← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

الجواب: هذا فيه تفصيل، فإن كانت تعلق في جدار المجلس والبيت للعظة والتذكير فلا بأس، أما تعليقها في جدران المسجد فيكره ذلك؛ لما فيه التشويش على المصلين، وأما تعليقها على الصبيان والمرضى على سبيل الحرز عن الجن أو بعض الأمراض، فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (١)»، والمراد بالرقى المذكورة الرقى المجهولة، أو بأسماء الشياطين والجن ونحو ذلك مما لا يعرف معناه أو فيه مأخوذ شرعي. أما الرقى بالآيات القرآنية والأدعية الشرعية فلا بأس بها لقول النبي ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (٢)». رواه مسلم في صحيحه. ولأن النبي ﷺ رقاه جبرائيل وهو ﷺ رقى بعض أصحابه، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد ﵀ في المسند عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (٣)». وفي رواية أخرى: «من تعلق تميمة فقد أشرك (٤)». وهذا عند أهل العلم من الشرك الأصغر إلا أن يعتقد المعلق لها أنها تستقل بالنفع والدفع فإن ذلك يكون من الشرك الأكبر بهذا الاعتقاد. وقد بسط العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ الكلام في هذه المسائل في كتابه فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، فنوصي بمراجعته لمزيد الفائدة.

стр. 10397

السؤال الثالث: بعض الناس يجعلون الورد (بسم الله الرحمن الرحيم) ٧٨٦ مرة، ويقرءون الواقعة ٤٢ مرة، وسورة الذاريات ٦٠ مرة، وسورة يس ٤١ مرة، عند الميت وغيره، ويقرءون في الورد (يا لطيف) ١٦٦٤١ مرة،

стр. 10398

فهل هذا جائز أم لا؟ الجواب: لا أعلم لهذا العمل أصلا بهذا العدد المعين، بل التعبد بذلك واعتقاد أنه سنة بدعة، وهكذا فعل ذلك على هذا الوجه عند الميت وقت الموت أو بعد الموت، كل ذلك لا أصل له على هذا الوجه، ولكن يشرع للمؤمن الاستكثار من قراءة القرآن ليلا ونهارا، وأن يسمي الله سبحانه عند ابتداء القراءة، وعند الأكل والشرب، وعند دخول المنزل، وعند جماع أهله، وغير ذلك من الشئون التي وردت بها السنة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر (١)». وهكذا استعمال (يا لطيف، أو يا الله، أو نحو ذلك) بعدد معلوم يعتقد أنه سنة لا أصل لذلك بل هو بدعة، ولكن يشرع الإكثار من الدعاء بلا عدد معين. كقوله: يا لطيف الطف بنا، أو اغفر لنا، أو ارحمنا، أو اهدنا، ونحو ذلك. وهكذا يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا غفور، يا حكيم، يا عزيز، اعف عنا، وانصرنا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا، وما أشبه ذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). وقوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣). ولكن بدون تحديد عدد لا يزيد عليه ولا ينقص. إلا ما ورد فيه تحديد عن النبي ﷺ مثل قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في كل يوم مائة مرة (٤)»، فهذا ثابت عن النبي ﷺ ، وهكذا قول سبحان الله وبحمده مائة مرة في الصباح

стр. 10399

والمساء، وهكذا سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة بعد كل صلاة من الفرائض الخمس، الجميع تسع وتسعون بعد كل صلاة ويختم المائة بقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (١)». كل هذا قد صح عن النبي ﷺ ، وهكذا كل ما جاء في معناه، وإن قرأ عند المحتضر قبل أن يموت سورة يس أو غيرها من القرآن فلا بأس؛ لأنه روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. ويستحب تلقينه لا إله إلا الله حتى يختم له بذلك؛ لقول النبي ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله (٢)» رواه مسلم في صحيحه، والمراد بالموتى هنا المحتضرون في أصح قولي العلماء؛ ولأنهم الذين ينتفعون بالتلقين.

стр. 10400

السؤال الرابع: يوجد اختلاف بين العلماء في القبض والإرسال أيهما أصح بطريق الكتاب والسنة؟ الجواب: الثابت عن النبي ﷺ من حديث وائل بن حجر، وسهل بن سعد، ﵄ هو القبض، وهو وضع اليمين على الشمال حال القيام، والأفضل وضعهما على الصدر، ومن أرسل فصلاته صحيحة؛ لكنه ترك الأفضل، ولا ينبغي في هذا النزاع بين الإخوان، بل ينبغي لهم المذاكرة بالحكمة والأسلوب الحسن لطلب الفائدة. وقد كتبنا في هذه المسألة مقالا موجزا.

стр. 10401

السؤال الخامس: رجل صائم في رمضان واشتد به العطش فشرب فما الحكم؟

стр. 10402

الجواب: عليه قضاء ولا كفارة عليه في أصح قولي العلماء، وإن كان قد تساهل في ذلك فعليه التوبة إلى الله تعالى مع القضاء. أما الكفارة فلا تجب إلا على من جامع في نهار رمضان ممن يجب عليه الصيام؛ لأن الحديث ورد في ذلك على الصحيح.

стр. 10403

السؤال السادس: من الذي لا صوم عليه؟ الجواب: المجنون، وفاقد العقل، والصبي والصبية قبل البلوغ. أما الحائض والنفساء فلا يجوز لهما الصوم في رمضان، وعليهما القضاء، فأما المريض والمسافر فيجوز لهما الصوم، والفطر لهما أفضل، وعليهما القضاء؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) (الآية ١٨٥ من سورة البقرة). لكن إذا كان المريض لا يرجى برؤه بشهادة الأطباء الثقات؛ فلا يلزمه الصوم ولا القضاء، وعليه أن يطعم مسكينا عن كل يوم، وهو نصف صاع - بالصاع النبوي - من قوت البلد، وهكذا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصوم، يطعمان عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد ولا صوم عليهما ولا قضاء، وهكذا حال الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصيام تفطران وعليهما القضاء كالمريض.

стр. 10404

السؤال السابع: ما حكم الطريقة التيجانية ، وما حكم وردهم؟

стр. 10405

الجواب: الطريقة التيجانية من الطرق المبتدعة، وهكذا وردهم ورد مبتدع، ولا يجوز من طريقتهم أو أورادهم إلا ما وافق الشرع المطهر، وهكذا غيرهم من أصحاب الطرق الصوفية الأخرى كالقادرية والشاذلية والنقشبندية وغيرها، يجب على المنتسبين لها أن يعرضوها على ما قال الله ورسوله ﷺ فما وافق الكتاب والسنة من هذه الطرق شرع الأخذ به، وما خالفهما وجب تركه؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) (الآية ٥٩ سورة النساء). ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) (الآية ٧ سورة الحشر). ولقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)»، متفق على صحته من حديث عائشة ﵂، وفي رواية عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)»، خرجه الإمام مسلم في صحيحه. وخرج مسلم في صحيحه أيضا عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ «أنه كان يقول في خطبة يوم الجمعة: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٥)». ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن مضلات الفتن، إنه سميع قريب.

