والتجسيم فهو باطل -، وهذا مصادمة للحديث الصحيح بسبب توهم باطل، فإن الإشارة إلى الله سبحانه في جهة العلو ووصفه بما ثبت في الكتاب والسنة من صفات الكمال لا يؤديان إلى التشبيه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فله صفات تخصه لا يشاركه فيه أحد، وأما لفظ التجسيم فهو لفظ محدث لم يرد نفيه ولا إثباته في حق الله تعالى، ولم يتكلم فيه السلف، وإنما ورد في الكتاب والسنة تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل، وهو الذي ينفيه السلف عن الله تعالى.
- ينسب التفويض إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في صفحة ١٩٥: إن هذا يؤدي عند ابن تيمية إلى أن الأسلم هو التفويض الذي يدعيه وينسبه إلى السلف الصالح فيأخذ الألفاظ بظواهرها الحرفية، ويطلقها على معانيها الظاهرة في أصل الدلالة، ولكنه يقرر أنه ليست كالحوادث ويفوض فيما بعد ذلك ولا يفسر، ويقول: إن محاولة التفسير زيغ، فابن تيمية يعتقد أنه بهذا يجمع بين التفسير والتفويض، فهو يفسر بالمعنى الظاهر وينزه عن الحوادث ويفوض في الكيف والوصف، انتهى المقصود من كلامه، وهو كما ترى فيه من الخلط والركاكة والكذب على الشيخ الشيء الكثير، وهو بين أمرين: إما أنه لم يفهم كلام الشيخ، وإما أنه يفهمه لكنه يحاول الالتواء والتلبيس، فإن الشيخ ﵀ يقرر في سائر كتبه أن مذهب السلف وهو المذهب الذي يعتقده ويدين لله به، وكل مريد للحق يعتقده ويدين به: أن نصوص الصفات تجري على ظواهرها وتفسر بمعناها الذي تدل عليه ألفاظها من غير تأويل ولا تحريف، أما كيفيتها فيجب تفويضها إلى الله سبحانه؛ لأنه لا يعلمها إلا هو، وهذا هو الذي يقرره علماء السلف في كتبهم، وفيما يروى عنهم بالأسانيد الصحيحة أن المعنى معلوم، والكيف مجهول في كل الصفات.
стр. 10432
فالتفويض إنما هو للكيفية، وأما المعاني فهي معلومة مفسرة لا تفويض فيها ولا غموض، ولا يلزم من إثبات صفات الله بالمعاني التي دلت عليها النصوص تشبيه الله بخلقه؛ لأن لله صفات تخصه وتليق به، وللمخلوقين صفات تخصهم وتليق بهم، ولا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي الموجود في الأذهان بين صفات الله وصفات خلقه الاشتراك في الحقيقة والكيفية الخارجية، وقد أثبت الله لنفسه تلك الصفات، ونفى عن نفسه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
فأثبت له السمع والبصر، ونفى عن أن يماثله شيء، وهكذا سائر الصفات، فدل على أن إثبات الصفات لا يلزم من التشبيه كما يقول أبو زهرة وأضرابه، ومن العجب أن يحتج على بطلان ما ذكره شيخ الإسلام من إثبات صفات الله على ما يليق به سبحانه بمخالفة الغزالي والماتريدي وابن الجوزي له، ويرجح مذهبهم فيقول: ولذلك فنحن نرجح منهاج الماتريدي ومنهاج ابن الجوزي ومنهاج الغزالي.
هكذا يرغب أبو زهرة عن مذهب السلف إلى مذهب هؤلاء، - وللناس فيما يعشقون مذاهب -، لكنه استبدل الباطل بالحق.
واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢).
- ينسب القول بالمجاز إلى الصحابة فيقول: إن الصحابة كانوا يفسرون بالمجاز إن تعذر إطلاق الحقيقة، كما يفسرون بالحقيقة في ذاتها، هكذا قال في حق الصحابة، ينسب إليهم القول بالمجاز في تفسير
стр. 10433
كلام الله، وأنهم يتركون الحقيقة وكأنه بهذا يريد أن ينسب إلى الصحابة نفي الصفات وحمل نصوصها على خلاف الحقيقة، وكفى بهذا تقولا على صحابة رسول الله ﷺ بدون دليل ولا برهان، لكنه الهوى والانتصار للباطل.
وهذا تجاوز من اتهام ابن تيمية إلى اتهام الصحابة بما هم بريئون منه، فإنه لم يعرف المجاز إلا متأخرا أحدثه الأعاجم الذين ليسوا حجة في اللغة والتفسير.
- في صفحة ١٩٩ نسب إلى الشيخ القول بأن الله لا ييسر الإنسان لفعل الشر، حيث قال: وبهذا يقرر ابن تيمية ثلاثة أمور، ثالثها: أن الله تعالى ييسر فعل الخير ويرضاه ويحبه، ولا ييسر فعل الشر ولا يحبه، وهو في هذا يفترق عن المعتزلة كذا قال.
وهذا كذب على الشيخ؛ لأنه كغيره من أئمة الهدى يرون أن الله قدر الخير والشر، وأنه لا يجري في ملكه ما لا يريد، فالشر يجري على العبد بسبب تصرفاته السيئة، وهو من قبل الله تعالى قدرا وبإرادته الكونية، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ (١) ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ (٢) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٣).
- في صفحة ١٩٩ - ٢٠٠ يقول: أما ابن تيمية فيرى أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة، فالله يريد الطاعات ويأمر بها، ولا يريد المعاصي التي تقع من بني آدم وينهى عنها، وإرادته للمعاصي من ناحية إرادة أسبابها. انتهى.
وأقول: في هذا الذي نسبه إلى الشيخ إجمال ينبغي تفصيله، فقوله: لا تلازم بين الأمر والإرادة.
стр. 10434
الصواب: أن يقال: لا تلازم بين الأمر الشرعي والإرادة الكونية. فقد يأمر شرعا بما لا يريده كونا، مثل الإيمان من الكافر، وقد يريد كونا ما لا يأمر به شرعا مثل الكفر والمعاصي؛ وذلك لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، والأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي، فالإرادة الكونية والأمر الكوني ليس من لازمهما المحبة والرضا، وأما الإرادة الشرعية والأمر الشرعي فمن لازمهما المحبة والرضا، وهذا التقسيم هو الذي يتمشى مع منهج الشيخ الذي هو منهج السلف المبني على أدلة الكتاب والسنة، فالله لا يأمر بالمعاصي ولا يريدها ولا يرضاها شرعا، لكنه أرادها وأمر بها كونا وقدرا؛ لأنه لا يقع في ملكه ما لا يريد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (١).
أي أمرناهم بذلك كونا وقدرا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٢).
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
- في صفحة ٢٠١ يختم أبو زهرة مباحثه حول القدر بقوله: هذه نظرات ابن تيمية في مسائل الجبر والاختيار، وتعليل أفعال الله ، وهو يسند دائما ما يراه إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين انتهى.
وكأنه بهذا التعبير يتهم الشيخ في أنه ينسب إلى السلف بمجرد رأيه ما ليس من مذهبهم، وهذه التهمة يبطلها الواقع فإن الشيخ - رحمه لله - لم ينسب إلى السلف إلا ما هو موجود في كتبهم، وما ثبتت روايته عنهم، والشيخ أتقى لله من
стр. 10435
أن يتقول على السلف ما لم يقولوه، لكن أبا زهرة لم يراجع كبت الشيخ، أو أنه يتعمد التلبيس.
