ب - وليس في كتاب الله ما يدل على انتفاء صفة اليد عنه سبحانه، سواء أكانت هذه الدلالة ظاهرة أم خفية.
ج - أن ما ورد في القرآن من آيات تنفي مشابهة الخالق للمخلوقين، مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١)
[مريم: ٦٥]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢)
منحصر في نفي التمثيل والتشبيه عنه سبحانه. (أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل بوجه من الوجوه) (٣).
د - وليس في العقل ما يدل دلالة ظاهرة أو خفية على أن الباري سبحانه لا يتصف بصفة اليد أبدا. وهذا يعني: أن المنطق العقلي لا يمنع - لا من قريب، ولا من بعيد - أن يوصف الله سبحانه بتلك الصفة.
هـ - ويضاف إلى ما سبق: الأمور، أو الظواهر التالية:
١ - أن ذكر " اليد " قد تكرر كثيرا في القرآن، وفي السنة، كما ذكرنا.
٢ - ولا يعقل أن يحدث هذا، ولا يقوم النبي ﷺ ، هو ومن تبعه من الصحابة، وأولي الأمر ببيان حقيقة المراد بتلك الصفة، إذا كان ظاهرها غير مراد، أو كان المراد بها معنى: القدرة أو النعمة أو غير ذلك.
٣ - وغير معقول أن يستمر هذا الإبهام من قبل أئمة المسلمين، أو لا يستطيعون أن يهتدوا إلى بيان معناها المراد (حتى ينشأ " جهم بن صفوان " - كما يقول ابن تيمية - بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه " بشر بن غياث المريسي " ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق) (٤).
стр. 10502
٤ - وكيف يحدث هذا، ونحن نعلم علم اليقين أن النبي ﷺ قد بين لنا كل شيء، حتى إنه قال: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (١)»؟!.
٥ - وكيف يحدث هذا، وتكون النصوص بهذه الكثرة، ويسكت عن بيانها جميع علماء الأمة، مع أن اعتقاد ظاهرها على رأي المؤولين والنافين يؤدي إلى الضلال؟ !!
٦ - وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: " أمروها كما جاءت "، مع أن معناها المجازي هو المراد، وهو شيء يفهمه الأعراب، حتى يكون أبناء فارس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار؟!
*. . الخطوة المنهجية الرابعة: إن هناك أدلة قاطعة تتفق مع المنهج العقلي، تدل على أن لله يدين حقيقة، وذلك من خلال ما يلي:
١ - تفضيله لآدم، حيث خلقه بيديه، وجعل الملائكة تسجد له، فلو كان آدم خلق بقدرة الله أو بنعمته كما يقولون؛ لكان خلق آدم لا يختلف عن خلق إبليس، بل جميع المخلوقات الأخرى، فكان هذا الموقف المرتبط بآدم ذا دلالة أكيدة، وخاصة على أن آدم قد خلقه الله بيديه.
٢ - إن أولئك الذين يقولون: إن إضافة خلق آدم إلى الله، من باب التكريم والتشريف، كما في قولنا: " ناقة الله، وبيت الله "، إنما يؤيدون - من حيث لا يشعرون - الفكرة القائلة بأن لله يدين على الحقيقة، حيث كان التكريم الخاص لآدم هو أن الله قد خلقه بيديه، وهذا تشريف له وتكريم. وعلى هذا تكون (إضافة خلق آدم إليه)
стр. 10503
دالة دلالة أكيدة على أنه (خلقه بيده، وأنه قد فعله بيده، وخلق هؤلاء بقوله: " كن فيكون ") (١).
٣ - ويضاف إلى ذلك، أن ثمة فرقا بين قولهم: " بيده الملك " وقولهم: " عملته يداك "، وهو أن التعبير الأول يقع فيه المجاز كثيرا، لكن مع هذا فالتعبيران كلاهما يدلان على معنيين متلازمين، الأول: (إثبات اليد. الثاني: إضافة الملك، والعمل إليهما) (٢).
٤ - ومما يؤيد ما ذكرناه: أن العرب لا يطلقون " عملته يداك " إلا لجنس له يد حقيقة، ومن ثم فإنهم (لا يقولون: يد الهواء، ولا يد الماء) (٣)، بل لو سلمنا جدلا (أن قوله:
﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٤)
قد علم منه أن المراد: بقدرته) (٥)، فإن هذا لا يقبل (إلا لمن له يد حقيقة) (٦).
٥ - أما قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (٧)
فقد جاءت بصيغة الجمع؛ لأن من أساليب اللغة العربية أن يوضع اسم الجمع (موضع التثنية إذا أمن اللبس. كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٨)
[المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٩)
[التحريم: ٤] (١٠).
وهكذا رأينا أن الالتزام بالمنهجية العلمية في تناول هذه القضية من قبل علماء السلف، كان هو الدافع الرئيسي الذي جعلهم يرفضون قطعيا أن
стр. 10504
ينكروا بعض صفات الخالق سبحانه، بحجة التنزيه، أو بحجة فكرة أو حقيقة " التوحيد "، وإنما الذي رأيناه من خلال هذا الموقف، أن منطلقهم الأساسي كان من تأكيد فكرة التوحيد، التي تعني في المقام الأول، نفي التشبيه، والند، والنظير، والسمي عن الخالق، في الذات، وفي الصفات معا.
وأما قضية التفرقة بين الذات والصفات فهي فكرة فلسفية، تمتد في جذورها إلى منابت الفلسفة الوثنية، كما أنها في الواقع فكرة تجريدية لا وجود لها في الواقع أبدا، بل هي أشبه بذلك السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وهكذا لا نعثر في الواقع الفكري والوجودي على تلك الثنائية، التي تفصل فيها الصفة عن الموصوف، والتي تعتبر فيها الصفة وجودا قائما بذاته.
ومن هذا المنطلق رأينا شيخ الإسلام يلفت نظرنا إلى جملة من الحقائق، والتي جعلها مقدمات لإصدار حكمه على منهج السلف، وعلى موقفهم في رفض التأويل في قضية الصفات الإلهية.
стр. 10505
الأسس أو القواعد التي بنى عليها إقراره بأن السلف أعلم:
والذي ذكره ابن تيمية في هذه القضية كثير جدا، لا يحتمله الموقف الآن، ولكن تتمتها لفكرة المنهجية لدى السلف، فإننا سوف نلمح إلى بعض الأفكار أو القواعد العامة، والتي تعد في الوقت نفسه من بين الأسس المنهجية الضرورية لفهم موقف السلف من الصفات، وللوقوف على دوافعه ومبرراته.