стр. 10406

البدعة وأثرها في الانحراف في الاعتقاد الشيخ / عبد الله بن سليمان المنيع الحمد لله حمدا كثيرا كما هو أهله، وكما ينبغي لكمال وجهه، والصلاة والسلام على رسوله الهادي إلى صراطه المستقيم بالحكمة والبصيرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره، واستن بسنته، وسلك سبيله، إلى يوم الدين، وبعد: لا شك أن الله أكرمنا - معشر بني آدم - بجلائل النعم، وفضلنا على كثير من خلقه، فلقد أكرمنا أول إكرام بخلقه تعالى أبانا بيديه الشريفتين، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١). وبنفخه سبحانه الروح فيه من روحه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٢). وبأمره الملائكة بالسجود له تقديرا لمقامه، ورفعا لذكره، وتعبيرا عن إكرامه وتقديره، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٤).

стр. 10407

وبجعله خليفة في أرضه، قال تعالى في حق آدم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١). وبخلقه تعالى ما في الأرض جميعا لآدم وبنيه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢). وبتعليمه أبانا آدم الأسماء كلها، ثم أمره تعالى آدم أن يخبر الملائكة بأسمائهم، ليظهر فضله وعلو مقامه، ودقة حكم الله تعالى فيما يقدره ويقضيه، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (٥). الآية، ثم إن من أكبر فضل الله على آدم وبنيه أن خلقهم في أحسن تقويم، وصورهم فأحسن صورهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٧) ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (٨) ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٩). وأن ميزهم على كثير ممن خلق بعقل يميزون به بين الصالح والطالح، والهدى والضلال، عقل يستطيع به الإنسان أن يدرك وجود الله وتفرده بالخلق والتكوين، وبالتالي إفراده بالعبادة والتعظيم والإجلال. لقد أكبر العقلاء نعمة العقل حتى تطرف بعضهم فاعتبروه وحده حجة الله على عباده في إفراده تعالى بالعبادة، وأن رسالة الرسل تعني التذكير من الله تعالى بما يدعو إليه العقل من حقوق الله على عباده،

стр. 10408

ولهذا يعتبر العقل من أسس التكليف إن لم يكن الأساس الوحيد للتكليف، فإن قلتم: التكليف مرفوع عن ثلاثة أحدهم: المجنون - فاقد العقل -، والثاني: النائم حتى يستقيظ، والثالث: الصغير حتى يبلغ. ولا شك أن الاثنين - النائم والصغير - ليس لديهما عقل مؤهل للتكليف، فرفع عنهما التكليف حتى يكتمل عقل كل واحد منهما. إننا لو أردنا أن نسلك مسلك إحصاء نعم الله تعالى على آدم وبنيه لركبنا شططا، فنعمه عظيمة لا تحصى، وآلاؤه جليلة لا تعد، والأمر في ذلك ما قاله في كتابه الكريم: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (١). لقد تجبر إبليس على ربه فعصى، وغمر الحقد والحسد إبليس فحسد آدم وحقد عليه؛ فامتنع من الامتثال لأمر الله تعالى حينما أمر الملائكة بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (٢) ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ (٣). نعم، لقد استكثر إبليس على ربه ما تفضل به على آدم من وجه الإكرام والاحترام، وما خصه به من آيات التقدير، فامتنع على رب العالمين حقدا وحسدا لآدم: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٤) ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (٥) ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٦) ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (٧) ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٩).

стр. 10409

وقال تعالى عن الشيطان ورغبته الصادقة في إضلال عباد الله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١) ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢). بعد خلق الله تعالى لآدم وزوجه في أحسن تقويم، وإنعامه عليهما بصنوف النعم وضروب التكريم، أنعم عليهما بإسكانهما الجنة، قال تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). ولكن الشيطان قد آلى على نفسه أن يضل من يستطيع إضلاله من بني آدم مبتدئا بآدم نفسه وبزوجه، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (٤) ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٥) ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦). فعصى آدم ربه فغوى، فكان ذلك أول غواية لآدم، وكانت هذه الغواية أول شرارة أطلقها الشيطان في تنفيذ مخططه العدواني لآدم وبنيه، وكانت نتيجة ذلك حكم الله تعالى على آدم وزوجه بحرمانهما من الاستمرار في سكن الجنة، وأمره تعالى بإهباطهم إلى الأرض ليتأصل العداء بين الفريقين: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (٧).

стр. 10410

ولكن آدم عنصر فطره الله على فطرة الحق فقد ندم ندما عظيما، واستشعر مع زوجه ثقل المعصية: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). فعصم الله آدم وزوجه من الانقياد لوساوس الشيطان، فيئس إبليس من معاودة الكرة عليهما للغواية والإضلال؛ فاتجه إلى ذرية آدم يبدئ ويعيد، غواية وإضلالا، حتى استطاع أن يوجد بين ولدي آدم هابيل وقابيل ما باعد بينهما، فأضمر أحدهما للآخر ما يضمره العدو لعدوه، حتى وصلت عداوتهما إلى أن قتل أحدهما الآخر عمدا وعدوانا وبغيا وانقيادا لوساوس الشيطان ومكايده، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦). ثم إن الله تابع على بني آدم نعمه، بإرساله رسله إليهم مبشرين ومنذرين ومحذرين من عداوة الشيطان لهم، فكان أول رسول من الله لعباده نوحا ﵇، فكان من قومه معه العناد والاستكبار حتى يئس من هدايتهم؛ فأغرقهم الله، إلا من هداه الله فاتبع رسوله فأنجاهم الله من الهلاك، ثم إنه كان من هؤلاء رجال امتازوا على غيرهم بالصلاح والاستقامة وقوة الإيمان، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى

стр. 10411

خلفهم بأن يصوروا صورهم وينصبوها في مجالسهم ليكون ذلك ذكرى لما هم عليه من التقى والصلاح فتزيد ذكراهم من تذكرهم في العمل الصالح ففعلوا، حتى إذا هلك أولئك الذين صوروا تلك الصور، جاء الشيطان إلى خلفهم ووسوس إليهم أن الغرض من تصوير هذه الصور عبادتهم، فانقادوا لوساوسه فعبدوهم، وفي هذا المعنى جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود: كانت لكلب بدومة الجندل، أو ما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، وفعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. اه. وبذلك حصل الشرك بالله وعبادة الأوثان، ثم تتابعت القرون تلو القرون، وتتابع إرسال الرسل، فجاءت رسل الله بالحق وبالسلطان المبين مبشرين ومنذرين ومبلغين رسالات رب العالمين، فكان منهم هود: إلى عاد، وصالح: إلى ثمود، ولوط: إلى قومه، وإبراهيم وبنوه وأحفاده وأسباطه، وكان الحق في صراع مع الباطل، والشيطان في حرب مستمر مع عباد الله، يضل ويغوي ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، حتى وصلت الرسالة إلى موسى ﵇، فتبعه من بني إسرائيل من تبعه على الرغم مما صار منهم من التعنت والتجبر والاستطالة، والكفر بنعم الله انقيادا لوساوس الشيطان وإيحاءاته، ثم ما برح الشيطان بهم يضلهم ويمنيهم حتى كان منهم من آذى رسل الله بعد موسى بالقتل والتنكيل والاستهزاء والسخرية، وقد كان للشيطان في سبيل الغواية والإضلال طرق مختلفة وخطط ملتوية، فلئن كان هدفه ممن يمكن إضلالهم بالكفر

стр. 10412

والجحود والتنكر لحقوق الله تعالى زاد في إغوائهم ليصلوا إلى الكفر بالله وبفضله وبنعمه، بل بوجوده، فهذا ضحيته فرعون يقول: ما علمت لكم من إله غيري، وهذا ضحيته الآخر قارون يقول حينما خرج في زينته واغتر بما تحت يده من كنوز تنوء بمفاتيحها العصبة، يقول في كفر وتبجح بالكفر: إنما أوتيته على علم عندي. ولهذين الضحيتين أمثال وأشكال. ولئن كان هدف الشيطان ممن يريد إضلاله بالانحراف عن دين الله ممن أنار الله بصائرهم بالهدى واتباع سبل الحق، فإن طريقه نحو إضلالهم: الدخول عليهم من باب الغلو في الدين والابتداع في أصوله وقواعده ومقتضياته، فكان من أحبار اليهود ورهبانهم من حرفوا كتاب الله، وغيروا فيه، وأخفوا ما لا يتفق مع أهوائهم ونزعاتهم، وجعلوا لله شركاء في ملكه وربوبيته وألوهيته، فقالوا: عزير ابن الله، حتى جاءت الديانة اليهودية ديانة ممسوخة مشوهة مبنية على التعالي على عباد الله، واستباحة حرماتهم من أموال ونفوس وأعراض، على حد قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، لقد دأب إبليس وما زال في حرصه ودأبه على القيام بما التزم به من احتناك ذرية آدم وإغوائهم وإضلالهم، فلقد أراد الله لعباده الخير وإنقاذهم من المسالك اليهودية في استباحة حرمات الله وحرمات عباده، حيث كانت المجتمعات الإنسانية تئن تحت وطأة مظالم اليهود وتجبرهم وتعاليهم على غيرهم، ومحاولتهم السيطرة على المجتمعات الإنسانية بدعواهم الآثمة الطاغية: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١) الآية (٧٥) من سورة آل عمران. وبدعواهم الكاذبة: نحن أبناء الله وأحباؤه. فأرسل الله عيسي ﵇ رسولا من عند الله مؤيدا بالمعجزات الباهرة، والآيات الدالة على صدقه رسولا من رب العالمين، يدعو الناس إلى إفراد الله بالعبادة والتعامل مع عباد الله بما يحفظ لهم كراماتهم وحقوقهم، وأن لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وأن الكل عباد الله وخلقه، وأن الله تعالى

стр. 10413

وليهم وحسبهم، فاستجاب لدعوته عدد كبير من عباد الله إلا أن الشيطان غاظته هذه الاستجابة فخطط للفساد والإفساد، والضلال والإضلال، وعامل كل فريق بما يستحقه من أسباب الغواية والكفر والانحراف، فاتجه بثقله إلى أتباع عيسى ﵇، يوحي إليهم أن عيسى ليس من طينة البشر، فقد جاء من غير أب، وهذا يعني أن الله أبوه، تعالى الله وتقدس، وأنه يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخبر الناس بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، ويخلق من الطين طيرا فينفخ فيه فيكون طيرا، فما يقوم به عيسى ليس من جنس المعجزات الدالة على النبوة والرسالة، وإنما هي من القدرات الإلهية، فهو رب من الأرباب، ينبغي أن يعبد كما يعبد رب الأرباب، فغلا فيه قومه وأتباعه حتى جعلوه معبودا مع الله. ثم اتجه إبليس إلى اليهود المعاصرين لرسالة عيسى ﵇ ليتمادى بهم في الكفر والضلال، والتجبر والعناد، فكفروا برسالة عيسى ﵇ ورموا أمه العذراء بالإفك والإثم والفجور، وقالوا عن عيسى إنه ابن زنا وسفاح، وناصبوه وأمه وأتباعه العداء، وهموا بقتله، فقتلوا من ظنوه عيسى، ثم قالوا تبجحا وعنادا وطغيانا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم. ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (١) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢). ثم استمر الشيطان في تنفيذ مخططه الغوغائي، فبعد أن استقامت الديانة المسيحية وقتا ما، أوحى الشيطان إلى أحبارها ورهبانها بالوساوس وخواطر السوء، فقاموا بتحريف كتاب الله الإنجيل وتبديله والتغيير فيه،

