ولسنا قادرين أبدا - مهما أوتينا من قوة ذهنية، أو عقلية، أو خيالية فذة - على أن نصل إلى علم حقيقة هذه الصفات. ولعلنا نفهم هذه الحقيقة، بل نعلمها علم اليقين، من قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (١).
وواضح أنه ليس ثمة سلطان يمكن أيا من الجن والإنس على أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض وهذا يعني عجز كل من الإنس والجن،
стр. 10467
عن تخطي آفاق السماوات والأرض، حقيقة، وتخيلا، ومن أجل هذا، فإن من طبيعة العقل البشري أن يقف عاجزا تماما عن تبين حقائق ما في الملأ الأعلى من المخلوقات التي خلقها الله في السماوات، كما أن علمه بها يتوقف على ما يتلقاه من حقائق العلم الإلهي الذي يلقيه سبحانه على من يصطفيه من عباده ليكون رسوله إلى من أمر بإبلاغهم رسالة ربهم من الجن والإنس.
وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الحاجة الحقيقية أو الضرورية إلى الجري وراء تأويل ما ورد من النصوص، وفيه تشابه لفظي في التعبير عن صفات الخالق، وصفات بعض المخلوقات، أو في التعبير عن أسماء الخالق - سبحانه - والتعبير عن أسماء بعض المخلوقين؟!
وهل هناك مجال للوقوع في تصور التشبيه بين الخالق سبحانه - وبين المخلوق؟!
стр. 10468
إن تصور وقوع فكرة " التشابه " بين الخالق والمخلوق - بسبب الاستعمال اللغوي - يبدو أمرا بعيد الحدوث لدى أولئك الذين ينظرون إلى هذه القضية من تلك الزاوية التي نظرنا منها بل أنه يبدو أمرا غير منطقي تماما. ذلك أننا هنا نتساءل قائلين:
- أين التشبيه - إذن - إذا كانت ذات البارئ سبحانه ليست مثل ذوات البشر؟!
- وأين التشبيه إذا كانت صفات الله مغايرة تماما لما يصدر عن المخلوقين؟!
- وأين التشبيه إذا كانت قدرة الله العظيم، ومجالاتها، وإمكانياتها، وسلطانها؛ لا حدود لها ولا قيود عليها، على النقيض مما هو حاصل وواقع لدى البشر؟!
وفي هذا الصدد فإنه يكفي أن نشير - على سبيل المثال - إلى ما تدل عليه بعض نصوص العلم الإلهي، وذلك في مجال تصوير بعض جوانب قدرة الله العظيم سبحانه - قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) وقال سبحانه:
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
قال ابن كثير في تفسير آية الكهف (١٠٩): (يقول: لو كان البحر مدادا، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره،
стр. 10469
ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه. إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول).
فهل مع تأمل هذا الإبلاغ العلمي يمكننا أن نتصور وقوع عاقل في توهم التشابه بين الخالق - سبحانه - وبين المخلوق، بسبب الاستعمال اللغوي؟!
ومما يزيد هذه الفكرة - في تصورنا - وضوحا، أن اللغة التي يفهمنا بها خالقنا ما يتصف به - سبحانه - من صفات، وما يتعلق به - سبحانه - من الأسماء والأفعال لا بد أن تكون لغة بشرية، من شأنها أن تقرب إلينا الدلالات، وتفتح أمامنا آفاق التصورات، دون أن تحدد أو تكيف حقائق ما تدل عليه؛ لأن تحديد أو تكييف هذه الحقائق فضلا عن استحالته كما أشرنا، فإنه لا يتعدى كونه وهما من الأوهام، وخيالا من الخيالات التي لا تليق خلقيا بالإله الخالق جل وعلا.
ومن ناحية أخرى، فإننا نرى أن إعلام الناس بما يتصف به سبحانه، وبما يجوز أن يسمى به، لا ينبغي أن يترك إلى ما تجود به قرائح المفكرين، ولا إلى ما تجيزه عقول ثقاة الباحثين، ذلك أن هؤلاء وهؤلاء قد يقعون في تصورات وخيالات، تجيزها عقولهم، وتستحسنها أذواقهم، وتتقبلها معاييرهم، بينما هي في الواقع مناقضة لحقيقة ما يتعلق به سبحانه، بل لا تليق بذاته ، وحينئذ يكون قبولها، والتلفظ بها عن إيمان، وتصديق بها يعد كفرا، ومخالفة صريحة لأهم ركائز أو قواعد العقيدة الدينية الصحيحة.
стр. 10470
صفحة فارغة
стр. 10471
عرض لآراء بعض علماء المسلمين في فهم صفات الله:
١ - ابن الوزير (٧٧٥ - ٨٤٠ هـ):
ولذلك فقد كانت تلك الحقيقة التي أشرنا إليها، واضحة لدى علماء المسلمين الملتزمين بمنهج القرآن والسنة، يقول " ابن الوزير اليمني " (٧٧٥ - ٨٤٠ هـ):
(وأيضا فقد ثبت أن الرحمن مختص بالله تعالى وحده، ويحرم إطلاقه على غيره، ولو كانت الرحمة له مجازا، ولغيره حقيقة، كان العكس أوجب وأولى. وما المانع للمسلم من إثباتها صفة حمد ومدح وثناء، كما علمنا ربنا مع نفي صفات النقص المتعلقة برحمة المخلوقين عنه تعالى، كما أثبتنا له اسم " الحي، العليم، الخبير، المريد " مع نفي نقائص المخلوقين في حياتهم المستمرة؛ لجواز التألم بأنواع الآلام وكذلك ينزه سبحانه عما في عملهم الناقص بدخول الكسب والنظر في مباديه، والاستدلال والاضطرار في منتهاه الذي يستلزم الجسمية، والبنية المخصوصة، والحدوث، ويعرض له التغير والنسيان، والخطأ، والشغل ببعض المعلومات عن بعض).
والأمر كذلك فيما يتعلق بإرادته، بل في (كل صفة يوصف بها الرب سبحانه، ويوصف بها العبد، وأن الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص، والعبد يوصف بها محفوظة بالنقص. وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه ولم يفسروه بنفي الصفات كما صنعت الباطنية الملاحدة).
стр. 10472
ومن هذا النص السابق ندرك بوضوح أن فكرة المشابهة بين صفات الله، وصفات المخلوقين فكرة مستبعدة تماما لدى أي إنسان مميز عاقل، فضلا عن أن يكون من المفكرين، أو الباحثين، ولذلك فإن " ابن الوزير اليمني " هنا يشير إلى أن النصوص قد تضافرت على وصف الله سبحانه بعديد من الصفات، وعلى تسميته بعديد من الأسماء. ومثال ذلك، أنه سبحانه قد وصف نفسه " بالرحمة " وتسمى " بالرحمن الرحيم " في عديد من الآيات القرآنية، وفي العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة. أو كما يقول " ابن الوزير ":
" وعظم الله هذا الاسم الشريف، وبالغ في تعظيمه، حيث قال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١).
