← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

أيام الدراسة إذ كانا يتعلمان معا، ولما بلغه إسلام صديقه حزن عليه حزنا شديدا، وتأسف على تركه دين النصارى. فلما كان الوفد على السفينة أرسل " فرنصيص " رسالة إلى المؤلف يناشده فيها صداقته القديمة، ويعرض المناصب العليا عنده؛ ليرجع معه إلى صقلية ويرتد إلى دين النصارى مرة أخرى، ولما وصلت الرسالة إلى الأمير أخفاها عن المؤلف، وأمر بترجمتها قبل أن يسلمها إليه، وبعد ما اطلع على محتوى الرسالة استغرب بما كان يهدف إليه القسيس الصقلي من هذا السفر وبما اقترح على زميله، ثم أراد الأمير أن يختبر المؤلف في دينه وعقيدته، فأمره أيضا بترجمتها متجاهلا عن مضمونها، فوجدها موافقة للترجمة السابقة، ثم سأله عما سيرد به على زميله؟ فقال: يا مولاي أنت تعلم بماذا سأرد به؛ لأني ما أسلمت للجاه والمال، ولكني دخلت في الإسلام بعد ما اقتنعت به. فلما سمع الأمير هذا الكلام من المؤلف مدحه وأثنى عليه، ولكنه اقترح عليه من باب مخادعة العدو أن يكتب إلى صديقه " فرنصيص ": أنك لو قمت بالسعي والمحاولة في فكاك أموال المسلمين من أيدي النصارى، فسوف أحتال في الخروج إليك مع من يقوم بوزن أموال المسلمين، ثم أهرب معكم ليلا. فكتب المؤلف كما طلب منه الأمير امتثالا لأمره، وتحقق له ما أراد بهذه الحيلة، قام النصارى بفداء أموال المسلمين، والراهب ينتظر صديقه ويتوقع حضوره في السفينة إلى آخر لحظة وزن الأمتعة والأموال، حتى تنبه للخدعة بعد نجاحها، وانتكس على خيبة أمله. وبهت الذي كفر.

стр. 10257

وفاته: لم أعثر على تاريخ وفاته في كتب التراجم إلا أنه كان حيا في عام (٨٢٣ هـ)؛ فإنه قد انتهى من تأليف هذا الكتاب في ذلك العام كما صرح بذلك في الكتاب (١). هذا آخر ما أردت عرضه من قصة حياة هذا الرجل المجاهد المهاجر إلى الله ورسوله، ويليه التعريف عن كتابه القيم " تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب " وعرض بعض الإفادات العلمية منه بإذن الله وتوفيقه.

стр. 10258

كتابه: تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب: لم يكن صاحبنا- عبد الله الترجمان - كثير التأليف والتصنيف، لم أعثر على كتاب له غير هذا الكتاب الذي نحن بصدد تعريفه. ولعل السبب في ذلك هو اشتغاله بالأمور الإدارية في الدولة - كما سبق التنويه به في قصة حياته. غير أن المؤلف قد وعد في آخر هذا الكتاب بتأليف كتاب في البشارات الواردة في رسالة نبينا محمد ﷺ . ولم أقف على أثر لهذا الكتاب، ولا أدري هل وفقه الله لتحقيق أمنيته، أم وافته المنية قبل ذلك. والله أعلم. . أما كتابه: " تحفة الأريب " فهو بلا شك من أكبر التراث العلمي

стр. 10259

في بابه، فهو من المؤلفات القيمة في دراسة الديانة المسيحية، ونقد أصولها وعقائدها نقدا علميا دقيقا. والكتاب كما هو واضح من اسمه سلسلة من الدراسات في الأديان التي قام بها العلماء المسلمون عبر القرون؛ لكشف فضائح الشرك والكفر، والبدع والأوهام التي لا تزال تجد طريقها إلى ضعاف العقول - في مظاهر متنوعة وأساليب شتى- على مر العصور. ولا ريب أن النصرانية المحرفة على يدي شاول وأتباعه، مظهر من مظاهر الشرك، وانحراف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها. وترجع أهمية هذا الكتاب إلى أن مؤلفه - قبل أن هداه الله إلى دين الحق - كان يعتنق النصرانية، وكانت له قدم راسخة في معرفة عقائدها وشرائعها، وتاريخها، فهو من أكبر علماء النصارى في عصره باعتراف من أهله. ومن هنا كانت دراسة المؤلف للنصرانية، دراسة علمية دقيقة، كما كانت ضربة قوية على بنيان النصرانية؛ لأن المؤلف قام بالمقارنة بين نصوص الأناجيل، والكتب الأخرى المنسوبة إلى أنبياء بني إسرائيل في ضوء خطة منهجية علمية، وكشف النقاب عن فضائح التناقض بين تلك النصوص، وأوضح بطلان ما حكاه مؤلفو الأناجيل من الكذب والافتراء على الله ورسوله عيسى ﵇. منهجه وخطته في هذا الكتاب: يرى المصنف أنه اتبع في الرد على النصارى منهجا أغفله معظم المؤلفين قبله، وهو الجمع بين الدلائل العقلية والنقلية.