стр. 10414

وإخفاء ما فيه إقرار حق أو إيجاب عقوبة، ففعلوا بكتاب الله الإنجيل كما فعل اليهود بكتاب الله التوراة، فانحرفت الديانة المسيحية عن الاتجاه السليم، وانطمست معالمها الأصيلة وأصبحت ديانة لا تعرف مقتضياتها إلا من الأحبار والرهبان، يحلون ما شاءوا، ويحرمون ما شاءوا، باسم الإله، وباسم كتاب الله، وقد انتشرت الديانة المسيحية في بعض الجهات والجزيرة العربية كاليمن ونجران وغيرها. أما الحجاز وقلب الجزيرة العربية فقد كان فيها من تدين بالمسيحية إلا أن عبد الشيطان ووليه عمرو بن لحي استجاب لداعي الشيطان وخواطره، فنقل مجموعة من الأصنام، ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، وغيرها إلى مكة المكرمة وغيرها، ثم تكاثرت الأصنام في مكة وحول الكعبة حتى بلغ عددها ثلاثمائة وستين صنما، فعكف الناس عليها عبادة وتعظيما وأملا في شفاعتها على حد زعمهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) ولكن الله بفضله ورحمته وشمول رعايته خلقه قضى بإنقاذ عباده من مكايد الشيطان ومخططاته، فأرسل رسوله محمدا ﷺ على فترة من الرسل، وبعد أن تحولت الديانات السماوية بفعل الأحبار والرهبان إلى ديانات ممسوخة، يمجها العقل، وتأباها الفطر السليمة، سواء ما كان منها متعلقا بعلاقة العبد بربه، أو ما كان متعلقا بعلاقة العباد مع بعضهم، فجاء ﷺ رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وسراجا منيرا، ورسولا عاما للثقلين الجن والإنس، مؤيدا بكتاب كريم من رب رحيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فيه العظة والعبرة، وفيه الحكمة والموعظة، وفيه الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وفيه التشريع الضامن لأحسن علاقة بين العبد وبين ربه، وبين العباد فيما بينهم ضمن لهم الحفاظ على كامل الحقوق الأساسية - الدين والنفس والعقل والمال والعرض - وعلى كامل ما تفرع عنها مما يعود عليه بالكمال ورفع الحرج. جاء ﷺ كما وصفه ربه:

стр. 10415

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) (التوبة / ١٢٨) فبلغ ﷺ رسالة ربه، وأمانة من أرسله، ونصح ﷺ للأمة النصح الكامل، ما من خير إلا دل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، فانقاد لدعوته ﷺ صفوة مختارة من عباد الله، آمنوا بالله، وأخلصوا دينهم لله، وجاهدوا مع رسول الله حق الجهاد، مضحين في سبيل الله بأموالهم وديارهم وأهليهم، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وحطم ﷺ الأصنام التي حول الكعبة وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢) (الإسراء / ٨١). وكان ﷺ مدركا أن الشيطان حريص على نقض ما أبرمه ﷺ من وحدة إسلامية ترجع في حياتها وفي تكييف علاقاتها إلى كتاب الله وإلي سنة رسول الله، وأن مداخل الشيطان على عباد الله مختلفة ومتنوعة، فمن كان إيمانه ضعيفا انقض عليه بخيله ورجله في التشكيك وطرح الشبهات في أصول الإيمان وفروعه؛ حتى يرتد عن دين الله بالكفر والإلحاد والزندقة. وإن كان إيمانه قويا لا مدخل عليه في التشكيك والزعزعة دخل عليه من باب الابتداع، ومن باب الغلو في الدين وأتباعه كما هي حاله لعنه الله مع الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى، حيث انقادوا لوساوس الشيطان ومكايده وضلالالته، فحرفوا كتب الله، وغيروا مقتضيات شرعه، حتى صارت ديانات ممسوخة ليس لها عند الله قبول، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) آل عمران / ٨٥. لقد كان رسول الله ﷺ مدركا طرق غواية الشيطان وإضلاله؛ فركز ﷺ لحماية هذا الدين على أمرين: أحدهما: التحذير من الغلو والإفراط في الدين ومجاوزة الحد في المدح والثناء إذا كان ذلك لغير الله، ففي الصحيحين عن عمر بن

стр. 10416

الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (١)». وعن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو (٢)» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه. ولمسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هلك المتنطعون (٣)» قالها ثلاثا. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله (٤)». ولهما عنها قالت: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال: وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم (٥)» مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. ولمسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٦)». وعن ابن عباس ﵄ قال: «إن رجلا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده (٧)». رواه النسائي وابن ماجه. ولأبي داود عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت

стр. 10417

الأموال فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي ﷺ : سبحان الله، سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد (١)». ولأبي داود بسند جيد عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «انطلقت مع وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎. فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان (٢)». فهذه الأحاديث وغيرها من عشرات الأحاديث ومئات أمثالها كلها تؤكد حرص رسول الله ﷺ على سلامة أمته من وساوس الشيطان وخواطره وإيحاءاته وهمزاته، وتحذر هذه الأمة أن يدخل الشيطان عليها من مداخله على من سبقها من الأمم، من يهودية ونصرانية وغيرهما، فإن أكبر باب للشيطان للضلالة والإضلال هو باب الغلو والابتداع، فلقد نهى ﷺ أصحابه أن يتجاوزوا الحد في إطرائه ومدحه وتعظيمه، وحمى جناب التوحيد من أن تدنس مقتضياته أو تطمس معالمه، وأوضح في أكثر من مقام أن ضلال من قبلنا من اليهود والنصارى وغيرهم كان بسبب غلوهم في أنبيائهم وصالحيهم حيث كانوا يتخذون المساجد على قبورهم، فيعظمونها على سبيل العبادة، وكانوا بذلك شرار الخلق عند الله، وكانوا بذلك أبعد الخلق عن الله، وكانوا بذلك أولياء الشيطان وحزبه. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣) المجادلة / ١٩. ومع هذا الحرص الشديد من رسول الله ﷺ وتناقل علماء السنة الآثار الواردة في ذلك عنه ﷺ وإشاعتها بين عباد الله؛ إلا أن الشيطان

стр. 10418

كان دائب الحركة في سبيل الغواية والضلال والإضلال، وقد وجد له من الصوفية والمتصوفة من اتخذهم له أولياء واتخذوه وليا فغلوا في دين الله، وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فاعتقدوا النفع والضر عند غير الله، والمنع والعطاء لدى غير الله، لدى مشايخ الطرق وأدعياء التصوف والدجل والشعوذة أحياء وأمواتا، وصرفوا للمخلوق مما هو محض حق الخالق حقوقا لا تصح نسبتها إلا لله، فهذا البوصيري يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم وهذا البرعي يقول: يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... يا موئلي يا ملاذي يوم تلقاني فأنت أقرب من ترجى عواطفه ... عندي وإن بعدت داري وأوطاني وهذا البكري يقول: وناده إن أزمة أنشبت ... أظفارها واستحكم المعضل عجل بإذهاب الذي أشتكى ... فإن توقفت فمن أسأل وهذا رابع يقول: يا سيدي يا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري فإنني عبدك الراجي بودك ما ... أملته يا صفي السادة الغرر وبالرغم من حركات الشيطان في الغواية والإضلال، وقدرته على اصطفاء مجموعة من عباد الله ليكونوا أعوانا في الضلال والإضلال؛ إلا أن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فلقد وعد الله تعالى بحفظ كتابه من التحريف والتغيير والتبديل، وتم وعد الله؛ فلقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنا وهو محفوظ بكل وسائل الحفظ سراجا منيرا ومحجة بيضاء، كما أن الله تعالى قيض لسنة رسوله ﷺ رجالا أتقياء أذكياء صالحين نقلوها إلى الأمة الإسلامية نقية صافية، وبذلك