وقال حاكيا عن خيار عباده:
﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (٢).
وجاءت الصوادع القرآنية مادحة الله تعالى بأعظم صيغ المبالغات في هذه الصفة الشريفة، الحميدة، بأن الله ، " أرحم الراحمين " و" خير الراحمين " وكرر هذه المبالغة في مواضع من كتابه الكريم ".
ثم يقول: " وكرر الله التمدح بالرحمة مرارا جمة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه " الرحمن " أكثر من مائة وستين مرة. وباسمه" الرحيم" أكثر من مائتي مرة. وجمعها للتأكيد مائة وست عشرة مرة، وأكد " الرحيم " فجمعه مرارا مع " التواب "، ومرارا مع " الرؤوف ". والرأفة أشد الرحمة، ومرارا مع " الغفور " وهي أكثر وأخبر أنه كتب على نفسه الرحمة مرتين. وأنه " لا عاصم من أمره إلا من رحم " وأن من لم يرحمه يكن من الخاسرين ". إلى غير ذلك من صيغ المبالغات القاضية بأن
стр. 10473
ذلك من أحب الثناء والممادح، والمحامد إليه " فالله ﷻ ، يتصف " بالرحمة " ويختص باسم " الرحمن "، ويسمى " بالرحيم ". وكذلك فإننا نصف بعض بني البشر بصفة " الرحمة " كما نقول عن إنسان ما بأنه " رحيم " فهل هذا يعني أن ثمة تشابها بين الخالق والمخلوق؛ لأننا وصفنا الإنسان " بالرحمة " وقلنا عنه - أحيانا - إنه " رحيم "؟!
إن من الأمور البدهية أن تكون " الرحمة الإلهية " مخالفة تمام المخالفة للرحمة البشرية من كل الوجوه، ونؤكد على قولنا من كل الوجوه، فرحمة الله لا تحد، ولا تكيف، ولا يدرك حدودها إلخ على العكس من رحمة بني البشر.
وما قلناه في الرحمة، يقال كذلك في كل الصفات والأسماء التي وصف الله بها - سبحانه - نفسه، أو التي تسمى بها. وقد أقر بهذه الحقيقة كذلك بعض الفلاسفة، كما أشار إلى ذلك ابن رشد " - رغم ما في آرائه الأخرى من مآخذ - وذلك أنه في معرض إثبات الصفات، التي أثبتها لله سبحانه، يشير إلى قاعدة عامة في هذا الصدد، وهي أن صفات الله ينبغي أن تكون مغايرة لما يوصف به الحوادث. ففي صفة " العلم " - مثلا - وهي من أولى الصفات التي عرض لها، يرى أنه (ينبغي أن ينسب إليه - سبحانه - علم أسمى من علم الإنسان، ومن نوع آخر مخالف له كل المخالفة. فعلم الإنسان ليس إلا علما نسبيا؛ لأنه يكتسب على مراحل. فيبدأ بالإحساسات، ثم ينتقل إلى الإدراكات الحسية، ومنها إلى التصور والخيال، ومن الصور الخيالية الجزئية تنتزع أو تجرد المعاني الكلية.
وقد تستخدم هذه المعاني الكلية بدورها في استنباط بعض المعاني الجزئية، غير أنها تؤدي مع ذلك إلى نتائج ناقصة أو خاطئة) " فابن رشد "
стр. 10474
(٥٢٠ - ٥٩٥هـ) يعترف بقصور العلم الإنساني، وبأنه نسبي، وبأن نتائجه يلحقها النقص والخطأ. ويعلل أستاذنا المرحوم الدكتور " محمود قاسم " هذه الفكرة أو يوضحها فيقول: " وليست هذه القضية الأخيرة في حاجة إلى برهان؛ لأننا نرى أن العلم يتقدم مع الزمن، وأن بعض الآراء التي كان يظن أنها صادقة، قد بدت خاطئة، مناقضة لما يقضي به العقل الذي شب عن الطوق ".
٢ - إسحاق بن إبراهيم: ومن الأمثلة التي تؤيد ما فهمناه من موقف السلف الواضح في إثباتهم لجميع ما ورد من نصوص صحيحة، فيها نسبة صفة إلى الله، أو نسبة اسم إليه سبحانه، ما ذكره " حرب بن إسماعيل " حيث قال: " سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: ليس في النزول وصف. قال: وقال إسحاق: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١).
ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله، بفهم ما يجوز التفكر والنظر فيه من أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفا بالنزول كل ليلة - إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؟ لأن الخالق يصنع ما شاء كيف شاء " ومعنى هذا: أن دلالة أو مفهوم كلمة " النزول " التي جاءت في الحديث الصحيح لا يمكن، ولا يجوز أن ننظر إليها من خلال حركات، أو مدلول هذه الكلمة في العالم الإنساني، أو من خلال التجارب البشرية.
стр. 10475
فالله سبحانه - إذا - ينزل إلى سماء الدنيا، كل ليلة، إذا مضى ثلثها، هذه حقيقة، ولكن هل ثمة حدود لسماء الدنيا؟ وهل يستطيع علماء الفلك - بما أوتوا من علم، وبما توفر لديهم من أجهزة متقدمة وفائقة الحساسية، هل يستطيعون أن يكشفوا لنا عن حدود كل سماء من السماوات السبع التي ذكرها القرآن الكريم، خبرا علميا كونيا صادرا عن الله الخالق؟ وهل يمكن تحديد أو تكييف النزول الإلهي؟ وهل قوانين هذا النزول الإلهي هي بعينها قوانين ومعايير الحركة، أو الكيفية التي تحدث من قبل البشر أو غيرهم من الحوادث؟ وإذا عجزنا عن التكييف، وإذا عجزنا عجزا تاما - كذلك - حتى عن مطلق التخييل، أو التصور للهيئة أو للكيفية التي يكون عليها النزول الإلهي، فهل يكون هذا العجز الطبيعي، ذريعة إلى إنكار ما ثبت في الإخبار العلمي عن الخالق؟ وهل يكون في إثبات هذه الصفة، أو هذا الفعل " الإلهي شيء من التمثيل أو من التشبيه لله تعالى عن ذلك؟! إنني أعتقد أن ما قاله: " إسحاق بن إبراهيم " في النص السابق كان ذا دلالة بالغة، تكشف عن دوافع أو لنقل ركائز، أو أسس موقف أهل السنة من قضية الصفات، وكيف أنهم أثبتوا ما وردت به النصوص، كما ذكرنا؛ ذلك أنهم كانوا يعلمون علم اليقين - كما قال إسحاق -: أنه (لا يجوز الخوض في أمر الله، كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين، ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله، بفهم ما يجوز التفكر والنظر فيه من أمر المخلوقين ".