- في الصفحات ٢٠٢ - ٢٠٦ لما ذكر كلام الشيخ في منع التوسل بالأموات والاستغاثة بهم، ومنع زيارة القبور لقصد التبرك بها وطلب الحاجات من الموتى، ومنع السفر لزيارتها، قال بعد ذلك: ولقد خالف ابن تيمية بقوله هذا جمهور المسلمين، بل تحداهم في عنف بالنسبة لزيارة قبر المصطفى ﷺ ، ونحن نوافق إلى حد ما على قوله في زيارة قبور الصالحين والنذر لها، ولكن نخالفه مخالفة تامة في زيارة الروضة الشريفة؛ وذلك لأن الأساس الذي بني عليه منع زيارة الروضة الشريفة بقصد التبرك والتيمن هو خشية الوثنية، وأن ذلك خوف من غير مخاف، فإنه إذا كان في ذلك تقديس لمحمد فهو تقديس لنبي الوحدانية، وتقديس نبي الوحدانية إحياء لها، إذ هو تقديس للمعاني التي بعث بها. . . إلى أن قال: وإن الحديث الذي رواه ابن تيمية وغيره وهو: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (١)» يدل على شرف المسجد الذي دفن بجواره، وقد دفن ببيت عائشة الذي كان أقرب بيوت أزواجه إليه، وقد كان متصلا بالمسجد، وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد كالبقيع، ثم قال: وبعد: فإننا نقرر أن التبرك بزيارة قبر النبي ﷺ مستحسن، وليس التقرب الذي نقصده عبادة أو قريبا منها، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار والاستبصار.
انتهى المقصود من كلامه، وهو يدل على ما عنده من جهل وتخليط وتخبط، وأقول في بيان ذلك ما يلي:
(أ) قوله: ولقد خالف ابن تيمية بقوله هذا - يعني منع التوسل بالموتى والتبرك بالقبور والاستغاثة بالموتى - خالف جمهور المسلمين.
стр. 10436
والجواب: إن الشيخ ﵀ قد وافق في قوله هذا إجماع المسلمين فلم يخالفه واحد منهم، ونعني بالمسلمين أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة ومن تبعهم بإحسان، وإنما خالفه بعض من جاء بعدهم من المخرفين والقبوريين، وهؤلاء لا يعتد بخلافهم، وليسوا جمهور المسلمين وإن سماهم هو بذلك، فالعبرة بالحقائق لا بالتسميات، وإنما هم من الشواذ المنتسبين إلى الإسلام.
(ب) قوله: ونحن نوافق إلى حد ما على قوله في زيارة قبور الصالحين والنذر له، معناه أنه لا يوافق موافقة تامة على منع زيارة قبور الصالحين للتبرك بها والاستغاثة بأصحابها والنذر لها، وهذا يدل على أنه يسمح بشيء من ذلك مع أنه عبادة لغير الله وشرك أكبر، ولا يخفى ما في هذا من التساهل في شأن الشرك، وعدم اهتمامه بالعقيدة.
(ج) وقوله: ولكن نخالف مخالفة تامة في زيارة الروضة الشريفة؛ وذلك لأن الأساس الذي بني عليه منع زيارة الروضة الشريفة بقصد التبرك والتيمن هو خشية الوثنية، وأن ذلك خوف من غير مخاف، فإنه إذا كان في ذلك تقديس لمحمد فهو تقديس لنبي الوحدانية، وتقديس نبي الوحدانية إحياء لها.
والجواب عن ذلك نقول:
أولا: الشيخ ﵀ لا يمنع زيارة الروضة الشريفة بقصد الصلاة فيها، فنسبة المنع إليه غير صحيحة، بل هو يرى استحباب ذلك كغيره من علماء المسلمين عملا بالسنة الصحيحة.
ثانيا: زيارة الروضة الشريفة إنما القصد منها شرعا هو الصلاة فيها؛ لقوله ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (١)»، وليس القصد من زيارتها التبرك والتيمن بها، وتقديس محمد ﷺ كما يزعم أبو زهرة؛ لأن هذا مقصد شركي أو بدعي.
стр. 10437
ثالثا: التقديس قد يكون غلوا ممنوعا، ومحمد ﷺ حقه علينا المحبة والمتابعة والعمل بشرعه وترك ما نهى عنه، وقد نهى ﷺ عن إطرائه، وهو المبالغة في مدحه، ولما «قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني ندا لله، قل: ما شاء الله وحده (١)»، وليس تقديس المخلوق تقديسا لله كما يقول: بل قد يكون شركا بالله إذا تجاوز الحد.
(د) وقوله: إن حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٢)» يدل على شرف المسجد الذي دفن بجواره. . .، الجواب عنه: إن شرف المسجد النبوي ليس من أجل كون قبر النبي ﷺ بجواره، فإن فضله ثابت قبل دفن النبي ﷺ بجواره؛ لأنه أول مسجد أسس على التقوى، ولأنه مسجد الرسول ﷺ كما في قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة (٣)»، ولم يقل بعد موتي، والمساجد الثلاثة فضلت على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء لا من أجل القبور أو مجاورة القبور، بل لأنها أسست على التوحيد والطاعة، لا على الشرك والخرافة.
(هـ) قوله: وقد دفن - يعني النبي ﷺ ببيت عائشة الذي كان أقرب بيوت أزواجه إليه - يعني المسجد -، وقد كان متصلا بالمسجد، وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد عن المسجد كالبقيع.
والجواب عنه:
أولا: أن هذا كلام من لا يعرف ما جاء في السنة من الأحاديث الموضحة لملابسات دفنه ﷺ في بيت عائشة ﵂ وما هو القصد من ذلك، فإنه ﷺ لما مرض استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة ﵂ لمحبته لها، ومحبة قربها منه وتمريضها له، فأذن له في ذلك، ولما توفي ﷺ دفن في المكان الذي توفي فيه؛ لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون كما جاء في
стр. 10438
الحديث، والقصد من ذلك خشية أن يفتتن بقبره ﷺ لو دفن في مكان بارز فيتخذ مسجدا وعيدا مكانيا، وقد كان ﷺ يحذر من ذلك فيقول: «لا تتخذوا قبري عيدا (١)»، ويقول: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد (٢)»، وقدر روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا (٣)».
هذا هو القصد من دفنه ﷺ في حجرة عائشة، وهو حماية التوحيد وحماية قبره أن يتخذ مسجدا، وليس القصد ما توهمه الخرافيون أنه دفن في بيت عائشة لأجل القرب من المسجد والتبرك بقبره ﷺ ، فقد كان يحذر من اتخاذ القبور مساجد والتبرك بها، ومن بناء المساجد على القبور؛ لأن هذا من وسائل الشرك؛ فدفنه ﷺ في بيته لمنع هذه الأشياء أن تمارس عند قبره.
ثانيا: زيارة قبره ﷺ الزيارة الشرعية ليست ممنوعة، بل هي مستحبة كزيارة قبر غيره إذا كان ذلك بدون سفر، وكان القصد السلام عليه، والدعاء له ﷺ .