وفي هذا الصدد فإن شيخ الإسلام يشير إلى ما يلي:
بعث الله سبحانه النبي ﷺ ليهدي الناس قاطبة إلى الحق في العقائد، وفي كل ما يتصل بها أو يتفرع عنها من القيم والمبادئ،
стр. 10506
وفي كل ما يتعلق بتنظيم الحياة الإنسانية، وتخليصها من كل مسببات الفساد والإفساد، وظواهر الانحراف أيا كان حجمها، أو امتدادها في مجالات الحياة.
*. . وقد وصفت هذه الدعوة بصفات لها دلالتها العميقة جدا، كما تدل على مبلغ إسهامها في تغيير الواقع، وعلى أهدافها في كل مجالات الحياة، وذلك مثل: الهدى - البصيرة - النور - السراج المنير - البينة - الصراط المستقيم - المحجة البيضاء. . . إلخ.
*. . وقد حملت هذه الرسالة إلى العالمين كتابا من عند الله، لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه؛ ليكون مرجعا للحكم عند الاختلاف في أي من أمور الدين، وفي أية قاعدة من قواعد العقيدة، أو حقيقة من حقائقها.
*. . ومن المسلم به، أن تحقيق تلك الغاية التي أشرنا إليها، ليس له إلا طريق أوحد ووحيد، وهو الإيمان بالله تعالى، وبما يليق به من الأسماء والصفات التي وردت في القرآن وفي السنة. ومن ثم فإن هذه القضية تعد بيت القصيد في أي منطلق من منطلقات العقيدة الدينية الصحيحة والمصححة.
*. . وعلى هذا، فإن الضرورات العقلية والدينية تقضي بما يلي:
أ - إذا كان هدف الرسالة هو إفهام الناس بأمور العقيدة الصحيحة كما ذكرنا، فمن المستحيل أن يكون الرسول ﷺ ، قد ترك أية قضية من قضايا العقيدة، سواء أكانت متعلقة بها، أم منبثقة منها، دون أن يكون قد أوضحها غاية الوضوح، وبينها غاية البيان.
ب - وإذا كانت قضية الإيمان بالله تعالى، هي أم القضايا، ورأس الأمر، فإنه يصبح من أشد الضرورات تأكيدا، أن يكون النبي ﷺ قد وفاها حقها، ولم يترك فيها لا شاردة ولا واردة إلا وأعطاها حقها من البيان، والتوضيح والشرح. وهذا يتطلب: أن يكون الرسول
стр. 10507
صلى الله عليه وسلم، قد سد باب الشبهات في هذا المجال سدا محكما، وأغلق كل المسارب التي قد تؤدي إلى البلبلة، أو إثارة الشكوك.
ج - ومن الأمور الواضحات، بل من الحقائق المعلنات: أن النبي ﷺ ، قد علم أمته كل شيء، دون أن يترك صغيرا أو كبيرا، مهما، أو غير مهم. وهذا يعني: أنه ﷺ قد تناول هذه القضية الكبرى في عقيدة الإسلام، تناولا مستفيضا، شافيا، وكافيا، ولذلك يقول " أبو ذر " ﵁: [«لقد توفي رسول الله ﷺ ، وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما (١)»]. وقال " عمر " ﵁: [«قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه (٢)»] " رواه البخاري ".
د - ومعنى هذا: أن أولئك الذين سمعوا من الرسول، وتلقوا عنه ذلك، ووعوه، وفهموه، وتدارسوه، يعدون - بكل المعايير العقلية، والحسية - أعلم الناس، وأفقه الناس، وأعمق الناس في كل هاتيك القضايا.
يقول ابن تيمية:
[ثم من المحال أيضا: أن تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بعث فيه رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - كانوا غير عالمين، وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين] (٣) وهو يقصد باب الصفات.
*. . ويعلل هذه الظاهرة: بأن هذه القضية لا يسكت عنها من كان في قلبه (أدنى حياة، وطلب للعلم) وذلك حيث يكون [البحث عن هذا
стр. 10508
الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه، أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه، أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب، وصفاته] (١). . .
ويعللها أيضا: بأن هذه القضية، من القضايا التي تتعلق بالفطرة البشرية، ومن القضايا التي تشغل الإنسان دوما، وإذا كان الأمر كذلك، فمن الأمور المستبعدة، أن يكون الصحابة - مع غزارة علمهم وعمق فقههم، قد أغفلوا معرفة ذلك، أو الوقوف فيه على الحق المبين.
يقول ابن تيمية: [فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى - الذي هو من أقوى المقتضيات - أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟!! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضا عن الله، وأعظمهم إكبابا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع في أولئك؟!!] (٢).
هـ - ومما يؤيد هذه الفكرة، بل هذه الحقيقة، أن المنهج القرآني كان محيطا بكل المقالات، أو الأفكار الضالة، ومجادلا لها، وكاشفا لمصادر الضلال فيها، ومبينا دوافع الانحراف لديها، وبما أن الصحابة قد فهموا القرآن، وتدبروا آياته وعاشوا معه، وعايشوه آية آية، بل لم يكونوا يدعون عشر الآيات تنزل على رسول الهدى ﷺ ، حتى يتقنوها علما وعملا، حتى حفظوا القرآن، وأتقنوا العلم والعمل جميعا - أقول: بما أن الأمر كذلك، فإن هؤلاء الصحابة لا بد أن يكونوا في كل هذا أفقه الفقهاء، وأعلم العلماء، فهم مصادر علم الدين وفقهه دون منازع.
[إذا تدبر المؤمن العليم، سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم، التي فيها ضلال وكفر، وجد القرآن والسنة كاشفين لأحوالهم، مبينين لحقهم، مميزين بين حق ذلك وباطله. والصحابة كانوا أعلم الخلق
стр. 10509
بذلك، كما كانوا أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين، كما قال فيهم " عبد الله بن مسعود ": " من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم] (١).
ويعلق ابن تيمية على كلام " ابن مسعود " بأنه يخبر عما عرف به الصحابة من كمال بر القلوب، [مع كمال عمق العلم. وهذا قليل في المتأخرين] (٢).