وهذا الموقف يتطلب منا أن نتلقى بالقبول، والرضا، واليقين، والمهابة، والإجلال، كل الأخبار العلمية، بما يتصف به سبحانه من صفات، وما يتسمى به ﷻ من أسماء، طالما أنها جاءت عن طريق المصدرين الموثقين، وهما الكتاب والسنة. فليصف الله سبحانه نفسه بما شاء، وليسم نفسه - سبحانه - بما شاء، وعلينا أن نؤمن بهذا كله إيمانا صادقا، بل علينا أن نعلمه علم اليقين، في حدود قدراتنا،
стр. 10476
وإمكانياتنا، ولكن دون أن نقوم بما يمكن أن نسميه عملية " النقل " أو " الإسقاط " من قبلنا، بمعنى أننا نجعل من " الله " عن ذلك، كائنا ماديا أو بشريا، فنفهم صفاته، وأسماءه في ضوء المفاهيم أو الدلالات للأسماء أو الصفات البشرية، وبالتالي فإننا ننفي ما ننفيه منها تحت ستار التنزيه.
فإذا كان الله سبحانه، منزها أساسا، عن مشابهة المخلوقين، وإذا كان قد وصف نفسه ببعض الصفات، أو سمى نفسه ببعض الأسماء التي تتشابه من حيث " اللفظ اللغوي " مع ما يحدث من الحوادث، فهل نسارع إلى نفي هذه الصفات أو الأسماء، حتى لا نقع في التشبيه، أو حتى لا نخالف مفهوم التوحيد؟!
إننا نفهم أن التنزيه قائم فعلا - حتى مع إثبات هذه الصفات، وتلك الأسماء، التي يظن فيها التشابه، ذلك أن ما ينسب إلى الله مغاير في كيفيته، ومخالف لما ينسب إلى البشر؛ لأنه أخبرنا بذلك. وكما أشرنا إليه من قبل. ومن أجل هذا كان " إسحاق بن راهويه " على درجة من الحذق والفهم في نقاشه لبعض قواد الأمير عبد الله بن طاهر " (ت: ٢٣٠ هـ) حول هذه القضية. حيث (سئل عن حديث النزول. صحيح هو؟ قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال كيف ينزل؟ قال له إسحاق: أثبته حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبته. قال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) " فقال الأمير عبد الله بن طاهر " يا أبا يعقوب! هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة، من يمنعه اليوم؟ ".
стр. 10477
الخلاف حول صفات الحركة:
وما يقال عن النزول يقال عن بقية الصفات التي تدل على " الحركة "، وعلى غيرها، شريطة أن يكون معلوما وواضحا وثابتا أن فهم هذه الصفات الإلهية ينبغي أن يكون بعيدا عن التكييف المتعلق بالعالم الكوني، وبعيدا عن أية صورة من صور التمثيل بعالم الحوادث، فهي صفات ذات كيفية خاصة، لا ندري عن كنهها شيئا، ولا نعلم عن طبيعتها - كذلك - أي شيء، وكذلك فإنه ليس في مقدورنا، ولا في مقدور أي كائن، جنا كان أو إنسا، أن يحيط - بأية صفة أو اسم منها - علما، أو يعلم شيئا عن حقيقتها، اللهم إلا من أراد الله أن يطلعه على بعض خفايا علمه المكنون، أو أسراره العظمى، فذلك سر الله في خلقه، ولله في خلقه شؤون.
يقول ابن تيمية بصدد هذه القضية، بعد أن عرض في إيجاز ما دار بين بعضهم من خلاف حول " صفات الحركة "، فمنهم من يثبتها دون تأويل، ومنهم من يؤولها في هذا الجانب المتعلق بالحركة خاصة - يقول ابن تيمية: " وبكل حال، فالمشهور عند أصحاب الإمام أحمد، أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة، كالمجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والدنو، والتدلي، كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه " (١) ولذلك فقد قال " الأوزاعي ت: ١٥٧ هـ " عندما سئل عن حديث النزول: (يفعل الله ما يشاء) وقال " حماد بن زيد، ت: ١٧٩ هـ ": يدنو من
стр. 10478
خلقه كيف شاء) وقال " الفضيل بن عياض، ت: ١٨٧ هـ ": (إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء).
стр. 10479
صفات الحركة في الآخرة:
وبناء على ما أوضحناه من مذهب السلف، وبناء على ما فهمناه من الأسس والقواعد التي بنوا عليها موقفهم في هذه القضية الكبرى - أقول بناء على ذلك، فإنني أرى أنه ليس ثمة داع إلى وقوع خلاف حول " صفات الحركة " التي جاءت بها النصوص الموثقة صفة الله تعالى، طالما أن هذه الصفات خاصة به سبحانه، لا يشركه في تكييفها غيره، ونحن - أيضا - لا ندري ولا نعلم عن كنهها شيئا. فإذا قال الله سبحانه:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١).
فإن هذا الإتيان نفهمه دون تكييف، ودون تمثيل، تماما كما نفهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢) ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ (٣).
ذلك لأن كل شيء في الكون يومئذ سوف يتغير، وكل المعايير المادية التي نحتكم إليها سوف تتغير كذلك، ومن ثم فإن أوضاع الآخرة وحوادثها، وما يجري فيها سوف يكون مختلفا تمام الاختلاف عما نشهده في عالم اليوم من أحداث، وما يجري فيه من ألوان الحركات، والعلاقات، كل العلاقات التي تنتظم كل الأشياء.
ودليل ذلك ما أخبرنا به الله في القرآن العظيم، بما سوف يحدث في الآخرة لكل الظواهر والأشياء المادية، وغير المادية لا بد أن تكون تبعا لها.
стр. 10480
ومعنى هذا: أن جميع أخبار الله المتعلقة بما سوف يحدث يوم القيامة لا بد أن تفهم فهما مغايرا - في حقيقته - لما هو واقع بيننا الآن، حتى بالنسبة للأحداث المتعلقة بالبشر، وبالظواهر الكونية، وبالعلاقات الإنسانية، أي ما يتعلق بكل أحداث يوم القيامة، وما يسبقه من وقائع، وظواهر ممهدة.
ودليل ذلك، أن الرب تعالى يخبرنا عن النبأ العظيم إخبارات علمية موثقة وأكيدة وصادقة بما سوف يحدث للأرض وللسماء، وللكون كله. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١).
أما الأرض، فإن الله تعالى يدلنا في القرآن، ويخبرنا بأن ما فيها من جبال سوف تتغير طبيعتها الصامدة الجامدة الراسية الشامخة ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (٢) ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٣).
وتصير كالعهن المنفوش ثم إن الأرض سوف ترجف هي والجبال. وتسير سيرا.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ (٤).
стр. 10481
ويقول سبحانه:
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (١).
بل إن هذه الجبال التي نضرب بها المثل في الثبات والرسوخ والقوة الصماء، سوف تحمل حملا، وتدك دكا:
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٢) ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (٣) ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (٤) وهكذا نجد أن الرب تعالى يطلعنا في القرآن العظيم على بعض الظواهر المادية التي سوف تحدث في يوم القيامة، للأرض وما عليها من جبال، وأنهار، وأودية، وخلجان، وبحار.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (٥) ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ (٦) ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (٧).