стр. 10260

فهو يقول في معرض بيان أسباب التأليف لهذا الكتاب: " وجدت تصانيف علمائنا الإسلاميين ﵃ محتوية على ما لا مزيد عليه إلا أنهم ﵏ قد سلكوا في معظم احتجاجهم على أهل الكتاب من النصارى واليهود مسلك مقتضيات المعقول، إلا الحافظ أبو محمد ابن حزم ﵀ فإنه قد رد عليهم بالمعقول والمنقول خصوصا ما في كتبهم، وأعرضوا عن الاحتجاج عليهم لمقتضى المنقول إلا في نادر من المسائل، فكنت شديد الحرص على أن أضع في الرد عليهم موضوعا بطريق النقل والقياس، وتتفق عليه العقول والحواس (١). هذا، وقد عقد المؤلف في الكتاب ثلاثة فصول: أما الفصل الأول: فقد ذكر فيه قصة حياته من ولادته إلى هجرته إلى بلاد تونس، وإسلامه على يدي الأمير أبي العباس أحمد المستنصر (ت ٧٩٦ هـ) وبين فيه ما تولاه من الوظائف في حكمه. وأما الفصل الثاني: فقد ذكر فيه سيرة الأمير أبي فارس عبد العزيز بن أحمد، وأعماله، وما حصل في أيامه من الأمور والحوادث خاصة مما له علاقة بالمؤلف.

стр. 10261

وخصص الفصل الثالث: في الرد على النصارى، وهو الغرض الأول من تأليف هذا الكتاب. وهذا الفصل يشتمل على تسعة أبواب: الباب الأول: في ذكر مؤلفي الأناجيل الأربعة، وبيان كذبهم. الباب الثاني: في بيان تفرق النصارى إلى فرق مختلفة. الباب الثالث: في بيان فساد أصول النصارى، والرد عليها من نصوص أناجيلهم. الباب الرابع: في بيان عقائد شريعتهم، والرد عليها من أناجيلهم. الباب الخامس: في إثبات بشرية عيسى ﵇، والرد على النصارى في معتقدهم في عيسى ﵇. الباب السادس: في ذكر اختلاف مؤلفي الأناجيل فيما بينهم، وبيان كذبهم. الباب السابع: في بيان ما نسبه النصارى كفرا وافتراء إلى عيسى ﵇. الباب الثامن: في بيان ما يعترض به النصارى على المسلمين. الباب التاسع: بيان البشارات الواردة في رسالة نبينا ﵊، وبقاء ملته إلى يوم القيامة. هذه هي الخطة التي سار عليها المؤلف في تأليف هذا الكتاب، ولكي يعرف القارئ أهمية هذا الكتاب، وقيمته العلمية، أقتبس بعض النماذج مما كتبه في الفصل الثالث.

стр. 10262

يقول في الباب الأول " في ذكر مؤلفي الأناجيل": " اعلموا - رحمكم الله - أن الذين كتبوا الأناجيل أربعة، هم: متى، ماركوس، ولوقا، ويوحنا. وهؤلاء هم الذين أفسدوا دين عيسى، وزادوا ونقصوا وبدلوا كلام الله. . وليس هؤلاء من الحواريين الذين أثنى الله عليهم (تحفة الأريب ص ٥٨). وقال في تعريف لوقا: " أما لوقا، فلم يدرك عيسى ﵇، ولا رآه أبدا، وإنما تنصر بعد رفع عيسى ﵇، وكان تنصر على يد بولس الإسرائيلي، وبولس أيضا لم يدرك عيسى، ولا رآه، وكان من أكبر أعداء النصارى، حتى حصل بيده أمر من ملوك الروم بأنه حيثما وجد نصرانيا يأخذه ويحمله إلى بيت المقدس، ويسجنه هناك. (تحفة الأريب ص ٦٠ - ٦١). وقال في الباب الثالث " في بيان عقيدتهم في التثليث ": " وعندهم لا يمكن دخول الجنة إلا به على ما شهدت به أئمة الضلال

стр. 10263

والكفر، والإضلال من أوائلهم، فيؤمنون بأن الله - تعالى عن قولهم - ثالث ثلاثة، وأن عيسى هو ابن الله، وأن الله له طبيعتين: ناسوتيه، ولاهوتيه، وتلك الطبيعتان صارتا شيئا واحدا، فصار اللاهوت إنسانا محدثا تاما مخلوقا، وصار الناسوت إلها تاما خالقا غير مخلوق ". ويستنكر هذه العقيدة عليهم قائلا: " ولا يشك ذو عقل سليم أن كل من له مسكة من العقل يجب عليه أن يحول نفسه عن اعتقاد هذا الإفك الغثيث البارد، السخيف الرذيل الفاسد، الذي تتنزه عنه عقول الصبيان، ويضحك منه، ومنهم ذوو الأفهام والأذهان، فالحمد لله الذي أخرجني من زمرتهم، وعافاني من بينهم ". (تحفة الأريب ص ٧٦ - ٧٧). هذا وقد رد على هذه العقيدة من نص الإنجيل، وبين أن هذه العقيدة تناقض ما حكاه متى في إنجيله عن المسيح؛ فإنه كتب في الفصل السادس والعشرين: " أن عيسى ﵇ حين عزم اليهود على أخذه وقتله، تغير في تلك الليلة، وحزن حزنا شديدا ". (انظر: إنجيل متى ٢٦ عدد ٣٧). يقول المؤلف: " وكل من يحزن فليس بإله، ولا بابن إله عند كل ذي عقل صحيح، وإن هذا لأشنع من قولهم في هذه القاعدة. بأن عيسى له طبيعتان: لاهوتية وتاسوتية، وإنهما صارتا شيئا واحدا. وهذا أقبح ممن يقول: إن الماء والنار صارا شيئا واحدا. ثم يتساءل منهم ويقول: وأين كان لاهوته لما مات ناسوته؟

