إسلامك لأنك كسبت لنفسك خيرا، وبذلك سأصبح بينهم شيخا فقيرا في سن التسعين لا أفهم لسانهم، ولا يعرفون حقي فأموت بينهم جوعا.
وأحمد الله على أنني على دين عيسى ﵇ ومتمسك بما جاء به والله أعلم بذلك مني.
يقول المؤلف: ثم قلت له: وهل تشير علي بأن أذهب إلى بلاد المسلمين، وأدخل في دينهم؟ فأجاب قائلا: إن كنت عاقلا وطالبا للنجاة فبادر إلى ذلك، ستنال به الدنيا والآخرة، وأخذ مني موثقا على أن لا أكشف سر هذا الأمر ثم بدأت أستعد للسفر، ولما عزمت على السفر وجئت لوداعه أعطاني خمسين دينارا لنفقات السفر ودعا لي بالخير، ولما عزم المؤلف على الهجرة إلى بلاد المسلمين رجع أولا إلى بلده
стр. 10251
" ميورقة " ومكث فيها ستة أشهر، ثم توجه إلى جزيرة صقلية، (١) ومنها في سفينة إلى تونس حيث رحب به النصارى، فأكرموه وأنزلوه في منازلهم، وقد قضى حوالي أربعة أشهر في قراهم قبل أن يعلن إسلامه.
وبعد ما أقام المؤلف أربعة أشهر مع النصارى سأل الناس عن رجل في قصر السلطان يعرف لغة النصارى، فدله بعضهم على رجل كان طبيبا خاصا للسلطان أبي العباس أحمد المتوفى سنة (٦٩٧هـ) الذي كان أميرا للبلاد آنذاك، فاتصل المؤلف بهذا الرجل وأخبره عما يريده من السفر إلى تونس، ولما علم الطبيب أنه جاء مسلما فرح كثيرا، وذهب به إلى قصر السلطان، ودخل على الأمير فحكى له قصة حياته، واستأذن له بالدخول على الأمير، فأذن له ورحب به.
يقول المؤلف: ولما حضرت مجلسه سألني أولا عن عمري؟ وعما تعلمت من العلوم والفنون؟
فقلت: أنا ابن خمس وثلاثين سنة، وذكرت له ما كنت قد تعلمت.
فقال الأمير: مرحبا بك، وأسلم على بركة الله.
فقلت للأمير: إذا خرج امرؤ عن دينه، فأهل دينه يتهمونه بأمور شتى ويطعنون على شخصيته، فيا حبذا لو أرسلتم إلى بعض علماء النصارى وتجارهم، ثم سألتموهم عني في غيبتي؛ لكي تعرفوا بماذا سيبدون من آرائهم في شأني، ومن هنا أحضر المجلس وأقوم بالإعلان عن إسلامي على رؤوسهم.
стр. 10252
فقال السلطان: لقد طلبت مني كما طلب عبد الله بن سلام من رسول الله ﷺ عند إسلامه.
فلما حضر علماء النصارى - كما كان اقترح المؤلف - خاطبهم السلطان قائلا: ما رأيكم في هذا القسيس الذي جاءكم قريبا من بلاد الأندلس؟
فقالوا جميعا: هذا أكبر علماء ديننا في عصرنا، ويقول مشايخنا: ما رأينا أحدا يفوقه في العلم والفضل.
فقال السلطان: ما رأيكم لو دخل في الإسلام؟
فقالوا: معاذ الله، إنه لن يفعل ذلك. وما أن سمع السلطان هذا الكلام من النصارى، إلا وأمر المؤلف بالحضور في المجلس، وكان متخفيا في حجرة قريبة من المجلس، فحضر وأعلن عن إسلامه على رؤوس الأشهاد، فبهت الذين كفروا وخروا على وجوههم، وأسروا الندامة قائلين: إنه أقدم على ذلك ليتزوج؛ فإن الرهبان عندنا لا يتزوجون. وقاموا من المجلس وولوا أدبارهم خائبين خاسرين.
وأكرمه السلطان فرتبه بربع دينار يوميا وأعطاه بيتا في دار المختص، وزوجه ببنت الحاج محمد الصفار ورزقه الله ابنا فسماه محمدا تيمنا باسم النبي ﷺ .
