وهي درجة العزيمة في الدعوة إلى الله، ورتبة تجديد معالم الدين، وإعادة الأمة إلى حظيرة الكتاب والسنة، حتى أجمع أهل عصره على القول بأنهم ما رأوا مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه، وقد مرت أقوال الأئمة في عصره للاعتراف بهذا (١).
ولا بأس أن أذكر هاهنا ملخص ما ذكره الحافظ ابن كثير عما جرى للشيخ عماد الدين الواسطي، فقد ذكر، أن الواسطي هذا كان في أول الأمر من الفقهاء المتكلمين، وكان يغلب عليه الجدل والكلام والرأي، فلما انتقل من مصر إلى بغداد والتقى بأهلها وعلمائها، وتوسعت مداركه، وحاسب نفسه وجدها فارغة عن الطمأنينة؛ فترك سبيل الفقهاء والمتكلمين واتجه إلى التصوف واقترب من المتصوفة، فلما رأى ما رأى عندهم من الغرائب، تكدر طبعه وقرر السفر إلى دمشق، وحضر مجلس شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان الدرس الأول عن المتكلمين والفلاسفة وعن فقدهم طمأنينة القلب، وأن مشاهيرهم اعترفوا بهذا، وشهدوا على أنفسهم بالاضطراب والحيرة اللذين سببهما الكلام والفلاسفة في قلوبهم، فقالوا:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
أو قالوا:
نهاية أرباب العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
يقول الشيخ عماد الدين ما معناه: إن شيخ الإسلام استمر في كلامه وأوضح أن الدواء الناجع لأمراض القلب، والسبب الوحيد لنيل طمأنينته، هو التمسك بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فانقشع الظلام، وزالت الحيرة، ووجدت نور الحقيقة الذي كنت حيران من أجله.
стр. 10537
قال: فلما اطلع شيخ الإسلام على أحوالي أوصاني بقراءة السيرة النبوية؛ فإنها الوصفة الكافية الشافية من جميع أمراض القلوب (١).
أقول: وهل تعني السيرة النبوية إلا سنة الرسول ﷺ وهل السنة إلا تفسير لكتاب الله؟ فتبين بذلك أن شيخ الإسلام أوضح للواسطي ولغيره أنه لا نجاة للأمة الإسلامية من جميع أمراضها إلا في اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وهذا عين تجديد معالم الدين ودعوة الرجوع إلى الكتاب والسنة (٢) وقد اعترف الشيخ ولي الله الدهلوي لشيخ الإسلام بجميع تلك المزايا والأوصاف التي أهلته ليكون مجددا لمعالم الدين ومحييا للكتاب والسنة.
فقد قال ﵀:
(وعلى هذا الأصل اعتقدنا في شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فإنا قد تحققنا من حاله أنه عالم بكتاب الله ومعانيه اللغوية والشرعية، وحافظ لسنة رسول الله ﷺ وآثار السلف، عارف لمعانيهما اللغوية والشرعية، أستاذ في النحو واللغة، محرر لمذهب الحنابلة وفروعه وأصوله، فائق في الذكاء، ذو لسان وبلاغة في الذب عن عقيدة أهل السنة، لم يؤثر عنه فسق ولا بدعة، اللهم إلا هذه الأمور التي ضيق عليه لأجلها، وليس شيء منها إلا ومعه دليله من الكتاب والسنة، فمثل هذا الشيخ عزيز الوجود في العلم، أو من يطيق أن يلحق شأوه في تحريره وحديثه، والذين ضيقوا عليه ما بلغوا معشار ما آتاه الله تعالى، وإن كان تضييقه ذلك ناشئا عن اجتهاد، ومشاجرة العلماء في مثل ذلك ما هي إلا كمشاجرة الصحابة ﵃ فيما بينهم، والواجب في ذلك كف اللسان إلا بخير (٣).
стр. 10538
محاربته للعقائد والأفكار المضادة للكتاب والسنة:
لا يخفى على كل من لديه معرفة بالكتاب والسنة أنهما شملا بيان العقائد والشرائع وجميع ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، ولكن جدت في الإسلام فتن وأحداث سياسية كبرى ووجدت مذاهب وأفكار اصطبغت بصبغة الدين، كما ظهرت فرق جديدة مثل الخوارج والشيعة والمرجئة وغيرت معالم الدين، واشتدت هذه الفتن ونشطت الفرق الضالة في عصر شيخ الإسلام، وكادت أن تغطي على حقائق الإسلام وصدقه وبهائه، فجاء شيخ الإسلام ليرد إلى الإسلام نضارته، ويدحض الباطل، ويكشف زيغ الفرق الباطلة التي أرادت أن تشوه العقائد الأساسية للإسلام وشريعته السمحاء، وهاجم جميع الفرق والمذاهب المنحرفة عن الكتاب والسنة القائمة في عصره.
واختص الأشعرية من ذلك بالنصيب الأوفر، كما أنه ناقش مناهج الفلاسفة والمتكلمين في بحث الشئون الإلهية ونقدها، وبين أن المناهج التي سلكها هؤلاء وأولئك، كانت بعيدة كل البعد عن الصواب، وأنهم أبعد الناس عن معرفة الأمور الإلهية، وأن أكثر كلامهم فيها خبط وتخليط؛ لأنهم لم يستضيئوا بنور النبوة، فمزجوا الحق الذي أخذوه من الدين بالباطل الذي بنوه على أصولهم الفلسفية الفاسدة، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة على حساب الدين، فعمدوا إلى النصوص فأولوها بتأويلات بعيدة ومتكلفة حتى تتلاءم مع قواعدهم الفلسفية.