стр. 10264

لا سيما على قولهم: " إنهما اتحدا وتمازجا والتحما " فما الذي فرق بينهما عندما ضرب جسده وناسوته السياط - على زعمهم - وعصب رأسه بالشوك، وصلب على خشبة، وطعن بالرماح حتى مات وهو يصيح جزعا وخوفا؟! فأين غاب لاهوته عن ناسوته في هذه الشدائد؟ مع الممازجة والالتحام على قولهم؟! (تحفة الأريب ص ٧٩). وقال في معرض إثبات بشرية عيسى ﵇: قال مرقوس في آخر إنجيله: إن عيسى قال: وهو على خشبة الصلب بزعمهم: " إلهي إلهي لم خذلتني؟ " (انظر: إنجيل مرقوس الأصحاح ١٥ عدد ٣٤). وذلك آخر ما تكلم في الدنيا، وحاشاه أن يكون الله خذله، أو تمكن اليهود من صلبه، وإنما احتججنا على النصارى به؛ لأنهم قد رضوه من نصوص أناجيلهم، وهم مصدقون به ". وفيه تصريح بأن عيسى قال: " يا إلهي يا إلهي " فأقر بأن له إلها يدعى في الشدائد، وتبرأ من ادعاء الألوهية لنفسه ". فلزم تكذيب عقائد النصارى ضرورة لا محيد لهم عنها، ولكنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون. وفي باب بشارات الأنبياء الواردة في رسالة نبينا محمد ﷺ ، قال: ومن ذلك ما جاء في الفصل الثالث والثلاثين من كتاب الخامس من التوراة، أن الرب تعالى جاء من طور سيناء، وطلع إلينا من ساعير،

стр. 10265

وظهر من جبل فاران، وإن رايات القديسين معه وعن يمينه ". فقوله: جاء الله من طور سيناء، يريد بمجيئه ظهور دينه، وتوحيده ﵎ بما أوحى إلى موسى بطور سيناء ". " وطلع من ساعير " يعني جبلان بالشام به كان ظهور دين عيسى ﵇ بما أوحاه الله إليه. وظهر في جبل " فاران " يريد بما أوحى الله تعالى من دين الإسلام بمكة، والحجاز إلى نبينا محمد ﷺ . فإن فاران اسم رجل من ملوك العمالقة الذين اقتسموا الأرض، فكان الحجاز وتخومه لفاران، فتسمى القطر كله باسمه. وقوله: " إن رايات القديسين معه وعن يمينه ". فالقديسون، هم الرجال الأولياء الصالحون، والمراد بهم هنا أصحاب نبينا محمد ﷺ ؛ لأنهم الذين كانوا معه، وعن يمينه، فلم يفارقوه قط ﵃. ثم قال: " ومن ذلك ما اتفق عليه الأربعة الذين كتبوا الأناجيل الأربعة: أن عيسى ﵇ قال للحواريين حين رفع إلى السماء: " إني أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم وأبشر بنبي يأتي من بعدي اسمه " بأرقليط ". وهذا الاسم الشريف هو باللسان اليوناني، وتفسيره بالعربية " أحمد " كما قال الله تعالى في كتابه العزيز:

стр. 10266

﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) وهو في الإنجيل اللاطيني " براكلتس "، وهذا الاسم الشريف هو الذي كان سبب إسلامي. كما تقدم ذكره في أول هذا الكتاب. (تحفة الأريب ص ١٣٧). والله أعلم،،، عبد القيوم محمد شفيع البستوي

стр. 10267

قرار هيئة كبار العلماء رقم ١٤٦ وتاريخ ١١/ ٧ / ١٤٠٨ هـ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين وإمام المتقين، نبينا محمد وعلى آله ذوي الصدق والوفاء، وأصحابه أكرم الصحب وأصدق الشرفاء من أتباع الأنبياء. وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء قد اطلع في دورته الحادية والثلاثين المعقودة في مدينة الرياض ابتداء من يوم ٣/ ٧ / ١٤٠٨ هـ وانتهاء بيوم ١١/ ٧ / ١٤٠٨ هـ على نتائج مؤتمرات وندوات علماء المسلمين خارج المملكة العربية السعودية في القارة الهندية وغيرها من بلدان المسلمين في آسيا وأفريقيا وفي مصر والسودان وسواها، وتوالت تلك المؤتمرات والندوات تندد وتستنكر وتحذر مما يرتكبه الإيرانيون باسم الإسلام، وهذه المؤتمرات والندوات عقدها هؤلاء العلماء إثر الجريمة النكراء التي قام بها أعوان حكام إيران في موسم الحج عام ١٤٠٧ هـ، تلك الجريمة التي هزت العالم الإسلامي أجمع، وأقلقت علماء المسلمين في كل مكان، فنددوا بها في حينها، واستنكروها أيما استنكار، ووصفوها بأنها إلحاد في الحرم، وصد عن سبيل الله وجرأة على حرمة الآمن، وإيذاء لحجاج بيته الكريم. ثم بعد عودة الحجاج إلى أوطانهم ونقلهم الفظائع