وهكذا فالأرض سوف تبدل غير الأرض، ومفهوم هذا التبدل يعني بكل وضوح وتأكيد، أن كل ما يجري فيها من شتى الوقائع والأحداث والعلاقات لن يكون له وجود آنئذ، والتغير سوف يلحق بكل شيء، ويحدث في كل شيء.
وما يحدث للأرض، فسيكون حادثا للسماء أيضا وما فيها، فالسماء سوف تنفطر، والكواكب ستندثر، والسماء سوف تمور أي تضطرب
стр. 10482
وتدور، ويحل بها ما شاء الله، وأخبر عنه في محكم علمه، حيث قال:
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (١) ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٢).
وحيث أخبرنا قائلا:
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ (٣) ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ (٤) ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ (٥) ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ (٦) ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٧) ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٨) ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ (٩).
ومعنى هذا أيضا: أن القوانين والأحكام التي نعتمد عليها في تسيير دفة حياتنا، وفي تنظيم وترتيب أمور معاشنا، والتي نعتمد عليها في إصدار أحكامنا، وفي الكشف عن مزيد من أسرار الكون، ودقائق نظمه، والتي نتخذها أساسا للحديث عن القوانين والنظريات العلمية، ونعدها سندا للبحوث والتجارب في ميادين العلوم المختلفة - كل هذا سوف يزول، وسوف ينفرط عقد نظامه، وتتلاشى مظاهر الوحدة والنظام فيه بمشيئة الله وفعله.
ظواهر جديدة ستحدث يوم القيامة:
وبناء على هذا التغير والتبدل الذي يلف كل أرجاء هذا الكون - كما ذكرنا - فإن ظواهر جديدة تماما سوف تحدث، لم تكن متيسرة في عالم الحياة الدنيا.
ومن هذه الظواهر الجديدة:
стр. 10483
﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (١).
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (٢).
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣).
وهنا قد يقول بعضهم إن أمثال هذه المشاهد والأحداث يقع نظيره في عالم اليوم، بيد أن هذا الاعتراض، يمكن الرد عليه، بأن مشاهد القيامة وأحداثها مختلفة كما قلنا كيفا وحقيقة، ومظهرا عما هو قائم بيننا اليوم في الحياة الدنيا، ويضاف إلى هذا: أن الحديث هنا عن مشاهد يوم القيامة يمثل الظواهر والأحداث العامة التي لا استثناء فيها إلا بإرادة الله الخالق، الحاكم سبحانه. بينما نجد في عالم اليوم مظاهر لا تحصى من انفراط عقد أحكام العدل والنظام، ودليل هذا، أن آلافا مؤلفة من المجرمين في شتى بقاع العالم يسرحون ويمرحون، بل قد يلقون من آيات التقدير والعرفان، وظواهر الإكبار والثناء، ما لا يجده المخلصون الحقيقيون. أما في يوم القيامة فالأمر مختلف، والعادل الرحيم سوف ينصب الميزان القسط ولن يقع فيها جور ولا حيف بأي حال من الأحوال؛ لأن ربنا العظيم الرحيم، قد أعلمنا، وأخبرنا بأنه:
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٤).
وأخبرنا قائلا:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (٥).
وقائلا:
﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦).
والآيات في هذا كثيرة ووفيرة.
стр. 10484
ومن مظاهر هذا التغيير، أيضا: أن ما كان مخفيا عنا في الحياة الدنيا سوف يتكشف في الآخرة، فالملائكة سوف يراهم الناس، كل الناس سواء في الجنة أم في النار، وآيات القرآن في هذا صريحة كل الصراحة:
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١) [الفرقان: ٢٢].
وفي غير هذا من آيات القرآن الكريم. ونخلص مما سبق من عرض، أن محاولة " تأويل " الآيات التي يخبرنا فيها الله سبحانه، أنه سوف يجيء ومعه الملائكة، أو غيرها من الآيات التي تنسب إليه سبحانه أفعالا تدل على الحركة يوم القيامة، أقول: إن محاولة تأويل هذه الآيات بدافع " التنزيه " ليس له ما يبرره؛ لأن التنزيه قائم وموجود، مع إثبات المعاني الخاصة بكل هذه الأفعال والصفات وهي معان خاصة به سبحانه، لا يشاركه في حقيقتها أو في كيفيتها أحد غيره سبحانه، فالله سبحانه - منزه - في كل الأحوال والصفات والأفعال عن مشابهة خلقه.
стр. 10485
وفضلا عن هذا فإن حكمنا بالتأويل على حوادث الآخرة يعد حكما لا مبرر له أيضا، اللهم إلا إذا كنا على علم تام بحقيقة، وكيفية، وتفاصيل، ودقائق ما سوف يحدث في الآخرة، ومن ثم فقد تكون هناك شبهة في ضرورة صرف ألفاظ، أو صفات " المجيء " أو " الإتيان " التي يوصف بها الله سبحانه.
وسبب ذلك، أنه بات واضحا لدينا أن أحكام الآخرة، وحوادثها وتفاصيلها، وكيفياتها، وعلاقاتها، سوف تكون مغايرة، ومخالفة تماما لما هو قائم بيننا الآن، فعلى أي أساس يكون - إذا - حكمنا على الصفات الإلهية؟!
- فهل يكون على أساس المعايير الدنيوية، والمفاهيم والكيفيات التي تحدث فيها؟ ولكن الأمر - كما اتضح لنا اتضاحا كاملا - مخالف لذلك؛ لأن الله سبحانه خارج الحدود والإمكانات البشرية، الزمانية والمكانية، فكيف إذن يحق لنا تفسير كيفياتها، أو يجوز لنا أن نخوض فيها، وهل إذا خضنا فيها يمكننا أن نصل إلى الحقيقة؟!
- أو يكون حكمنا على أساس معايير الحياة الآخرة وموازينها، وفهم أو معرفة كيفياتها، وحقائق ما يجري فيها، ونحن لا نستطيع أن نتخيل أو نتصور أي شيء يتعلق بأي حادث من الحوادث التي
стр. 10486
ستقع فيها؛ لأن ما نحن فيه الآن، وما نسميه بأسمائه من أرض وسماء، وما بينهما، وما فيهما سوف تتغير طبيعته، وتتلاشى قوانينه وأنماط تكوينه. وبعبارة أخرى، فهل ما نحتكم إليه اليوم من قوانين الطاقة والحركة والثبات، وما يرتبط بها من مجالات التطبيق في حياتنا، وتسيير أمور معاشنا، وتدبير شؤون حاجاتنا، من القيم والمبادئ، والمعايير وغيرها، هل هذا سيظل ثابتا على ما كان عليه دون تبدل، ومن ثم فإنه يكون ممكنا أن نحكم على أحداث الآخرة بما يحدث في حياتنا الدنيوية رفضا أو قبولا، أو تفسيرا وتأويلا.
لا مفر إذن من التسليم بكل ما أخبر به الله سبحانه عن نفسه، وبما أخبر به الرسل إخبارا صحيحا موثقا عن الله سبحانه، ولا بد من التصديق به، والإيمان به، دون أن نركب شططا في التفسير أو في التأويل الذي لا يقدر أعظم العباقرة في الدنيا على مثله، كما سبق أن أشرنا إليه، وضربنا له من أمثلة.