وهكذا الأشاعرة المتأخرون لجأوا إلى التأويل في الصفات الخبرية كغيرهم من الفلاسفة والمعتزلة، وخلاصة القول عن الفرق الثلاث - أعني الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية عند ابن تيمية - أن مناهجهم في العقيدة بعيدة عن الحق؛ لأنهم جميعا سلموا بقضية عامة، وهي أنه إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم العقل، فحكموا عقولهم في مسائل العقيدة
стр. 10539
وتلاعبوا بالنصوص، فإذا كانت ثابتة بحيث لا يمكن ردها جعلوها من التشابه، وإلا بادروا إلى إنكارها.
ولكن الأشاعرة في نظره خير من المعتزلة ومن عداهم من سائر الفرق الأخرى؛ لأنهم يوافقون السلف في كثير من المسائل، كما أنهم ردوا على بدع المعتزلة والجهمية والرافضة، وبينوا كثيرا من تناقضاتهم وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة (١).
وقد تصدى لبيان اتجاهه المبني على الكتاب والسنة في العقيدة والأسماء والصفات والتمسك بالكتاب والسنة في مقدمة كتابه الحموية، وأوضح فكرته بكل تفصيل، ومما قال فيها: (من المحال أيضا أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (٢)»، وقال فيما صح عنه أيضا، «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم (٣)». .
وقال أبو ذر: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما (٤)».
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه (٥)». رواه البخاري، محال مع هذا ومع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دق، أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدون بقلوبهم في ربهم ومعبودهم، رب العالمين) إلى أن قال: (إن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة، ومن حذا حذوهم على طريق السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد
стр. 10540
الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (١).
ومن أحسن ما قرأت في بيان قوة شيخ الإسلام في هذا الجانب، هو ما كتبه تلميذه أبو حفص البزار، فقد قال - رحمة الله عليه -: (وأما ما خصه الله تعالى به من معارضة أهل البدع في بدعتهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، وما ألفه في ذلك من دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضتهم النفسانية للشريعة الحنيفية المحمدية، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية، والتوضيحات العقلية، حتى انكشف قناع الحق، وبان فيما جمعه في ذلك وألفه الكذب من الصدق، حتى لو أن أصحابها أحياء ووفقوا لغير الشقاء، لأذعنوا له بالتصديق ودخلوا في الدين العتيق).
ثم قال: (حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء النبلاء الممعنين بالخوض في أقاويل المتكلمين لإصابة الصواب وتمييز القشر من اللباب، أن كلا منهم لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الأصوليين ومعقولاتهم، وأنه لم يستقر في قلبه منه قول، ولم يبين له من مضمونها حق، بل رآها كلها موقعة في الحيرة والتضليل، وجلها مذعن بتكافؤ الأدلة والتعليل، وأنه كان خائفا على نفسه، حتى من الله تعالى عليه بمطالعته مؤلفات هذا الإمام أحمد بن تيمية شيخ الإسلام مما أورده من النقليات والعقليات في هذا النظام، فما هو إلا أن وقف عليها وفحصها فرآها موافقة للعقل السليم وعلمها، حتى انجلى ما كان قد غشيه من أحوال المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك وظفر بالمرام) (٢).
стр. 10541
محاربته للتصوف الزائف:
لا شك عند المسلم الصحيح العقيدة أن أي أمر وأي سلوك، إن لم يكن موافقا للشريعة فهو ضلال، وصاحبه ضال ومائل عن الطريق السوي؛ لذلك لم يكن يتوقع من شيخ الإسلام إلا كشف زيغ الصوفية الضلال الذي أغووا الأمة وأضلوها، وجاءوا بعقائد وأعمال وأفكار وأخيلة لا تمت إلى الإسلام بصلة، ولا يخفى على اللبيب أن كلامي لا يشمل السلوك الثابت في القرآن والسنة، إنما الكلام عن الضلال والغواية والكفر والفساد التي جاء بها الصوفية الضلال الذين عادوا القرآن والسنة حينا جهارا وآخر سرا، وعكسوا القضية حيث نبذوا الإسلام الصحيح وأدخلوا فيه كل ما جاء النبي ﷺ لمحاربته، ومن تلك الأباطيل والضلالات تنسك الهنود، وعقيدة الحلول والاتحاد، ومذهب وحدة الوجود، وتقسيم الدين إلى الظاهر والباطن، وفتنة الرموز والأسرار، والعلم الدفين، وسقوط التكاليف الشرعية عن الكاملين والواصلين، واستثناؤهم عن الأحكام الشرعية، فقد كانت هذه الأفكار والمعتقدات دخلت فيما سمي بالتصوف.
وكانت الفتنة قد استفحلت في القرنين السابع والثامن، فجاء هذا المجدد العظيم الذي تناول هذه الفئة الباغية على دين الله بهدم كيانها وكشف قناعها، حتى تعرت حقائقها لكل راء ومستمع، إن هؤلاء الصوفية قالوا: بجواز حلول الله في الآدميين، وأظهر من قال بهذا هو الحلاج، ثم جاء ابن عربي فحكم بوحدة الوجود، وأن الوجود واحد تعددت صوره وأشكاله، وأن المخلوق يتحد مع الخالق من حيث المحبة والشوق؛ فيتصل بالله ويعلو إليه، فيكون في درجة فناء ذاته الفانية في ذات الله الباقية، وقد جاءت هذه الفكرة في شعر عمر بن الفارض، الذي أمعن شيخ الإسلام في نقده.
стр. 10542
وقد ذكر شيخ الإسلام أن ابن عربي ادعى أن أصحاب النار يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وأنه يسمى عذابا من عذوبة طعمه، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام (١).
وقد تكلم طائفة من التصوف في تحقيق التوحيد، فزعموا أن توحيد الربوبية هو الغاية والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عن استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي، والوعد والوعيد.