ثالثا: قوله: وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد عن المسجد كالبقيع، أقول معنى هذا الكلام أنه ﷺ دفن في حجرة عائشة لأجل أن يزار ويتبرك بقبره على حد قوله.
وهذا فهم يخالف ما جاء في الحديث الصحيح الذي تقدم ذكره، وهو أنه دفن في بيته لمنع أن يتخذ قبره مسجدا، ثم إن دفنه في البقيع أمكن لزيارة قبره والتبرك به من دفنه في بيته، عكس ما يقوله أبو زهرة، فلو كان ما يقوله مشروعا لدفن في البقيع لتمكين الناس من هذه المقاصد التي قالها.
стр. 10439
(و) قوله: وإنا لنعجب من استنكاره لزيارة الروضة للتيمن والاستئناس مع ما رواه عن الأئمة الأعلام من تسليمهم على النبي ﷺ كلما مروا بقبره الشريف، وكانوا يذهبون إليه كلما هموا بسفر، أو أقبلوا من سفر.
الجواب عنه أن نقول:
أولا: لا عجب فيما ذكرت؛ لأن استنكار ذلك هو الحق، فإن زيارة الروضة للتبرك والتيمن مقصد شركي بدعي، لم يشرعه رسول الله ﷺ ، وإنما شرع زيارتها للصلاة فيها وعبادة الله فيها.
ثانيا: وأما قوله: إن الأئمة الأعلام يسلمون على النبي ﷺ كلما مروا بقبره أو هموا بسفر، فهو قول لا أصل له ولا دليل عليه، ولم يروه الشيخ عنهم، وإنما روي عنهم خلافه، وهو أنهم لم يكونوا يترددون على قبر النبي ﷺ كلما دخلوا المسجد؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك فقال: «لا تتخذوا قبري عيدا (١)» أي لا تترددوا عليه وتجتمعوا حوله، وإنما كانوا يسلمون عليه إذا قدموا من سفر، كما كان ابن عمر يفعل ذلك إذا قدم من سفر، ولا يزيد على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبي، ثم ينصرف، ثم ما علاقة التسليم على الرسول بالروضة؟ لأن الروضة في المسجد، وقبر الرسول كان خارج مسجده في عهد الصحابة ﵃.
(ز) وقوله: وبعد: فإننا نقرر أن التبرك بزيارة قبر النبي ﷺ مستحسن، وليس التبرك الذي نقصده عبادة أو قريبا منها، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار والاستبصار.
والجواب عن ذلك أن نقول: أولا التبرك بقبر النبي ﷺ وغيره من البقاع والأشجار والأحجار أمر مستقبح وليس مستحسنا إلا عند الجهال والقبوريين، وهو شرك بالله لكونه تعلقا على غير الله،
стр. 10440
وطلبا من غيره، ولما رأى بعض الصحابة وكانوا حدثاء عهد بالإسلام أن المشركين يتبركون بشجرة، وطلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة مثلها يتبركون بها استنكر النبي ﷺ ذلك استنكارا شديدا، وقال: «قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (٢)»، الأعراف / ١٣٨.
فدل هذا الحديث على أن من يتبرك بشجرة أو حجر أو قبر أو بقعة فقد أشرك بالله واتخذ المتبرك به إلها.
ثاينا: وأما قوله: وليس التبرك الذي نقصده عبادة أو قريبا منها، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار والاستبصار.
فالجواب عنه: أن هذا من جهله بمعنى العبادة، وعدم تفريقه بين التبرك وبين التذكر والاعتبار، أو يتجاهل ذلك من أجل التلبيس على الناس، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال، ومنها الرغبة والرهبة والرجاء، ومنها التبرك وهو طلب البركة، يكون بأسمائه سبحانه، فالتبرك بغير الله شرك، إلا التبرك بشعر النبي ﷺ ووضوئه، فهذا خاص به ﷺ ؛ لأن الله جعله مباركا، ولا يمكن ذلك إلا في حال حياته ووجوده، ولم يكن الصحابة يتبركون بمنبره ولا بقبره ولا حجرته، وهم خير القرون وأعلم الأمة بما يحل وما يحرم، فلو كان جائزا لفعلوه، وبعد أن انتهينا من رد ما نسبه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ننتقل إلى رد ما نسبه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب فنقول:
стр. 10441
ثانيا: ما نسبه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
- اعتبر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحلة ومذهبا محدثا مستقلا أطلق عليه لفظ الوهابية، وعده من جملة المذاهب الضالة التي أدرجها تحت عنوان مذاهب حديثة، وهي الوهابية والبهائية والقاديانية.
ومن المعلوم وواقع دعوة الشيخ أنه ليس صاحب مذهب جديد، وإنما هو في العقيدة على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ولم يستقل ولا بمسألة واحدة عن هؤلاء، فكيف يعتبره أبو زهرة صاحب مذهب جديد، ويدرجه ضمن المذاهب الضالة الكافرة، والنحل الفاسدة، قاتل الله الجهل والهوى والتقليد الأعمى، وإذا كان هو يعيب على الوهابية ما توهمه في تكفيرهم للناس، فكيف يبيح لنفسه هذا الذي عابه على غيره؟
- ثم قال: ومنشئ الوهابية هو محمد بن عبد الوهاب، وقد درس مؤلفات ابن تيمية فراقت في نظره، وتعمق فيها، وأخرجها من حيز النظر إلى حيز العمل.
هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
العلمية أنه لم يدرس إلا مؤلفات ابن تيمية، وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته، ولم يعرف شيئا عن تحصيله العلمي، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه، والتغرير بمن لم يعرف شيئا عن الشيخ، ولكن هذا لا يستر الحقيقة، ولا يحجب الشمس في رابعة النهار، فقد كتب المنصفون عن الشيخ ﵀ مؤلفات كثيرة انتشرت في الأقطار، وعرفها الخاص والعام، وأنه ﵀ تعمق في دراسة الفقه والتفسير والحديث والأصول، وكتب العقيدة التي من جملتها مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيم، وقد تخرج
стр. 10442
علي أيدي علماء أفذاذ، وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والأحساء والبصرة، وقد أجازوه في مروياتهم وعلومهم، وقد ناظر ودرس وأفتى وألف في الفقه والحديث والعقيدة حتى نال إعجاب من اجتمع به، أو استمع إلى دروسه ومناظراته، أو قرأ شيئا من مؤلفاته، ومؤلفاته تدل على سعة أفقه وإدراكه في علوم الشريعة، وسعة اطلاعه وفهمه، ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلفات على كتب ابن تيمية - كما يظن هذا الجاهل أو المتجاهل - بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث، مما يدل على تبحره في العلوم، وعمق فهمه، ونافذ بصيرته، وهاهي كتبه المطبوعة المتداولة شاهدة بذلك والحمد لله، ولم يكن ﵀ يأخذ من آراء شيخ الإسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إلا ما ترجح لديه الدليل، بل خالف شيخ الإسلام في بعض الآراء الفقهية.