ولقد كان الشيخ " محمد عبده " مصيبا كبد الحقيقة حين قال في معرض الحديث عن صفات الله، وأسمائه:
(فالذي يوجبه الإيمان، هو أن نعلم أنه موجود لا يشبه الكائنات، أزلي أبدي، حي، عالم، مريد، قادر، متفرد في وجوب وجوده، وفي كمال صفاته، وفي صنع خلقه، وأنه متكلم، سميع، بصير، وما يتبع ذلك من الصفات التي جاء الشرع بإطلاق أسمائها عليه، أما كون الصفات زائدة على الذات، وكون الكلام صفة غير ما اشتمل عليه العلم من معاني الكتب السماوية، وكون السمع والبصر غير العلم بالمسموعات والمبصرات، ونحو ذلك من الشؤون التي اختلف عليها النظار، وتفرقت فيها المذاهب، فمما لا يجوز الخوض فيه؛ إذ لا يمكن لعقول البشر أن تصل إليه. والاستدلال على شيء منه بالألفاظ الواردة، ضعف في العقل، وتغرير بالشرع؛ لأن استعمال اللغة لا ينحصر
стр. 10487
في الحقيقة. ولئن انحصر فيها فوضع اللغة لا تراعي الموجودات بكنهها الحقيقي. وإنما تلك مذاهب فلسفة إن لم يضل فيها أمثلهم، فلم يهتد فيها فريق إلى مقنع. فما علينا إلا الوقوف عندما تبلغه عقولنا) (١).
ثم يقول: (ولهذا لم يأت الكتاب العزيز، وما سبقه من الكتب إلا بتوجيه النظر إلى المصنوع، لينفذ منه إلى معرفة وجود الصانع، وصفاته الكمالية، أما كيفية الاتصاف فليس من شأننا أن نبحث فيها) (٢).
وهكذا يتبين لنا أن الخلاف حول " صفات الحركة " وحول غيرها من الصفات، والأسماء الإلهية، خلاف قائم على غير أساس علمي أو عقلي، فليس ثمة شواهد علمية تحتم علينا أن نسلك تجاه الأسماء أو الصفات الإلهية أو مسلك أولئك الذين لم يجروها على ظاهرها بدون تكييف أو تشبيه، ودون نفي أو تعطيل، وإنما اتجهوا تارة إلى النفي، وتارة إلى التأويل بحجة التنزيه.
- أقول ليس ثمة شواهد أو ضرورة تحوج إلى اتباع مثل هذا المنهج؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أسمائه.
وفضلا عن هذا: فإن المنهج العقلي المعتدل، البعيد عن الأهواء والمتخلص من الشبهات، يحتم بضرورة الإيمان بهذه الصفات، أو الأسماء دون لجوء إلى التكييف، أو التشبيه، أو التأويل. وقد مر بنا فيما تقدم أن علماء المسلمين المتبحرين في العلم، قاطبة قد وقفوا هذا الموقف، وتابعوا الصحابة والتابعين في الاتجاه إليه.
يقول ابن تيمية: (مذهب أهل الحديث، وهم السلف من القرون الثلاثة، ومن سلك سبيلهم، من الخلف أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت، ويؤمن بها، وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف، منهم " الخطابي ": مذهب السلف أنها تجرى على ظاهرها مع نفي الكيفية، والتشبيه عنها،
стр. 10488
وذلك أن الكلام في " الصفات " فرع عن الكلام في " الذات "، يحتذى حذوه، ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات، إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن له يدا، وسمعا، ولا نقول: إن معنى اليد: " القدرة "، ومعنى السمع: " العلم ".
وما يقال عن اليد والسمع، يقال كذلك عن: النفس، والوجه، والعلم، والكلام، والخلق، وغير ذلك مما وردت به النصوص الصحيحة ومن ذلك على سبيل المثال: في النفس:
- قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١)
- قال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (٢) ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٣)
ومن الأحاديث الصحيحة التي وردت في كتب السنة:
- جاء في صحيح البخاري: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (٤)».
стр. 10489
- وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال للسيدة جويرية ﵂: «قد قلت بعدك أربع كلمات، ولو وزنت بهن لوزنتهن، سبحان الله العظيم وبحمده، عدد خلقه، ومداد كلماته، ورضا نفسه، وزنة عرشه (١)».
وقد علق ابن خزيمة على هذه النصوص وأمثالها، فأشار إلى أن هذا الإثبات الإلهي الذي جاء في القرآن، والبيان النبوي الذي جاء على لسان النبي ﷺ ، يقطع في يقين بإثبات هذه الصفات لله تعالى، كما ذكر أن محاولة تأويلها لا تتفق، لا مع السياق، ولا مع العقل، كما بين أن هؤلاء الذين يتأولون " النفس " كما جاءت هنا، بأن إضافة النفس إليه سبحانه، مثل إضافة الخلق إليه، وذلك لأن " النفس " غير الله، كما أن خلقه غيره، بين أن هذا المنهج بعيد عن العقل؛ لأن الله (قد أعلم في محكم تنزيله، أنه كتب على نفسه الرحمة، أفيتوهم مسلم - كما يقول ابن خزيمة - أن الله كتب على غيره الرحمة؟! وحذر العباد نفسه؟! أفيحل لمسلم أن يقول: إن الله حذر العباد غيره، أو يتأول قوله لكليمه " موسى ":
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٢) طه: ٤١. فيقول: معناه: واصطنعتك لغيري من المخلوق؟! أو يقول: أراد روح الله - وهو عيسي ابن مريم - بقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٣)
أراد ولا أعلم ما في غيرك؟! هذا ما لا يتوهمه مسلم) ومعنى هذا: أن " ابن خزيمة " ومعه علماء المسلمين قاطبة قد أجمعوا على أن الإيمان بالصفات الإلهية كما جاءت في النصوص الشرعية الموثقة، هو
стр. 10490
اتجاه، يتطابق مع الغاية من إخبارنا بهذه النصوص. ويتطابق مع ما تقضي به الأحكام العقلية الصحيحة، البعيدة عن الأهواء وعن مسارب الشبهات.
وفي إقرار هذه الحقيقة، يقول " ابن خزيمة " أيضا، في معرض الحديث عن الآيات التي تثبت الوجه لله سبحانه، مثل قوله:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١)
- يقول:
(فأثبت الله لنفسه وجها، وصفه بالجلال والإكرام، وحكم لوجهه بالبقاء، ونفى الهلاك عنه، فنحن وجميع علمائنا، من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق بذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز عن أن يكون عدما كما قاله المبطلون).
ومعنى ذكره " ابن خزيمة " أن علماء الأمصار الإسلامية، كانوا مجمعين على هذه القضية، وأن الخلاف الذي دار حولها بين بعض الدوائر في البيئة الإسلامية، ما بين مؤول، وناف لها، إنما حدث بسبب آت من خارج الفكر الإسلامي، وبسبب التأثر بتيارات فكرية وفدت من ثقافات بعيدة عن الإسلام، ومن ثم فإن هذه الثقافات لا يمكن أن تعد - لا من قريب، ولا من بعيد - ممثلة للفكر الإسلامي، أو معبرة عن الثقافة الإسلامية.