وقد حكم عليهم شيخ الإسلام فقال: هذه هو الكفر الصريح. وقد رد على القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد فقال: يقول عارفهم: السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية، أي نظرا إلى الأمر، ثم يرى طاعة بلا معصية، أي نظرا إلى القدر، ثم لا طاعة ولا معصية نظرا إلى أن الوجود واحد.
ثم رد عليهم فقال: (صفات الله توجب مباينة لمخلوقاته، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢).
وقد زعم ابن عربي: أن الولاية أساس المرتبة الروحية كلها، وأن النبوة والرسالة تنقطعان؛ لأنهما مقيدتان بالزمان والمكان، أما الولاية فلا تنقطع أبدا؛ لأن المعرفة الكاملة بالله لا تنقطع ولا تحد بزمان أو مكان، كما أن العلم الشرعي يوحى به إلى الرسول على لسان الملك، أما العلم الباطني عند الولي فهو إرث يرثه من منبع الفيض الروحي جميعه.
وقد رد عليه شيخ الإسلام لكون هذه العقيدة خطرا يهدد كيان الإسلام، ولكونها مخالفة للعقل والشرع، وهي بينة الضلال والكفر؛ لأنها تحرر عن الدين والشريعة والعقيدة التي جاء به الرسل جميعا، وخروج على الله، وبغي وفساد في الأرض (٣).
стр. 10543
ولا أريد استقصاء جميع أباطيل الصوفية ورد شيخ الإسلام عليها، إنما أردت عرض بعض النماذج من أفكارهم وخطورتها على الإسلام والمسلمين، حتى يتبين لنا الأسباب الحقيقية لاهتمام شيخ الإسلام بتتبع تلك الضلالات والرد عليها، فشن عليهم حربا شعواء أقضت مضاجعهم، وناقش أقوالهم مناقشة العارف لها، الفاحص لدقائقها العارف لأسرارها.
ومن أعظم ما ألف شيخ الإسلام في هذا الخصوص هو كتابه " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " فقد فصل فيه القول في الولاية الرحمانية وبيان صفاتها من الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وفرق بين ذلك وبين الولاية الشيطانية الصوفية التي تعتمد على الشعوذات والدجل والكذب وأكل أموال الناس بالباطل، والسماع والغناء والرقص والبدع المنكرة في الدين، والتظاهر بالصلاح والتقوى.
ولقد أجاد شيخ الإسلام أيما إجادة في بيان الكرامة الرحمانية التي هي حق لولي الله، والكرامة الشيطانية التي تجري أحيانا على أيدي هؤلاء كتظاهرهم بالدخول في النيران، وزعموا أنها لا تضرهم، وحملهم الحيات والثعابين، أو ضربهم أنفسهم بالسيوف والسهام، وغير ذلك من أنواع المخاريق التي يزعمون أنها من كراماتهم.
وقد قام شيخ الإسلام بتحدي هؤلاء الصوفية الذين يزعمون هذه الكرامات، وأنه يدخل معهم النار التي يزعمون دخولها، وأنها تحرقهم إن شاء الله ولا تحرقه، شريطة أن يغسلوا أنفسهم أولا بالخل، وذلك لإزالة دهن الضفادع الذي يدهنون به أنفسهم حتى لا تؤثر فيهم النار، فلما كشف حيلهم وتحداهم، وكان ذلك بمحضر السلطان تراجعوا من ذلك وظهر كذبهم ومخاريقهم (١).
стр. 10544
استقلاله في أخذ الفقه من الكتاب والسنة:
لا يفوتني أن أوضح نقطة هامة في حياة شيخ الإسلام، وهي استقلاله الفكري وقدرته الاجتهادية المطلقة للاستفادة من كتاب الله
стр. 10545
وسنة رسوله، فقد وجد في عصره من اشتهروا بالذكاء والذاكرة والتبحر العلمي، ولكنهم كانوا أتباعا للأئمة السابقين ومذاهبهم الفقهية، ولم يقدر أحد منهم أن يستقل بآرائه ويتجرأ على الجهر باختياراته ما دام الكتاب والسنة يؤيدانها، أما شيخ الإسلام فقد درس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآثار السلف الصالح بكل شمولية وعمق، ثم اختار ما ترجح بالكتاب والسنة، وجهر به دون أن يبالي بالذي قاله خلافه من الأئمة السابقين، فهو تابع الدليل يدور معه حيثما دار.
وهذا الذي أشار إليه تلميذه أبو حفص البزار عندما قال: (كان لا يذكر رسول الله ﷺ إلا ويصلي ويسلم، ولا والله ما رأيت أحدا أشد تعظيما لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى إذا كان أورد شيئا من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنا من كان، وقال ﵁: (كل قائل إنما يحتج لقوله لا به، إلا الله ورسوله) (١).
وقال ابن الوردي: (له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، قل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة). ثم قال: (وبقي سنين، لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون، وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدى إليه اجتهاده وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال) (٢).
стр. 10546
وكتب الحافظ ابن كثير عن شيخ الإسلام فقال: (ثم إن الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازما لاشتغال الناس في سائر العلوم ونشر العلم، وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام، والكتابة المطولة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) (١).
وهناك أقوال كثيرة أخرى لأئمة عصره، اعترفوا له فيها بالإمامة والاستقلال الفكري والتبحر العلمي، وتفوقه بدرجات كثيرة على معاصريه في علوم القرآن والسنة والشروط التي يجب توافرها للاجتهاد، ولذلك رغم اعترافه الصريح بعلو مكانة الأئمة الأربعة، وحسن اجتهادهم وتفوقهم العلمي على كثير من الأئمة، جاهر بأن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وخالف تلك المذاهب الفقهية في كثير من المسائل اتباعا لنصوص الكتاب والسنة، ولم يبال من هو هذا الشخص الذي يخالفه، ما دامت الأدلة من الكتاب والسنة تؤيده.