- ثم قال عمن أسماهم بالوهابية: وإنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئا عما جاء به ابن تيمية، ولكنهم شددوا فيها أكثر مما تشدد، ورتبوا أمورا علمية لم يكن قد تعرض له ابن تيمية؛ لأنها لم تشتهر في عهده، ويتلخص ذلك فيما يأتي:
(١) لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإسلام في القرآن والسنة، وكما ذكر ابن تيمية، بل أرادوا أن تكون العبادات أيضا غير خارجة على نطاق الإسلام فيلتزم المسلمون ما التزم (١)، ولذا حرموا الدخان وشددوا في التحريم، حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، فكانوا يشبهون الخوارج الذين كانوا يكفرون مرتكب الذنب.
стр. 10443
(٢) وكانوا في أول أمرهم يحرمون على أنفسهم وما يماثلها، ولكن يظهر أنهم تساهلوا فيها فيما بعد.
(٣) إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع، وهي منكر تجب محاربته، ويجب الأخذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٤) أنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدما وتخريبا.
(٥) أنهم تعلقوا بأمور صغيرة ليس فيها وثنية ولا ما يؤدي إلى وثنية، وأعلنوا استنكارها، مثل التصوير الفوتوغرافي؛ ولذلك وجدنا ذلك في فتاواهم ورسائلهم التي كتبها علماؤهم.
(٦) أنهم توسعوا في معنى البدعة توسعا غريبا، حتى إنهم ليزعمون أن وضع الستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها، إلى أن قال: وإننا لنجد فوق ذلك منهم من يعد قول المسلم: سيدنا محمد بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوا شديدا، إلى أن قال: وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل التصويب، بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبا من الوثنية - انتهى ما قاله في حق من سماهم الوهابية، ويظهر أنه قد امتلأ صدره غلا وحقدا وغيظا عليهم فتنفس الصعداء بإفراغ بعض ما عنده - والله سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١).
стр. 10444
وجوابنا عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قوله: إنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئا عما جاء به ابن تيمية، معناه أن ابن تيمية في نظره جاء بعقائد ابتدعها من عنده، وأن الوهابية اعتبروه مشرعا، وقد سبق الجواب عن هذه الفرية وبينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يبتدع شيئا من عنده، بل كان على عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، ولم يستحدث شيئا من عنده، وإننا نتحدى كل من يقول مثل هذه المقالة الظالمة أن يبرز لنا مسألة واحدة خالف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية من سبقه من سلف الأمة، غاية ما في الأمر أنه جدد عقيدة السلف ونشرها وأحياها بعد ما اندرست ونسيها الكثيرون.
ونقول أيضا: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الدعوة لم يقتصروا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، بل استفادوا منها ومن غيرها من الكتب السليمة المفيدة المتمشية مع منهج السلف، يعرف هذا من طالع كتبهم.
الوجه الثاني: أنه قوله: لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإسلام في القرآن والسنة، فرية عظيمة واتهام خطير لعلماء دعوة التوحيد في نجد بأنهم ابتدعوا عبادات لم يشرعها الله ورسوله، ولكن الله فضحه وبين كذبه، حيث لم يجد مثالا لما قال إلا تحريم الدخان، وهذا مما يدل على جهله، فإن تحريم الدخان ليس من قسم العبادات، وإنما هو من قسم الأطعمة والحلال والحرام، وأيضا فإن تحريم الدخان لم يختص به علماء الدعوة في نجد بل حرمه غيرهم من علماء الأمة لخبثه وضرره، وهاهي الآن تقام أنشطة مكثفة للتحذير من شرب الدخان وتوعية الناس بأضراره من قبل المنظمات الصحية العالمية.
стр. 10445
وقوله: حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، هذه فرية أخرى، لو صح أن أحدا من العامة حصل منه ذلك، فالعامي ليس بحجة يعاب به أهل العلم، ولكن أهل نجد - والحمد لله - يعرفون من الحق أكثر مما يعرفه علماء الضلال، يعرفون ما هو الشرك، وما هو المحرم الذي لا يعد شركا بما يقرءون ما يسمعون من دروس التوحيد وكتب العقائد الصحيحة.
الوجه الثالث: قوله: كانوا في أول أمرهم يحرمون القهوة وما يماثلها، نقول: هذا كذب ظاهر، ولم يأت بما يثبت ما يقول، وما زال علماء نجد وعامتهم يشربون القهوة في مختلف العصور، وهذه كتبهم وفتاواهم ليس فيها شيء يؤيد ما يقوله، بل فيها ما يكذبه، فإن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀ أنكر على من قال بتحريم القهوة ورد عليه، وله في ذلك رسالة مطبوعة مشهورة.
الوجه الرابع: قوله: إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع.
أقول: أولا قوله: إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة يدل على جهله؛ فإن الدعوة المجردة لا تكفي، مع القدرة على مجاهدة أعداء الإسلام؛ لأن الرسول ﷺ جاء بالدعوة والجهاد في سبيل الله.
ثانيا: قوله: إنهم حملوا السيف لمحاربة من خالفهم، هذا كذب عليهم فإنهم لم يحاربوا خصومهم لمجرد مخالفتهم، بل حاربوهم لأحد أمرين: إما للدفاع عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم أحد، وإما لأجل إزالة الشرك إذا احتاجت إزالته إلى قتال، وتاريخ غزواتهم شاهد بذلك، وهو مطبوع متداول في أكثر من كتاب.
стр. 10446
الوجه الخامس: قوله: إنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة وتخريبها.
أقول: هذا من فضائلهم وإن عده هو وأضرابه من معائبهم؛ لأنهم ينفذون بذلك وصية رسول الله ﷺ بقوله لعلي ﵁: «لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته (١)»، فأي عيب في ذلك إذا أزالوا مظاهر الوثنية، وعملوا بالسنة النبوية، ولكن أهل الجهل والضلال لا يعلمون، فيعتقدون الحسن قبيحا والقبيح حسنا، والمنكر معروفا والمعروف منكرا، وقد تكاثرت الأدلة على تحريم البناء على القبور؛ لأن ذلك من وسائل الشرك، فلا بد من هدم الأضرحة وإزالة مظاهر الوثنية، وإن غضب أبو زهرة وأضرابه ممن يرون بقاء الأضرحة التي هي منابت الوثنية وأوكارها.
الوجه السادس: قوله: إنهم تعلقوا بأمور صغيرة، ثم مثل لذلك بتحريم التصوير الفوتوغرافي.
والجواب عن ذلك أولا: إن التصوير ليس من الأمور الصغيرة بل هو من كبائر الأمور، للأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتحذير منه، ولعن المصورين، والإخبار بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة من غير تفريق بين التصوير الفوتوغرافي وغيره، ومن فرق فعليه الدليل، والمحذور في التصوير والتعليل الذي حرم من أجله متحققان في جميع أنواع الصور فوتوغرافية أو غيرها.
وثانيا: قوله: إن التصوير لا يؤدي إلى وثنية قول مردود؛ لأن التصوير من أعظم الوسائل التي تؤدي إلى الوثنية كما حصل لقوم نوح لما صوروا الصالحين وعلقوا صورهم على مجالسهم، وآل بهم الأمر إلى أن عبدوا تلك الصور، كما ورد ذلك في صحيح البخاري وغيره عند تفسير قوله تعالى:
стр. 10447
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١).
الوجه السابع: قوله: إنهم توسعوا في معنى البدعة توسعا غريبا، حتى إنهم ليزعمون أن وضع ستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي؛ ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها.
