← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

الرهن إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابقة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في شعبان عام ١٣٩٥ هـ بالمحضر رقم ٩ وتاريخ ١١/ ٨ / ١٣٩٥هـ من إدراج اشتراط قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا مشتملا على العناصر الآتية: ١ - تعريف الرهن لغة واصطلاحا والمناسبة بين المعنيين. ٢ - حكم الرهن مع الأدلة والمناقشة. ٣ - حكمته. ٤ - الخلاف في اشتراط استدامة قبض الرهن في لزومه وعدم اشتراطه مع الأدلة والمناقشة. ٥ - الخلاف في اشتراط استدامة القبض وعدم اشتراطها مع الأدلة والمناقشة. ٦ - ما يعتبر قبضا للرهن مع الأدلة والمناقشة. ٧ - حكم الرهن بعد القبض مع الأدلة والمناقشة. وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 10292

أولا: تعريف الرهن لغة وشرعا والمناسبة بين المعنيين: أ - تعريفه لغة: ١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة " الرهن ": " الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره، من ذلك الرهن: الشيء يرهن، تقول: رهنت الشيء رهنا، ولا يقال: أرهنت، والشيء الراهن: الثابت الدائم، ورهن لك الشيء: أقام، وأرهنته لك: أقمته. وقال أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهانا: غاليت فيها، وهو من الغلاء خاصة، قال: " عبدية أرهنت فيها الدنانير ": وعبارة أبي عبيد في هذا شاذة، لكن ابن السكيت وغيره قالوا: أرهنت: أسلفت، وهذا هو الصحيح. قالوا كلهم: أرهنت ولدي إرهانا: أخطرتهم. فأما تسميتهم المهزول من الناس والإبل راهنا فهو من الباب؛ لأنهم جعلوه كأنه من هزاله يثبت مكانه لا يتحرك. قال: أما تري جسمي خلا قد رهن ... هزلا وما مجد الرجال في السمن يقال منه: رهن رهونا. (١). ٢ - قال محمد بن يعقوب الفيروزآبادي في مادة " رهن ": الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، والجمع رهان ورهون ورهن ورهين. رهنه الشيء ورهن عنده وأرهنه: جعله رهنا، وارتهن منه: أخذه رهنا. ورهنته لساني، ولا تقل أرهنته، وكل ما احتبس به شيء فرهينه ومرتهنه. والرهان والمراهنة: المخاطرة والمسابقة على الخيل. وقرئ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢)

стр. 10293

(ورهن) وقيل في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١). أنها بمعنى الفاعل أي ثابتة مقيمة. وقيل: بمعنى المفعول أي كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عمله، ولما كان الرهن يتصور منه حبسه استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢) ٣ - وقال محمد بن مكرم المعروف بابن منظور - بعد كلام يتفق مع ما سبق قال: وفي الحديث: «كل غلام رهينة بعقيقته (٣)». الرهينة: الرهن، والهاء للمبالغة؛ كالشتيمة والشتم، ثم استعملا في معنى المرهون، قيل: هو رهن بكذا ورهينة بكذا. ومعنى قوله: «رهينة بعقيقته (٤)»: أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها له وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. انتهى المقصود. وقال أيضا: قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم، يقال: هذا راهن لك أي دائم محبوس عليك. ب- تعريفه شرعا: ١ - تعريفه عند الحنفية: هو جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون. ونوقش بأنه تعريف للرهن التام واللازم، وإلا فعلى انعقاد الرهن لا يلزم الحبس بل ذلك بالقبض، ورد بأنه يتحقق بانعقاد الرهن معنى جعل الشيء محبوسا بحق إلا أن للعاقد الرجوع عنه ما لم يقبض المرتهن الرهن، فقبل القبض يوجد معنى الحبس لا بلزومه، فيصدق هذا التعريف على الرهن قبل تمامه ولزومه. ونوقش

стр. 10294

أيضا بأن قوله " كالدين " إشارة إلى أن الرهن لا يجوز إلا بالدين؛ لأنه هو الحق الممكن استيفاؤه من الرهن لعدم تعينه. ورد بأن الظاهر المتبادر من الكاف في قوله " كالدين " أنه يجوز الرهن بغير الدين أيضا وأن الكاف ليست للاستقصاء. فإن لم يكن في قوله: (كالدين) إشارة إلى جواز الرهن بغير الدين أيضا - فلا أقل من أن لا يكون فيه إشارة إلى انحصار ما يجوز الرهن به في الدين. ٢ - تعريفه عند المالكية: الرهن: إعطاء امرئ وثيقة بحق. واعترض عليه بأنه غير مانع لدخول اليمين ليقضيه إلى أجل كذا ودفع الوثيقة المشهودة بالدين ونحو ذلك. وأجيب عن ذلك بمنع قبول دخول شيء منها تحته لأن لفظة: (إعطاء) تقتضي حقيقة دفع شيء، ولفظ: (وثيقة) يقتضي صحة رجوع ذلك الشيء لدافعه إذا استوفى ذلك، وذلك لا يصح في الحميل واليمين والأخذ والرد حقيقة، وأما الوثيقة بذكر الحق فهو - وإن صح دفعها - فلا يلزم ردها بعد استيفاء الحق. وأجيب عن ذلك: بأن لفظة (إعطاء) يقتضي دفع الشيء إلى آخذه، وإن أراد دفعه حسب المحسوس منع؛ لأنه يصح أن يقول: أعطاه عهد الله، والأصل الحقيقة، وإن أراد الأعم منه ومن المعنى دخل ما وقع النقص به، وإن سلم كونه حسيا بطل بإخراج رهن الدين. وقوله: (لفظة "وثيقة" تقتضي صحة رجوع ذلك الشيء إلى آخذه) المراد به لا يلزم من نفي لزوم ردها نفي صحته، واللازم عنده إنما هو الصحة. واعترض عليه أيضا

стр. 10295

بأنه لا يتناول الرهن بحال لأنه اسم، والإعطاء مصدر وهما متباينان، أي أن الرهن وإن كان في الأصل مصدرا، ولكن الأغلب في عرف الفقهاء إطلاقه على الشيء المرهون، فكان الأولى أن يقول: معطى، أو ما أشبهه. وأجيب عن ذلك بأن الرهن كما يطلق في عرف الفقهاء على الشيء المرهون، فكذلك أيضا يطلق على الرهن الذي هو المصدر، كما إذا قالوا: يصح الرهن ويبطل الرهن، ويصح رهن كذا ولا يصح رهن كذا، فاستعمال الرهن بمعنى المصدر شائع في عرف الفقهاء، فلذلك عرف بالتعريف السابق. ٣ - تعريفه عند الشافعية: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه (١). ٤ - تعريفه عند الحنابلة: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه (٢). ج- المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وأما المناسبة بين المعنى اللغوي وبين المعنى الاصطلاحي فهي: أن المعنى اللغوي في الثبات والدوام واللزوم والحبس، وهذا موجود في المعنى الاصطلاحي، وذلك أن المرهون محبوس عن التصرف فيه حتى يستوفي المرتهن حقه، والحبس في الثبات واللزوم، ولكن المعنى الشرعي قيد بقيود تجعله أخص من المعنى اللغوي كما سبق في التعريف الشرعي.