стр. 10268

التي عرفوا واقعها، وأطلعوا على نتائجها المسلمين في بلادهم، وما استحله أعوان الخميني من حرمة الحرم، ودماء الحجاج، هب العلماء لتبصير المسلمين بأحوال قادة هذه الفتنة، وبينوا في قراراتهم خبث مقاصد مثيريها وبعدهم عن الإسلام، وأن ذلك من الإلحاد الذي يجب أن يعرفه المسلمون فيكافحوه، وقد صرحت هذه المؤتمرات والندوات بعدوان من أتى هذه الأعمال الشنيعة وإلحاده في حرم الله. وبعد استعراض مجلس هيئة كبار العلماء لنتائج هذه المؤتمرات والندوات العلمية لعلماء العالم الإسلامي، رأى إصدار قرار بتأييد ما توصلت إليه تلك المؤتمرات والندوات من استنكار وما أرادته من تنبيه المسلمين إلى خطر هذه الفئة المنحرفة، والطائفة المجرمة التي سفكت دماء الإيرانيين في إيران بلا تمييز بين الفرق، وصدرت جرائهما إلى الحرمين الشريفين تريد إخافة المسلمين، وترويع الحجاج الآمنين، ونشر المبادئ التي يعلن عنها الخميني في نشراته الإلحادية الشرسة وسطرها في كتبه العربية والفارسية التي تهدف في النهاية إلى صرف المسلمين عن القرآن الكريم وتعطيل سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، والتي نقلها عنه صحابته الكرام ﵃، وتسعى هذه الأفكار إلى وصف أكرم هذه الأمة وهم صحابة رسول الله بالنفاق والكفر، وهذا صريح من كلام الخميني وأعوانه، وأن من لم يأخذ بها فدمه هدر عند هؤلاء الطغاة، ولا حرمة لماله أو عرضه. ولقد سبق أن صدر بيان استنكاري عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية فور وقوع الجريمة الخمينية على الحجاج، والتي أرادوا لها أن تفسد على المسلمين حجهم، ولكن الله لطف، فوفق الحكومة السعودية إلى معالجتها بحكمة وحزم، فحج المسلمون آمنين

стр. 10269

ورجعوا يحملون أبشع صورة لأعمال الخميني وأعوانه، وقد أوضح المجلس في بيانه المذكور استنكاره لأعمال هؤلاء المجرمين، وإظهار صلتهم بأعداء المسلمين السابقين من القرامطة الذين انتهكوا حرمة البلد الحرام في الشهر الحرام. ومؤتمرات حكومة طهران تظهر مقاصد هذه الفئة الباغية، وما تبيته لدول العالم الإسلامي في جزيرة العرب والمغرب الإسلامي لتحولها إلى حكومات خمينية، وترى أن غير هذه الدول أسهل أمرا، ولكن الله سيخيب آمال الخميني وأعوانه كما خيب آمال أسلافه. إن مجلس هيئة كبار العلماء يرى من أجل فضح هذه الفئة أن يوضح بعض ما ظهر من أعمالها بمناسبة ما تتابع من مؤتمرات وندوات إسلامية، واستنكارات واسعة النطاق، وذلك بما يلي: لقد سلكت هذه الفئة المخذولة شتى السبل، واستخدمت كافة الوسائل، بهدف إقناع مختلف الأوساط بأن النظام الإيراني هو قائد الحركة الإسلامية، وحامل لواء الجهاد لتصحيح أحوال المسلمين فيما يزعم هؤلاء، وأن الخميني هو إمام المسلمين، وتهدف هذه الحركة في النهاية إلى تحويل المسلمين لمبادئ الخميني وأتباعه، وخصوصا في المناطق التي لا تعرف حقيقة دعوته الضالة. وقد سلكت هذه الفئة المنحرفة مختلف الطرق لنشر ضلالها، وإحداث الفتن في بلاد المسلمين، ومن أعظم ذلك استغلالهم موسم الحج للدعاية والتشويش، وإزعاج الحجيج وإشغالهم عن أداء مناسكهم بالهتافات السخيفة، والمسيرات المزعجة، والتجمعات الصاخبة ورفع صور زعماء الفتنة والهتاف بأسمائهم، وقد كان من نتائج ذلك تلك الجريمة المروعة، حيث انتهكوا حرمة البلد الحرام، في الشهر الحرام، وحملوا السلاح وقاموا بأعمالهم الإجرامية في اليوم السادس من شهر ذي

стр. 10270

الحجة من عام ١٤٠٧ هـ، وقد سقط فيها مئات القتلى والجرحى، وقد سبقهم لمثل هذه الجريمة سلفهم وقدوتهم من القرامطة الملحدين، الذين استباحوا حرم الله وقتلوا حجاج بيته العتيق، وملأوا بئر زمزم بجثث القتلى. إن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية إذ يسوق هذه الحقائق لينبه المسلمين إلى خطورة الأمر، وهو أن المجتمع الإسلامي يواجه هجمة شرسة غريبة عليه، هي امتداد لهجمات الإلحاد والإباحية التي قام بها العبيديون والقرامطة الذين لا تخفى آثارهم السيئة على الإسلام والمسلمين، فلينتبه المسلمون إلى الخطر المحدق بهم، وليسلكوا كل طريق لمقاومة هذا العدو الخبيث المتمثل في الخميني ودعاته، وعلى علماء المسلمين وأرباب القلم والفكر المسلمين كشف زيف هؤلاء الدخلاء على الإسلام، والحاقدين عليه، وبيان حقيقتهم، وتحذير المسلمين من الانخداع بزيفهم وبنفاقهم، ويكفي لمعرفة ضلال الخميني الرجوع إلى كتبه، والاطلاع على ما أورده فيها ومن ذلك ما قاله في كتابه (الحكومة الإسلامية) تحت عنوان (الولاية التكوينية) صفحة (٥٢) حيث يقول: (إن للأئمة مقاما محمودا ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، وتخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل). ويتجاهل في كتابه هذا حكومة الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوا عليا، فيقول صفحة (٢٦): (لقد ثبت بضرورة الشرع والعقل أن ما كان ضروريا أيام الرسول ﷺ ، وفي عهد الإمام أمير المؤمنين من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا) ويقول صفحة (٧١): (وكان الرسول ﷺ وأمير المؤمنين