والجواب عن ذلك أن نقول:
أولا: هو لا يدري ما هي الروضة الشريفة، فيظن أنها الحجرة النبوية، وليس الأمر كذلك فالروضة في المسجد، وهي ما بين منبر النبي ﷺ وبيته لقوله ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (٢)»، والحجرة النبوية خارج الروضة وكانت خارج المسجد قبل التوسعة.
ثانيا: الروضة لا يمكن وضع ستائر عليها ولا يتصور، وإنما يقصد الحجرة النبوية يريد أن تجعل مثل الأضرحة القبورية فتجعل عليها الستور كما على الأضرحة، وهذا لا يجوز.
أولا: لأنه لم يكن من عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، فلم يكن عليها ستائر في وقتهم، وثانيا: لأنه وسيلة إلى الشرك، بل ستر سائر الحيطان عموما إسراف لا ينبغي فعله قال في المغني (٧/ ٩):
فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة، فإن كان لحاجة من وقاية حر أو برد فلا بأس به؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه، وعذر في الرجوع عن الدعوة - يعني الوليمة - وترك الإجابة، بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: أعرست في عهد أبي أيوب فآذن أبي فكان أبو أيوب فيمن آذن وقد ستروا
стр. 10448
بيتي بخباء أخضر، فأقبل أبو أيوب مسرعا فاطلع فرأى البيت مستترا بخباء أخضر، فقال: يا عبد الله، أتسترون الجدر؟ فقال أبي - واستحيا -: غلبتنا النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيت أن يغلبنه فلم أخش أن يغلبنك، ثم قال: لا أطعم لكم طعاما، ولا أدخل لكم بيتا، ثم خرج، رواه الأثرم.
وروي عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه دعي إلى طعام فرأى البيت منجدا فقعد خارجا وبكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: «إن رسول الله ﷺ رأى رجلا قد رقع بردة له بقطعة أدم، فقال: تطالعت علينا الدنيا، ثلاثا، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة (١)».
قال عبد الله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة، وقد روى الخلال بإسناده عن ابن عباس وعلي بن الحسين «عن النبي ﷺ أنه نهى أن تستر الجدر»، وروت عائشة «أن النبي ﷺ لم يأمرنا فيما رزقنا أن نستر الجدر (٢)» انتهى.
الوجه الثامن: قوله: وإنا لنجد فوق ذلك منهم من يعد قول المسلم: " سيدنا محمد " بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوا شديدا.
والجواب عن ذلك أن نقول: هذا كذب من القول، فعلماء الدعوة يثبتون ما ثبت للنبي ﷺ من الصفات الكريمة، ومنها أنهم يعتقدون أنه سيد ولد آدم وأفضل الخلق على الإطلاق، لكنهم يمنعون الغلو في حقه ﷺ عملا بقوله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم (٣)»، ويمنعون الابتداع، ومن ذلك أن يقال: سيدنا في المواطن التي لم يرد قول ذلك فيها، كالأذان والإقامة والتشهد في الصلاة وكذا رفع الأصوات قبل الأذان بقول: اللهم
стр. 10449
صل وسلم على سيدنا رسول الله، أو بعد أداء الصلوات كما يفعله المبتدعة بأصوات جماعية، وهذا هو الذي أظنه يقصده في كلامه، حيث يراه يفعل عندهم فظنه مشروعا، وهذا هو الذي ينكره علماء الدعوة في المملكة العربية السعودية وينكره غيرهم من أهل التحقيق والعمل بالسنة وترك البدعة في كل مكان؛ لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وغلو في حقه ﷺ والغلو ممنوع، أما قول سيدنا رسول الله في غير مواطن البدعة فعلماؤنا لا ينكرونه بل يعتقدونه، ويقولون: هو سيدنا وإمامنا ﷺ .
الوجه التاسع: قوله: وفي سبيل دعوتهم يغلظون في القول حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور.
والجواب عن ذلك أن نقول: أولا هذا الكلام من جملة الاتهامات التي لا حقيقة لها، وهذه كتب علمائنا ورسائلهم - والحمد لله - ليس فيها تغليظ إلا فيما يشرع فيه التغليظ، وليس فيها تنفير.
وإنما فيها الدعوة إلى الله بالبصيرة والحكمة والموعظة الحسنة، وكتبهم في ذلك مطبوعة ومتداولة ومنتشرة، وكل من اتصل بهم فإنه يثني عليهم، وقد كتب المنصفون عن الشيء الكثير في تاريخهم الماضي والحاضر من حسن السياسة، وصدق المعاملة، والوفاء بالعهود، والرفق بالمسلمين، وأكبر شاهد على ذلك من يفد إلى مكة المشرفة للحج والعمرة كل عام وما يشاهدونه من العناية بخدمة الحجيج، وبذل الجهود في توفير راحتهم، مما أطلق الألسنة والأقلام بالثناء عليهم وعلى حكومتهم، وكذلك من يفدون إلى المملكة للعمل فيها يشهد أكثرهم بذلك.
ثانيا: وأما قوله: حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور، فهو من أعظم الكذب، وخلاف الواقع، فإن الدعوة التي قاموا
стр. 10450
بها من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى هذا العهد، وهي الدعوة إلى الإسلام وإخلاص التوحيد، والنهي عن الشرك والبدع والخرافات، وقد لاقت هذه الدعوة في أرجاء العالم، وانتشرت انتشارا واسعا في كثير من الأقطار، وما هو على صعيد الواقع الآن أكبر شاهد وأعظم دليل على ما ذكرنا، ويتمثل ذلك فيما تبذله الحكومة السعودية - أدام الله بقاءها، وسدد خطاها، بتوجيه من علمائها، ورغبة من حكامها - بفتح الجامعات الإسلامية التي تخرج الأفواج الكثيرة من أبناء العالم الإسلامي على حسابها.
ويتمثل ذلك أيضا في إرسال الدعاة إلى الله في مختلف أرجاء العالم وفي توزيع الكتب المفيدة، وبذل المعونات السخية للمؤسسات الإسلامية، ومد يد العون للمعوزين في العالم الإسلامي، وإقامة المؤتمرات والندوات، وبناء المساجد والمراكز الإسلامية؛ لتبصير المسلمين بدينهم، مما كان له أعظم الأثر والقبول الحسن - والحمد لله، وهذا واقع مشاهد وهو يبطل قول هذا الحاقد: إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور، لكن كما قال الشاعر:
لي حيلة فيمن ينم ... ومالي في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة
الوجه العاشر: قوله: وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي رأي غيرهم الخطأ الذي لا يقبل الصواب.
والجواب عنه أن نقول: هذا من جنس ما قبله من التهجم الكاذب الذي لا حقيقة له، فهذه كتب علمائنا ومناقشاتهم لخصومهم، ليس فيها شيء مما ذكره، بل فيها ما يكذبه من بيان الحق وتشجيع أهله، ورد الباطل بالحجة والبرهان ودعوة أهله
стр. 10451
إلى الرجوع إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يدعوا لأنفسهم بالعصمة من الخطأ، ويرفضوا ما عند غيرهم من الصواب كما وصفهم بذلك، وهذا إمامهم وكبيرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يقول في إحدى رسائله التي وجهها لخصومه: وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق انتهى. وكلهم - والحمد لله - على هذا المنهج الذي قاله الشيخ.