стр. 10296

ثانيا: حكمه: اتفق أهل العلم على مشروعيته في السفر واختلفوا في مشروعيته في الحضر فنذكر الخلاف في ذلك مع الأدلة والمناقشة: القول الأول: أنه مشروع في الحضر كالسفر، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة واستدلوا بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله تعالى لما ذكر الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت؛ لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك المعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر؛ كأوقات أشغال الناس؛ وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. وأما السنة: فما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد (٢)». وعن أنس قال: «رهن رسول الله ﷺ درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله (٣)». رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه. وجه الدلالة: أنه ﷺ رهن في الحضر ولم يكتب. وأما المعنى: فإنه عقد وثيقة لجانب الاستيفاء، فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب وهي الكفالة.

стр. 10297

القول الثاني: أنه لا يصح في الحضر، قال القرطبي: ولم يرد عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود. وقال ابن حزم: لا يجوز اشتراط الرهن إلا في البيع إلى أجل مسمى في السفر خاصة، وفي السلم إلى أجل مسمى في السفر خاصة، أو في القرض إلى أجل مسمى في السفر خاصة مع عدم الكاتب في كلا الوجهين. واستدلوا بالكتاب والسنة والاستصحاب. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢). وجه الدلالة: ذكر اشتراط السفر في الرهن في حال عدم وجود كاتب، فدل ذلك بمفهومه أنه لا يشرع في الحضر. ونوقش: بأنه لا مفهوم مخالفة للشرط؛ لأنه منزل على غالب الأحوال، والدليل عليه: أن الرسول ﷺ اشترى في الحضر ورهن ولم يكتب؛ وذلك لأن الكاتب إنما يعدم في السفر غالبا، فأما في الحضر فلا يكون ذلك بحال، ومن القواعد المقررة للأخذ بدليل الخطاب: أن من شروطه أن لا يجري على الغالب، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٣) الآية. وأما السنة: فما ثبت عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه (٤)». وجه الدلالة: أن الحديث ليس فيه اشتراط الرهن وهم لا يمنعون من الرهن بغير أن يشترط في العقد؛ لأنه تطوع من الراهن حينئذ بما لم ينه عنه حينئذ.

стр. 10298

ونوقش: بأنه جاء في حديث أبي رافع في بعث النبي ﷺ إياه إلى اليهودي يسلفه طعاما لضيف نزل به فأبى إلا برهن فرهنه درعه. وأجيب عنه: بأنه خبر انفرد به موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، ضعفه ابن القطان وابن معين والبخاري وابن المديني، وقال أحمد بن حنبل: لا تحل الرواية عنه. وأما الاستصحاب: فهو أن الأصل عدم مشروعيته في الحضر، ولم يرد ما يخرج عن هذا الأصل، فيبقى عدم المشروعية على ما هو عليه. ويمكن أن يناقش بأن الاستصحاب إنما يعمل به مع عدم الدليل المعارض له، وقد ورد ما يدل على رفعه، وهو ما سبق من الدليل الدال على أنه ﷺ رهن درعه في الحضر من يهودي في طعام أخذه لأهله، وما روى البخاري أن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (١)». إذا علم ما سبق من مشروعية الرهن في السفر؛ فهل ذلك على سبيل الوجوب في السفر والحضر معا أو أنه ليس بواجب فيهما، أو أنه واجب في السفر دون الحضر؟ وفيما يلي ما تيسر من أقوال أهل العلم في ذلك، مع الأدلة والمناقشة: القول الأول: أنه ليس بواجب لا في السفر ولا في الحضر، وممن قال بذلك: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. قال ابن قدامة: والرهن غير واجب لا نعلم فيه مخالفا. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣).

стр. 10299

وجه الدلالة: قال الشافعي ﵀: فكان بينا في الآية الأمر بالكتاب في الحضر والسفر، وذكر الله تعالى الرهن إذا كانوا مسافرين ولم يجدوا كاتبا، فكان معقولا - والله أعلم - فيها أنهم أمروا بالكتاب والرهن؛ احتياطا لمالك الحق بالوثيقة والمملوك عليه بأن لا ينسى ويذكر؛ لأنه فرض عليهم أن يكتبوا ولا أن يأخذوا رهنا؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١). فكان معقولا أن الوثيقة في الحق في السفر والإعواز غير محرمة والله أعلم في الحضر وغير الإعواز، ولا بأس بالرهن في الحق الحال والدين في الحضر والسفر، وما قلت من هذا مما لا أعلم فيه خلافا. ونوقش: بأن الجملة خبرية، ولكنها جارية مجرى الأمر، فإن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) أي - فارهنوا واقبضوا؛ لأنه مصدر أي مفرده جعل جزاء للشرط بالفاء، فجرى مجرى الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٤). وأجيب عن ذلك بأن الأمر في الآية يراد به الإرشاد لا الإيجاب، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٥) وأما السنة: فما سبق من الأدلة الدالة على مشروعية الرهن في الحضر، وليس فيها الأمر به، فدل على أنه ليس بواجب. وأما المعنى: فإن الرهن وثيقة بالدين؛ فلم يجب كالضمان والكتابة، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها.

стр. 10300

القول الثاني: وجوب الرهن في السفر، وبه قال ابن حزم ومن وافقه، واستدل لذلك بالكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) ويمكن أن يقال: إن وجه الاستدلال من الآية: أن جملة ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) خبر معناه الأمر، كما سبق في مناقشة الاستدلال بالآية للقول الأول، ويناقش الاستدلال بها على الوجوب بما سبق. وأما السنة: فقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط». وجه الدلالة: أن اشتراط الرهن في السفر ورد في كتاب الله مأمورا به فوجب الأخذ به، ولم يرد اشتراطه في الحضر فكان مردودا. وأجيب بما تقدم من جعل الأمر بالرهن في السفر على الإرشاد، وأن الأصل في عقود المعاملات الإباحة حتى يرد المنع منها، ولم يرد.

стр. 10301

ثالثا: حكمته: من قواعد شريعة الإسلام اليسر والسهولة ورفع المشقة ودفعها، وهذا باب واسع في الشريعة، فإن من تدبرها بتوسع ودقة وإنصاف يجد ذلك واضحا في العبادات والمعاملات، وبيانه فيما نحن فيه: - أن الشخص تختلف أحواله غنى وفقرا، والمال حبيب إلى النفوس؛ فقد يأتي على الإنسان وقت يكون في أمس الحاجة إلى النقود؛ ليقضي بها حوائجه الضرورية ولا يجد من يتصدق عليه ولا من يقرضه ولا يجد ضمينا ولا

стр. 10302

كفيلا، فيأتي إلى شخص يطلب منه مالا بثمن في الذمة يتفقان عليه، أو يطلب منه قرضا على أن يجعل عنده مقابل ذلك رهنا يحفظه عنده حتى يرد عليه حقه، فشرع الله الرهن لمصالح الراهن والمرتهن والمجتمع: أما الراهن فيقضي حاجته وفي ذلك تنفيس لكربته، وإزالة ما في نفسه من الغم، وقد يبيع فيه ويشتري ويكون سببا لغناه. وأما المرتهن فيطمئن على حقه، ويحصل له ربح مشروع، وإذا حسنت نيته حصل له الأجر عند الله. وأما المصالح العائدة إلى المجتمع فتوسيع التعامل التجاري، وتبادل المحبة والمودة بين الناس، فهو تعاون على البر والتقوى، وفيه تنفيس للكروب، وتقليل للخصومات، وراحة لولاة الأمور من القضاة والأمراء (١)