فهو من أصحاب الاجتهاد المطلق الذي لم ينتسب لمذهب من المذاهب، ولا ينقض هذا القول بما ذكره بعض الناس من استمساكه بالمذهب الحنبلي في أكثر أدواره، وفي أكثر آرائه، وإعلانه أن المذهب الحنبلي خير المذاهب؛ لأن هذا يدل على أن شمولية علم شيخ الإسلام للكتاب والسنة أوصلته إلى معرفة أن المذهب الحنبلي هو خير المذاهب؛ لأن دليله على هذا هو إثبات أن المذهب الحنبلي أقرب المذاهب إلى السنة.
ولا يعني كونه مجتهدا مطلقا أن يخالف الأئمة الأربعة في أكثر المسائل؛ لأن هذا يستدعي إلى القول بأحد الأمرين، إما أن تلك المذاهب غير مؤسسة على القرآن والسنة؛ لأن شيخ الإسلام يمشي مع الدليل
стр. 10547
من الكتاب والسنة حيثما أوجده، أو أن يكون شيخ الإسلام لم يكتمل فيه شروط الاجتهاد، ومن أهمها استيعاب القرآن والسنة، حتى خالف الأئمة الأربعة على غير بصيرة، وهذا لم يقله أحد، فترجيحه لرأي من الآراء حسب الدليل لا يعني ألبتة أنه مقلد للإمام الذي قال بذلك القول قبل شيخ الإسلام، أو أنه مجتهد منتسب من مجتهدي الحنابلة، فقد اختار من المسائل في الفقه بالدليل، ووافق ما وافق فيه من المسائل لأحد الأئمة الأربعة بالحجة والبرهان.
ومن هذا القبيل رأيه ﵀ في يمين الطلاق، وفيمن طلق زوجته ثلاثا بلفظة واحدة، وكلامه في التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته.
فاختياراته في هذه المسائل وفي غيرها لم تكن إلا مدعمة بالأدلة الواضحة الصريحة من الكتاب والسنة، ولا يسع هذا المقام لذكر التفاصيل لتلك الاختيارات وأدلتها، ولكن الذي لا مرية فيه، أنه ﵀ كان متبعا للدليل من الكتاب والسنة، وقد علمنا فيما مضى من هو شيخ الإسلام، وما مكانته في معرفة الكتاب والسنة، فإنه لم يشق غباره في هذا الأمر، ولم يكن شاذا في اختياراته؛ فقد قالها الصحابة والأئمة من قبله، فليرجع إلى كتبه ﵀ والكتب الحديثية من أراد التفصيل والاطلاع على تلك الأدلة (١).
стр. 10548
المحن التي ابتلي بها:
لقد خاض شيخ الإسلام معارك ضارية مع معاصريه في منازعات عقائدية وفكرية، فكثر أعداؤه من شتى الطوائف، فكان له خصوم من الصوفية الذين حارب شيخ الإسلام تواكلهم وغلوهم في الزهد، وخروجهم عن منهج الكتاب والسنة، ومن المتكلمين الذين كره تأثرهم بمصادر أجنبية، وإدخالهم في العقيدة الإسلامية من الضلالات التي لا تمت إليها بصلة، ومن الفقهاء الذين جمد تفكيرهم، وركنوا إلى التقليد الجامد، وقفلوا في وجوههم أبواب الكتاب والسنة.
стр. 10549
تآمر الأعداء والخصوم على شيخ الإسلام فلفقوا له التهم الكاذبة، ولكن إيمانه العميق بالله أمده بصبر شديد على ما ابتلي به من المحن، ومنعه من التدريس والإفتاء وسجنه، فلا يكاد يخرج من السجن إلا ويعود إليه، فقضى سنوات طويلة معاقبا بالحبس في سجون دمشق والقاهرة والإسكندرية، ولم يرحمه أعداؤه حتى في شيخوخته، فلفظ أنفاسه الأخيرة في سجنه بقلعة دمشق، رحمه لله رحمة واسعة، وجزاه بما يجزي به عباده الصالحين البررة المجاهدين في سبيله.
стр. 10550
زهده في الدنيا ومكارم أخلاقه:
كان - رحمة الله عليه - سيفا مسلولا على المخالفين لدين الله - كما عرفنا - وشجا في حلوق أهل الأهواء والمبتدعة، وإماما قائما ببيان الحق ونصرة الدين، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، كما قال ابن شاكر الكتبي: (لذا نعته أعداء السنة والمبتدعة بالخشونة ومساوئ الأخلاق، وأنه كان فظا غليظ القلب، لم تطرق الرحمة أبواب قلبه).
ولا يكون البهت أشنع من هذا، ولا عداوة أشد من هذه العداوة، إذ قلبوا الحقيقة وجعلوا من رجل كله خلق كريم شخصا غليظ القلب سيئ الأخلاق، فلنقرأ ما كتبه ثقات عصره:
قال ابن شاكر: (حج سنة إحدى وتسعين وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم، والأناة والعفة، والصيانة وحسن القصد، والإخلاص والابتهال إلى الله، وشدة الخوف منه ودوام المراقبة له، والتمسك بالأثر والدعاء إلى الله تعالى، وحسن الأخلاق ونفع الخلق والإحسان إليهم) (١).
стр. 10551
وقال الذهبي: (ما رأيت في هذا العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدنيا والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعي في مصالحهم، وهو فقير لا مال له) (١).
ونقل الصفدي في الوافي بالوفيات عن الذهبي: (هذا مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة، والفراغ عن ملاذ النفس: من اللباس الجميل والمأكل الطيب والراحة الدنيوية) (٢).
وقال الذهبي في ذيل العبر: (وكان رأسا في الكرم والشجاعة، قانعا باليسير) (٣).