стр. 10271

يقولون ويعملون). ويقول في موضع آخر من كتابه هذا متهما الصحابي الجليل سمرة بن جندب ﵁ بأنه يكذب على رسول الله ﷺ صفحة (٦٠): (ففي الرواة من يفتري على لسان النبي ﷺ أحاديث لم يقلها، ولعل راويا كسمرة بن جندب يفتري أحاديث تمس من كرامة أمير المؤمنين). فهذه مقتطفات من كلام الخميني تؤكد عقيدته ببطلان ما عليه المسلمون، وطعنه وتنقصه لصحابة رسول الله ﷺ ، وعدم اعترافه بخلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغلوه وتأليهه لبعض المخلوقات. وإن مجلس هيئة كبار العلماء - بعد هذا الإيضاح- يؤيد حكومة خادم الحرمين الشريفين في جميع الخطوات التي اتخذت لصد الفتنة الخمينية في الحج والقضاء عليها. كما يرى المجلس أنه يجب على حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حماية حجاج بيت الله الحرام وتأمين سبلهم، ومنع من تسول له نفسه العبث بأمن الحجيج، ومن لم يلتزم بترك الأذى والشغب والمظاهرات وإيذاء المسلمين، يمنع من دخول الأماكن المقدسة. وإن المجلس إذ يقرر ذلك يسأل الله سبحانه أن يحفظ لهذه الأمة دينها، ولهذه البلاد المقدسة أمنها وسلامتها، وأن يرد كيد الأعداء في نحورهم، وأن يوفق المسلمين في كل مكان للتمسك بشريعة ربهم، والسير على منهج نبيهم محمد ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 10272

هيئة كبار العلماء رئيس الدورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز عبد الله خياط ... عبد العزيز بن صالح ... عبد الرزاق عفيفي سليمان بن عبيد ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن ... راشد بن خنين عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان حسن بن جعفر العتمي ... عبد الله البسام ... محمد بن صالح العثيمين عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ... صالح الفوزان

стр. 10273

النهي عن عضل البنات سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد: فقد بلغني من بعض الثقات أن بعض الناس يمتنع عن تزويج بناته وأخواته من غير أسرته أو قبيلته، وقد كدرني ذلك كثيرا؛ لما فيه من الظلم لهن ومخالفة للشرع المطهر، وقد قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١)، «وسئل النبي ﷺ عن أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم (٢)». وقد زوج النبي ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم ﵄ على عثمان بن عفان ﵁ وهو من بني أمية، وزوج ﷺ فاطمة بنت قيس القرشية مولاه أسامة بن زيد، وزوج الصديق ابنته أسماء الزبير بن العوام وهو ليس من قبيلته بني تميم. وزوج علي بن أبي طالب ﵁ ابنته أم كلثوم على عمر بن الخطاب ﵁ وهو عدوي وليس من بني هاشم، وزوج عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أخته بلال بن رباح الحبشي وهو مولى ومن العجم وليس من العرب، والواقعات في هذا كثيرة. فالواجب عليكم أن تسلكوا مسلك هؤلاء الأخيار وأن تزوجوا بناتكم

стр. 10274

وأخواتكم من الأكفاء من سائر قبائل العرب، ولا تحبسوهن؛ فإن ذلك ظلم لهن ومخالفة ظاهرة لما درج عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام ﵃، وليس في حبسهن عزلهن ولا عزلكم، بل هو نقص على الجميع. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه (١)». خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وصح عنه ﷺ أيضا أنه قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد (٢)». وصح عنه ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر (٣)». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولخوفي عليكم ووجوب النصح لكم عملا بقوله ﷺ : «الدين النصيحة (٤)»، حررت هذه الرسالة نصحا لكم وخوفا عليكم ورحمة لنسائكم، والله سبحانه سائلكم يوم القيامة عن ظلمكم لهن، وسوف يجازي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٥). وبهذه المناسبة أوصيكم بالتسامح في المهور والولائم وعدم التكلف؛ لأن ذلك مما يعين على إعفاف رجالكم ونسائكم، والله جل وعلا المسؤول أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. . وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، إنه جواد كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 10275

التحذير من إيداع الأموال في البنوك أو غيرها لغرض الحصول على الربا سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: - فقد اطلعت على إعلان باللغة الإنجليزية كان قد نشر في جريدة الرياض الصادرة في يوم الأربعاء الموافق ١٤/ ١٠ / ١٤٠٧هـ. وقد تضمن الدعاية لإيداع الأموال في البنك الفدرالي للشرق الأوسط الكائن في دولة قبرص؛ للحصول على نسبة أعلى من الفوائد الربوية من البنك المذكور. ولا يخفى على كل مسلم بصير بدينه أن التعامل بالربا وأكله منكر ومن كبائر الذنوب، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢). وقد جعل الله سبحانه ذلك محاربة له ولرسوله ﷺ حيث قال:

стр. 10276

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢). وثبت عن النبي ﷺ «أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء (٣)». والآيات والأحاديث في التحذير من الربا وبيان عواقبه الوخيمة كثيرة جدا، فالواجب على كل من يتعاطى ذلك التوبة إلى الله سبحانه منه، وترك المعاملة به مستقبلا وعدم الانصياع لمثل هذه الدعايات الباطلة طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وحذرا من العقوبات المترتبة على ذلك عاجلا وآجلا، وابتعادا عن الوقوع فيما حرم الله، عملا بقوله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥). الآية. وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للتوبة إليه من جميع الذنوب، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 10277

حديث شريف عن عقبة بن عامر قال: «صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض وإني لناظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ (١)» رواه البخاري

стр. 10278

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) (سورة التوبة، الآية ٦٠)

стр. 10279

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 10280

مجلة البحوث الإسلامية مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير د. محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 10281

المحتويات الافتتاحية: نصح وإرشاد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ الرهن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٤ الفتاوى: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٥٧ من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٩٥ البحوث: البدعة وأثرها في الانحراف في الاعتقاد الشيخ / عبد الله بن سليمان المنيع ١٠٣ رد أوهام أبي زهرة في حق شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الشيخ / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان ١٢٢

стр. 10282

الأسس المنهجية لموقف أهل السنة من قضية الصفات وضوابطها الدكتور / محمد عبد الله عفيفي ١٥٠ شيخ الإسلام ابن تيمية، حامل راية الكتاب والسنة الدكتور / محمد لقمان السلفي ٢٠٣ أسس اختيار الزوجة. الشيخ / مصطفى عيد الصياصنة ٢٣٥ عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي اللواء الركن / محمود شيت خطاب ٢٩٠ رؤية وفكرة تاريخية لرعاية الحرمين الشريفين الدكتور / محمد محمد إبراهيم زغروت ٣٠٨ علمتني الصلاة الشيخ / منذر الحرير ٣٥٢ متى تثبت رؤية الهلال ثبوتا شرعيا وجب العمل بها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٧٦ تعقيب على فضيلة الشيخ عبد الله كنون سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٨٢ قرار هيئة كبار العلماء رقم ١٤٨ وتاريخ ١٢/ ١ / ١٤٠٩هـ ٣٨٤

стр. 10283

صفحة فارغة

стр. 10284

الافتتاحية نصح وإرشاد سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد. فيا معشر المسلمين: فمما لا شك فيه لكل ذي عقل سليم أن الأمم لا بد لها من موجه يوجهها ويدلها على طريق السداد، وأمة الإسلام هي أخص الأمم بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والواجب يحتم على كل مسلم بقدر استطاعته وعلى حسب مقدرته أن يشمر عن ساعد الجد في النصح والتوجيه؛ حتى تبرأ ذمته ويهتدي به غيره. قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ولا ريب أن كل مؤمن بل كل إنسان في حاجة شديدة إلى التذكير بحق الله وحق عباده، والترغيب في أداء ذلك، وفي حاجة شديدة إلى التواصي بالحق والصبر عليه، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه المبين عن صفة الرابحين وأعمالهم الحميدة، وعن صفة الخاسرين وأخلاقهم الذميمة، وذلك في آيات كثيرات من القرآن الكريم، وأجمعها ما ذكره الله سبحانه في سورة العصر حيث قال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤).

стр. 10285

فأرشد عباده في هذه السورة القصيرة العظيمة إلى أن أسباب الربح تنحصر في أربع صفات: الأولى: الإيمان. والثانية: العمل الصالح. والثالثة: التواصي بالحق. والرابعة: التواصي بالصبر. فمن كمل هذه المقامات الأربعة فاز بأعظم الربح، واستحق من ربه الكرامة والفوز بالنعيم المقيم يوم القيامة. ومن حاد عن هذه الصفات ولم يتخلق بها باء بأعظم الخسران، وصار إلى الجحيم دار الهوان. وقد شرح الله سبحانه في كتابه الكريم صفات الرابحين ونوعها وكررها في مواضع كثيرة من كتابه؛ ليعرفها طالب النجاة فيتخلق بها ويدعو إليها. وشرح صفات الخاسرين في آيات كثيرة؛ ليعرفها المؤمن ويبتعد عنها، ومن تدبر كتاب الله وأكثر من تلاوته عرف صفات الرابحين وصفات الخاسرين على التفصيل. كما قال سبحانه ذلك في آيات كثيرة، منها ما تقدم، ومنها قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣). وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٤)». وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع على رؤوس الأشهاد يوم عرفة: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (٥)» فبين الله سبحانه

стр. 10286

في هذه الآيات أنه أنزل القرآن ليتدبره العباد ويتذاكروا به ويتبعوه ويهتدوا به إلى أسباب السعادة والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة، وأرشد الرسول ﷺ إلى تعلمه وتعليمه، وبين أن خير الناس هم أهل القرآن الذين يتعلمون القرآن ويعلمونه غيرهم بالعمل به واتباعه والوقوف عند حدوده، والحكم به والتحاكم إليه. وأوضح ﵊ للناس في المجمع العظيم يوم عرفة أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين بكتاب الله سائرين على تعاليمه. ولما سار السلف الصالح والصدر الأول من هذه الأمة على تعاليم القرآن وسيرة الرسول ﷺ أعزهم الله ورفع شأنهم ومكن لهم في الأرض تحقيقا لما وعدهم الله به في قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤). فيا معشر المسلمين؛ تدبروا كتاب ربكم، وأكثروا من تلاوته، وامتثلوا ما فيه من الأوامر، واجتنبوا ما فيه من النواهي، واعرفوا الأخلاق والأعمال التي مدحها القرآن؛ فسارعوا إليها وتخلقوا بها، واعرفوا الأخلاق والأعمال