стр. 10303

رابعا: الخلاف في أن قبض الرهن شرط في لزومه أو ليس بشرط بل يلزم بمجرد العقد مع الأدلة والمناقشة. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من قال: إن قبض الرهن شرط في لزومه، ومنهم من قال: إنه ليس بشرط؛ بل يلزم بمجرد العقد. وفيما يلي ذكر القولين، وما بني عليه كل قول، وما أورد على مدارك كل منهما في المناقشة. القول الأول: أن قبض الرهن شرط في لزومه، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وهو المقدم عند الحنابلة ومذهب الظاهرية، قال المرغيناني: والقبض شرط اللزوم. وقال الكرخي: قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والحسن: لا يجوز إلا مقبوضا. وقال: المزني نقلا عن الشافعي: ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضا من جائز الأمر حين رهن وحين قبض. . . ولو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه ومنعه، وقال ابن قدامة:

стр. 10304

ولا يلزم الرهن إلا بالقبض. واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وتقرير الاستدلال بالآية من وجهين: الوجه الأول ما ذكره الشافعي ﵀ بعد الاستدلال بهذه الآية قال: فلما كان معقولا أن الرهن غير مملوك الرقبة للمرتهن ملك البيع، ولا مملوك المنفعة ملك الإجارة، لم يجز أن يكون رهنا إلا بما أجازه الله به من أن يكون مقبوضا، ولما لم يجز فللراهن ما لم يقبضه المرتهن منعه منه، وكذلك لو أذن في قبضه فلم يقبض المرتهن حتى رجع الراهن في الرهن كان له ذلك؛ لما وصفت من أنه لا يكون رهنا إلا بأن يكون مقبوضا. وكذلك كل ما لم يقع إلا بأمرين فليس يتم بأحدهما دون الآخر؛ مثل الهبات التي لا تجوز إلا مقبوضة، وما في معناها. الوجه الثاني: ما ذكره الجصاص بقوله: قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) عطف على ما تقدم من قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣). فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبا وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط من الصفة، فلا يصح إلا عليها كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف المذكورة إذا كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب. ويمكن أن يناقش ما ذكره الإمام الشافعي في بيان الاستدلال بالآية بأنا وإن سلمنا أنه لا يكون رهنا بالفعل إلا بما ذكر الله من القبض لكن ليس هذا موضوع النزاع بيننا وبين المستدل، إنما موضوعه أنه يلزم المدين

стр. 10305

بمقتضى العقد أن يسلم ما اتفق عليه أن يكون رهنا إلى الدائن؛ ليكون وثيقة بالدين، وهذا هو المفهوم من كون الآية خبرا بمعنى الأمر؛ إذ التقدير: إذا اتفق المستدين مع الدائن على رهن في الدين لزمه أن يقبضه إياه. وقولكم: كل ما لا يقع إلا بأمرين لا يتم بأحدهما صحيح، ولكن عقد البيع لأجل مثلا بشرط الرهن يتضمن أمرين: الأول: إلزام المدين بدفع الرهن وهذا مبني على الشرط، والثاني: صحة الرهن وهي متوقفة على قبض الدائن، فتبين بهذا أن ليس معنا أمر واحد متوقف وقوعه على أمرين بل أمران، الأول: ويتعلق بالمدين وهو إلزامه بالدفع بناء على الشرط. الثاني: الصحة وهي متوقفة على أمر يتعلق بالدائن وهو القبض. وأما القياس على الهبة ونحوها فغير صحيح؛ لأن الهبة محض تبرع؛ والرهن حق لازم لا تبرع؛ لكونه تابعا لعقد مفاوضة مشروطا فيه فكان قياسا مع الفارق. ويمكن أن يناقش ما ذكره الجصاص بتسليم عطف الآية على الأمر باستشهاد شاهدين، ووجوب تنفيذ الرهن على الصفة المذكورة في الآية وهي القبض، لكن هذا يقتضي إلزام المدين بإقباضه للدائن وفاء بالشرط وهذا محل النزاع، ولا يلزم الدائن قبضه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) ولأنه حق له شرع للإرفاق به فمن حقه أن يتنازل عنه؛ بل من حقه أن يتنازل عن أصل الدين، لكن إن قبضه صح واستوفى منه، وإن لم يقبضه بعد عرضه عليه أو تمكينه منه لم يصح واعتبر متنازلا عن حقه في الإرفاق. وأما المعنى فمن وجهين: الأول: أن الرهن عقد تبرع فيتم بالتبرع كالهبة والصدقة، والقبض شرط اللزوم، الثاني: أنه رهن لم يقبض فلا يلزم إقباضه كما لو مات الراهن. ويجاب عن الاستدلال بالمعنى: أولا بمنع كون الرهن تبرعا أو كالتبرع، فلا يصح قياسه على عقود التبرع من الهبة ونحوها - وثانيا بأنه إن كان عدم القبض بالفعل لتفريط من الدائن أو تنازل عن الرهن بطل

стр. 10306

ولم يلزم الراهن بإقباضه، سواء كان الدائن حيا أو ميتا، وإن كان بغير تفريط من الدائن وإنما كان لمماطلة المدين مثلا، ألزمه بإقباضه إن كان حيا. وألزم ورثته إن كان ميتا. ثم إن الدليل فيه مصادرة لما فيه من الاستدلال بالدعوى على نفسها. القول الثاني: أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولو لم يقبض المرهون وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد ﵀ في الرهن إذا كان متعينا. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: ما ذكره الباجي بقوله: فلنا من الآية دليلان: أحدهما: أنه قال عز من قائل: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) فأثبتها رهنا قبل القبض. والآخر: قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) أمر؛ لأنه لو كان خبرا لم يصح أن يوجد رهن غير مقبوض، ومن قولهم أن الراهن لو جن أو أغمي عليه ثم أفاق فسلم فيصح، فيثبت أنه أمر. ويمكن أن يجاب عن الوجه الأول بأن إثباتها رهانا قبل القبض لا يلزم منه أن يكون الرهن لازما بالعقد؛ إذ يمكن أن يضاف إليها هذا الوصف مع القول بالصحة. وعن الوجه الثاني: بالتسليم أن الخبر بمعنى الأمر لكن لم يعمل بموجب الأمر الذي هو الوجوب واللزوم في حق نفس الرهن؛ حيث لم يجب الرهن على المديون بالإجماع، فوجب أن يعمل به في شرطه وهو القبض. ونظير ذلك قوله ﵇: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل (٤)» بالنصب. أي

стр. 10307

بيعوا، فلم يعمل الأمر في نفس البيع؛ لأن البيع مباح غير واجب فصرف إلى شرطه وهو المماثلة فيما يجري فيه الربا. ونوقش هذا الجواب بأوجه: أحدهما: يجوز أن يكون الأمر للإباحة بقرينة الإجماع، فينصرف إلى الرهن لا إلى القبض. وأجيب عنه: أن الأمر في الوجوب حقيقة كما هو معروف، والإجماع لا يصلح قرينة للمجاز؛ لأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، والإجماع لم يكن حال استعمل هذا اللفظ وإعمال الحقيقة في الرهن غير ممكن فصرف إلى القبض. الثاني: أن القبض إن كان شرطا للجواز واللزوم وسلم ذلك فقد ارتفع النزاع ولا حاجة إلى الدليل. وأجيب عنه: بأن الدليل لإلزام مالك ﵀ حيث لا يجعله شرط اللزوم ولا الجواز، وذلك أن الله تعالى وصف الرهن بالقبض كما وصف التجارة بالتراضي، والتراضي وصف لازم في التجارة، فكذا القبض في الرهن، ولا يقال: هذا استدلال بمفهوم الصفة، وهو ليس بصحيح عند من يقول به؛ إما لأنه مذهب الجمهور من الحنفية ومن وافقهم، وإما لأن عدم الصحة إنما يكون إذا لم تكن الصفة مقصودة، وقد سبق أن الوجوب منصرف إليها. الثالث: أن الآية متروكة الظاهر؛ لأن ظاهرها يدل على أن الرهن إنما يكون في السفر كما قال به مجاهد والضحاك وداود، وقد ترك، ومتروك الظاهر لا يصلح حجة. وأجيب عنه بعدم التسليم أن متروك الظاهر بدليل ليس بحجة؛ لأن النصوص المؤولة متروكة الظاهر وهي عامة الدلائل. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). وجه الدلالة: أن هذا عقد مأمور بالوفاء به، والأمر يقتضي الوجوب.