وقال الصفدي في أعيان العصر: (هذا إلى كرم يضحك البرق منه على غمامه، وجود ما يصلح حاتم أن يكون في فص خاتمه، وشجاعة يفر منها قسورة، وإقدام يتأخر منه عنترة) (٤).
وقال ابن الوردي: (وكان معظما لحرمات الله، دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يديمها، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء والجند والأمراء والتجار والكبراء وسائر العامة) (٥).
وقال أبو حفص البزار: (ما رأيناه يذكر شيئا من ملاذ الدنيا ونعيمها، ولا كان يخوض في شيء من حديثها، ولا يسأل عن شيء من معيشتها، بل جعل همه وحديثه في طلب الآخرة، وبالقرب إلى الله).
وقد عرض عليه قضاء القضاة ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل (٦).
وهو ذو القلب الكبير الذي كان يفيض رحمة وعطفا ورقة حتى على خصومه الذين كادوا له، وسعوا في إيذائه وأرادوا به سوءا، فلما
стр. 10552
قدر عليهم وأصبحوا في قبضة يده الحانية، قال لهم: لا تثريب عليكم يغفر الله لي ولكم.
ومن أحسن ما ورد في هذا، هو الحوار الذي دار بين شيخ الإسلام والسلطان الناصر، فقد أعطى السلطان الخيار الكامل لشيخ الإسلام ليفعل ما يريد في أعدائه الذين آذوه وتسببوا في سجنه وحبسه فعفا عنهم جميعا، وقد ألح عليه السلطان أن يأخذ ثأره من أعدائه، فأصر شيخ الإسلام على العفو.
وقد ذكر القصة الحافظ ابن كثير والحافظ ابن عبد الهادي، وجدير لكل من أراد أن يعرف مدى سمو النفس عند شيخ الإسلام أن يقرأ القصة بكل تفاصيلها عند المؤرخين المذكورين (١).
стр. 10553
وفاته - رحمة الله عليه -:
ذكر المؤرخون: أن الشيخ لما سجن في مصر بحبس القضاة بحارة الديلم، صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدراس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى صار السجن يمتلئ منهم (١).
وقد ذكر ابن الدردي وغيره: (أنه ورد مرسوم السلطان بسجنه بقلعة دمشق، فأقام فيها ومعه أخوه يخدمه، وأقبل في هذه المدة على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن الكريم جملة كبيرة، وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآل الأمر إلى أن منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا داوة ولا قلما ولا ورقة، وكتب عقيب ذلك بفحم يقول: إن إخراج الكتب من عنده من أعظم النعم، وبقي أشهرا على ذلك، وأقبل على التلاوة والعبادة والتهجد.
стр. 10554
ومما قال وهو في حبسه: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقال: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه (١) وقال ابن القيم وهو يصف حالته في السجن: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه (٢).
مرض ﵀ أياما يسيرة، وتوفي في ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة، وغسل وكفن وأخرج وصلي عليه أولا بالقلعة، ثم صلي عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الظهر، لم يتخلف أحد من الناس فيما قالوا غير أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، ولم ير لجنازة أحد ما رئي لجنازته من الوقار والهيبة والعظمة والجلالة، وتعظيم الناس لها، وتوقيرهم إياها.
ودفن في ذلك اليوم، رثاه كثير من الفضلاء بقصائد متعددة، وتناوب الناس قبره للصلاة عليه من القرى والأطراف والأماكن والبلاد، وصلي عليه في أرض مصر والشام والعراق وتبريز والبصرة وقراها وغيرها (٣).
جزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، ورزقنا وكافة المسلمين الحياة والموت على الكتاب والسنة حتى نلقاه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
محمد لقمان السلفي
стр. 10555
صفحة فارغة
стр. 10556
أسس اختيار الزوجة
بقلم: مصطفى عيد الصياصنة
إن الإعداد لتكوين الأسرة المسلمة يرجع إلى حقبة السنوات السابقة على إعلان مراسم الزواج، فبمقدار ما يكون كل من الزوجين قد نشئ على الفهم الواعي لمبادئ الإسلام، وربي على تطبيقه لفضائله الرفيعة وآدابه، بمقدار ما يكتب لزواجهما النجاح، ولكيان أسرتهما المرتقب السداد والفلاح، ومن هنا ألح الإسلام على الخاطب ضرورة إعمال أقصى درجات التثبت والتحقق والتحري في اختيار شريكة العمر ورفيقة الدرب، وجعل لذلك أسسا ينبغي على كل مسلم أن يلتزمها - جهد استطاعته - ليضمن لكيانه الجديد أن يبنى على الصلاح والتقوى، وليظفر بالتالي برضوان الله وسعادة الدنيا والآخرة.
ولعل أهم الأسس التي ينبغي مراعاتها في اختيار الزوجة ما يلي:
стр. 10557
اجتناب المحرمات:
١ - أن لا تكون محرمة حرمة أبدية أو مؤقتة:
وهو أول ما ينبغي أن يضعه المسلم في اعتباره، حين التفكير بالإقدام على اختيار زوجة له.
أولا: والتحريم المؤبد: يمنع المرأة أن تكون زوجة للرجل في جميع الأوقات، وهو إما أن يكون بسبب النسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، قال تعالى:
стр. 10558
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٢).
١ - أوضحت الآية أن المحرمات من النسب سبع: الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، وبنات الأخت.
٢ - وأن المحرمات بسبب المصاهرة (أي القرابة الناشئة بسبب الزواج) أربع:
أ - أم الزوجة، وكذا أم أمها، وأم أبيها، وإن علت ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٣)
ب - ابنة الزوجة المدخول بها، وكذا بنات بناتها، وبنات أبنائها، وإن نزلن، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٤)
ج - زوجة الابن وابن الابن، وابن البنت، وإن نزل، ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٥) والحليلة: الزوجة.