стр. 10287

التي ذمها القرآن وتوعد أهلها؛ فاحذروها وابتعدوا عنها، وتواصوا فيما بينكم بذلك، واصبروا عليه حتى تلقوا ربكم، وبذلك تستحقون الكرامة، وتفوزون بالنجاة والسعادة والعزة؛ في الدنيا والآخرة. ومن أهم الواجبات على المسلمين: العناية بسنة الرسول ﷺ ، والتفقه فيها، والسير على ضوئها؛ لأنها الوحي الثاني، وهي المفسرة لكتاب الله، والمرشدة إلى ما قد يخفي من معانيه، كما قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). والآيات الدالة على وجوب اتباع الرسول ﷺ وتعظيم سنته والتمسك بها والتحذير من مخالفتها أو التهاون بها كثيرة جدا، يعلمها من تدبر القرآن الكريم وتفقه فيما جاء عن الرسول ﷺ من الأحاديث الصحيحة، ولا صلاح للعباد، ولا سعادة، ولا عزة، ولا كرامة، ولا نجاة في الدنيا والآخرة؛ إلا باتباع القرآن الكريم، وسنة الرسول ﷺ وتعظيمهما، والتواصي بهما في جميع الأحوال، والصبر على ذلك، كما قال الله :

стр. 10288

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). فأرشد الله سبحانه العباد في هذه الآيات الكريمات إلى أن الحياة الطيبة والراحة والطمأنينة والعزة الكاملة إنما تحصل لمن استجاب لله ولرسوله واستقام على ذلك قولا وعملا، وأما من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ﵊ واشتغل عنهما بغيرهما فإنه لا يزال في العذاب والشقاء، في الهموم والغموم والمعيشة الضنك، وإن ملك الدنيا بأسرها، ثم ينقل إلى ما هو أشد وأفظع وهو عذاب النار وعياذا بالله من ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٤) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٦) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٧).

стр. 10289

وقال عز من قائل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). وقال : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٢) ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٣). قال بعض المفسرين: إن هذه الآية تعم أحوال الأبرار والفجار في الدنيا والآخرة، فالمؤمن في نعيم في دنياه وقبره وآخرته، وإن أصابه في الدنيا ما أصابه من أنواع المصائب؛ كالفقر والمرض ونحوهما، والفاجر في جحيم في دنياه وقبره وآخرته، وإن أدرك ما أدرك من نعيم الدنيا. وما ذاك إلا لأن النعيم في الحقيقة هو نعيم القلب وراحته وطمأنينته. فالمؤمن؛ بإيمانه بالله، واعتماده عليه، واستغنائه به، وقيامه بحقه، وتصديقه بوعده: مطمئن القلب، منشرح الصدر، مرتاح الضمير. والفاجر؛ لمرض قلبه، وجهله، وشكه، وإعراضه عن الله، وتشعب قلبه في مطالب الدنيا وشهواتها: في عذاب وقلق وتعب دائم، ولكن سكرة الهوى والشهوات تعمي العقول عن التفكير في ذلك والإحساس به. فيا معشر المسلمين؛ انتبهوا لما خلقتم له من عبادة الله وطاعته، وتفقهوا في ذلك، واستقيموا عليه؛ حتى تلقوا ربكم ؛ فتفوزوا بالنعيم المقيم، وتسلموا من عذاب الجحيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٤) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٥) ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٦).

стр. 10290

وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). والله المسؤول أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 10291

الرهن إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابقة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في شعبان عام ١٣٩٥ هـ بالمحضر رقم ٩ وتاريخ ١١/ ٨ / ١٣٩٥هـ من إدراج اشتراط قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مشتملا على العناصر الآتية: ١ - تعريف الرهن لغة واصطلاحا والمناسبة بين المعنيين. ٢ - حكم الرهن مع الأدلة والمناقشة. ٣ - حكمته. ٤ - الخلاف في اشتراط استدامة قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه مع الأدلة والمناقشة. ٥ - الخلاف في اشتراط استدامة القبض وعدم اشتراطها مع الأدلة والمناقشة. ٦ - ما يعتبر قبضا للرهن مع الأدلة والمناقشة. ٧ - حكم الرهن بعد القبض مع الأدلة والمناقشة. وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 10292

أولا: تعريف الرهن لغة وشرعا والمناسبة بين المعنيين: أ - تعريفه لغة: ١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة " الرهن ": " الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره، من ذلك الرهن: الشيء يرهن، تقول: رهنت الشيء رهنا، ولا يقال: أرهنت، والشيء الراهن: الثابت الدائم، ورهن لك الشيء: أقام، وأرهنته لك: أقمته. وقال أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهانا: غاليت فيها، وهو من الغلاء خاصة، قال: " عبدية أرهنت فيها الدنانير ": وعبارة أبي عبيد في هذا شاذة، لكن ابن السكيت وغيره قالوا: أرهنت: أسلفت، وهذا هو الصحيح. قالوا كلهم: أرهنت ولدي إرهانا: أخطرتهم. فأما تسميتهم المهزول من الناس والإبل راهنا فهو من الباب؛ لأنهم جعلوه كأنه من هزاله يثبت مكانه لا يتحرك. قال: أما تري جسمي خلا قد رهن ... هزلا وما مجد الرجال في السمن يقال منه: رهن رهونا. (١). ٢ - قال محمد بن يعقوب الفيروزآبادي في مادة " رهن ": الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، والجمع رهان ورهون ورهن ورهين. رهنه الشيء ورهن عنده وأرهنه: جعله رهنا، وارتهن منه: أخذه رهنا. ورهنته لساني، ولا تقل أرهنته، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه. والرهان والمراهنة: المخاطرة والمسابقة على الخيل. وقرئ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢)