ووبما أن السلف قد نهجوا نهج الصحابة، واتبعوا طريقتهم، وأفادوا من غزارة علمهم، وارتووا من فيض فقههم، فإنهم بذلك لا بد أن يكونوا في موقفهم من الصفات، أعلم، وأحكم، وأسلم.
ز - وعلى هذا فإن فكرة تفضيل موقف الخلف باتجاههم إلى التأويل تارة، أو إلى النفي، على موقف السلف بكفهم عن الخوض في ذلك، تعد فكرة غير سديدة من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإنها تؤدي في الواقع، إلى الحكم على أولئك الصحابة ومن اتبع طريقتهم، بأنهم كانوا عاجزين في فهمهم، بل غير قادرين على استيعاب النص القرآني استيعابا تاما. ومن ثم فقد آثروا السلامة، ولم يؤولوا، بل فوضوا معرفة حقائق الصفات إلى مراد الله.
أما الخلف: فقد كسروا هذا الحاجز، وكانوا أعمق علما، وأكثر قدرة على الفهم والاستيعاب، فكشفوا عن مراد الخالق، واتجهوا إلى التأويل.
ولا ريب أن هذا التصور الذي تطرحه تلك المقولة، فيه مجانبة للحقائق الموضوعية، وهو بعيد عن المنهجية العلمية، وهو لا يمثل الواقع لا
стр. 10510
من قريب ولا من بعيد، بل مقتضاه، كما يقول ابن تيمية بحق: [استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله] (١).
فإذا أضفنا إلى ذلك، أنهم يقصدون من الخلف، أولئك المتكلمين الذين كثر في قضايا الدين جدلهم واضطرابهم، أدركنا مدى خطورة تلك المقولة التي لا تزال تردد على ألسنة طائفة من الدارسين هنا وهناك. وأدركنا أيضا مدى مخالفتها للحق، وللحقيقة كما ذكرنا.
стр. 10511
خاتمة:
وبعد؛ فقد تبين لنا أن السلف في موقفهم من قضية الصفات، حين نفوا فيها التأويل، وحين أثبتوها على حقيقتها للخالق سبحانه، دون تشبيه ولا تكييف، كانوا يتبعون أسسا منهجية، ويسيرون وفق قواعد علمية، كما أنهم كانوا يصدرون في موقفهم هذا عن علم جم غزير، وفقه فياض مستنير، بل لم يكونوا مترددين، ولم يكونوا من الأميين، أو من ضعاف العقول، أو محدودي العقل والثقافة والتفكير.
وما أحسن ما قاله صاحب أبي حنيفة، " محمد بن الحسن ":
[اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب: على الإيمان بالقرآن، والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ، من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه. فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا. فمن قال بقول " جهم " فقد فارق الجماعة] (١).
стр. 10512
وقول الشافعي: [حرام على العقول أن تمثل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه، أو على لسان نبيه ﵊] (١).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 10513
مراجع البحث ومصادره
التفسير: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصر دار الشعب، محمد بن علي الشوكاني، فتح القدير. بيروت، دار الفكر ١٤٠٣/ ١٩٨٣ م.
المراجع:
- د. إبراهيم بيومي مدكور، الفلسفة الإسلامية والنهضة الأوروبية، بحث ضمن كتاب: أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية. مصر، الهيئة المصرية العامة للنشر، ١٩٧٠ م.
- البغدادي، الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت. دار المعرفة، بدون تاريخ.
- ابن تيمية، الاستقامة. ج ١ تحقيق د. محمد رشاد سالم. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ط ١، ١٤٠٣/ ١٩٨٣ م.
- الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله تعالى. مكة المكرمة. المطبعة السلفية. ط ٢، ١٣٥١ هـ.
- فتاوى الرياض، مج: ٣، ٤، ٥. مجموعة الرسائل والمسائل. مصر. مطبعة المنار. ط ١ - ١٣٤٤ هـ.
- ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة (ضمن مجموعة، فلسفة ابن رشد). بيروت دار الآفاق الجديدة. ط ١، ١٤٠٢/ ١٩٨٢ م.
стр. 10514
- د. عبد الحميد منصور، علم اللغة النفسي، الرياض، جامعة الملك سعود، ط ١، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
- ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، ج ٢، مصر. مكتبة الحاج عبد السلام ابن شقرون، ١٣٨٨ هـ / ١٩٦٨ م.
- أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، كتاب التوحيد، وإثبات صفات الرب . مصر. دار الكتب السلفية. ط ٢، ١٤٠٣ هـ.
- أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، سنن الدارمي. دار إحياء السنة النبوية. بدون تاريخ.
- محمد عبده، رسالة التوحيد. مصر. دار المعارف. ط ٥، ١٩٧٧ م.
- محمد مرتضى اليماني، (ابن الوزير) إيثار الحق على الخلق. بيروت. دار الكتب العلمية، ط ١، ١٣١٨ هـ.
- د. محمود قاسم، ابن رشد القاهرة. مكتبة الأنجلو المصرية، بدون تاريخ.
* * *
стр. 10515
شيخ الإسلام ابن تيمية
حامل راية الكتاب والسنة
للدكتور: محمد لقمان السلفي
الحمد لله القدير الذي هدانا إلى سواء السبيل، بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وجعله رحمة وهدى وبشرى للذين يعملون الصالحات. وبنبيه الذي بعثه في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. قال تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمما لا شك فيه عند كل مسلم عالم بموارد الدين الإسلامي ومصادره، أن هذا الدين مبني على أساسين لا ثالث لهما. وهما القرآن والسنة. فالقرآن الكريم هو الأصل الأول الذي يجب على كل مسلم أن يرجع إليه في كل أمر ويحكمه في كل مسألة ويعمل بما ورد فيه من الأحكام الشرعية والأوامر الربانية، ويؤمن بكل ما جاء فيه من المبادئ والعقائد. كما أن السنة النبوية هي الأصل الثاني الذي يفزع إليه المسلم عند كل حادث ويسترشد به في جميع أموره العقدية والشرعية والدينية والدنيوية.
стр. 10516
والآيات والأحاديث في بيان هذه الحقيقة وتجليتها كثيرة جدا، لا داعي لسردها في هذه العجالة. لذا سوف أكتفي ببعض تلك الآيات والأحاديث:
قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
وقال رسول الله ﷺ : «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (٤)».
وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (٥)».
وقد سلك سبيل التمسك بالكتاب والسنة، الصحابة وتابعوهم وأئمة الهدى، فكانوا إذا وجدوا مسألة في القرآن لم يتحولوا عنه إلى غيره، فإذا لم يجدوا في كتاب الله، أخذوا بسنة رسول الله ﷺ ولم يقبلوا منهما بديلا، ولم يعارضوا نص الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسية والعصبية المذهبية. وقد وردت آثار كثيرة من الصحابة والتابعين تدل على أنهم لم يرجحوا شيئا على حديث رسول الله ﷺ في آية حال من الأحوال.
стр. 10517
فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " اتقوا الرأي في دينكم ". وكان يقول: " إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم " (١).
وقال ابن عباس: " إنما هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فمن قال بعد ذلك برأيه فما أدري أفي حسناته أم في سيئاته " (٢).
واستمرت الأمة تأخذ عقائدها وأحكامها الشرعية من الكتاب والسنة رأسا. وترى فيهما الكفاية والشفاء. ثم جاء بعد ذلك عصر الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ودخل في الإسلام كثير من أهل الديانات الأخرى واختلطوا بالمسلمين في كل مكان. وسهل هذا الاختلاط على المسلمين الوقوف على ما عند هؤلاء من مذاهب وأفكار ونظريات وتشريع، فتأثروا بها ووجد أناس أخذوا يفسرون بها الإسلام وعقيدته ثم جدت فتن وأحداث سياسية كبرى شقت صفوف المسلمين وفرقت جماعتهم وأثارت بينهم مجادلات سياسية ودينية اصطبغت بمر الزمن بصبغة الدين. وظهرت في الإسلام فرق جديدة كالخوارج والشيعة والمرجئة، وأخذت تتجادل حول بعض المسائل الدينية. كما وجدت مذاهب فقهية عديدة، ووجد لكل منها متعصبون من عامة المسلمين وخاصتهم وتناحروا فيما بينهم وتباغضوا وتعصب كل حزب بما لديه حتى وصل بهم الأمر إلى رفض الكتاب والسنة وجعلهما وراء ظهورهم.
ولكن رغم كل هذه العصبيات والبعد عن المنابع الأصلية للدين، وجد في كل عصر ومصر أئمة مهتدون ومحدثون كبار ومجددون للدين الحنيف، دعوا الأمة الإسلامية إلى التمسك بالكتاب والسنة والعودة إليهما، وبينوا لها أنه لا خلاص لها من أمراضها إلا بالعودة إلى الدين
стр. 10518
الصحيح والبعد عن الأفكار المستوردة والمذاهب الهدامة والفلسفات والنظريات التي لا صلة لها بالدين الصحيح.
فلما كان القرن السابع الهجري اشتد الأمر وأصبح الظلام دامسا وافترقت الأمة على فرق ومذاهب وتناحر المسلمون بينهم من أجل عقائد لا صلة لها بالدين. وتعصب كل صاحب مذهب لمذهبه أشد تعصب حتى نسوا القرآن والسنة، وأخذت الأمة ترزح تحت دياجير الظلام الحالك. فأظهر الله في أوائل القرن الثامن الهجري زعيم المجددين وقائد النهضة الإسلامية وحامل راية الكتاب والسنة، شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الذي حمل مشعل الدعوة إلى الكتاب والسنة والرجوع إليهما في كل حال وفي كل عصر وبلد. وقد كان ﵀ قويا في إيمانه، مخلصا لدعوته، جريئا في الحق، لا يبالى بما يلقى من الأذى في سبيله، فأعلن مذهب السلف الصالح في جرأة وصراحة، وهاجم جميع الفرق والمذاهب المنحرفة القائمة في عصره، ودعا الناس إلى طريقة السلف الأول من الصحابة والتابعين وحارب كل غريب مستحدث، وخلص الدين مما لحق به من أوضار أو شابه من فساد.
ففي السطور الآتية سوف أحاول أن أكتب عن ناحية مهمة من نواحي حياته العلمية والدعوية، بل هي أهم ناحية في حياته وأساس دعوته، ألا وهو حمله راية الدعوة إلى الكتاب والسنة وإرجاع الإسلام إلى منابعه الصحيحة وإقامة الحجج الدامغة على أن الإسلام لا يعني غير الكتاب والسنة وأن كل ما هو غير ثابت بأحد منهما فهو مردود ومرفوض لا يساوي جناح بعوضة ولا يعادل ذرة من التراب.
حتى استطاع أن يخلص الإسلام من الشوائب وقدمه للأمة الإسلامية في صورته الأصلية البعيدة عن الزيغ والضلال.
стр. 10519
فأقول وبالله التوفيق:
стр. 10520
حياته ونشأته:
هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحراني الدمشقي.
ولد بمدينة " حران " إحدى مدن العراق، وهي الآن في تركيا. وكانت آنذاك مهد العلم والعلماء، ولد في يوم الاثنين الموافق اليوم العاشر من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وست مائة للهجرة النبوية. هاجر مع أبيه وعمره سبع سنوات إلى مدينة دمشق بعد أن أغار التتار على حران. وتجشم الصعاب مع أسرته في الطريق. كانوا يسيرون ليلا خوفا من العدو، وهم يحملون متاعهم الثمين وهو الكتب على عجلة، لعدم توافر الدواب. ويكاد العدو يلحقهم، لولا فضل الله ورحمته.
وكان والده من ذوي الفضل والعلم واشتهر أمره في الوعظ والتدريس والإرشاد والتعليم بجامع دمشق الأعظم حيث تولى مشيخة دار الحديث السكرية (١). توفي والده سنة ستمائة واثنتين وثمانين بدمشق. رحمة الله عليه.
يكاد يجمع المؤرخون على أن ابن تيمية نشأ في عفاف وتقى وصلاح، وعود نفسه على الاقتصاد في الملبس والمأكل. وكان برا بوالديه ورعا، عابدا، ناسكا، صواما، وقافا عند حدود الله، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، راغبا في العلم وناهما له، لا يمل من المطالعة ولا يكل من البحث.
كلما دخل بابا من أبواب العلم فتحه الله على مصراعيه، وتفوق على حذاق ذلك الفن وأئمته، كان يحضر المجالس والمحافل العلمية من صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان ذلك العلم.