стр. 10419

تحقق قول رسول الله ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك (١)»، وقوله: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وسنة رسوله (٢)». الأمر الثاني من الأمرين اللذين ركز عليهما ﷺ في حماية الدين: الابتداع في الدين. لقد عرف العلماء البدعة بأنها طريقة محدثة في الدين يضاهى بها أحد مقتضياته، إلا أن هذه المضاهاة تنطلق من معقول بشري محدود ليس له القدرة على استطلاع حكمة الله في تشريعه، ولا علم الله بما تصلح به أمور عباده، يأتي العقل البشري فيرى حسنا ما ليس بالحسن، ويظن نقصا فيما فيه الكمال، فيقول اجتهادا أو انسياقا وراء هوى أو إغواء شيطان ما ليس في الدين في شيء مما هو محض الإحداث والابتداع. لقد كان ﷺ حريصا كل الحرص على تجنيب أمته شر الابتداع؛ فأكثر من ذم الابتداع، وحض الأمة على التمسك بسنته ﷺ ، فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (٣)». وقال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)»، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٥)». وقال: «إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٦)». ولم يكن منه ﷺ ذلك إلا أن التشريع مكتمل، فما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، وقد حكى الله كمال الدين فقال:

стр. 10420

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) المائدة / ٣. فلقد وقف ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع ومعه جمع كبير من أصحابه، فذكرهم ووعظهم، وبين لهم ما على العبد من حقوق لله وحقوق لعباده، وكان ﷺ في كل أمر يقول لهم: ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، ثم انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة أتم بلاغ، وأدى الأمانة أتم أداء، ونصح للأمة النصح البالغ، وبين لهم حبائل الشيطان ووساوسه وخواطره ومكائده، ومداخله على العباد. لا شك أن الابتداع الطريق القصير إلى تشويه الدين، وطمس معالم الإشراق فيه، والتحكم على الله وعلى رسوله، والاشتراك مع الله ﵎ في التشريع بما لم يأذن به الله، وفضلا عن هذا الأثر السيئ للابتداع؛ فإنه يستلزم أمورا مهينة أهمها ما يلي: أولا: القول بلسان المقال أو بلسان الحال أن الدين ناقص، وأن هناك جوانب تكميلية ينبغي الأخذ بها تكملة للدين، وفي هذا رد قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) كما أن فيه تكذيبا لقول رسول الله ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك (٣)»، فإن من يبتدع يعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة، ولكنه يدعي أنها عمل صالح. فما صلاح عمل لم يأمر به الله ولم يفعله رسول الله؟! وما صلاح عمل يراد به إكمال ما أكمله الله على أتم وجه ورضيه؟! ولكنها وساوس الشيطان وهمزاته. ثانيا: إن الابتداع يستلزم القدح في إبلاغ رسول الله رسالة ربه، فلقد أرسل الله بالهدى ودين الحق، وأمره بإبلاغ الرسالة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤) المائدة / ٦٧،

стр. 10421

فبلغها ﷺ أتم بلاغ. فإذا كان المبتدع يرى في بدعته الخير والعمل الصالح، ويعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة، ولكنها حسنة في نفسها - حسب زعمه - فإن هذا يعني أن رسول الله ﷺ حاشاه وكلا - بين أمرين: إما أن يكون جاهلا بما ينفع الأمة، وأن هناك جملة من جوانب الخير لا يعلمها، فجاء معاصرو القرون المتأخرة فأخروجها للأمة وأضافوها إلى الدين، أو أن يكون ﷺ يعلم حسن هذه الأعمال المبتدعة، إلا أنه كتمها عن الأمة، وهذا يعني تخونه والقدح في أدائه رسالة ربه، وكلا الأمرين شر وقدح في شهادة أن محمدا رسوله، ورسول الله ﷺ مبرأ عنهما معا. ثالثا: إن في الابتداع مخالفة صريحة لأوامر رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ أكد ضرورة التمسك بسنته، والابتعاد عن الابتداع والإحداث في الدين، كما أكد أن الإحداث في الدين مردود، ولا شك أن مخالفته ﷺ مظنة الفتنة. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) النور / ٦٣. ولقد فهم أصحاب رسول الله ﷺ وتابعوهم هذا الفهم، ففي الجامع لأبي بكر الخلال أن رجلا جاء إلى مالك بن أنس فقال: من أين أحرم؟ قال: من الميقات الذي وقت رسول الله ﷺ وأحرم منه. فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك. فقال الرجل: ما تكره من ذلك؟ قال: أكره عليك الفتنة. قال: وأي فتنة من ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وأي فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله ﷺ ، وفي رواية: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله، واختيار رسوله!

стр. 10422

لقد حرص أصحاب رسول الله ﷺ على تبليغ الأمة سنة رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وبالغوا في التحذير عما يخالفها من قول أو فعل مهما كان ذلك وعلى أي وجه يكون، ولم يفرقوا في الإنكار بين ما ظاهره الحسن وما ظهر وقولا، فلم يقولوا بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، بل اعتبروا البدعة أمرا منكرا وزورا من القول والعمل، وقولا على الله بلا علم، وتشريعا من الدين بما لم يأذن به الله، حجتهم في ذلك الإيمان بأن الله أكمل دينه، وأن رسوله ﷺ بلغ رسالة ربه، وأدى أمانته، وبين لعباد الله خصائص دينهم ومقتضيات أعمالهم، وأن الأخذ بالبدعة يعني مناقضة ذلك الإيمان باعتبار أن البدعة - في ظن مبتدعيها والآخذين بها - إكمال نقص في الدين، كما أن حجتهم كذلك الامتثال للانتهاء عن الابتداع مطلقا مهما كان، وعلى أي سبيل يقع، يستوي في ذلك حسنه وسيئه للعموم في نفي البدع والابتداع، فقد حذر ﷺ عن الابتداع بلفظ العموم فقال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وبلفظ الاختصاص والحصر، فقال: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٢)». ومن حججهم ﵏ في رد الابتداع إدراك أن الابتداع باب الشيطان إلى الغواية والإضلال والضلال، فمنه دخل على الأمم السابقة يضلهم ويمنيهم ويغويهم ويزين لهم أبواب الابتداع حتى غيروا كتب الله، وحرفوها وبدلوها؛ فأحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله. أدرك أصحاب رسول الله ذلك وكانوا حربا على البدع والابتداع، والإحداث والمحدثات، وفيما يلي مجموعة من الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله في محاربة البدعة. فقد روى محمد بن وضاح القرطبي في كتاب البدع النهي عنها بإسناده، فقال: بلغ ابن مسعود ﵁ أن عمرو بن عتبة - في أصحاب له - بنوا مسجدا بظهر الكوفة، فأمر عبد الله بذلك المسجد