стр. 10308

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١). وجه الدلالة: أن هذا عهد أمر بالوفاء به، والأمر يقتضي الوجوب. ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بالآيتين: بأنهما من الأدلة العامة في وجوب الوفاء بالعقود والعهود، وأدلة اشتراط القبض في اللزوم خاص، والأصل يقتضي حمل العام على الخاص واستثناءه منه، ويرد الجواب بأن أدلة اشتراط القبض في اللزوم لا تصلح لتخصيص هذه الأدلة كما تقدم من المناقشة التي لا ينهض معها الاحتجاج. وأما السنة: فقوله ﷺ : «المؤمنون عند شروطهم (٢)». وجه الدلالة: أن هذا شرط فيجب الوفاء به. ويمكن أن يجاب عن ذلك بما تقدم من الإباحة عن الاستدلال بالآيتين. وأما المعنى: فإنه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله كالبيع. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ ذلك أن عقد البيع للتجارة، وعقد الرهن للإرفاق.

стр. 10309

خامسا: الخلاف في اشتراط استدامة القبض، مع الأدلة والمناقشة .

стр. 10310

اختلف أهل العلم في اشتراط استدامة القبض: فمنهم من قال: إن استدامة القبض شرط، ومنهم من قال: إنها ليست بشرط. وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة. القول الأول: أن استدامة القبض شرط. وممن قال بهذا: أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد وابن حزم ومن وافقهم من أهل العلم، قال السمرقندي: ومنها - أي شروط جواز الرهن - دوام القبض بما به يكون محوزا في يده. ونقل القرطبي عن أبي حنيفة: أنه إذا رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال ابن حزم: يشترط دوام القبض. وقال القرطبي بعد سياقه لرأي ابن حزم أنه شرط؛ قال: هذا هو المعتمد عندنا. وقال ابن رشد: وعند مالك أن من شرط صحة الرهن استدامة القبض، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم. وقال ابن قدامة: استدامة القبض شرط للزوم الرهن، فإذا أخرجه المرتهن عن يده باختياره زال لزوم الرهن وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض، سواء أخرجه بإجارة أو إعارة أو إيداع أو غير ذلك، فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق. قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم أكراها صاحبها خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه صارت رهنا. انتهى المقصود. وقال المرداوي على قول ابن قدامة " واستدامته شرط في اللزوم " قال: هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. يعني حيث قلنا لا يلزم إلا بالقبض، وممن قال به من أئمة الدعوة ﵏ الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الرحمن بن حسن. واستدل لهذا القول بالكتاب والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وتقرير الاستدلال بالآية من وجهين:

стр. 10311

الأول: أنه إذا خرج عن يد القابض لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة، فلا يصدق عليه حكما. الثاني: أنها إحدى حالتي الرهن فكان القبض فيها شرطا كالابتداء. وأما المعنى: فإن مقصود الرهن هو الاستحقاق وذلك لا يحصل إلا بهذا. القول الثاني: أن استدامة القبض ليست بشرط، وممن قال بهذا الإمام الشافعي ومن وافقه من أصحابه وغيرهم، وهو رواية عن أحمد في المتعين. قال الربيع بن سليمان نقلا عن الشافعي: إذا قبض الرهن مرة واحدة فقد تم وصار المرتهن أولى به من غرماء الراهن ولم يكن للراهن إخراجه من الرهن حتى يبرأ مما في الرهن من الحق، ومضى إلى أن قال: وسواء إذا قبض المرتهن الرهن مرة ورده، وعنه أن استدامته في المتعين ليست بشرط، واختاره في الفائق. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: أن الرهن إذا وجد مرة فقد صح ولزم، فلا يحل ذلك إعارته وغير ذلك من التصرف فيه. وأما السنة: فقوله ﷺ : «لبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (٢)» أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم. وجه الدلالة: أن الراهن لا يركبها إلا وهي خارجة عن قبض المرتهن. ونوقش: بأن قوله ﷺ : «وعلى الذي يحلب ويركب النفقة (٣)» كلام مبهم ليس في نفس اللفظ منه بيان من يركب ويحلب من الراهن والمرتهن والعدل الموضوع على يده الرهن، فصرفه إلى الراهن يحتاج إلى

стр. 10312

دليل. وأجيب عن ذلك: بأنه ورد ما يدل على أن المقصود به الراهن؛ وهو قوله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه (١)» رواه الإمام الشافعي في الأم مرسلا ثم وصله عن الثقة عن يحيى ابن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال الحافظ ابن حجر في البلوغ رواه الدارقطني والحاكم ورجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. وأما المعنى: فقياسه على البيع والهبة فكما يكون البيع مضمونا من البائع، فإذا قبضه المشتري مرة صار في ضمانه فإن رده إلى البائع بإجارة أو وديعة فهو من مال المبتاع ولا ينفسخ ضمانه بما ذكر، فكذلك الرهن، وكما تكون الهبات وما في معناها غير تامة فإذا قبضها الموهوب له مرة ثم أعارها إلى الواهب أو أكراها منه أو من غيره لم يخرجها عن الهبة. وقد يناقش قياسه على البيع بأنه قياس مع الفارق فإن عقد البيع المستوفي للأمور المشروعة لتحقيقه وانتفاء موانعه ينفك الملك من البائع إلى المشتري نقلا مطلقا، فتكون ذمة البائع مفرغة من تملك هذا البيع، وتكون ذمة المشتري مشغولة بتملكه، فإذا أعاده إلى البائع أو غيره بعارية أو إجارة ونحو ذلك؛ فهذه الإعارة عقد جديد لا صلة له بالعقد الأول، وهذا بخلاف الرهن فإن ملكية الراهن لم تزل عنه وإنما انتقل إلى المرتهن على جهة الرقابة لأجل حفظ حقه، فإذا رجع إليه اختيارا من المرتهن فقد رجع إلى من يملكه. وأما قياسه على الهبة: فهو قياس مع الفارق، وبيانه أن القبض في ابتدائها بتثبيت الملك فإذا ثبت استغنى عن القبض ثانيا، والرهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه، فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم تحصل وثيقة