стр. 10521
وكان فصيح اللسان، سريع القراءة، قوي الذاكرة، بل نادرة في الحفظ. وقف حياته للعلم والعلماء، والدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله والجهاد في سبيل إعلاء كلمته. أشغلته مهام الأمور الدينية والعلمية، فلم يتزوج ولا تسرى ولا تملك مالا ولا عقارا. ولم يهتم بأمور الدنيا قط. أخوه شرف الدين هو الذي كان يقوم بمصالحه. ما كان يطلب منه غداء ولا عشاء في أغلب الأحيان.
حج سنة إحدى وتسعين وستمائة وعمره ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، وأصبح شيخ الإسلام والمسلمين بشهادة أصدقائه ومعارضيه، رحمة الله عليه.
стр. 10522
كبار مشايخه:
سمع من خلق كثيرين، من أكثر من مائتين، وسمع غير كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية، ومن هؤلاء: الشيخ شمس الدين والشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم، والشيخ أبو اليسر والكمال ابن عبد الله والمجد بن عساكر والجمال يحيى بن الصيرفي، وأحمد بن أبي الخير، والقاسم، والأربلي، والشيخ فخر الدين بن البخاري والكمال عبد الرحيم وأبو القاسم بن علال وأحمد بن شيبان وزينب بنت مكي.
وأقبل على تفسير القرآن الكريم، وعني بالحديث النبوي، ونظر في الكلام وفي الفلسفة وفي العلوم الأخرى الرائجة في ذلك الوقت، وبرز في كل منها على أصله، وتأهل للفتوى والتدريس وعمره دون العشرين سنة (١).
стр. 10523
براعته في تفسير القرآن الكريم:
أقبل على تفسير القرآن الكريم وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال وخاطر وقاد، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها.
قال الذهبي: (ما رأيت أحدا أسرع انتزاعا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه). وقال: (كان آية من آيات الله في التفسير
стр. 10524
والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين)، وقال: (حكى لي من سمعته يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيرا أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها) (١)، وقال ابن كثير: (جلس الشيخ تقي الدين المذكور أيضا يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير من كثرة ما يورد من العلوم المتنوعة المحررة) (٢).
ولقد أملى في تفسير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) مجلدا كبيرا، وفي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) نحو خمس وثلاثين كراسة (٥).
стр. 10525
براعته في علوم السنة:
عني بالحديث النبوي وسمع الكتب الستة والمسند للإمام أحمد مرات، ومعجم الطبراني الكبير وما لا يحصى من الكتب، ونسخ الأجزاء، ودار على الشيوخ، وخرج وانتقى، وبرع في الرجال والطبقات وعلل الحديث وفقهه، وحصل ما لم يحصله غيره، وصار من أئمة النقد، فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث معزوا إلى أصوله وصحابته، وكان شديد الاستحضار للسنة النبوية وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عليه، وهكذا نصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنن المحمدية، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له.
كتب الحافظ ابن سيد الناس في جواب سؤالات الدمياطي في حق ابن تيمية: ألفيته ممن أدرك من العلوم حظا، وكان يستوعب السنن والآثار حفظا (١).
стр. 10526
وقال الذهبي في تاريخه الكبير بعد ترجمة طويلة بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث) (١).
وترجم له ابن الزملكاني ترجمة طويلة، وأثني عليه ثناءا عظيما، وقال: (ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة) (٢).
وقال الحافظ المزي: (ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه) (٣).
وقال أبو حفص البزار: (أما معرفته وبصره بسنة رسول الله ﷺ وأقواله وأفعاله وقضاياه ووقائعه وغزواته وسراياه وبعوثه وما خصه الله تعالى من كراماته ومعجزاته ومعرفته بصحيح المنقول عنه وسقيمه، والمنقول عن الصحابة ﵃ في أقوالهم وأفعالهم وقضاياهم وفتاويهم، وأحوالهم وأحوال مجاهداتهم في دين الله، وما خصوا به من بين الأمة، فإنه كان ﵁ من أضبط الناس لذلك وأعرفهم فيه، وأسرعهم استحضارا لما يريده منه، فإنه قل أن ذكر حديثا في مصنف وفتوى أو استشهد به أو استدل به إلا عزاه في أي دواوين الإسلام هو، ومن أي قسم من الصحيح أو الحسن أو غيرها، وذكر اسم راوية من الصحابة، وقل أن يسأل عن أثر إلا وبينه في الحال، حاله، وحال أمره، وذكره.
ومن أعجب الأشياء في ذلك أنه في محنته الأولى بمصر أخذ وسجن، وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدة كتب صغارا وكبارا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال الصحابة وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها، وفي أي موضع فيها، كل ذلك بديهة من حفظه؛ لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه.
стр. 10527
ونقيت واعتبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغيير، ومن جملتها كتاب " الصارم المسلول على شاتم الرسول "، وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به) (١).
وقال في مكان آخر: (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني في الألفاظ النبوية والأخبار المروية وإبراز الدلائل على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثا، وتبين معانيه وما أريد به، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه فيه) (٢).
ولأجل هذا قال الذهبي بعد أن أطال الكلام عن ابن تيمية وأثنى عليه كثيرا: (وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، والله، لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه لما حنثت) (٣).
وقال الحافظ عماد الدين الواسطي: (والله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علما وعملا وحالا وخلقا واتباعا وكرما وحلما وقياما في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته) (٤).
стр. 10528
دعوته للرجوع إلى الكتاب والسنة:
وقد نهج - رحمة الله عليه - النهج الذي عاد بالإسلام إلى عهد الصحابة في عقائده وأصوله وفروعه، وإذا استيقن أن ما يقوله هو ما كان عليه الصحابة، دافع عنه بالحجة والبرهان واستخدم في هذا السبيل كل ما أوتي من الأسباب العلمية، فأثار إعجاب كبار العلماء وأغضب المبتدعة، واحتسب الأجر، ونال الأذى في هذا السبيل.
стр. 10529
قال ﵀: (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما، يعتمد مخالفة رسول الله ﷺ بشيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ) (١).
وقال: (وليس لأحد أن يعارض الحديث الصحيح عن النبي ﷺ بقول أحد من الناس، كما قال ابن عباس ﵄ لرجل سأله عن مسألة فأجابه فيها بحديث، فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر!!).