стр. 10253
بعض الوظائف التي تولاها بعد إسلامه:
ولما مضى خمسة أشهر من إسلامه قدمه السلطان في الديوان لقيادة البحر، وكان يقصد بذلك أن يتعلم المؤلف اللغة العربية؛ لتكرر عمل الترجمة هناك بين النصارى والمسلمين، فتعلم اللغة جيدا في سنة واحدة.
стр. 10254
ولما احتل الجنويون (١) والفرنسيون مدينة قابس (٢)، هو الذي كان يترجم رسائلهم إلى السلطان، وأخيرا عينه الأمير رئيسا لشؤون الترجمة.
وعندما كان الأمير خارجا لحصار مدينة " قابس " اصطحبه معه، وعينه ناظرا على خزائنه، ولما توفي هذا الأمير في الثالث عشر من شهر شعبان عام (٧٩٦ هـ) تولى السلطة ابنه الأمير عبد العزيز بن أحمد، وأصدر أمرا بتجديد جميع أوامر أبيه فيما يتعلق بوظائف المؤلف ومناصبه، وبالإضافة إلى ذلك أمر بتعيينه ناظرا لدار المختص.
стр. 10255
قصة ابتلائه في إيمانه:
عندما كان المؤلف قائدا للبحر ورئيسا لشؤون الترجمة وقعت حادثة عجيبة لعب المؤلف فيها دورا هاما، كانت سفينة محملة بأموال المسلمين التجارية قد وصلت إلى الميناء وكادت أن ترسي فإذا بها سفينتان جاءتا من صقلية وحاصرتاها، واستولى النصارى على جميع أموال المسلمين التجارية، ولما وصل الأمر إلى الديوان بعث الأمير وفدا من النصارى ليكلمهم في فكاك أموال المسلمين من أيدي النصارى، ولكنه باء بالفشل، ورفض النصارى جميع الاقتراحات التي قدمها الوفد، وكان في قافلة النصارى راهب يدعى " فرنصيص " جاء من صقلية مع النصارى يريد المؤلف - عبد الله الترجمان - وكان صديقا حميما له
стр. 10256
أيام الدراسة إذ كانا يتعلمان معا، ولما بلغه إسلام صديقه حزن عليه حزنا شديدا، وتأسف على تركه دين النصارى.
فلما كان الوفد على السفينة أرسل " فرنصيص " رسالة إلى المؤلف يناشده فيها صداقته القديمة، ويعرض المناصب العليا عنده؛ ليرجع معه إلى صقلية ويرتد إلى دين النصارى مرة أخرى، ولما وصلت الرسالة إلى الأمير أخفاها عن المؤلف، وأمر بترجمتها قبل أن يسلمها إليه، وبعد ما اطلع على محتوى الرسالة استغرب بما كان يهدف إليه القسيس الصقلي من هذا السفر وبما اقترح على زميله، ثم أراد الأمير أن يختبر المؤلف في دينه وعقيدته، فأمره أيضا بترجمتها متجاهلا عن مضمونها، فوجدها موافقة للترجمة السابقة، ثم سأله عما سيرد به على زميله؟
فقال: يا مولاي أنت تعلم بماذا سأرد به؛ لأني ما أسلمت للجاه والمال، ولكني دخلت في الإسلام بعد ما اقتنعت به.
فلما سمع الأمير هذا الكلام من المؤلف مدحه وأثنى عليه، ولكنه اقترح عليه من باب مخادعة العدو أن يكتب إلى صديقه " فرنصيص ": أنك لو قمت بالسعي والمحاولة في فكاك أموال المسلمين من أيدي النصارى، فسوف أحتال في الخروج إليك مع من يقوم بوزن أموال المسلمين، ثم أهرب معكم ليلا.
فكتب المؤلف كما طلب منه الأمير امتثالا لأمره، وتحقق له ما أراد بهذه الحيلة، قام النصارى بفداء أموال المسلمين، والراهب ينتظر صديقه ويتوقع حضوره في السفينة إلى آخر لحظة وزن الأمتعة والأموال، حتى تنبه للخدعة بعد نجاحها، وانتكس على خيبة أمله. وبهت الذي كفر.
стр. 10257
وفاته:
لم أعثر على تاريخ وفاته في كتب التراجم إلا أنه كان حيا في عام (٨٢٣ هـ)؛ فإنه قد انتهى من تأليف هذا الكتاب في ذلك العام كما صرح بذلك في الكتاب (١).