د - زوجة الأب، بمجرد عقد الأب عليها وإن لم يدخل بها، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦)
٣ - وأما المحرمات بسبب الرضاع فسبع، كالمحرمات من النسب، للحديث الذي روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
стр. 10559
«يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب (١)» وهن:
١ - المرأة المرضعة، باعتبارها أما.
٢ - أم المرضعة باعتبارها جدة.
٣ - أم زوج المرضعة صاحب اللبن؛ لأنها جدة أيضا.
٤ - أخت المرضعة، باعتبارها خالة.
٥ - أخت زوجها، باعتبارها عمة.
٦ - بنات بنيها وبناتها، باعتبارهن بنات إخوته وأخواته.
٧ - الأخت، سواء كانت أختا لأب وأم، (وهي التي أرضعتها الأم بلبان الأب نفسه - سواء أرضعت مع الطفل الرضيع أو رضعت قبله أو بعده) أو أختا لأم، (وهي التي أرضعتها الأم بلبان رجل آخر) أو أختا لأب (التي أرضعتها زوجة الأب).
(ومن المعلوم أن العدد المقتضي للحرمة من الرضعات خمس، لقول عائشة ﵂: «كان فيما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن (٢)».
والرضاع المحرم للزواج ما كان خلال الحولين الأولين من عمر الطفل، أما إذا كان بعد الحولين فلا اعتبار له؛ لأن الرضيع في هذه المدة يكون صغيرا يكفيه اللبن، وبه ينبت لحمه، وينشز عظمه، فيصير جزءا من
стр. 10560
المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم (١)»، «وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: يا عائشة، انظرن من إخوانكن فإن الرضاعة من المجاعة (٢)»، وعن عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام (٣)»، قال مالك: ما كان من الرضاعة بعد الحولين فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئا، وإنما هو بمنزلة الطعام (٤).
ثانيا: أما التحريم المؤقت، فإنه يمنع من التزوج بالمرأة، ما دامت على حالة خاصة، فإن تغيرت تلك الحال زال التحريم، صارت حلالا، ومن المحرم على المسلم حرمة مؤقتة:
١ - الجمع بين الأختين لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥) بالإضافة إلى أن الجمع بينهما يولد الشقاق بين الأقارب، ويعكر صفو الأخوة والمودة، ويمزق ما بين الأرحام من صلات.
стр. 10561
٢ - الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، لما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها (١)».
قال النووي: هذا دليل لمذهب العلماء كافة، أنه يحرم الجميع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقية - وهي أخت الأب، وأخت الأم - أو مجازية - وهي أخت أبي الأب، وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم وأم الجدة، من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجميع بينهما (٢).
٣ - زوجة الغير، وذلك رعاية لحق الزوج، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣).
أي: وحرمت عليكم المحصنات من النساء، وهن ذوات الأزواج.
٤ - معتدة الغير، وهي التي مات عنها زوجها، أو طلقها طلاقا بائنا، ولا تزال في عدتها، فهذه تحرم خطبتها إلا أن تكون تلميحا فقط، حرم التصريح بخطبتها مراعاة لحزنها وإحدادها ومواساة لشعور أهل الميت في الحالة الأولى؛ ولأن حق الزوج لا يزال متعلقا بها في الثانية، أما إذا كانت في عدة طلاق رجعي فلا يحل لأحد التصريح أو التلميح بخطبتها؛ لأنها لا تزال في ملك زوجها وعصمته، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٤)
стр. 10562
وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي، فطلقها، فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات، وفرق بينهما ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان قد دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا). وقال مالك وسعيد بن المسيب: ولها مهرها بما استحل من فرجها.
٥ - الزانية: لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) النور / ٣.
وللحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: (عناق) وكانت صديقته، قال: جئت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناق؟؟ قال: فسكت عني، فنزلت،
стр. 10563
فدعاني فقرأها علي وقال: لا تنكحها (١)».
وللحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله (٢)».
قال الشوكاني: هذا وصف خرج مخرج الغالب باعتبار من ظهر منه الزنا، وفيه دليل على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنا، ويدل على ذلك الآية المذكورة في الكتاب الكريم؛ لأن آخرها: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)
فإنه صريح في التحريم (٤)، وقال الشنقيطي: إن أظهر قولي العلماء عندي أن الزانية والزاني إذا تابا من الزنا، وندما على ما كان منهما، ونويا ألا يعودا إلى الذنب، فإن نكاحهما جائز، فيجوز له أن ينكحها بعد التوبة، ويجوز نكاح غيرهما لهما؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) الفرقان / ٧٠.
فالتوبة من الذنب تذهب أثره، أما من قال: إن من زنى بامرأة لا تحل له مطلقا ولو تاب، فقولهم خلاف التحقيق (٦).
والمسلم الفاضل لا يمكن أن يرضى بالحياة مع زانية، أو يعاشر امرأة غير مستقيمة، والله شرع له الزواج لتكون الزوجة له سكنا، ويكون بينهما مودة ورحمة، فأين المودة التي يمكن أن تحصل بين مسلم فاضل وزانية؟! وهل يمكن لنفسه أن تسكن إلى نفسها الخبيثة الداعرة؟!
стр. 10564
وقال ابن القيم: " ومما يوضح هذا التحريم أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج، وفساد النسب الذي جعله الله بين الناس لتمام مصالحهم، فالزنا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، فمن محاسن هذه الشريعة تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتستبرئ " (١)، وقال ﵀: " أما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من ينكحها فهو زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه، أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده، فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، وأيضا فإنه سبحانه قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ (٢) النور / ٢٦.
والخبيثات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوجهن خبيث مثلهن " (٣).