وقال: (ثم إننا مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور، لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لا نعلم لها معارضا يدفعها، وأن نعتقد وجوب العمل بها على الأمة، ووجوب تبليغها) (٢).
وقال ﵀: (قد ذم الله في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه، وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله، وهو أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول، وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان، في سره وعلانيته، وفي جميع أحواله).
ثم ذكر ﵀ الآيات التي تدل على أن اتباع الرسول من الإيمان، ثم قال: (وقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من الأربعين موضعا من القرآن، وطاعته طاعة الله)، إلى أن قال: (والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع، أن يعارض قول الله ورسوله بما يخالف ذلك، كائنا من كان المخالف لذلك).
стр. 10530
وقال: (إن الله سبحانه لما ذكر حال من يقول على الله بلا علم بل تقليد السلف، ذكر حال من يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
فهذا حال من كتم علم الرسول، وذلك حال من عدل عنها إلى خلافها، والعادل عنها إلى خلافها يدخل فيه من قلد أحدا من الأولين والآخرين فيما يعلم أنه خلاف قول الرسول ﷺ سواء كان صاحبا أو تابعا أو أحد الفقهاء أو غيرهم.
ومن ادعي إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص، يكون موافقا لما يدعيه، واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم، وأن الإجماع ينسخ النص، كما تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي، فهذا من جنس هؤلاء.
وقال ﵀: (وكثير من الفقهاء المتأخرين أو أكثرهم يقولون: إنهم عاجزون عن تلقي جميع الأحكام الشرعية من جهة الرسول؛ فيجعلون نصوص أئمتهم بمنزلة نص الرسول ويقلدونهم، ولا ريب أن كثيرا من الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو بمعرفتها، ومن سالكي طريق الإرادة والعبادة والفقر والتصوف من يجعل شيخه كذلك، بل قد يجعله كالمعصوم، ولا يتلقى سلوكه إلا عنه، ولا يتلقى عن الرسول سلوكه، مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من تلقي الفروع المتنازعة فيها، فإن السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق، وهذا كله مبين في الكتاب والسنة، فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا بد للمؤمن منه.
ولهذا جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، ولا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة) إلى أن
стр. 10531
قال: (ولكن كثيرا من أهل العبادة والزهادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله ورسوله، فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ، وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة، وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف، وهكذا طريق العبادة عامة ما يقع فيه من الاختلاف، إنما هو بسبب الإعراض عن الطريق المشروع، فيقعون في البدع؛ فيقع فيهم الخلاف، وهكذا الفقه، إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب الشرع) (١).
وقال ابن رجب في طبقاته: (وبلغني من طريق صحيح عن ابن الزملكاني أنه سئل عن الشيخ - يعني ابن تيمية - فقال: لم ير من خمسمائة سنة - أو قال أربعمائة سنة، والشك من الناقل، وغالب ظنه أنه قال: من خمسمائة - أحفظ منه) (٢).
وقال ابن فضل الله العمري: (أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل البدع كل حديث وقديم، ولم يكن منهم إلا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم) (٣).
وقال الحسن بن حبيب: (ابن تيمية بحر زاخر في النقليات، وحبر ماهر في حفظ عقائل العقليات، وإمام في معرفة الكتاب والسنة) (٤).
стр. 10532
تجديده لمعالم الدين:
ذكر علماء الإسلام أن أهل الإيمان يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أنواع حسب مدارج الإيمان، ومراتب العلم والعمل الصالح: السابقون الأولون، ثم المقتصدون، ثم ضعفاء الطريق، وهذا الذي أشار إليه النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود قال: قال الرسول
стр. 10533
صلى الله عليه وسلم -: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له في أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (١)».
فقد أشير في هذا الحديث إلى الدرجات الإيمانية الثلاث، والحديث صريح في الدرجات الثلاث بالنسبة للذين يحاربون البدعة ويجاهدون ضد الذين يحاربون الدين وشريعته، ولكن الأمر ليس محصورا في الرد على المبتدعة فقط، بل هو سار في جميع ميادين العلم والعمل، ولكن المجال الأكبر والأوسع لهذا هو الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتبليغ دين الله إلى البشرية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة أعداء الله وأصحاب البدع.
والطبقة المثلى من الطبقات الثلاث والدرجة العليا من درجات الإيمان هم الذين اختارهم الله لإصلاح البشرية، ودعوة الشعوب والأقوام إلى الحق الذي لا مرية فيه، وهم الذين يستنيرون بنور النبوة، وينهجون منهج الأنبياء، ويسلكون السبيل الذي هو سبيل الحق والرشاد، وهم ورثة الأنبياء بكل ما تعني الكلمة من المعاني السامية.
ولكن هؤلاء العظماء لا يأتون في كل زمان، ولا يأتون إلا في عدد قليل، إنهم لا يأتون إلا ليصلحوا ما أفسده الناس في عصرهم، وما لم يستطع أن يصلحه كبار ذلك العصر وعلماؤه ومصلحوه ودعاته، إنهم لا يبالون بالعراقيل التي تواجههم في الطريق، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخضعون للمصائب والبلايا التي تريد أن تسد عليهم الطريق إلى الأمام، وهم لا يقفلون أبواب بيوتهم على أنفسهم خوفا من الشدائد وحفاظا على أنفسهم، زاعمين أن الفتن ادلهمت، والشرور
стр. 10534
واستولت على الأمور، فلا عليهم إلا أن يحموا أنفسهم من الشرور والفتن، إنهم يأتون في العصر المليء بالفتن والبدع والخرافات، العصر الذي يزعم فيه كبار العلماء أن الحق والدعوة إليه أن لا تتزلزل أقدامهم، وأن لا يقعوا فيما وقع فيه الناس، فيأتي ذلك المجدد الذي لا يبالي بأي شيء في سبيل الإصلاح، ويستقي من نور النبوة، ويتقدم لإصلاح معالم الدين التي أفسدها المفسدون من المبتدعة والملاحدة والمنطقيين والفلاسفة وأهل الأهواء والفرق الضالة، ويصعد في الدرجات العلى حتى يصل إلى المكان الذي لا يمكن أن يتصور الوصول إليه عظماء ذلك العصر.
ولقد كانت نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الهجري عصرا مليئا بالأحداث السياسية والدينية والفكرية، الأمر الذي هز كيان الأمة الإسلامية، وأبعدها من المنابع الصافية للإسلام، وأشغلها بعقائد وأفكار لم تكن تمت إلى الإسلام بشيء.