بين السلف والخلف:
وبعد؛ فقد بات واضحا أن تلك المقولة التي رددت من قبل بل لا تزال تردد بين كثيرين في مجال الفكر الإسلامي وفي غيره، وهي أن " موقف
стр. 10491
السلف أسلم، وموقف الخلف أعلم " مقولة لم يرد بها إلا التشهير بالسلف، وإلا فإن موقفهم كما تبين لنا كان قائما على أساس علمي رصين، وعلى وعي تام، وتفهم كامل لأبعاد القضية، ولما يتفرع عنها، أو يترتب عليها، بحيث يتضح للدارس المتأني، الباحث عن الحقيقة، أن السلف قد توفرت لديهم منهجية علمية مدروسة، وذلك إبان عرضهم لهذه القضية، أو تحليلهم لها.
وقد كان من أبرز الذين تصدروا لتلك المقولة، وحللوا أبعادها، وكشفوا عن مراميها شيخ الإسلام " ابن تيمية " (ت: ٧٢٨ هـ). ونحن هنا لن نخوض في تفاصيل موقفه، وإنما نكتفي بالإشارة الموجزة إلى نقطتين فقط في هذا الموقف:
الأولى: المنهج الذي طرحه في تناول هذه القضية، ثم تطبيقه.
الثانية: الأسس أو القواعد التي بنى عليها رفضه لفكرة أن موقف الخلف أعلم، وأن موقف السلف أسلم.
стр. 10492
منهج وتطبيقه:
والمنهج الذي نشير إليه، مبثوث بكثرة في كتب " ابن تيمية "، ولكننا سوف نستعيض عن هذه الكثرة، بما ذكره في رسالته الرائعة المسماة ب- " الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله تعالى ". وهذه الرسالة على وجازتها تحمل بين طياتها فيضا غزيرا من علم شيخ الإسلام. ومن ثم فإننا سنعول عليها، على أنها نموذج منهجي يمثل جانبا من جوانب تناول أهل السنة لهذه القضية، من الناحية النظرية والتطبيقية.
стр. 10493
المنهج: (١) وفي بيان هذا المنهج يذكر ابن تيمية، أن الله سبحانه، إذا وصف نفسه بصفة، أو وصفه بها الرسول ﷺ ، فإن صرف تلك الصفة " عن ظاهرها اللائق بجلاله ، وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز يخالف الحقيقة، لا بد فيها من أربعة أشياء " (٢):
الأول: أن يكون ذلك اللفظ مستعملا بمعناه المجازي في اللغة العربية، وهي لغة القرآن التي نزل بها. ولغة السنة، ولغة السلف.
الثاني: أ - أن يكون هناك دليل يوجب صرف اللفظ إلى المعنى المجازي، إذا كان اللفظ يستعمل في الحقيقة تارة، وفي المجاز تارة أخرى. والدليل في هذه الحالة القطعية، لا بد أن يكون قطعي الدلالة على الصرف، إما بطريقة عقلية، أو بنص سمعي. أو كما عبر عن هذا شيخ الإسلام بقوله: [ثم إن ادعي وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف] (٣).
ب - أما إذا كان اللفظ واضح التأويل، عند المؤول (وليس قطعيا)، بمعنى: أن جانب التأويل فيه أرجح [فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز] (٤).
الثالث: أن هذا الدليل، لا بد أن يكون خاليا من أي دليل آخر يعارضه، [فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها]. ومن ناحية أخرى، فإن " كان هذا الدليل نصا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا - أي راجحا - فلا بد من الترجيح " (٥).
стр. 10494
الرابع: أن الرسول ﷺ ، إذا تكلم بكلام أراد به غير ظاهره، أو غير حقيقته، " فلا بد أن يبين للأمة " ذلك، ويوضحه [سواء عينه، أو لم يعينه] وتبدو هذه الإبانة ضرورية وحتمية، إذا كان الأمر يتعلق بقضايا العقيدة، وبمسائل الدين، وبحقائق العلم الإلهي أو كما قال: [لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد فيه فهم الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح] (١).
وسبب هذه الحتمية، ما يلي:
أ - أن الله سبحانه " قد جعل القرآن نورا، وهدى، وبيانا للناس، وشفاء لما في الصدور " من الوساوس، والشكوك، وحبائل الهوى.
ب - وأرسل سبحانه [الرسل لتبين للناس ما نزل إليهم، ولتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه] (٢) حتى تنقطع بهم الحجة، وتتضح أمامهم السبل.
ج - والنبي ﷺ [بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات] (٣).
د - والأمة التي تلقت عنه، والتزموا نهجه [كانوا أعمق الناس علما، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة] (٤).
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يلزم أن يوضح النبي ﷺ ، وأصحابه، ومن تبعهم كل ما يتعلق بقضايا الدين، وبمسائل العقيدة وضوحا لا خفاء فيه، ولا لبس معه. ومن ثم [فلا يجوز أن يتكلم هو - النبي ﷺ وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره] (٥).
- وهذا الدليل: قد يكون إما عقليا ظاهرا وإما سمعيا ظاهرا، ولهذا؛ فإنه لا يجوز أن يبلغ الناس ما أمر به أن يبلغه، ثم يخفي عليهم ما
стр. 10495
في بعضه من الدلائل الغامضة والأسرار أو المعاني البعيدة عن متناول عقول عامتهم، ثم يطلب منهم في الوقت نفسه أن يؤمنوا به، وأن يعتقدوه، ويطلب منهم كذلك، أن يتدبروا ما فيه، ويعقلوه، ويتفكروا فيه - يذكر ابن تيمية، أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه ضد مهمة بعث الرسل، ومناف لأهدافها، ومناقض للغاية من الرسالة نفسها؛ لأن الرسالة للإفهام وللهداية وللإرشاد، وللبيان كما ذكرنا.
وكذلك، فإن الناس ليسوا جميعا على درجة سواء من العلم، أو الفهم، أو الاستنباط، واستخراج الأدلة والبراهين، ذلك أن منهم - كما يقول -[الذكي، والبليد، والفقيه، وغير الفقيه]. وإذا كان ثمة أدلة غامضة، أو خفية تدل على أن المراد غير ظاهر تلك البلاغات، وتلك الأدلة غير متيسرة للعامة ومن في حكمهم من المتعلمين، - إذا كان الأمر كذلك [كان تدليسا وتلبيسا، وكان نقيض البيان وضد الهدى. وهو بالألغاز والأحاجي أشبه، منه بالهدى والبيان] (١).
هذه هي خطوات المنهج لدى ابن تيمية. والذي جعل منه أساسا للنظر في صفات الخالق جل وعلا، وللتأمل في أسمائه. وهو المنهج الذي عالج من خلاله قضيته للتأويل في هذا المجال.