هذا آخر ما أردت عرضه من قصة حياة هذا الرجل المجاهد المهاجر إلى الله ورسوله، ويليه التعريف عن كتابه القيم " تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب " وعرض بعض الإفادات العلمية منه بإذن الله وتوفيقه.
стр. 10258
كتابه: تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب:
لم يكن صاحبنا- عبد الله الترجمان - كثير التأليف والتصنيف، لم أعثر على كتاب له غير هذا الكتاب الذي نحن بصدد تعريفه. ولعل السبب في ذلك هو اشتغاله بالأمور الإدارية في الدولة - كما سبق التنويه به في قصة حياته.
غير أن المؤلف قد وعد في آخر هذا الكتاب بتأليف كتاب في البشارات الواردة في رسالة نبينا محمد ﷺ .
ولم أقف على أثر لهذا الكتاب، ولا أدري هل وفقه الله لتحقيق أمنيته، أم وافته المنية قبل ذلك. والله أعلم. .
أما كتابه: " تحفة الأريب " فهو بلا شك من أكبر التراث العلمي
стр. 10259
في بابه، فهو من المؤلفات القيمة في دراسة الديانة المسيحية، ونقد أصولها وعقائدها نقدا علميا دقيقا.
والكتاب كما هو واضح من اسمه سلسلة من الدراسات في الأديان التي قام بها العلماء المسلمون عبر القرون؛ لكشف فضائح الشرك والكفر، والبدع والأوهام التي لا تزال تجد طريقها إلى ضعاف العقول - في مظاهر متنوعة وأساليب شتى- على مر العصور.
ولا ريب أن النصرانية المحرفة على يدي شاول وأتباعه، مظهر من مظاهر الشرك، وانحراف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وترجع أهمية هذا الكتاب إلى أن مؤلفه - قبل أن هداه الله إلى دين الحق - كان يعتنق النصرانية، وكانت له قدم راسخة في معرفة عقائدها وشرائعها، وتاريخها، فهو من أكبر علماء النصارى في عصره باعتراف من أهله.
ومن هنا كانت دراسة المؤلف للنصرانية، دراسة علمية دقيقة، كما كانت ضربة قوية على بنيان النصرانية؛ لأن المؤلف قام بالمقارنة بين نصوص الأناجيل، والكتب الأخرى المنسوبة إلى أنبياء بني إسرائيل في ضوء خطة منهجية علمية، وكشف النقاب عن فضائح التناقض بين تلك النصوص، وأوضح بطلان ما حكاه مؤلفو الأناجيل من الكذب والافتراء على الله ورسوله عيسى ﵇.
منهجه وخطته في هذا الكتاب:
يرى المصنف أنه اتبع في الرد على النصارى منهجا أغفله معظم المؤلفين قبله، وهو الجمع بين الدلائل العقلية والنقلية.
стр. 10260
فهو يقول في معرض بيان أسباب التأليف لهذا الكتاب:
" وجدت تصانيف علمائنا الإسلاميين ﵃ محتوية على ما لا مزيد عليه إلا أنهم ﵏ قد سلكوا في معظم احتجاجهم على أهل الكتاب من النصارى واليهود مسلك مقتضيات المعقول، إلا الحافظ أبو محمد ابن حزم ﵀ فإنه قد رد عليهم بالمعقول والمنقول خصوصا ما في كتبهم، وأعرضوا عن الاحتجاج عليهم لمقتضى المنقول إلا في نادر من المسائل، فكنت شديد الحرص على أن أضع في الرد عليهم موضوعا بطريق النقل والقياس، وتتفق عليه العقول والحواس (١).
هذا، وقد عقد المؤلف في الكتاب ثلاثة فصول:
أما الفصل الأول: فقد ذكر فيه قصة حياته من ولادته إلى هجرته إلى بلاد تونس، وإسلامه على يدي الأمير أبي العباس أحمد المستنصر (ت ٧٩٦ هـ) وبين فيه ما تولاه من الوظائف في حكمه.
وأما الفصل الثاني: فقد ذكر فيه سيرة الأمير أبي فارس عبد العزيز بن أحمد، وأعماله، وما حصل في أيامه من الأمور والحوادث خاصة مما له علاقة بالمؤلف.