стр. 10313

سادسا: ما يعتبر قبضا للرهن مع الأدلة والمناقشة: المرهون إما أن يكون مما لا يمكن نقله أو لا، فالأول كالدور والأرضين، اتفق الفقهاء على أن قبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه. وإن كان مما يمكن نقله: فإما أن يكون مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا أو لا. فالأول قد اتفق الفقهاء على أن قبضه بكيله في المكيل إذا رهن كيلا، ووزنه إذا رهن وزنا، وعده إذا رهن عدا، وذرعه إذا رهن ذرعا، والثاني: كصبرة من طعام بيعت جزافا ونحوها من المنقولات، فهل قبضه لا يتم إلا بنقله أو أن التخلية تكون قبضا؟ قولان. القول الأول: أنه لا يتم قبض إلا بالفعل، وممن قال بهذا أبو يوسف من الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة، وبه قال ابن حزم، قال الزيلعي: عن أبي يوسف أن القبض في المنقول لا يثبت إلا بالنقل. وقال الخرقي: فإن كان مما ينقل فقبض المرتهن له أخذه له إياه من راهنه منقولا. وقال ابن حزم: وصفة القبض في الرهن وغيره هو: أن يطلق يده عليه فإن كان مما ينقل نقله إلى نفسه. . . . إلخ. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) وجه الدلالة: ما ذكره صاحب مجمع الأنهر: أنه أمر بالرهن لأن المصدر متى قرن بإلغاء محل الجزاء يراد به الأمر كما وقع في كثير من القرآن. والأصل أن المنصوص يراعى وجوده على أكمل الجهات. وناقش ذلك: بأن المنصوص إنما يراعى وجوده على أكمل الجهات إذا نص عليه بالاستقلال، وأما ما ذكر تبعا للمنصوص فلا يجب أن يراعى وجوده كما

стр. 10314

ذكر فإن التراضي في البيع منصوص عليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (١). فلو صح ما قال المعترض لبطل بيع المكره ولم يفسد وليس كذلك. وأجاب عن ذلك: بعدم تسليم هذه الملازمة بل من صحة ما قال المعترض هو ثبوت صحة البيع بالرضا في الجملة على قياس التخلية في الرهن فإنها قبض في الجملة كما في البيع. وأما السنة: فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه (٢)». وأما المعنى: فما ذكره أبو يوسف من الحنفية من أن قبض الرهن موجب للضمان ابتداء إذ لم يكن الرهن مضمونا على أحد قبل ذلك فلا يثبت إلا بالقبض حقيقة كالغصب. وناقشه الزيلعي من الحنفية بأن هذا القياس باطل لأن قبض الرهن مشروع فأشبه البيع، والغصب ليس بمشروع فلا حاجة لثبوته بدون قبض حقيقة وهو النقل. القول الثاني: أن تخلية الراهن بين الرهن وبين المرتهن برفع الموانع والتمكين من القبض قبض حكمي، وبهذا قال جمهور الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم. واستدل لهذا القول بالمعنى: أولا: قال الزيلعي: إن التخلية عبارة عن رفع الموانع من القبض وهو فعل المسلم دون المتسلم، والقبض فعل المتسلم وإنما يكتفى فيه بالتخلية لأنه في غاية ما يقدر عليه والقبض فعل غيره فلا يكلف به.

стр. 10315

ثانيا: قال صاحب مجمع الأنهر: إن التخلية في البيع قبض فكذلك في الرهن. وأجاب ابن الهمام عن ذلك بما نقله عن بعض الحنفية بأنه منقوض بصورة الصرف فإنه لا بد فيها من القبض بالبراجم ولا يكتفى بالتخلية مع جريان الدليل. ورد على ذلك: بأن لزوم النقض بالصرف إنما يثبت بالنص؛ وهو قوله ﷺ : «يدا بيد (١)» كما هو مقرر في موضعه، والقياس يترك بالنص على ما عرف، بخلاف ما نحن فيه فإنه لم يرد فيه نص يقتضي حقيقة القبض وعدم كفاية التخلية فعملنا بموجب القياس

стр. 10316

سابعا: حكم الرهن بعد القبض: للمرهون أحكام بعد قبضه تتعلق بمؤنته والانتفاع به ونمائه والتصرف فيه واستيفاء الحق منه وضمانه إذا هلك بنفسه، وفيما يلي ذكر ما تيسر من الكلام على ذلك: أ - مؤنة الرهن: اختلف أهل العلم فيمن تكون عليه مؤنة الرهن، هل تكون على الراهن أو على المرتهن؟ وفيما يلي ذكر الخلاف مع الأدلة والمناقشة. المذهب الأول: أن مؤنة الرهن من طعام وكسوة ومسكن وحافظ وحرز ومخزن وغير ذلك على الراهن، وبهذا قال مالك والشافعي والإمام أحمد والعنبري وإسحاق ومن وافقهم من أهل العلم واستدلوا بالسنة والمعنى. أما السنة فقوله ﷺ : «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه (١)».

стр. 10317

وجه الدلالة: ما ذكره عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي بعد كلامه على أن النفقة على الراهن وذكره لهذا الحديث قال: وهذا - أي الإنفاق - من غرمه لأنه ملكه فكانت عليه نفقته كالذي في يده، ويلزمه كفنه إن مات كما يلزمه في الذي في يده. وأما المعنى: فما ذكره الشيرازي بقوله: إن الرقبة والمنفعة على ملكه فكانت النفقة عليه. المذهب الثاني: أن أجرة بيت حفظه وحافظه على المرتهن وأجرة راعيه ونفقة الرهن والخراج على الراهن، وهذا هو المقدم عند الحنفية، قال الزيلعي: والأصل فيه أن ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن بنفسه وتبقيته فهو على الراهن سواء كان في الرهن فضل أو لم يكن؛ لأن العين باقية على ملكه، وكذا منافعه مملوكة فيكون إصلاحه ومؤنته عليه كما أن عليه مؤنة ملكه كما في الوديعة، وذلك مثل النفقة من مأكله ومشربه وأجرة الراعي مثله لأنه علف البهائم. ومن هذا الجنس: كسوة الرقيق، وأجرة ظئر ولد الراهن، وكري النهر، وسقي البستان، وتلقيح نخيله وجذاذه، والقيام بمصالحه وكل ما كان لحفظه أو لرده إلى يد المرتهن، أو لرد جزء منه: كمداواة الجرح فهو على المرتهن مثل أجرة الحافظ؛ لأن الإمساك حق له والحفظ واجب عليه، فتكون مؤنته عليه، وكذلك أجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن. انتهى. ب - الانتفاع بالمرهون: هل ينتفع الراهن بالمرهون أو لا؟ وكذلك المرتهن. وفيما يلي كلام أهل العلم في انتفاع الراهن أو لا، ثم كلامهم في انتفاع المرتهن مع الأدلة والمناقشة: أولا: انتفاع الراهن بالمرهون: اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه ينتفع به، وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم ومن وافقهما من أهل العلم، واستدلوا بالسنة والمعنى.

стр. 10318

أما السنة: فقوله ﷺ : «الرهن مركوب ومحلوب» قال الشافعي: ومعنى هذا القول أن من رهن ذات در وظهر لم يمنع من درها وظهرها، وأصل المعرفة في هذا الباب أن للمرتهن حقا في رقبة الرهن دون غيره ومما يحدث مما يتميز منه غيره وكذلك سكنى الدار وزرع الأرضين وغيرها فللراهن أن يستخدم في الرهن عبده، ويركب دوابه، ويؤجرها ويحلب درها ويجز صوفها وتأوي بالليل إلى مرتهنها أو إلى يد الموضوعة على يده. انتهى. وقد قيد الغزالي والشيرازي والنووي كلام الشافعي ﵀ بأن انتفاع الراهن بالرهن مشروط بأن لا يضر على المرتهن في رهنه. انتهى. أما المعنى فما ذكره الشيرازي بقوله: إنه لم يدخل في العقد ولا يضر بالمعقود له فبقي على ملكه وتصرفه كخدمة الأمة المتزوجة ووطء الأمة المستأجرة انتهى. القول الثاني: أن الراهن لا ينتفع بالمرهون، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري ومن وافقهما من أهل العلم، قال ابن رشد: وعمدة هذا المذهب إذا انتفع بالرهن كما إذا أجره بإذن المرتهن كان إخراجا من الرهن؛ لأن الرهن يقتضي حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام، فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن. ويمكن أن يناقش ذلك: أولا بأنا لا نسلم أن مقتضى الرهن الحبس، وإنما مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة، وذلك غير مناف للانتفاع به. وثانيا: سلمنا أن مقتضاه الحبس لكن ذلك لا يمنع من أن يكون المستأجر نائبا عنه في إمساكه وحبسه ومستوفيا لمنفعته لنفسه. انتفاع المرتهن بالرهن: الرهن إما أن يكون مما لا يحتاج إلى مؤنته كالدور أو يكون مما يحتاج إلى مؤنته. وإذا كان مما لا يحتاج إلى مؤنته: فقد يكون