стр. 10293

(ورهن) وقيل في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١). أنها بمعنى الفاعل أي ثابتة مقيمة. وقيل: بمعنى المفعول أي كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عمله، ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢) ٣ - وقال محمد بن مكرم المعروف بابن منظور - بعد كلام يتفق مع ما سبق قال: وفي الحديث: «كل غلام رهينة بعقيقته (٣)». الرهينة: الرهن، والهاء للمبالغة؛ كالشتيمة والشتم، ثم استعملا في معنى المرهون، قيل: هو رهن بكذا ورهينة بكذا. ومعنى قوله: «رهينة بعقيقته (٤)»: أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها له وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. انتهى المقصود. وقال أيضا: قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم، يقال: هذا راهن لك أي دائم محبوس عليك. ب- تعريفه شرعا: ١ - تعريفه عند الحنفية: هو جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون. ونوقش بأنه تعريف للرهن التام واللازم، وإلا فعلى انعقاد الرهن لا يلزم الحبس بل ذلك بالقبض، ورد بأنه يتحقق بانعقاد الرهن معنى جعل الشيء محبوسا بحق إلا أن للعاقد الرجوع عنه ما لم يقبض المرتهن الرهن، فقبل القبض يوجد معنى الحبس لا بلزومه، فيصدق هذا التعريف على الرهن قبل تمامه ولزومه. ونوقش

стр. 10294

أيضا بأن قوله " كالدين " إشارة إلى أن الرهن لا يجوز إلا بالدين؛ لأنه هو الحق الممكن استيفاؤه من الرهن لعدم تعينه. ورد بأن الظاهر المتبادر من الكاف في قوله " كالدين " أنه يجوز الرهن بغير الدين أيضا وأن الكاف ليست للاستقصاء. فإن لم يكن في قوله: (كالدين) إشارة إلى جواز الرهن بغير الدين أيضا - فلا أقل من أن لا يكون فيه إشارة إلى انحصار ما يجوز الرهن به في الدين. ٢ - تعريفه عند المالكية: الرهن: إعطاء امرئ وثيقة بحق. واعترض عليه بأنه غير مانع لدخول اليمين ليقضيه إلى أجل كذا ودفع الوثيقة المشهودة بالدين ونحو ذلك. وأجيب عن ذلك بمنع قبول دخول شيء منها تحته لأن لفظة: (إعطاء) تقتضي حقيقة دفع شيء، ولفظ: (وثيقة) يقتضي صحة رجوع ذلك الشيء لدافعه إذا استوفى ذلك، وذلك لا يصح في الحميل واليمين والأخذ والرد حقيقة، وأما الوثيقة بذكر الحق فهو - وإن صح دفعها - فلا يلزم ردها بعد استيفاء الحق. وأجيب عن ذلك: بأن لفظة (إعطاء) يقتضي دفع الشيء إلى آخذه، وإن أراد دفعه حسب المحسوس منع؛ لأنه يصح أن يقول: أعطاه عهد الله، والأصل الحقيقة، وإن أراد الأعم منه ومن المعنى دخل ما وقع النقص به، وإن سلم كونه حسيا بطل بإخراج رهن الدين. وقوله: (لفظة "وثيقة" تقتضي صحة رجوع ذلك الشيء إلى آخذه) المراد به لا يلزم من نفي لزوم ردها نفي صحته، واللازم عنده إنما هو الصحة. واعترض عليه أيضا

стр. 10295

بأنه لا يتناول الرهن بحال لأنه اسم، والإعطاء مصدر وهما متباينان، أي أن الرهن وإن كان في الأصل مصدرا، ولكن الأغلب في عرف الفقهاء إطلاقه على الشيء المرهون، فكان الأولى أن يقول: معطى، أو ما أشبهه. وأجيب عن ذلك بأن الرهن كما يطلق في عرف الفقهاء على الشيء المرهون، فكذلك أيضا يطلق على الرهن الذي هو المصدر، كما إذا قالوا: يصح الرهن ويبطل الرهن، ويصح رهن كذا ولا يصح رهن كذا، فاستعمال الرهن بمعنى المصدر شائع في عرف الفقهاء، فلذلك عرف بالتعريف السابق. ٣ - تعريفه عند الشافعية: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه (١). ٤ - تعريفه عند الحنابلة: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه (٢). ج- المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وأما المناسبة بين المعنى اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي فهي: أن المعنى اللغوي في الثبات والدوام واللزوم والحبس، وهذا موجود في المعنى الاصطلاحي، وذلك أن المرهون محبوس عن التصرف فيه حتى يستوفي المرتهن حقه، والحبس في الثبات واللزوم، ولكن المعنى الشرعي قيد بقيود تجعله أخص من المعنى اللغوي كما سبق في التعريف الشرعي.
следующие страницы →