(٦) المشركة: وهي كل امرأة تعبد الوثن، كالبوذية والهندوسية والمجوسية، أو هي على مذهب إلحادي كالشيوعية، أو مذهب إباحي كالوجودية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٤).
وقوله:
﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٥).
ففي الآية الأولى نهي عن نكاح المشركات، وفي الثانية نهي لمن أسلم وظلت زوجه على الشرك أن يبقيها في عصمته.
والكتابيات غير مشمولات بهذا النهي على الأرجح؛ لأن آية المائدة خصصت الكتابيات من هذا العموم، وهي قوله تعالى:
стр. 10565
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) المائدة / ٥.
ومما يؤكد ذلك أن سورة البقرة من أول ما نزل من القرآن، في حين أن سورة المائدة من آخر ما نزل، ثم إن لفظ " مشرك " لا يتناول أهل الكتاب، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٢) البينة / ١
ففرقت الآية بينهما، ولو كانا شيئا واحدا ما فرقت. قال عمر بن الخطاب ﵁: " لا يصح من أحد أنه حرم ذلك " - يعني الزوج بالكتابيات - وبه وقال: عثمان وطلحة وجابر وحذيفة وابن عباس من الصحابة، ومالك وسفيان والأوزاعي وابن المسيب وابن جبير والحسن وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك، ممن بعدهم، كما حكاه النحاس والقرطبي.
أقول: ولكن آية المائدة اشترطت في الكتابيات أن يكن " محصنات " أي: عفيفات لا يعرف عنهن تبذل أو فاحشة، أو مجاهرة بشرك، كالقول بألوهية المسيح، أو أنه - أو عزير - ابن الله.
يقول رشيد رضا في بيان الفرق بين المشركة والكتابية: " والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة ويوجب الأمانة، ويأمرها بالخير، وينهاها عن الشر، فهي موكولة إلى طبيعتها وما تربت عليه في عشيرتها، وهو خرافات الوثنية وأوهامها، وأماني الشياطين وأحلامها، وتخون زوجها، وتفسد عقيدة ولدها: أما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبير مباينة؛ فإنها تؤمن بالله وتعبده، وتؤمن بالأنبياء، وبالحياة الأخرى وما فيها من جزاء، وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر، والفرق الجوهري بينهما هو الإيمان بنبوة
стр. 10566
محمد ﷺ ، والذي يؤمن بالنبوة العامة لا يمنعه من الإيمان بنبوة خاتم النبيين إلا الجهل بما جاء به، ويوشك أن يظهر للمرأة من مباشرة الرجل أحقية دينه، وحسن شريعته، والوقوف على سيرة من جاء بها، وما أيده الله تعالى به من الآيات البينات، فيكمل إيمانها، ويصح إسلامها، وتؤتى أجرها مرتين، إن كانت من المحسنات في الحالين (١).
ويقول الأستاذ حسين محمد يوسف: " إن الله تعالى بين العلة في تحريم الزواج بالمشركة بقوله:
﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (٢)
أي أن المشركة بما نشأت عليه من كفر، وما تعودته من رذائل لانعدام أصل الإيمان في قلبها، ضمينة بأن تؤثر في زوجها وأولادها، فيجارونها في بعض أحوالها المنافية للإسلام، فيقودهم ذلك إلى النار، في حين أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، ولذلك فإنه يدعوهم إلى اختيار الزوجة المؤمنة التي تؤسس بها الأسرة على التقوى، في سياج من آداب الإسلام الفاضلة " (٣).
٧ - الزيادة على الأربع؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) (النساء / ٣).
ولما ثبت عنه ﷺ أنه أمر من أسلم وتحته أكثر من أربع بمفارقة ما زاد على الأربع:
أ - فعن عبد الله بن عمر ﵄ «أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ أمسك أربعا، وفارق سائرهن (٥)».
стр. 10567
ب - «عن قيس بن الحارث ﵁ قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال: اختر منهن أربعا (١)».
стр. 10568
ذات الدين
٢ - أن تكون ذات دين وخلق؛ لقوله تعالى: أ - ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) (الحجرات / ١٣).
ب - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢) (النور / ٣٢).
ج - ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (٣) (النساء / ٣٤).
د - ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٤) (النور / ٢٦).
(ولما ورد عن النبي ﷺ من الأحاديث الثابتة التالية:
أ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك (٥)».
ب - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة (٦)».
стр. 10569
ج - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق (١)».
د - وعن ثوبان قال: «لما نزل في الفضة والذهب ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال ﷺ : ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة (٢)».
(فالدين هو العنصر الأساس في اختيار الزوجة، ذلك أن الزوجة سكن لزوجها، وحرث له، وهي مهوى فؤاده، وربة بيته، وأم أولاده. عنها يأخذون صفاتهم وطباعهم، فإن لم تكن على قدر عظيم من الدين والخلق؛ فشل الزوج في تكوين أسرة مسلمة صالحة، أما إذا كانت ذات خلق ودين كانت أمينة على زوجها في ماله وعرضه وشرفه، عفيفة في نفسها ولسانها، حسنة لعشرة زوجها، فضمنت له سعادته، وللأولاد تربية فاضلة، وللأسرة شرفها وسمعتها، فاللائق بذي المروءة والرأي أن يجعل ذوات الدين مطمح النظر وغاية البغية؛ لأن جمال الخلق أبقى من جمال الخلق، وغنى النفس أولى من غنى المال وأنفس، والعبرة العبرة في الخصال لا الأشكال، وفي الخلال لا الأموال. ومن هنا فضل الإسلام صاحبة الدين على غيرها، ولو كانت أمة سوداء.
«كانت لعبد الله بن رواحة أمة سوداء فلطمها في غضب، ثم ندم، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين، فقال النبي ﷺ : هذه مؤمنة، فقال عبد الله، لأعتقنها ولأتزوجنها،
стр. 10570
ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يفضلون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في أحسابهم. فنزل قوله تعالى: (٢)».