стр. 10319

دين الرهن قرضا وقد يكون غير قرض، وإذا كان دين الرهن غير قرض فقد يأذن الراهن للمرتهن وقد لا يأذن. وفي كل ذلك قد يكون بعوض وقد يكون بغير عوض، وإذا كان بعوض: فقد يكون فيه محاباة وقد لا يكون فيه محاباة. وإذا استأجر المرتهن الرهن - مثلا - فهل يؤثر على عقد الرهن أو لا؟ وإذ اشترط الانتفاع عند عقد الرهن فما حكم الشرط؟ وإن كان المرهون مما يحتاج إلى مؤنة فقد ينتفع به بعوض أو بغير عوض؛ بإذن الراهن أو بغير إذنه، وإذا أذن له: فقد يكون الرهن مركوبا ومحلوبا أو غيرهما. وإذا كان غير محلوب ولا مركوب: فقد يكون حيوانا أو غير حيوان. وإذا كان حيوانا: فأنفق عليه بغير نية الرجوع أو بنية الرجوع. وأذن المالك أو لم يأذن: أمكنه أن يستأذنه أو لا، وإذا انتفع المرتهن: فهل يحسب من دينه؟ هذه المسائل التي سبقت تكلم عليها ابن قدامة ﵀ كلاما مفصلا أحببنا ذكر كلامه بدون تصرف. قال ﵀ على قول الخرقي: " ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء إلا ما كان مركوبا أو محلوبا فيركب ويحلب بقدر العلف ". قال: الكلام في هذه المسألة في حالين: أحدهما: ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال لا نعلم في هذا خلافا. لأن الرهن ملك الراهن فكذلك منافعه فليس لغيره أخذها بغير إذنه. فإن أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الرهن من قرض لم يجز؛ لأنه يحصل قرضا يجر منفعة وذلك حرام، قال أحمد: أكره قرض الدور وهو الربا المحض؛ يعني إذا كانت الدار رهنا في قرض ينتفع بها المرتهن. وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع جاز ذلك. روي ذلك عن الحسن وابن سيرين وبه قال إسحاق.

стр. 10320

فأما إن كان الانتفاع بعوض مثل أن يستأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها من غير محاباة جاز في القرض وغيره؛ لكونه ما انتفع بالقرض بل بالإجارة. وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض لا يجوز في القرض، ويجوز في غيره، ومتى استأجرها المرتهن أو استعارها فظاهر كلام أحمد أنها تخرج عن كونها رهنا، فمتى انقضت الإجارة أو العارية عاد الرهن بحاله. قال أحمد في رواية الحسن بن ثواب عن أحمد: إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن اسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي ينتقل فيصير دينا ويتحول عن الرهن، وكذلك إن أكراها للراهن قال أحمد: في رواية ابن منصور إذا ارتهن دارا ثم أكراها لصاحبها خرجت من الرهن فإذا رجعت إليه صارت رهنا، والأولى أنها لا تخرج عن الرهن إذا استأجرها المرتهن أو استعارها؛ لأن القبض مستدام، ولا تنافي بين العقدين. وكلام أحمد في رواية الحسن بن ثواب محمول على أنه أذن للراهن في سكناها كما في رواية ابن منصور؛ لأنها خرجت عن يد المرتهن فزال اللزوم لزوال اليد، بخلاف ما إذا سكنها المرتهن، ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضمونا عليه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه، ومبنى ذلك على العارية فإنها عندنا مضمونة وعنده غير مضمونة. فصل: فإن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن فالشرط فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى الرهن. وعن أحمد: أنه يجوز في البيع، قال القاضي: معناه أن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا فيكون بيعا وإجارة فهو صحيح، وإن أطلق فالشرط باطل لجهالة ثمنه، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، وكرهه في القرض. ولنا أنه شرط في الرهن ما ينافيه فلم يصح كما لو شرط في القرض.

стр. 10321

فصل: الحال الثاني. ما يحتاج فيه إلى مؤنة فحكم المرتهن في الانتفاع به بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن كالقسم الذي قبله، وإن أذن له في الإنفاق والانتفاع بقدره جاز؛ لأنه نوع معاوضة. وأما مع عدم الإذن فإن الرهن ينقسم قسمين: محلوبا ومركوبا وغيرهما. فأما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته متحريا للعدل في ذلك. نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم وأحمد بن القاسم، واختاره الخرقي وهو قول إسحاق، وسواء أنفق مع تعذر النفقة من الراهن لغيبته أو امتناعه من الإنفاق أو مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن واستئذانه. وعن أحمد رواية أخرى: لا يحتسب له بما أنفق وهو متطوع بها ولا ينتفع من الرهن بشيء، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ لقول النبي ﷺ : «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه (١)» ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم يكن له ذلك كغير الرهن، ولنا ما روى البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (٢)» فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع. فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع، قلنا: لا يصح؛ لوجهين: أحدهما: أنه قد روي في بعض الألفاظ: «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب ويركب النفقة (٣)» فجعل المنفق المرتهن فيكون هو المنتفع. والثاني: أن قوله: (بنفقته) يشير إلى أن الانتفاع عوض النفقة وإنما ذلك حق المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة لأحدهما بالآخر. ولأن نفقة الحيوان واجبة، وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه، واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة عنه في

стр. 10322

الإنفاق عليها، والحديث نقول به، والنماء للراهن، ولكن للمرتهن ولاية صرفها إلى نفقته لثبوت يده عليه وولايته، وهذا فيمن أنفق محتسبا بالرجوع. فأما إن أنفق متبرعا بغير نية الرجوع لم ينتفع به رواية واحدة. فصل: وأما غير المحلوب والمركوب فيتنوع إلى نوعين: حيوان وغيره. أما الحيوان: كالعبد والأمة ونحوهما، فهل للمرتهن أن ينفق عليه ويستخدمه بقدر نفقته، ظاهر المذهب أنه لا يجوز، ذكره الخرقي، ونص عليه أحمد في رواية الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يرهن العبد فيستخدمه، فقال: الرهن لا ينتفع منه بشيء إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف. قلت له: فإن كان اللبن والركوب أكثر؟ قال: لا؛ إلا بقدر، ونقل حنبل عن أحمد أن له استخدام العبد أيضا، وبه قال أبو ثور إذا امتنع المالك من الإنفاق عليه، قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء إلا ما خصه الشرع به، فإن القياس يقتضي أن لا ينتفع بشيء منه تركناه في المركوب والمحلوب للأثر، ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس. النوع الثاني: غير الحيوان؛ كدار استهدمت؛ فعمرها المرتهن، لم يرجع بشيء رواية واحدة، وليس له الانتفاع بها بقدر نفقته، فإن عمارتها غير واجبة على الراهن، فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه، فإن فعل كان متبرعا، بخلاف الحيوان فإنه يجب على مالكه الإنفاق عليه لحرمته في نفسه. فصل: فأما الحيوان إذا أنفق عليه متبرعا لم يرجع بشيء؛ لأنه تصدق به فلم يرجع بعوضه كما لو تصدق على مسكين. وإن نوى الرجوع على مالكه وكان ذلك بإذن المالك رجع عليه؛ لأنه ناب عنه في الإنفاق بإذنه، فكانت النفقة على المالك، كما لو وكله في ذلك.