стр. 10423

فهدم، ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحا معلوما، ويهللون ويكبرون، قال: فلبس برنسا ثم انطلق فجلس إليهم، فلما عرف ما يفعلون رفع البرنس عن رأسه ثم قال: أنا أبو عبد الرحمن، ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما، أو لقد جئتم ببدعة ظلما، قال: فقال عمرو بن عتبة: والله، ما فضلنا أصحاب محمد ﷺ علما، ولا جئنا ببدعة ظلما، ولكننا قوم نذكر ربنا، فقال: بلى والذي نفس ابن مسعود بيده، لئن أخذتم آثار القوم لتسبقن سبقا بعيدا، ولئن حرتم يمينا أو شمالا لتضلن ضلالا بعيدا. وذكر بإسناده عن بعض أصحاب عبد الله بن مسعود قال: مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشرا، وهللوا عشرا، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله ﷺ أو أضل، بل هذه، بل هذه، يعني: أضل. وروي بإسناده عن أبان بن أبي عياش قال: لقيت طلق بن عبد الله بن كرز الخزاعي، فقلت له: قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة، لا يطعنون على أحد من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوما، وفي بيت هذا يوما، ويجتمعون يوم النيروز والمهرجان ويصومونهما، فقال طلق: بدعة من أشد البدع، والله، لهم أشد تعظيما للنيروز والمهرجان من غيرهما، ثم استيقظ أنس بن مالك فوثبت إليه فسألته كما سألت طلقا فرد علي كما رد علي طلق، كأنما كانوا على ميعاد. وروى بإسناده قال: ثوب المؤذن في المدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه، قد كان رسول الله ﷺ بهذا البلد عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف المؤذن عن ذلك، وأقام زمانا، ثم إنه تنحنح

стр. 10424

في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال: ألم أنهك لا تحدث عندنا ما لم يكن؟! فقال: إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك: لا تفعل. فكف أيضا زمانا ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. وقد ذكر الشاطبي ﵀ تفسير التثويب الذي نهى عنه مالك ﵀ بأن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الفلاح. وذكر الشاطبي في كتابه الاعتصام قال: وقال ابن حبيب، أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول: من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وأختتم هذا البحث بما روى أبو داود والترمذي عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها الدموع، فقلت: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة (٢)». قال الترمذي حديث حسن صحيح. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد الله بن سليمان بن منيع

стр. 10425

رد أوهام أبي زهرة في حق شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله صالح بن فوزان الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما مزيدا. أما بعد؛ فإنه كان من الواجب علينا احترام علمائنا في حدود المشروع كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 10426

وقال ﷺ : «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب (١)» ولا سيما العلماء المجددون لدين الله، والدعاة المخلصون إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن - فكان حقهم علينا الاقتداء بهم، واحترامهم، والترحم عليهم، والدعاء لهم لقاء ما قاموا به من الواجب، وما بينوه من الحق وردوا الباطل - إلا أننا نجد بدلا من ذلك من بعض حملة الأقلام والمتطفلين على العلم والتأليف من يكيل التهم في حقهم ويرميهم بما هم بريئون منه، ويحاول صرف الناس عن دعوتهم بدافع الحقد أو سوء الاعتقاد - أو الاعتماد على ما يقوله أعداؤهم وخصومهم - ومن ذلك أني قد اطلعت على كتاب بعنوان " تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد "، " وتاريخ المذاهب الفقهية "، للشيخ محمد أبي زهرة. تعرض فيه لإمامين عظيمين، وداعيين إلى الله مخلصين، هما: شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - ووجه ضدهما نفس التهم التي يروجها ويرددها أعداؤهما المضلون في كل زمان، حيث تروعهما دعوة الإصلاح، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ويريدون أن يبقى الناس في ظلام، ويعيشوا في ضلال، حتى يتسنى لخرافاتهم أن تروج، وما كان يليق بباحث يتحرى الحقيقة مثل الشيخ أبي زهرة أن يعتمد في حق هذين الإمامين الجليلين على كلام خصومهما، بل كان الواجب عليه وعلى كل باحث منصف أن يرجع إلى كلام من يريد أن يقدم للناس معلومات عنه من كتبه، ويوثق ذلك بذكر اسم الكتاب المنقول عنه، مع ذكر الصفحة والسطر، حتى تحصل القناعة التامة من صحة ما يقول؛ لأننا والحمد لله في عصر قد وضعت فيه ضوابط للبحث العلمي، وأصبح لا يقبل فيه إطلاق القول على عواهنه من غير تقيد بتلك الضوابط،

стр. 10427

وفوق هذه الضوابط هناك وقوف بين يدي الله ، وسؤال عما يقوله الإنسان ويكتبه في حق غيره من اتهام وكذب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢). إلا أن الشيخ أبا زهرة تجاهل ذلك كله، ونسب إلى الشيخين الإمامين الجليلين: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ما لا يليق بمقامهما، وما يتنزهان عنه من التهم الباطلة والتهجم السخيف، اعتمادا على ما يقوله عنهما خصومهما، وما يروجه المخرفون ضدهما، غير متقيد بضوابط البحث العلمي، ولا خائف من الوعيد الذي توعد الله به من أقدم على مثل هذا العمل، وإليك بيان هذه التهم مع الرد عليها، سائلين الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

стр. 10428

أولا: ما نسبه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١ - في صفحة ١٨٧ قال: إنه أضاف إلى مذهب السلف أمورا أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها. أقول هذا من الافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قد أحدث أمورا من عند نفسه، وزادها على مذهب السلف، وهو اتهام خطير قد برأ الله منه شيخ الإسلام، فإنه لم يزد شيئا ولم يخترع شيئا من عند نفسه، وإنما دعا إلى مذهب السلف، وبينه ودافع عنه بأمانة