دخلت الفلسفة والمنطق إلى حياة الأمة، وجعلت أفكار اليونان تأخذ مكان العقائد الإسلامية، وانعكست القضية حيث أصبح المسلمون في معزل عن الكتاب والسنة، فأخذ المسلمون يستنبطون عقائدهم من الفلسفة والمنطق، كما أخذوا يتغلغلون في القائق والتفريعات الفقهية، بعيدين عن الكتاب والسنة، وأصبح كل صاحب مذهب فقهي يفرح بما لديه من الآراء والأقيسة، ويشنع على الآخرين، واستولي الفكر المذهبي على أذهان الناس، حتى بات الحديث عن الكتاب والسنة حديثا غريبا، وصارت دعوة الرجوع إلى الكتاب والسنة دعوة شاذة، يؤذى صاحبها، ويبتر لسان المنادي بها، وهكذا تغيرت معالم الدين، وكاد أن ينطفئ - لا قدر الله - مشعل القرآن والسنة، لولا أن تداركت رحمة ربنا، فجاء الإمام الرباني شيخ الإسلام والمسلمين تقي الدين أحمد بن تيمية، وقد كانت البلاد الإسلامية بها آلاف من العلماء البارزين والدعاة والمصلحين، ولكن مرتبة العزيمة التي كانت تتطلب نفسا عالية، لم
стр. 10535
يتأصل لها غير شيخ الإسلام، فقد ذكر القاضي أبو البركات المخزومي أن بلاد الشام فقط كان بها سبعون مجتهدا، والتاريخ يشهد أن الأئمة والحفاظ والنقاد الذين وجدوا في ذلك العصر لم يوجدوا مجتمعين في عصر آخر، منهم: أبو الفتح بن سيد الناس الأشبيلي، وشمس الدين المقدسي، وأبو العلى الأنصاري السبكي، والقاضي الزملكاني، وأبو العباس بن عمر الواسطي، وأبو الفداء عماد الدين، والحافظ ابن قدامة المقدسي، والإمام برهان الدين الفزاري، والحافظ صلاح الدين البعلبكي، والشيخ صفي الدين البغدادي، والحافظ البرزالي الأشبيلي، وتقي الدين السبكي، والحافظ جمال الدين المزي، والإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، والحافظ أبو عبد الله الذهبي، وغيرهم كثيرون من الذين ذكر حياتهم وسيرهم الحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر العسقلاني في كتبهما.
وأخص منهم بالذكر الحافظ المزي، والحافظ البرزالي، وابن دقيق العيد والحافظ الذهبي، فقد كان كل منهم إماما في الحديث وعلومه، وخاصة الإمام الذهبي فإن أياديه على الأمة عظيمة، ولا يشاركه في هذه الأفضال إلا الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد حفظا على الأمة الإسلامية سنة رسولها، وضبطا ودونا ونقدا وجمعا أحوال الرواة وأخبارهم، وكشفا الصحيح والضعيف، وميزا بين المقبول والمردود، حتى أصبح العمل بالسنة سهلا ميسورا للمسلمين.
فإنه لا يخفى على من لديه إلمام بتاريخ السنة، أنها مرت بعهدين، العهد الأول عهد التدوين، والثاني عهد التنقيح والتمييز، وهما من فرسان العهد الأول بل من رواده، حتى أصبحت السنة وعلومها مدونة ومنقحة وسهلة ميسورة للعمل بها لكل من أراد التمسك بالكتاب والسنة.
ولكن هل تجد أحدا من هؤلاء العظماء استطاع أن يدرك غبار شيخ الإسلام - رحمة الله عليه -؟ الجواب: لا، فإن شيخ الإسلام فاق أقرانه وأهل عصره في جميع العلوم والفنون، ومع ذلك نال درجة لم ينلها غيره،
стр. 10536
وهي درجة العزيمة في الدعوة إلى الله، ورتبة تجديد معالم الدين، وإعادة الأمة إلى حظيرة الكتاب والسنة، حتى أجمع أهل عصره على القول بأنهم ما رأوا مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه، وقد مرت أقوال الأئمة في عصره للاعتراف بهذا (١).
ولا بأس أن أذكر هاهنا ملخص ما ذكره الحافظ ابن كثير عما جرى للشيخ عماد الدين الواسطي، فقد ذكر، أن الواسطي هذا كان في أول الأمر من الفقهاء المتكلمين، وكان يغلب عليه الجدل والكلام والرأي، فلما انتقل من مصر إلى بغداد والتقى بأهلها وعلمائها، وتوسعت مداركه، وحاسب نفسه وجدها فارغة عن الطمأنينة؛ فترك سبيل الفقهاء والمتكلمين واتجه إلى التصوف واقترب من المتصوفة، فلما رأى ما رأى عندهم من الغرائب، تكدر طبعه وقرر السفر إلى دمشق، وحضر مجلس شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان الدرس الأول عن المتكلمين والفلاسفة وعن فقدهم طمأنينة القلب، وأن مشاهيرهم اعترفوا بهذا، وشهدوا على أنفسهم بالاضطراب والحيرة اللذين سببهما الكلام والفلاسفة في قلوبهم، فقالوا:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
أو قالوا:
نهاية أرباب العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
يقول الشيخ عماد الدين ما معناه: إن شيخ الإسلام استمر في كلامه وأوضح أن الدواء الناجع لأمراض القلب، والسبب الوحيد لنيل طمأنينته، هو التمسك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فانقشع الظلام، وزالت الحيرة، ووجدت نور الحقيقة الذي كنت حيران من أجله.
стр. 10537
قال: فلما اطلع شيخ الإسلام على أحوالي أوصاني بقراءة السيرة النبوية؛ فإنها الوصفة الكافية الشافية من جميع أمراض القلوب (١).
أقول: وهل تعني السيرة النبوية إلا سنة الرسول ﷺ وهل السنة إلا تفسير لكتاب الله؟ فتبين بذلك أن شيخ الإسلام أوضح للواسطي ولغيره أنه لا نجاة للأمة الإسلامية من جميع أمراضها إلا في اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وهذا عين تجديد معالم الدين ودعوة الرجوع إلى الكتاب والسنة (٢) وقد اعترف الشيخ ولي الله الدهلوي لشيخ الإسلام بجميع تلك المزايا والأوصاف التي أهلته ليكون مجددا لمعالم الدين ومحييا للكتاب والسنة.