стр. 10323

وإن كان بغير إذنه فهل يرجع عليه؟ يخرج على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه لأنه ناب عنه فيما يلزمه. وقال أبو الخطاب: إن قدر على استئذانه فلم يستأذنه فهو متبرع لا يرجع بشيء، وإن عجز عن استئذانه فعلى روايتين، وكذلك الحكم فيما إذا مات العبد المرهون فكفنه. والأول أقيس في المذهب؛ إذ لا يعتبر في قضاء الدين العجز عن استئذان الغريم. فصل: وإذا انتفع المرتهن باستخدام أو ركوب أو لبس أو استرضاع أو استغلال أو سكنى أو غيره حسب من دينه بقدر ذلك. قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك؛ لأن المنافع ملك الراهن فإذا استوفاها فعليه قيمتها في ذمته للراهن فيتقاص القيمة وقدرها من الدين ويتساقطان. ج - نماء الرهن: نماء الرهن بعدما كان رهنا: إما أن يكون متصلا أو منفصلا، فإن كان متصلا كالسمن فإنه يدخل في الرهن بلا خلاف بين العلماء، وإن كان منفصلا: فمن أهل العلم من قال إنه يكون تابعا للرهن، ومنهم من قال إنه لا يتبعه، ومنهم من فصل، وفيما يلي ذكر المذاهب مع الأدلة والمناقشة. المذهب الأول: أن نماء الرهن المنفصل الحادث بعدما كان الرهن بيد المرتهن يكون تابعا للرهن، وممن قال بهذا: أبو حنيفة والإمام أحمد ومن وافقهم من أهل العلم، وعمدتهم أن الفروع تابعة للأصول، فوجب لها حكم الأصل، ولذلك حكم الولد تابع لحكم أمه في التدبير والكتابة. المذهب الثاني: أنه ليس بتابع للرهن بل هو للراهن، وبهذا قال الإمام الشافعي وابن حزم ومن وافقهما من أهل العلم؛ إلا أن ابن حزم لم يوافق

стр. 10324

الشافعي على التعميم في المركوب والمحلوب فهو يرى أن الركوب والحلب لمن ينفق، واستدلوا بالكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). وجاء في معنى هذه الآية قول رسول الله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام (٢)» وقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (٣)» وجه الدلالة: أن ملك الشيء المرتهن باق لراهنه بيقين، وحق الرهن الذي حدث فيه للمرتهن لم ينقل ملك الراهن عن الشيء المرهون فلا يوجب حدوث حكم في منعه ما للمرء أن ينتفع به من ماله بغير نص بذلك. وأما السنة فقد استدلوا بأدلة: الأول: قوله ﷺ : «الرهن مركوب ومحلوب» رواه الدارقطني والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وجه الدلالة: ما ذكره الشيرازي بقوله: ومعلوم أنه لم يرد أنه محلوب ومركوب للمرتهن، فدل على أنه أراد به محلوب ومركوب للراهن. ونوقش هذا الدليل من جهتين: من جهة سنده ومن جهة دلالته: أما سنده: فإنه موقوف، والموقوف لا تقوم به حجة. وأما دلالته: فليس في الحديث ما يدل على الذي يحلب ويركب فهو دائر بين الراهن والمرتهن والعدل الذي يكون بيده الرهن، وحمله على واحد منها بدون دليل تحكم. وأجيب عن الأول: بما قاله ابن أبي حاتم قال: قال أبي: " رفعه مرة ثم ترك الرفع " انتهى كلامه، ومن المقرر في علم المصطلح أن الحديث إذا

стр. 10325

دار بين الرفع والوقف فالرفع فيه زيادة علم إذا كان الرافع ثقة فيكون الحديث حجة. ورد ذلك بأن الدارقطني والبيهقي رجحا رواية من وقفه على من رفعه، وهي رواية الشافعي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وأما الجواب عن الحديث من جهة دلالته فيقال: إن الرسول ﷺ علق إباحة الركوب وشرب اللبن على الإنفاق، فمن تولى الإنفاق فله الركوب وشرب اللبن، يدل على ذلك ما أخرجه البخاري أن النبي ﷺ قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (١)». ورد على ذلك بأن إباحته للمرتهن على خلاف القياس. وأجاب عن ذلك شيخ الإسلام بقوله: ليس كذلك؛ فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه، ولمالكه فيه حق وللمرتهن فيه حق، وإذا كان بيد المرتهن فلم يركب ولم يحلب ذهبت منفعته باطلة، وقد قدمنا أن اللبن يجري مجرى المنفعة، فإذا استوفى المرتهن منفعته وعوض عنها نفقته كان في هذا جمع بين المصلحتين وبين الحقين، فإن نفقته واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق، فله أن يرجع ببدله، والمنفعة تصلح أن تكون بدلا فأخذها خير من أن تذهب على صاحبها وتذهب باطلا. وقد تنازع الفقهاء فيمن أدى عن غيره واجبا بغير إذنه كالدين فمذهب مالك وأحمد في المشهور عنه له أن يرجع به عليه، ومذهب أبي حنيفة والشافعي ليس له ذلك، وإذا أنفق نفقة تجب عليه مثل أن ينفق على ولده الصغير أو عبده فبعض أصحاب أحمد قال: لا يرجع، وفرقوا بين النفقة والدين. والمحققون من أصحابه سووا بينهما، وقالوا: الجميع واجب، ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليست دينا، والقرآن يدل على هذا القول فإن الله تعالى قال:

стр. 10326

﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذن الأب، وكذلك قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقدا ولا إذنا ونفقة الحيوان واجبة على ربه، والمرتهن والمستأجر له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده، فإذا قدر أن الراهن قال: لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر، وإذا كان المنفق قد رضي بأن يعتاض بمنفعة الرهن التي لا يطالبه بنظير النفقة (٣) كان قد أحسن إلى صاحبه، فهذا خير محض مع الراهن، وكذلك لو قدر أن المؤتمن على حيوان الغير كالمودع والشريك والوكيل أنفق من مال نفسه واعتاض بمنفعة المال لأن هذا إحسان إلى صاحبه إذا لم ينفق عليه صاحبه. الدليل الثاني: حديث «لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه (٤)» أخرجه ابن حبان في صحيحه والدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يغلق الرهن وله غنمه وعليه غرمه (٥)» وأخرجه ابن ماجه من طريق إسحاق بن راشد عن الزهري، وأخرجه الحاكم من طرق عن الزهري عن سعيد مرسلا، ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك وابن أبي شيبة عن وكيع وعبد الرزاق عن الثوري كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك، ولفظه: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه (٦)». قال الشافعي: غنمه زيادته وغرمه هلاكه. وصحح أبو داود والبزار