стр. 10429

وإخلاص، يشهد لذلك أن ما في كتبه ورسائله يتطابق تمام التطابق مع ما ذكره الأئمة قبله في كتبهم، وهو إنما ينقل كلامهم ويعزوه إلى مصادره المعروفة من غير زيادة ولا نقصان، وأبو زهرة لم يذكر مثالا واحدا يدل على صدق ما يقول. ٢ - في صفحة ١٩٣ قال: وعلى ذلك يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن الكريم من فوقية وتحتية واستواء على العرش، ووجه ويد ومحبة وبغض، وما جاء في السنة من ذلك أيضا من غير تأويل وبالظاهر الحرفي، فهل هذا هو مذهب السلف حقا، ونقول في الإجابة عن ذلك: ولقد سبقه بهذا الحنابلة في القرن الرابع الهجري كما بينا وادعوا أن ذلك مذهب السلف. وناقشهم العلماء في ذلك الوقت وأثبتوا أنه يؤدي إلى التشبيه والجسمية لا محالة، وكيف لا يؤدي إليها والإشارة الحسية إليه جائزة، لهذا تصدى لهم الإمام الفقيه الحنبلي الخطيب ابن الجوزي، ونفى أن يكون ذلك مذهب السلف، ونفى أيضا أن يكون ذلك رأي الإمام أحمد. انتهى كلامه، وفيه من الخلط والكذب ما لا يخفى، وبيان ذلك كما يلي: (أ) اتهم شيخ الإسلام ابن تيمية واتهم معه الحنابلة بأنهم نسبوا إلى السلف ما لم يقولوه ولم يعتقدوه في صفات الله تعالى، وهذا اتهام ظاهر البطلان فإن ما قاله الحنابلة وقاله شيخ الإسلام موجود في كلام الأئمة الأربعة وغيرهم في كتبهم، وقد نقل ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وعزاه إلى مصادره من كتبهم التي يوجد غالبها في أيدي الناس اليوم، انظر على سبيل المثال ما ذكره عنهم في الرسالة الحموية.

стр. 10430

(ب) اتهم الشيخ بأنه ينسب إلى السلف وصف الله بالتحتية حيث قال: يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن الكريم من فوقية وتحتية، وهذا كذب على القرآن الكريم وعلى الشيخ؛ فإنه لم يرد في القرآن ذكر التحتية في حق الله - تعالى الله عن ذلك - لأنها لا تليق به، ولم يقل الشيخ ذلك ولم ينسبه إلى السلف، لكنه التخبط الأعمى والتخليط العجيب من أبي زهرة. (ج) اتهم القرآن بأنه جاء بالتشبيه والتجسيم وما لا يليق بالله تعالى، واتهم السلف الصالح بأنهم لا يعتقدون ما جاء القرآن الكريم والسنة النبوية من وصف الله بالفوقية والاستواء على العرش، وأنه له يد ووجه، وأنه يحب ويبغض؛ لأن ذلك بزعمه يؤدي إلى التشبيه والجسمية، وهذا معناه أن القرآن جاء بالباطل، وأن السلف يخالفون الكتاب والسنة في أهم الأمور وهي العقيدة، فماذا بقي بعد ذلك؟! ما الذي يوافقون فيه الكتاب والسنة، ولم يذكر دليلا على ذلك إلا ما نقله من كلام ابن الجوزي، وكلام ابن الجوزي لا يحتج به من ناحيتين: - إنه معروف باتجاهه المخالف لعقيدة السلف في الصفات وكلام المخالف لا يحتج به على خصمه. - إن كلام أئمة السلف ومنهم الإمام أحمد يبطل ما قاله ابن الجوزي، وكلامهم موجود - بحمد الله - في كتبهم المتداولة المعروفة التي نقل منها شيخ الإسلام ابن تيمية. (د) قال أبو زهرة: وكيف لا يؤدي إليهما والإشارة الحسية إليه جائزة - يعني كيف لا يؤدي إثبات ما دل عليه الكتاب والسنة من صفات الله إلى التشبيه والتجسيم، وقد جاء في الحديث أن الله يشار إليه بالإصبع في جهة العلو، كما أشار إليه أعظم الخلق به ﷺ في خطبته في حجة الوداع، - وهذا بزعم أبي زهرة يؤدي إلى التشبيه

стр. 10431

والتجسيم فهو باطل -، وهذا مصادمة للحديث الصحيح بسبب توهم باطل، فإن الإشارة إلى الله سبحانه في جهة العلو ووصفه بما ثبت في الكتاب والسنة من صفات الكمال لا يؤديان إلى التشبيه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فله صفات تخصه لا يشاركه فيه أحد، وأما لفظ التجسيم فهو لفظ محدث لم يرد نفيه ولا إثباته في حق الله تعالى، ولم يتكلم فيه السلف، وإنما ورد في الكتاب والسنة تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل، وهو الذي ينفيه السلف عن الله تعالى. - ينسب التفويض إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في صفحة ١٩٥: إن هذا يؤدي عند ابن تيمية إلى أن الأسلم هو التفويض الذي يدعيه وينسبه إلى السلف الصالح فيأخذ الألفاظ بظواهرها الحرفية، ويطلقها على معانيها الظاهرة في أصل الدلالة، ولكنه يقرر أنه ليست كالحوادث ويفوض فيما بعد ذلك ولا يفسر، ويقول: إن محاولة التفسير زيغ، فابن تيمية يعتقد أنه بهذا يجمع بين التفسير والتفويض، فهو يفسر بالمعنى الظاهر وينزه عن الحوادث ويفوض في الكيف والوصف، انتهى المقصود من كلامه، وهو كما ترى فيه من الخلط والركاكة والكذب على الشيخ الشيء الكثير، وهو بين أمرين: إما أنه لم يفهم كلام الشيخ، وإما أنه يفهمه لكنه يحاول الالتواء والتلبيس، فإن الشيخ ﵀ يقرر في سائر كتبه أن مذهب السلف وهو المذهب الذي يعتقده ويدين لله به، وكل مريد للحق يعتقده ويدين به: أن نصوص الصفات تجري على ظواهرها وتفسر بمعناها الذي تدل عليه ألفاظها من غير تأويل ولا تحريف، أما كيفيتها فيجب تفويضها إلى الله سبحانه؛ لأنه لا يعلمها إلا هو، وهذا هو الذي يقرره علماء السلف في كتبهم، وفيما يروى عنهم بالأسانيد الصحيحة أن المعنى معلوم، والكيف مجهول في كل الصفات.