فقد قال ﵀:
(وعلى هذا الأصل اعتقدنا في شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فإنا قد تحققنا من حاله أنه عالم بكتاب الله ومعانيه اللغوية والشرعية، وحافظ لسنة رسول الله ﷺ وآثار السلف، عارف لمعانيهما اللغوية والشرعية، أستاذ في النحو واللغة، محرر لمذهب الحنابلة وفروعه وأصوله، فائق في الذكاء، ذو لسان وبلاغة في الذب عن عقيدة أهل السنة، لم يؤثر عنه فسق ولا بدعة، اللهم إلا هذه الأمور التي ضيق عليه لأجلها، وليس شيء منها إلا ومعه دليله من الكتاب والسنة، فمثل هذا الشيخ عزيز الوجود في العلم، أو من يطيق أن يلحق شأوه في تحريره وحديثه، والذين ضيقوا عليه ما بلغوا معشار ما آتاه الله تعالى، وإن كان تضييقه ذلك ناشئا عن اجتهاد، ومشاجرة العلماء في مثل ذلك ما هي إلا كمشاجرة الصحابة ﵃ فيما بينهم، والواجب في ذلك كف اللسان إلا بخير (٣).
стр. 10538
محاربته للعقائد والأفكار المضادة للكتاب والسنة:
لا يخفى على كل من لديه معرفة بالكتاب والسنة أنهما شملا بيان العقائد والشرائع وجميع ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، ولكن جدت في الإسلام فتن وأحداث سياسية كبرى ووجدت مذاهب وأفكار اصطبغت بصبغة الدين، كما ظهرت فرق جديدة مثل الخوارج والشيعة والمرجئة وغيرت معالم الدين، واشتدت هذه الفتن ونشطت الفرق الضالة في عصر شيخ الإسلام، وكادت أن تغطي على حقائق الإسلام وصدقه وبهائه، فجاء شيخ الإسلام ليرد إلى الإسلام نضارته، ويدحض الباطل، ويكشف زيغ الفرق الباطلة التي أرادت أن تشوه العقائد الأساسية للإسلام وشريعته السمحاء، وهاجم جميع الفرق والمذاهب المنحرفة عن الكتاب والسنة القائمة في عصره.
واختص الأشعرية من ذلك بالنصيب الأوفر، كما أنه ناقش مناهج الفلاسفة والمتكلمين في بحث الشئون الإلهية ونقدها، وبين أن المناهج التي سلكها هؤلاء وأولئك، كانت بعيدة كل البعد عن الصواب، وأنهم أبعد الناس عن معرفة الأمور الإلهية، وأن أكثر كلامهم فيها خبط وتخليط؛ لأنهم لم يستضيئوا بنور النبوة، فمزجوا الحق الذي أخذوه من الدين بالباطل الذي بنوه على أصولهم الفلسفية الفاسدة، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة على حساب الدين، فعمدوا إلى النصوص فأولوها بتأويلات بعيدة ومتكلفة حتى تتلاءم مع قواعدهم الفلسفية.
وهكذا الأشاعرة المتأخرون لجأوا إلى التأويل في الصفات الخبرية كغيرهم من الفلاسفة والمعتزلة، وخلاصة القول عن الفرق الثلاث - أعني الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية عند ابن تيمية - أن مناهجهم في العقيدة بعيدة عن الحق؛ لأنهم جميعا سلموا بقضية عامة، وهي أنه إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم العقل، فحكموا عقولهم في مسائل العقيدة
стр. 10539
وتلاعبوا بالنصوص، فإذا كانت ثابتة بحيث لا يمكن ردها جعلوها من التشابه، وإلا بادروا إلى إنكارها.
ولكن الأشاعرة في نظره خير من المعتزلة ومن عداهم من سائر الفرق الأخرى؛ لأنهم يوافقون السلف في كثير من المسائل، كما أنهم ردوا على بدع المعتزلة والجهمية والرافضة، وبينوا كثيرا من تناقضاتهم وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة (١).
وقد تصدى لبيان اتجاهه المبني على الكتاب والسنة في العقيدة والأسماء والصفات والتمسك بالكتاب والسنة في مقدمة كتابه الحموية، وأوضح فكرته بكل تفصيل، ومما قال فيها: (من المحال أيضا أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (٢)»، وقال فيما صح عنه أيضا، «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم (٣)». .
وقال أبو ذر: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما (٤)».
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه (٥)». رواه البخاري، محال مع هذا ومع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دق، أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدون بقلوبهم في ربهم ومعبودهم، رب العالمين) إلى أن قال: (إن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة، ومن حذا حذوهم على طريق السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد
стр. 10540
الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (١).
ومن أحسن ما قرأت في بيان قوة شيخ الإسلام في هذا الجانب، هو ما كتبه تلميذه أبو حفص البزار، فقد قال - رحمة الله عليه -: (وأما ما خصه الله تعالى به من معارضة أهل البدع في بدعتهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، وما ألفه في ذلك من دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضتهم النفسانية للشريعة الحنيفية المحمدية، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية، والتوضيحات العقلية، حتى انكشف قناع الحق، وبان فيما جمعه في ذلك وألفه الكذب من الصدق، حتى لو أن أصحابها أحياء ووفقوا لغير الشقاء، لأذعنوا له بالتصديق ودخلوا في الدين العتيق).
ثم قال: (حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء النبلاء الممعنين بالخوض في أقاويل المتكلمين لإصابة الصواب وتمييز القشر من اللباب، أن كلا منهم لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الأصوليين ومعقولاتهم، وأنه لم يستقر في قلبه منه قول، ولم يبين له من مضمونها حق، بل رآها كلها موقعة في الحيرة والتضليل، وجلها مذعن بتكافؤ الأدلة والتعليل، وأنه كان خائفا على نفسه، حتى من الله تعالى عليه بمطالعته مؤلفات هذا الإمام أحمد بن تيمية شيخ الإسلام مما أورده من النقليات والعقليات في هذا النظام، فما هو إلا أن وقف عليها وفحصها فرآها موافقة للعقل السليم وعلمها، حتى انجلى ما كان قد غشيه من أحوال المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك وظفر بالمرام) (٢).