الوجه الحادي عشر: قوله: بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبا من الوثنية:
والجواب عنه أن نقول: كلامه هذا يدل على جهله بمعنى الوثنية، لم يدر أنها تتمثل في تعظيم القبور بالبناء عليها، والطواف حولها، وطلب الحوائج من أصحابها، والاستغاثة بهم، فلذلك استغرب استنكار ذلك واعتباره من الوثنية، وكأنه لم يقرأ ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من استنكار الاستشفاع بالموتى واتخاذهم أولياء ليقربوا إلى الله زلفى، ولم يقرأ نهي الرسول ﷺ عن البناء على القبور واتخاذها مساجد، ولعن من فعل ذلك، وإذا لم تكن إقامة الأضرحة والطواف حولها وثنية فما هي الوثنية؟ لكن كما قال عمر بن الخطاب ﵁: تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ألم يكن شرك قوم نوح متمثلا في دعاء الأموات؟! ألم تكن اللات ضريحا لرجل صالح كان يلت السويق للحاج؟! فلما مات عكفوا عند قبره وطافوا حوله، ولو كان هذا الكلام صادرا عن عامي لا يعرف الحكم لهان الأمر؛ لأن العامي جاهل وتأثيره على الناس
стр. 10452
محدود، لكن الذي يؤسفنا أن يكون صادرا عمن يدعي العلم، وقد صدرت عنه مؤلفات كثيرة، فهذا قد يكون تأثيره على الناس خصوصا محدودي الثقافة شديدا؛ نظرا لكثرة مؤلفاته وسمعته الواسعة وإحسان الظن به، ولكن الحق سينتصر بإذن الله ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
والعلم لا يقاس بكثرة الإصدارات، وإنا يقاس بمدى معرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال والعمل بذلك، وإلا فكيف يتصور من مسلم - فضلا عمن ينتسب إلى العلم - أن يتفوه بأن الطواف بالأضرحة ليس من الوثنية، أليس الطواف عبادة، وصرف العبادة لغير الله وثنية وشرك؟! فالطائف بالأضرحة إن كان قصده التقرب إليها بذلك فلا شك أن هذا شرك أكبر؛ لأنه تقرب بالعبادة إلى غير الله، وإن كان قصده بالطواف حول الضريح التقرب إلى الله وحده فهذه بدعة ووسيلة إلى الشرك؛ لأن الله لم يشرع الطواف إلا حول الكعبة المشرفة.
ولا يطاف بغيره على وجه الأرض، هذا وإننا ندعو كل من بلغه شيء من تشويه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو قرأ شيئا من الكتب التي تروج هذا التشويه أمثال كتب الشيخ محمد أبي زهرة فعليه أن يتثبت، وأن يراجع كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتب العلماء الذين جاءوا من بعده، وحملوا دعوته ليرى فيها تكذيب تلك الشائعات، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).
وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب علماء الدعوة من بعده ميسورة، والحمد لله، وهي توزع على أوسع نطاق، عن طريق
стр. 10453
الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومكاتبها في الداخل والخارج، وفي موسم الحج كل سنة، وهي لا تدعو إلى مذهب معين أو نحلة محدثة، وإنما تدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله، ومذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ البدع والخرافات، والاقتداء برسول الله ﷺ وصحابته وسلف الأمة والقرون المفضلة، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه صالح بن فوزان
стр. 10454
الأسس المنهجية لموقف أهل السنة
من قضية الصفات وضوابطها
د. محمد عبد الله عفيفي
الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي أنار سبل الهدى، وكشف مناهج المعرفة، وأبان طرائق الرشد والنضج إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكان خير سراج، وأعظم هاد ومرشد. وبعد.
стр. 10455
قضية الصفات وأهميتها:
تعد قضية الصفات وما ثار حولها من أبرز القضايا التي تتعلق بعقيدة التوحيد في الفكر الإسلامي، وبالرغم من أنها كانت مثار جدل محتدم بين مختلف المدارس الفكرية والثقافية في الحضارة الإسلامية، وبالرغم من أن أهل السنة قد تصدوا عن وعي وبصيرة لأولئك الذين حاولوا نفي صفات الله سبحانه بحجة الالتزام بفكرة التوحيد، أو للذين حاولوا نفي بعضها وإثبات بعضها الآخر متعللين بالحجة السالفة نفسها، أقول: بالرغم من هذا فإن القضية لا تزال مطروحة للنقاش طالما رأينا من يحاول إثارتها من جديد، ومن يصر إصرارا أكيدا على تأويل تلك الصفات التي يوصف بها
стр. 10456
الله سبحانه والتي تدل على القدرة المطلقة للخالق سبحانه في الأفعال وفي التدبير.
وفي هذا الصدد فقد رأينا من يطلع علينا بين حين وآخر ليشيد بموقف المتفلسفة في البيئة الإسلامية، حيث كان منهم من نفى الصفات نفيا تاما، كالفارابي ومدرسته، ومنهم من قبل بعضها وأول بعضها الآخر كابن رشد وغيره من الفلاسفة الإلهيين ومن تابعه، ووجدنا أيضا من يشيد بمواقف بعض المتكلمين الذين لجأ جم غفير منهم إلى قبول بعض الصفات وتأويل بعضها الآخر، بل رأينا من ينادي بإحياء آراء وتصورات بعض المدارس الكلامية، ويرى أنها تمثل المخرج الأوحد من الأزمة الثقافية الخانقة التي يعاني منها الفكر الإسلامي أو العربي المعاصر، كما يحلو لبعضهم أن يسميه.
وحتى لا تتعقد المفاهيم، أو تتشعب الدروب، فإن هذه الدراسة سوف تعنى بوضع قاعدة عامة تراعي الأسس المنهجية لموقف أهل السنة من هذه القضية مع بيان الضوابط العامة لتلك الأسس، الأمر الذي نراه قاضيا على كل خلاف ينشب حولها، كما يقطع الطريق - في نظرنا - على كل منكر للصفات، أو مغرق في تأويلها.
ولعل من نافلة القول أن نذكر أن أهل السنة قد عرضوا لهذه القضية بالبيان المنهجي تحت عنوان " توحيد الأسماء والصفات "، وهذا هو الجانب الذي سوف نبدأ به؛ لنصل في النهاية إلى تفهم المنهجية التي اتبعها أهل السنة في تناولهم لهذه القضية، والتي تستحق من كل منصف في البحث، ومتحر للحقيقة المجردة أن يشيد بها، ويتفهم عن وعي أبعادها.
стр. 10457
توحيد الأسماء والصفات:
معناه.
حقيقة موقف أهل السنة من هذه القضية.
стр. 10458
معناه:
ومعنى قولنا: توحيد الأسماء والصفات: إثبات الصفات والأسماء التي وردت في حق الله وفق النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، كذلك فهم هذه الصفات والأسماء حسبما تدل عليه، دون بحث في تكييف أو تحديد حقيقتها، وكذلك دون نفي لأية صفة وردت في حق الخالق سبحانه، ودون تأويلها إذا كانت - من حيث التعبير اللغوي - متشابهة مع بعض صفات المخلوقين، والأمر كذلك فيما يتعلق بالأسماء التي وردت متشابهة.