стр. 10327

والدارقطني وابن القطان إرساله، وله طرق في الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة، وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله، ونوقش الاستدلال بهذا الحديث بأن قوله: «له غنمه وعليه غرمه (١)» مدرجة من كلام سعيد ابن المسيب. قال ابن عبد البر هذه اللفظة اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرها مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف علي ابن أبي ذئب، ووقفها غيرهم، وروى ابن وهب هذا الحديث فجوده وقال: إن هذه اللفظة من كلام سعيد بن المسيب، نقله عنه الزهري. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغلق الرهن ممن رهنه (٢)» قلت للزهري: أرأيت قول النبي ﷺ : «لا يغلق الرهن (٣)» أهو الرجل يقول إن لم آتك بمالك فالرهن لك. قال: نعم، قال معمر: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن له غنمه وعليه غرمه. وأجيب عن ذلك: بأنه رواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ حدثني محمد بن إبراهيم حدثني يحيى ابن أبي طالب الأنطاكي وغيره من أهل الثقة حدثني نصر بن عاصم الأنطاكي نا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه (٤)». قال ابن حزم هذا سند حسن. وأجيب عن ذلك: بأنه أخرجه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي عن شبابة به وصححها عبد الحق، وعبد الله بن نصر له أحاديث منكرة ذكرها ابن عدي، وظهر أن قوله في رواية ابن حزم: نصر بن عاصم تصحيف، وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم، وسقط عبد الله وحرف الأصم بعاصم. وأما المعنى: فإن النماء زائد على ما رضيه رهنا فوجب أن لا يكون للمرتهن إلا بشرط زائد.

стр. 10328

المذهب الثالث: ما كان من نماء الراهن المنفصل على خلقته وصورته فإنه داخل في الرهن كولد الجارية مع الجارية، وأما ما لم يكن على خلقته وصورته فإنه لا يدخل في الرهن ما كان متولدا عنه كثمر النخل أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام، وبهذا القول قال مالك ومن وافقه من أهل العلم. وعمدة هذا المذهب: أن الولد حكمه حكم أمه في البيع أي هو تابع له، وفرق بين الثمر والولد في ذلك بالسنة المفرقة في ذلك، وذلك أن الثمر لا يتبع بيع الأصل إلا بشرط وولد الجارية يتبع بغير شرط. د - التصرف في الرهن قبل حلول أجل الدين: التصرف إما أن يكون من الراهن أو من المرتهن بإذن كل منهما لصاحبه أو لا. فإذا تصرف كل منهم بإذن الآخر صح التصرف؛ لأنه أسقط حقه، وهذا لا خلاف فيه. أما تصرف الراهن فقد قال فيه ابن قدامة: إذا تصرف الراهن في الرهن بغير رضا المرتهن بغير العتق كالبيع والهبة والوقف والرهن ونحوه فتصرفه باطل؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية، فلم يصح بغير إذن المرتهن كفسخ الرهن. وفي الوقف وجه آخر: أنه يصح لأنه يلزم لحق الله أشبه العتق، والصحيح الأول لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير فلم يصح كالهبة، فإن أذن فيه صح وبطل الرهن إلا أن يأذن في البيع ففيه تفصيل، انتهى المقصود. وقال الغزالي: هو ممنوع من كل تصرف قولي يزيل الملك كالبيع والهبة، أو يزاحم حقه كالرهن من غيره، أو ينقص كالتزويج أو يقلل الرغبة كالإجارة التي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدين، وبهذا قال الشيرازي والنووي. وأما تصرف المرتهن بالرهن بغير إذن الراهن فهو غير صحيح، وهذا لا خلاف فيه لأنه تصرف في ملك غيره. هـ - استيفاء المرتهن حقه من الرهن: الرهن وثيقة لحق المرتهن بمقتضاه يطمئن المرتهن على رجوع حقه إليه، وقد سبق الكلام على اشتراط

стр. 10329

استدامة القبض هل هو شرط في لزومه أو ليس بشرط، ولكن خلافهم هناك لا أثر له بالنسبة لكون المرتهن يبيع الرهن بعد تمام الأجل ويستوفي حقه. وفيما يلي تفصيل كلام أهل العلم في ذلك مع بيان أدلتهم: قال السمرقندي: فعندنا ملك العين في حق الحبس حتى يكون المرتهن أحق بإمساكه إلى وقت إيفاء الدين، وإذا مات الراهن فهو أحق به من سائر الغرماء فيستوفي منه دينه، فما فضل يكون لسائر الغرماء والورثة. وقال ابن رشد: أما حق المرتهن في الرهن فهو أن يمسكه حتى يؤدي الرهن ما عليه فإن لم يأت به عند الأجل كان له أن يرفعه إلى السلطان فيبيع عليه الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى البيع وكذلك إن كان غائبا. وقال الشافعي: المرتهن أحق ببيع المرهون وأخذ حقه من ثمنه والحبس ليس بلازم. وقال النووي: المرتهن مستحق لليد بعد لزوم الرهن ولا تزال يده إلا للانتفاع. وقال أيضا: المرتهن يستحق بيع المرهون عند الحاجة ويتقدم بثمنه على سائر الغرماء. وذكر أيضا أن الراهن إذا أصر على عدم البيع باعه الحاكم. وقال الخرقي: والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء حتى يستوفي حقه حيا كان الراهن أو ميتا. ويدل لذلك الكتاب والسنة والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) استدل بهذا الحنفية والمالكية والحنابلة. وتقرير الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله تعالى أخبر بكون الرهن مقبوضا، وإخباره لا يحتمل الخلل فاقتضى أن يكون المرهون مقبوضا ما دام مرهونا. الثاني: أن الرهن في اللغة عبارة عن الحبس، قال الله : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢). أي حبيس فيقتضي أن يكون المرهون محبوسا ما دام مرهونا، ولو لم يثبت

стр. 10330

ملك الحبس لم يكن محبوسا على الدوام فلم يكن مرهونا. الثالث: أن الله تعالى لما سمى العين التي ورد العقد عليها رهنا، وأنه نهى عن الحبس لغة كان ما دل عليه اللفظ لغة حكما لا شرعا؛ لأن للأسماء الشرعية دلالات على أحكامها كلفظ الطلاق والعتاق والحوالة والكفالة ونحوها. وأما السنة: فقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه (١)» الحديث وجه الدلالة أن قوله: «لا يغلق (٢)» معناه لا يملك بالدين، كذا قال أهل اللغة؛ غلق الرهن: أي ملك بالدين، وهذا كان حكما جاهليا فرده رسول الله ﷺ . وأما المعنى: فإن الرهن شرع وثيقة بالدين فيلزم أن يكون حكمه ما يقع به التوثيق للدين كالكفالة، وإنما يحصل التوثيق إذا كان يملك حبسه على الدوام؛ لأنه يمنعه عن الانتفاع فيحمله ذلك على قضاء الدين في أسرع الأوقات. وـ ضمان الرهن إذا هلك بنفسه: إذا هلك الرهن بنفسه بيد المرتهن فعليه الضمان عند قوم وعدمه عند آخرين، والتفرقة بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه. وفيما يلي تفصيل الكلام على ذلك مع الأدلة والمناقشة. المذهب الأول: أن الرهن إذا هلك بنفسه فلا يضمنه المرتهن، وبهذا قال الشافعي والإمام أحمد ومن وافقهما من أهل العلم، واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى. أما السنة: فحديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه (٣)» وجه الدلالة أن المراد بقوله: «له غنمه» - أي له غلته وخراجه - «وعليه غرمه» - أي فكاكه ومصيبته منه - فقد جعل النبي ﷺ غرم الرهن على الراهن وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة لأن عليه قضاء دين المرتهن، فإذا هلك مضمونا كان غرمه على المرتهن وسقط حقه لا على
следующие страницы →