والآن لننظر كيف طبق شيخ الإسلام هذا المنهج على صفة من الصفات التي جعل منها نموذجا يحتذى.
التطبيق:
أما في مجال تطبيق تلك القواعد التي ذكرناها، فيشير إليه ابن تيمية قائلا: [ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه] (٢).
أما تلك الصفة التي اختارها نموذجا لتطبيق المنهج الذي أشار إليه، والتي تعد مدخلا لفهم قضايا الصفات برمتها، فهي صفة " اليد ".
стр. 10496
وقد جاءت تلك الصفة في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة كثيرا. وقد قبلها أهل السنة - كما ذكرنا - وأمروها كما هي، دون أن ينفوها، ودون أن يفهموها في إطار الفهم البشري لمدلول كلمة اليد، التي يتصف بها البشر، أو غيرهم من المخلوقات، وإنما فهموا أن لله سبحانه يدا [تناسب ذاته، تستحق من صفات الكمال، ما تستحق الذات] (١) ولعل من أبرز الأسباب التي (تؤخذ مما) يشير إليه شيخ الإسلام، أن المدخل لهذا الفهم المتعلق بقضية الصفات، هو معايير اللغة العربية، وطرائقها في التعبير، ووسائلها في الإبانة والتصوير، وإذا عرفنا، أن القرآن أنزله الله بهذا اللسان العربي، وأنه سبحانه قد وصفه بأنه " مبين "، فإن هذا الإعلام يضع بين أيدينا فكرة منهجية على جانب كبير من الأهمية، هي: أن تكون طرائق فهم القرآن، ومناهج تدبره، وسبل الغوص وراء مراميه، ومعانيه، سائرة حسب قوانين ذلك اللسان المبين، سواء أكان ذلك في الحقيقة أم في المجاز، في الدلالة أم الإشارة، وعلى هذا النحو يكون المضي قدما في طرائق فهم " الصفات الإلهية "، حيث يجب الالتزام التام، بأسس الدلالة في اللغة العربية، وبضوابط أساليب الإفهام فيها.
وهنا ينبغي أن نشير إلى ضرورة الالتفات إلى أن محاولة تناول هذه القضية في ضوء دلالة أية لغة أخرى غير العربية، سوف يكون منهجا بعيدا عن الالتزام العلمي، ومخالفا لقواعد المنهجية العلمية في تناول هذه القضية.
وعلى هذا: فإن صفة " اليد " في مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢) جاءت مفردة
وجاءت مثناة في مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٣)
стр. 10497
[المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١)
[ص: ٧٥]، وجاءت جمعا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٢)
[يس: ٧١].
وعند النظر في الدلالة اللغوية والشرعية لهذه الصفة، حسب قوانين اللغة العربية نجد أنها لا تنصرف إلا إلى الحقيقة في هذا المجال. وهذا يعني أن الله سبحانه إنما أراد أن يعلمنا بأن له يدا حقيقية، ولكنها يد إلهية خاصة به، لا تشبيه فيها ولا تكييف. وسبب ذلك: أن " اليد " في اللغة لم تستعمل في معناها المجازي عندما تكون مثناة، ومن ثم فلا يجوز أن يكون معناها: القدرة أو النعمة أو العطية مثلا. وذلك حسب الاستعمال اللغوي العربي المبين. [لأن القدرة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد] (٣).
وكذلك فإن [نعم الله لا تحصى، ولا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية] (٤).
وكذلك لا يجوز أن يكون معناها: [لما خلقت أنا] لأن العرب إذا أرادوا مثل هذا المعنى، يضيفون الفعل إلى اليد كقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (٦)
[الحج: ١].
أما عندما يضاف الفعل إلى الفعل، ويعدى الفعل إلى اليد بحرف " الباء " [فإنه نص في أنه فعل الفعل بيده. ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو
стр. 10498
مشى أن يقول: فعلت هذا بيدي] (١).
فإذا قال العرب: [فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل بيديه] (٢) فإنه يعني: أنه قد فعله بيديه حقيقة.
وكذلك فإنهم إذا قالوا: فعل بيديه، فإن هذا يعني من ناحية أخرى: أن الذي قام بهذا الفعل له يد حقيقية، [ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو يكون له يد، والفعل وقع بغيرها] (٣).
هذا فيما يتعلق بالخطوة المنهجية الأولى التي أشرنا إليها.
стр. 10499
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: إن اللغة العربية قد جاء فيها التعبير بالاثنين في مقام الحديث عن الواحد؛ كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ (١)
[ق: ٢٤] وهذا خطاب للواحد جاء بلفظ الاثنين. وعلى هذا، فيكون قوله تعالى:
﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) ص / ٧٥.
ليس نصا في إثبات اليدين له، ومن ثم فإنه يمكن تأويله.
ويرد ابن تيمية هذا الاعتراض قائلا: [هذا ممنوع. بل قوله: " ألقيا " قد قيل: تثنية الفاعل كتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقيل: إنه خطاب للسائق والشهيد] (٣).
وأما من قال: إنه خطاب للواحد، فإنه يكون على ما جرت به العادة من أن الشخص يكون معه اثنان، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول خليلي: ويوقع خطابه على هذا الأساس، حتى وإن لم يكونا
стр. 10500
موجودين [فقوله: " ألقيا " عند هذا القائل، إنما هو خطاب مع اثنين يقدر وجودهما].
الجانب الثاني، أو الخطوة المنهجية الثانية:
وهي تقوم على افتراض أنه يجوز أن يكون لليد معنيان، أحدهما على الحقيقة: وهو اليد حقيقة، والثاني على الكناية: وهو القدرة والنعمة. لكن إذا كان الأمر كذلك فليس هناك أي دافع لصرف اللفظ من الحقيقة إلى الكناية، اللهم إلا إذا كان تنزيه الخالق سبحانه عن أن تكون له يد تشبه جوارح المخلوق، وأهل السنة يصرون على ضرورة تأكيد هذه الفكرة، ولا يقولون أبدا بما يناقضها، فليس لله سبحانه يد من جنس أيدي المخلوقين، لكن هذه الحقيقة المقررة، لا تمنع، لا عقلا، ولا شرعا، أن يكون لله سبحانه [يد تناسب ذاته، تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات] (١).
وأمر اليد هنا مثل أمر الذات. فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، فإن هذا لا يتأتى إلا بأن تكون صفاته سبحانه مغايرة تمام المغايرة لصفاتهم، ومن ثم فإن يده ليست مثل أيديهم.
وبذلك يكون الأساس الذي بنى عليه منكرو الصفات، وهو عدم مشابهته للمخلوقين، متحققا، وقائما مع إثبات الصفات، ونفي مشابهتها لصفات المخلوقين نفيا قطعيا، وحاسما.
أما الخطوة المنهجية الثالثة: فإنه عند النظر في صفة " اليد " له سبحانه في ضوئها نلحظ ما يلي:
أ - أنه لم يرد [في كتاب الله، أو في سنة رسوله، أو عن أحد من أئمة المسلمين، أنهم قالوا: إن المراد باليد، خلاف ظاهره] (٢) أو قالوا: الظاهر غير مراد.