حقيقة موقف أهل السنة من هذه القضية:
لقد قلنا: إن قضية " الصفات الإلهية " كانت ذات تأثير كبير في مجال الدراسات الإسلامية كما كانت محور جدل مستفيض لدى كثير من الأشخاص والجماعات والفرق في البيئة الإسلامية، وكان النقاش والحوار يدور حول إثبات الصفات لله ، أو نفيها عنه، أو إثبات بعضها ونفي بعضها الآخر.
ومصدر هذا الجدل الحاد والحوار الساخن فيما بينها، أن الله قد وصف نفسه بصفات، وسمى نفسه بأسماء مشابهة في ظاهر اللفظ لما يوصف به بعض خلقه ويسمى به، مثل القوة، والسمع والبصر، والإرادة، وأنه ذو يدين، وأن له عينين كما قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (١).
وقال:
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢).
стр. 10459
وأنه استوى على العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وغير ذلك من الصفات والأسماء الموهمة للتشبيه بين الخالق والمخلوق، مع أنها في حقيقة الأمر ليست كذلك.
أما أهل السنة والجماعة وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم وجم غفير من أساطين المحدثين والفقهاء والعلماء المسلمين، فقد أثبتوا هذه الصفات، وتلك الأسماء لله كما وصف بها نفسه، وكما وصفه بها رسله، دون محاولة منهم لبيان كيفيتها أو شرح طبيعتها، أو كما يقول ابن تيمية: فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
ففي قوله:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢)
رد للتشبيه والتمثيل، وقوله:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)
رد للإلحاد والتعطيل (٤).
ومعنى هذا: أن الصحابة ومن تابعهم وتابع منهجهم في فهم الصفات الإلهية ودلالتها لم يدر بخلدهم لا من قريب ولا من بعيد أي تفكير حول نفي هذه الصفات والأسماء الإلهية، ومن ثم فقد فهموا قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٥).
على حقيقته دون تحريف أو تمثيل أو تكييف.
стр. 10460
ودون نفي له أو تأويل، وقد وقف الصحابة ومن تبعهم هذا الموقف؛ لأنهم أدركوا أن تكييف الصفات أو الأسماء ومحاولة تحديد حقيقتها إنما يعني الوقوع في محظور لا يمكن أن يقبل أو يتجاوز عنه، وهو الاعتراف الضمني بمشابهة الله للمخلوقات التي يجري عليها كلها قوانين التكييف والتحديد، ومن ثم فلم يتجهوا إلى التكييف أو التحديد في هذا الجانب، فأثبتوا الصفات والأسماء الإلهية دون تكييف.
ومن ناحية أخرى فإنهم أدركوا كذلك أن نفي التشبيه كلية بين الخالق والمخلوق لا يتطلب نفي هذه الصفات أو الأسماء عن الله سبحانه أو تأويل معناها بما يتفق مع فكرة تنزيه الله سبحانه عن مشابهة المخلوقين؛ ذلك أن النفي أو التأويل إنما يعني تعطيل البارئ سبحانه مما وصف به نفسه، ومما سمى به نفسه من صفات وأسماء، ومما جاء كذلك على ألسنة رسله إلى العالمين، وهذا هو باختصار موقف أهل السنة والجماعة أيضا من قضية الصفات، وهو الموقف الذي تابعوا فيه منهج الصحابة ﵃، وبعد هذا الإيضاح المبدئي لموقف أهل السنة من هذه القضية فإننا قد نتساءل عن أسس منهجهم وعن ضوابطه حتى نتمكن من فهم أعمق لدوافع الموقف الذي وقفوه.
стр. 10461
أسس موقف أهل السنة من قضية الصفات وضوابطه:
إننا إذا حاولنا الوقوف على بعض المبررات التي ارتكز عليها أهل السنة في معالجتهم لهذه القضية فسوف نجد أن الفهم الذي فهموه منها، والذي أشرنا إليه كان في الواقع مرتكزا على قاعدتين أو على حقيقتين واضحتين وضوح الشمس في رابعة النهار، الأولى: أن لله تعالى صفات وأسماء قد أخبرنا به القرآن الكريم، وأخبرتنا به أيضا السنة النبوية الصحيحة الموثقة، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١).
стр. 10462
وقال سبحانه:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
ولهذا فلا مفر من الالتزام بما ورد في الكتاب والسنة على أساس أنها حقائق موضوعية لا يجسر أحد على نكرانها، وذلك لثباتها؛ ولأنها موجودة وقائمة بالفعل، ولأن الرسل جميعا ﵈ قد كلفوا بحمل أمانة تبليغها إلى العالمين، ومن ثم فإنها تعد جزءا بالغ الأهمية من الرسالة التي قاموا بإبلاغها.
وفي هذا الصدد يقول ابن قيم الجوزية: والعلم بمجيء الرسول بذلك يقصد الصفات والأسماء التي وصف الله بها نفسه، ووصفه به رسوله، وإخباره عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام، والحج والزكاة، وتحريم الظلم والفواحش والكذب، فليس يقصر عنه، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك وفرض على الأمة تصديقه فيه، فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به. .
ومعنى هذا: أن ابن القيم يقرر أن إثبات الصفات للخالق قضية مفروغ منها، وهي قائمة على أساس علمي ضروري، لا يحتمل الشك فيه، أو الجدل حوله، أو حتى قبول بعضه، وترك بعضه الآخر، أما ذلك الأساس اليقيني فقد بين ابن القيم فيما سبق أنه مبني على الحقائق أو القواعد الآتية:
أولا: إننا نعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ قد جاء مخبرا عن هذه الصفات الإلهية تماما مثل علمنا اليقيني بما جاء به من أحكام، وأوصاف تتعلق بالصلاة والزكاة والصيام والحج، هذا إن لم يزد عليها.
стр. 10463
ثانيا: أن الله سبحانه قد فرض على الأمة تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، بل أمر باتباعه وجعله لنا الأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
ثالثا: أن الله قد جعل اتباع الرسول من أصول الإيمان التي لا يعد الإيمان كاملا أو تاما إلا بها كما قال سبحانه:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
وإذا كان الأمر كذلك فلا مناص من التصديق بما ورد عن الرسول ﷺ من أخبار موثقة، تعلمنا بما وصف الله سبحانه به نفسه، وبما وصفه به رسوله، وإلا لكنا واقعين في دائرة البعد عن الإيمان.
وثمة جانب آخر ينبغي أن نضعه نصب أعيننا، هو: أن هذه النصوص التي جاءت بها هذه الصفات لا تحتمل تأويلا، ومن ثم فهي محكمة غاية الإحكام، ومبينة كما يقول ابن القيم: بأقصى غاية البيان، أن الله موصوف بصفات الكمال: من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة، وبالأفعال: كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك (٢).
القاعدة الثانية:
أن الله كما أخبرنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) وهذا ينفي أي شكل أو أية صورة من صور المشابهة بينه وبين خلقه، لا في الذات ولا في الصفات؛ لأنه سبحانه لا يجري عليه ما يجري على البشر، ولا يتعلق به ما يتعلق بعالم الخلق؛ لأنه سبحانه فوق العالم ولا تدركه العقول
стр. 10464
والأفكار والتصورات والمقاييس البشرية والكونية؛ لأنه خالقها ومبدعها.