стр. 10432

فالتفويض إنما هو للكيفية، وأما المعاني فهي معلومة مفسرة لا تفويض فيها ولا غموض، ولا يلزم من إثبات صفات الله بالمعاني التي دلت عليها النصوص تشبيه الله بخلقه؛ لأن لله صفات تخصه وتليق به، وللمخلوقين صفات تخصهم وتليق بهم، ولا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي الموجود في الأذهان بين صفات الله وصفات خلقه الاشتراك في الحقيقة والكيفية الخارجية، وقد أثبت الله لنفسه تلك الصفات، ونفى عن نفسه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). فأثبت له السمع والبصر، ونفى عن أن يماثله شيء، وهكذا سائر الصفات، فدل على أن إثبات الصفات لا يلزم من التشبيه كما يقول أبو زهرة وأضرابه، ومن العجب أن يحتج على بطلان ما ذكره شيخ الإسلام من إثبات صفات الله على ما يليق به سبحانه بمخالفة الغزالي والماتريدي وابن الجوزي له، ويرجح مذهبهم فيقول: ولذلك فنحن نرجح منهاج الماتريدي ومنهاج ابن الجوزي ومنهاج الغزالي. هكذا يرغب أبو زهرة عن مذهب السلف إلى مذهب هؤلاء، - وللناس فيما يعشقون مذاهب -، لكنه استبدل الباطل بالحق. واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢). - ينسب القول بالمجاز إلى الصحابة فيقول: إن الصحابة كانوا يفسرون بالمجاز إن تعذر إطلاق الحقيقة، كما يفسرون بالحقيقة في ذاتها، هكذا قال في حق الصحابة، ينسب إليهم القول بالمجاز في تفسير

стр. 10433

كلام الله، وأنهم يتركون الحقيقة وكأنه بهذا يريد أن ينسب إلى الصحابة نفي الصفات وحمل نصوصها على خلاف الحقيقة، وكفى بهذا تقولا على صحابة رسول الله ﷺ بدون دليل ولا برهان، لكنه الهوى والانتصار للباطل. وهذا تجاوز من اتهام ابن تيمية إلى اتهام الصحابة بما هم بريئون منه، فإنه لم يعرف المجاز إلا متأخرا أحدثه الأعاجم الذين ليسوا حجة في اللغة والتفسير. - في صفحة ١٩٩ نسب إلى الشيخ القول بأن الله لا ييسر الإنسان لفعل الشر، حيث قال: وبهذا يقرر ابن تيمية ثلاثة أمور، ثالثها: أن الله تعالى ييسر فعل الخير ويرضاه ويحبه، ولا ييسر فعل الشر ولا يحبه، وهو في هذا يفترق عن المعتزلة كذا قال. وهذا كذب على الشيخ؛ لأنه كغيره من أئمة الهدى يرون أن الله قدر الخير والشر، وأنه لا يجري في ملكه ما لا يريد، فالشر يجري على العبد بسبب تصرفاته السيئة، وهو من قبل الله تعالى قدرا وبإرادته الكونية، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ (١) ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ (٢) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٣). - في صفحة ١٩٩ - ٢٠٠ يقول: أما ابن تيمية فيرى أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة، فالله يريد الطاعات ويأمر بها، ولا يريد المعاصي التي تقع من بني آدم وينهى عنها، وإرادته للمعاصي من ناحية إرادة أسبابها. انتهى. وأقول: في هذا الذي نسبه إلى الشيخ إجمال ينبغي تفصيله، فقوله: لا تلازم بين الأمر والإرادة.

стр. 10434

الصواب: أن يقال: لا تلازم بين الأمر الشرعي والإرادة الكونية. فقد يأمر شرعا بما لا يريده كونا، مثل الإيمان من الكافر، وقد يريد كونا ما لا يأمر به شرعا مثل الكفر والمعاصي؛ وذلك لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، والأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي، فالإرادة الكونية والأمر الكوني ليس من لازمهما المحبة والرضا، وأما الإرادة الشرعية والأمر الشرعي فمن لازمهما المحبة والرضا، وهذا التقسيم هو الذي يتمشى مع منهج الشيخ الذي هو منهج السلف المبني على أدلة الكتاب والسنة، فالله لا يأمر بالمعاصي ولا يريدها ولا يرضاها شرعا، لكنه أرادها وأمر بها كونا وقدرا؛ لأنه لا يقع في ملكه ما لا يريد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (١). أي أمرناهم بذلك كونا وقدرا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٢). ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣). - في صفحة ٢٠١ يختم أبو زهرة مباحثه حول القدر بقوله: هذه نظرات ابن تيمية في مسائل الجبر والاختيار، وتعليل أفعال الله ، وهو يسند دائما ما يراه إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين انتهى. وكأنه بهذا التعبير يتهم الشيخ في أنه ينسب إلى السلف بمجرد رأيه ما ليس من مذهبهم، وهذه التهمة يبطلها الواقع فإن الشيخ - رحمه لله - لم ينسب إلى السلف إلا ما هو موجود في كتبهم، وما ثبتت روايته عنهم، والشيخ أتقى لله من

стр. 10435

أن يتقول على السلف ما لم يقولوه، لكن أبا زهرة لم يراجع كبت الشيخ، أو أنه يتعمد التلبيس. - في الصفحات ٢٠٢ - ٢٠٦ لما ذكر كلام الشيخ في منع التوسل بالأموات والاستغاثة بهم، ومنع زيارة القبور لقصد التبرك بها وطلب الحاجات من الموتى، ومنع السفر لزيارتها، قال بعد ذلك: ولقد خالف ابن تيمية بقوله هذا جمهور المسلمين، بل تحداهم في عنف بالنسبة لزيارة قبر المصطفى ﷺ ، ونحن نوافق إلى حد ما على قوله في زيارة قبور الصالحين والنذر لها، ولكن نخالفه مخالفة تامة في زيارة الروضة الشريفة؛ وذلك لأن الأساس الذي بني عليه منع زيارة الروضة الشريفة بقصد التبرك والتيمن هو خشية الوثنية، وأن ذلك خوف من غير مخاف، فإنه إذا كان في ذلك تقديس لمحمد فهو تقديس لنبي الوحدانية، وتقديس نبي الوحدانية إحياء لها، إذ هو تقديس للمعاني التي بعث بها. . . إلى أن قال: وإن الحديث الذي رواه ابن تيمية وغيره وهو: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (١)» يدل على شرف المسجد الذي دفن بجواره، وقد دفن ببيت عائشة الذي كان أقرب بيوت أزواجه إليه، وقد كان متصلا بالمسجد، وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد كالبقيع، ثم قال: وبعد: فإننا نقرر أن التبرك بزيارة قبر النبي ﷺ مستحسن، وليس التقرب الذي نقصده عبادة أو قريبا منها، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار والاستبصار. انتهى المقصود من كلامه، وهو يدل على ما عنده من جهل وتخليط وتخبط، وأقول في بيان ذلك ما يلي: (أ) قوله: ولقد خالف ابن تيمية بقوله هذا - يعني منع التوسل بالموتى والتبرك بالقبور والاستغاثة بالموتى - خالف جمهور المسلمين.
следующие страницы →