стр. 10501
ب - وليس في كتاب الله ما يدل على انتفاء صفة اليد عنه سبحانه، سواء أكانت هذه الدلالة ظاهرة أم خفية.
ج - أن ما ورد في القرآن من آيات تنفي مشابهة الخالق للمخلوقين، مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١)
[مريم: ٦٥]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢)
منحصر في نفي التمثيل والتشبيه عنه سبحانه. (أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل بوجه من الوجوه) (٣).
د - وليس في العقل ما يدل دلالة ظاهرة أو خفية على أن الباري سبحانه لا يتصف بصفة اليد أبدا. وهذا يعني: أن المنطق العقلي لا يمنع - لا من قريب، ولا من بعيد - أن يوصف الله سبحانه بتلك الصفة.
هـ - ويضاف إلى ما سبق: الأمور، أو الظواهر التالية:
١ - أن ذكر " اليد " قد تكرر كثيرا في القرآن، وفي السنة، كما ذكرنا.
٢ - ولا يعقل أن يحدث هذا، ولا يقوم النبي ﷺ ، هو ومن تبعه من الصحابة، وأولي الأمر ببيان حقيقة المراد بتلك الصفة، إذا كان ظاهرها غير مراد، أو كان المراد بها معنى: القدرة أو النعمة أو غير ذلك.
٣ - وغير معقول أن يستمر هذا الإبهام من قبل أئمة المسلمين، أو لا يستطيعون أن يهتدوا إلى بيان معناها المراد (حتى ينشأ " جهم بن صفوان " - كما يقول ابن تيمية - بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه " بشر بن غياث المريسي " ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق) (٤).
стр. 10502
٤ - وكيف يحدث هذا، ونحن نعلم علم اليقين أن النبي ﷺ قد بين لنا كل شيء، حتى إنه قال: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (١)»؟!.
٥ - وكيف يحدث هذا، وتكون النصوص بهذه الكثرة، ويسكت عن بيانها جميع علماء الأمة، مع أن اعتقاد ظاهرها على رأي المؤولين والنافين يؤدي إلى الضلال؟ !!
٦ - وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: " أمروها كما جاءت "، مع أن معناها المجازي هو المراد، وهو شيء يفهمه الأعراب، حتى يكون أبناء فارس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار؟!
*. . الخطوة المنهجية الرابعة: إن هناك أدلة قاطعة تتفق مع المنهج العقلي، تدل على أن لله يدين حقيقة، وذلك من خلال ما يلي:
١ - تفضيله لآدم، حيث خلقه بيديه، وجعل الملائكة تسجد له، فلو كان آدم خلق بقدرة الله أو بنعمته كما يقولون؛ لكان خلق آدم لا يختلف عن خلق إبليس، بل جميع المخلوقات الأخرى، فكان هذا الموقف المرتبط بآدم ذا دلالة أكيدة، وخاصة على أن آدم قد خلقه الله بيديه.
٢ - إن أولئك الذين يقولون: إن إضافة خلق آدم إلى الله، من باب التكريم والتشريف، كما في قولنا: " ناقة الله، وبيت الله "، إنما يؤيدون - من حيث لا يشعرون - الفكرة القائلة بأن لله يدين على الحقيقة، حيث كان التكريم الخاص لآدم هو أن الله قد خلقه بيديه، وهذا تشريف له وتكريم. وعلى هذا تكون (إضافة خلق آدم إليه)
стр. 10503
دالة دلالة أكيدة على أنه (خلقه بيده، وأنه قد فعله بيده، وخلق هؤلاء بقوله: " كن فيكون ") (١).
٣ - ويضاف إلى ذلك، أن ثمة فرقا بين قولهم: " بيده الملك " وقولهم: " عملته يداك "، وهو أن التعبير الأول يقع فيه المجاز كثيرا، لكن مع هذا فالتعبيران كلاهما يدلان على معنيين متلازمين، الأول: (إثبات اليد. الثاني: إضافة الملك، والعمل إليهما) (٢).
٤ - ومما يؤيد ما ذكرناه: أن العرب لا يطلقون " عملته يداك " إلا لجنس له يد حقيقة، ومن ثم فإنهم (لا يقولون: يد الهواء، ولا يد الماء) (٣)، بل لو سلمنا جدلا (أن قوله:
﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٤)
قد علم منه أن المراد: بقدرته) (٥)، فإن هذا لا يقبل (إلا لمن له يد حقيقة) (٦).
٥ - أما قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (٧)
فقد جاءت بصيغة الجمع؛ لأن من أساليب اللغة العربية أن يوضع اسم الجمع (موضع التثنية إذا أمن اللبس. كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٨)
[المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٩)
[التحريم: ٤] (١٠).
وهكذا رأينا أن الالتزام بالمنهجية العلمية في تناول هذه القضية من قبل علماء السلف، كان هو الدافع الرئيسي الذي جعلهم يرفضون قطعيا أن
стр. 10504
ينكروا بعض صفات الخالق سبحانه، بحجة التنزيه، أو بحجة فكرة أو حقيقة " التوحيد "، وإنما الذي رأيناه من خلال هذا الموقف، أن منطلقهم الأساسي كان من تأكيد فكرة التوحيد، التي تعني في المقام الأول، نفي التشبيه، والند، والنظير، والسمي عن الخالق، في الذات، وفي الصفات معا.
وأما قضية التفرقة بين الذات والصفات فهي فكرة فلسفية، تمتد في جذورها إلى منابت الفلسفة الوثنية، كما أنها في الواقع فكرة تجريدية لا وجود لها في الواقع أبدا، بل هي أشبه بذلك السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وهكذا لا نعثر في الواقع الفكري والوجودي على تلك الثنائية، التي تفصل فيها الصفة عن الموصوف، والتي تعتبر فيها الصفة وجودا قائما بذاته.
ومن هذا المنطلق رأينا شيخ الإسلام يلفت نظرنا إلى جملة من الحقائق، والتي جعلها مقدمات لإصدار حكمه على منهج السلف، وعلى موقفهم في رفض التأويل في قضية الصفات الإلهية.
стр. 10505
الأسس أو القواعد التي بنى عليها إقراره بأن السلف أعلم:
والذي ذكره ابن تيمية في هذه القضية كثير جدا، لا يحتمله الموقف الآن، ولكن تتمتها لفكرة المنهجية لدى السلف، فإننا سوف نلمح إلى بعض الأفكار أو القواعد العامة، والتي تعد في الوقت نفسه من بين الأسس المنهجية الضرورية لفهم موقف السلف من الصفات، وللوقوف على دوافعه ومبرراته.
وفي هذا الصدد فإن شيخ الإسلام يشير إلى ما يلي:
بعث الله سبحانه النبي ﷺ ليهدي الناس قاطبة إلى الحق في العقائد، وفي كل ما يتصل بها أو يتفرع عنها من القيم والمبادئ،