ومن ثم فقد كان منهج الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن تبعهم هو فهم النصوص التي قد يظن منها التشابه في ضوء النصوص المحكمة؛ ولهذا فلا يوجد لديهم ما يدعيه بعضهم من تناقض بين النصوص المحكمة والمتشابهة، أو كما يقول ابن القيم:
(وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذا الطريق - يقصد أولئك الذين يعارضون المحكم بالمتشابه ويردون المحكم بالمتشابه، أو يستخرجون من المحكم أوصافا متشابهة ليردوا بها المحكم، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضا، ويصدق بعضها بعضا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره) (١).
ويتفرع على هاتين القاعدتين ما يأتي:
- أن البحث عن تجريد الصفات الإلهية أو فهم كيفياتها ليس عملا مفيدا أو مجديا؛ لأن هذا الفهم - أو بعبارة أخرى هذا المسلك - يعد غير داخل في نطاق القدرة البشرية؛ نظرا لما أشرنا إليه من أن ثمة حدودا قاطعة فاصلة بين الله وبين البشر؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
- وكذلك فإن البحث عن مخرج لما ورد من ألفاظ وعبارات موهمة للتشبيه عن طريق التأويل يعد بحثا لا مبرر له إذن، وليس ثمة أي داع يدعو إليه، طالما أننا وثقنا بما جاء في هذه النصوص وآمنا به،
стр. 10465
وصدقناه، وطالما كان المخبر به هو الله الخالق، وسواء أكان هذا الإخبار عن طريق كلام الله المباشر، الذي تنزل وحيا على الأنبياء أم كان إلهاما، وتعليما بطريقة ما، كما نراه في الأحاديث الصحيحة الموثقة التي جاءت على لسان النبي ﷺ ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، كما جاء في سنن الدارمي أن السنة كان ينزل بها جبريل على النبي ﷺ حيث قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان قال: «كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما كان ينزل عليه بالقرآن (١)». التأويل لا جدوى منه:
ومما يزيد هذه الفكرة وضوحا أن تلقي مثل هذه الصفات والإخبار بها عن طريق موثق يجعل من العبث البحث عن مخرج لفهم ما تشابه منها؛ لأننا هنا نسأل أنفسنا فنقول: لماذا التأويل؟
فهل نحن مطالبون بأن نصل إلى حقيقة معناها؟.
وهل تحقيق هذا المطلب أو الوصول إلى هذه الغاية يعد أمرا ممكنا؟
وهل ما يوجد في أرجاء الكون المادي وما يمكن أن يتخيل فيه، هو ما يوجد في الملأ الأعلى، أو فيما يتصل بالذات العلية، إذا علمنا علم اليقين أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته؟!
ولعل الإجابة على هذه الأسئلة تبدوا لنا واضحة وضوحا بينا؛ ذلك أننا لسنا مطالبين بأن نكيف هذه الصفات المتشابهة وغير المتشابهة.
стр. 10466
ولسنا قادرين أبدا - مهما أوتينا من قوة ذهنية، أو عقلية، أو خيالية فذة - على أن نصل إلى علم حقيقة هذه الصفات. ولعلنا نفهم هذه الحقيقة، بل نعلمها علم اليقين، من قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (١).
وواضح أنه ليس ثمة سلطان يمكن أيا من الجن والإنس على أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض وهذا يعني عجز كل من الإنس والجن،
стр. 10467
عن تخطي آفاق السماوات والأرض، حقيقة، وتخيلا، ومن أجل هذا، فإن من طبيعة العقل البشري أن يقف عاجزا تماما عن تبين حقائق ما في الملأ الأعلى من المخلوقات التي خلقها الله في السماوات، كما أن علمه بها يتوقف على ما يتلقاه من حقائق العلم الإلهي الذي يلقيه سبحانه على من يصطفيه من عباده ليكون رسوله إلى من أمر بإبلاغهم رسالة ربهم من الجن والإنس.
وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الحاجة الحقيقية أو الضرورية إلى الجري وراء تأويل ما ورد من النصوص، وفيه تشابه لفظي في التعبير عن صفات الخالق، وصفات بعض المخلوقات، أو في التعبير عن أسماء الخالق - سبحانه - والتعبير عن أسماء بعض المخلوقين؟!
وهل هناك مجال للوقوع في تصور التشبيه بين الخالق سبحانه - وبين المخلوق؟!
стр. 10468
إن تصور وقوع فكرة " التشابه " بين الخالق والمخلوق - بسبب الاستعمال اللغوي - يبدو أمرا بعيد الحدوث لدى أولئك الذين ينظرون إلى هذه القضية من تلك الزاوية التي نظرنا منها بل أنه يبدو أمرا غير منطقي تماما. ذلك أننا هنا نتساءل قائلين:
- أين التشبيه - إذن - إذا كانت ذات البارئ سبحانه ليست مثل ذوات البشر؟!
- وأين التشبيه إذا كانت صفات الله مغايرة تماما لما يصدر عن المخلوقين؟!
- وأين التشبيه إذا كانت قدرة الله العظيم، ومجالاتها، وإمكانياتها، وسلطانها؛ لا حدود لها ولا قيود عليها، على النقيض مما هو حاصل وواقع لدى البشر؟!
وفي هذا الصدد فإنه يكفي أن نشير - على سبيل المثال - إلى ما تدل عليه بعض نصوص العلم الإلهي، وذلك في مجال تصوير بعض جوانب قدرة الله العظيم سبحانه - قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) وقال سبحانه:
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
قال ابن كثير في تفسير آية الكهف (١٠٩): (يقول: لو كان البحر مدادا، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره،
стр. 10469
ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه. إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول).
فهل مع تأمل هذا الإبلاغ العلمي يمكننا أن نتصور وقوع عاقل في توهم التشابه بين الخالق - سبحانه - وبين المخلوق، بسبب الاستعمال اللغوي؟!
ومما يزيد هذه الفكرة - في تصورنا - وضوحا، أن اللغة التي يفهمنا بها خالقنا ما يتصف به - سبحانه - من صفات، وما يتعلق به - سبحانه - من الأسماء والأفعال لا بد أن تكون لغة بشرية، من شأنها أن تقرب إلينا الدلالات، وتفتح أمامنا آفاق التصورات، دون أن تحدد أو تكيف حقائق ما تدل عليه؛ لأن تحديد أو تكييف هذه الحقائق فضلا عن استحالته كما أشرنا، فإنه لا يتعدى كونه وهما من الأوهام، وخيالا من الخيالات التي لا تليق خلقيا بالإله الخالق جل وعلا.
ومن ناحية أخرى، فإننا نرى أن إعلام الناس بما يتصف به سبحانه، وبما يجوز أن يسمى به، لا ينبغي أن يترك إلى ما تجود به قرائح المفكرين، ولا إلى ما تجيزه عقول ثقاة الباحثين، ذلك أن هؤلاء وهؤلاء قد يقعون في تصورات وخيالات، تجيزها عقولهم، وتستحسنها أذواقهم، وتتقبلها معاييرهم، بينما هي في الواقع مناقضة لحقيقة ما يتعلق به سبحانه، بل لا تليق بذاته ، وحينئذ يكون قبولها، والتلفظ بها عن إيمان، وتصديق بها يعد كفرا، ومخالفة صريحة لأهم ركائز أو قواعد العقيدة الدينية الصحيحة.