وعن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران (٣)».
نعم إن المرأة إذا كانت صالحة مؤمنة تقية ورعة، كانت كبنت خويلد ﵂، التي آمنت برسول الله ﷺ إذ كفر الناس، وصدقته إذ كذبوه، وواسته بمالها إذ حرموه، فكانت خير عون له في تثبيته أمام الصعاب والشدائد، وكانت كأسماء بنت أبي بكر ﵂، مثال المرأة الحرة الأبية، التي دفعت بولدها إلى طريق الشهادة، وحرضته على الصمود أمام قوى الجبروت والطغيان، ليموت ميتة الأحرار الكرام. أو كانت كصفية بنت عبد المطلب التي دفعت بنفسها إلى غمار الوغى، لتدفع يهود عن أعراض المسلمين. أو كانت كالخنساء التي جادت بأولادها الأربعة في سبيل الله، وعندما جاءها نبأ استشهادهم قالت: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وإني لأرجو الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
стр. 10571
الولود
٣ - أن تكون ولودا: وذلك لما ورد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، من تحبيب بطلب الذرية الصالحة، وحث على التكاثر في النسل، بما يحقق الغرض الأسمى من الزواج، والمتمثل في استمرار النوع البشري، وإنجاب الذرية، ودوام عمارة الإنسان للأرض، التي هي من الغايات الأساسية التي خلقه الله من أجلها.
ففي القرآن الكريم:
أ - قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١) الكهف / ٤٦
ب - وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢) آل عمران / ١٤.
ج - وحكى سبحانه على لسان زكريا ﵇ أنه كان يتوجه إلى ربه بهذا الدعاء:
﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٣) ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٤) ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (٥) مريم / ٤ - ٦.
د - وقال على لسان إبراهيم:
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (٦) إبراهيم / ٤٠.
هـ - وذكر أن طلب الذرية الصالحة من أمنيات المؤمنين، بل هو صفة من صفاتهم.
стр. 10572
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (١) الفرقان / ٧٤.
ووحتى الملائكة، إذا أرادت الاستغفار للمؤمن، استغفرت له ولزوجه ولأولاده، وهذا فضل من أفضال الله على عباده المؤمنين:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (٢) ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ (٣) غافر / ٧ - ٨.
فقد بينت الآيات الكريمات أن البنين من متع الحياة الدنيا وزينتها، وأن طلب النسل من الأمور التي حببها الله إلى خلقه، وطبعهم على ابتغائه، وجعله جبلة فطرية فيهم، كما وجعله أمنية أجراها على لسان رسله وأنبيائه، وبغية للمؤمنين يحرصون على إدامة الدعاء في طلبها.
وفي السنة المطهرة: عن معقل بن يسار قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم (٤)».
стр. 10573
وتعرف الولود بالنظر إلى حالها من كمال جسمها، وسلامة صحتها من الأمراض التي تمنع الحمل أو الولادة، وبالنظر إلى حال أمها، وقياسها على مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالاتها المتزوجات، فإن كن ممن عادتهن الحمل والولادة كانت - في غالب أمرها - مثلهن.
стр. 10574
الودود:
٤ - أن تكون ودودا، تقبل على زوجها، فتحيطه بالمودة والحب والرعاية، وتحرص على طاعته ومرضاته، ليتحقق بها الهدف الأساسي من الزواج، وهو السكن.
قال تعالى في وصف الحور العين:
﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ (١) ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (٢) الواقعة / ٣٦ - ٣٧.
والعروب هي المرأة المتحببة إلى زوجها الودودة، وقد وردت أحاديث عديدة تؤكد على ضرورة مراعاة هذه الصفة في المرأة.
أ - فعن معقل بن يسار، أن النبي ﷺ قال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم (٣)» رواه أبو داود (٢٠٥٠) في النكاح، والنسائي (٦/ ٦٥) فيه، والبيهقي (٧/ ٨١)، وأحمد (٣/ ١٥٨) وابن حبان (١٢٢٨)، والحاكم (٢/ ١٦٢) وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في (الإرواء / ١٨١١) بلفظ: فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة. ويقول سيد قطب في التعليق على قوله تعالى: المال والبنون زينة. . إنهما زينة ولكنهما ليسا قيمة، فما يجوز أن يوزن بهما الناس أو يقدروا على أساسهما (الظلال ٤/ ٢٢٧٢). .
ب - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه سلم - يقول: «نساء قريش خير نساء ركبن الإبل: أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده (٤)»، وفي رواية: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش (٥)»، فقد وصفهن ﷺ بالشفقة على أطفالهن، والرأفة بهم والعطف عليهم، وبأنهن يراعين حال أزواجهن، ويرفقن بهم ويخففن الكلف عنهم، فواحدتهن تحفظ مال زوجها وتصونه بالأمانة والبعد عن التبذير، وإذا افتقر كانت عونا له وسندا، لا عدوا وخصما.
стр. 10575
ج - وعن أبي أذينة الصدفي أن رسول الله ﷺ قال: «خير نسائكم الودود الولود، المواتية، المواسية، إذا اتقين الله (١)».
د - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه (٢)».
هـ - والمرأة الودود تكون مطيعة لزوجها، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: «قيل لرسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره (٣)».
والودود هي المرأة التي يعهد منها التودد إلى زوجها، والتحبب إليه، وبذل ما بوسعها من أجل مرضاته؛ لذا تكون معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، بعيدة عن الانحرافات النفسية والعصبية، تقدر على الحنو على ولدها، ورعاية حق زوجها. أما إذا لم تكن المرأة كذلك، كثر نشوزها، وترفعت على زوجها، وصعب قيادها لشراسة خلقها، مما يفسد الحياة الزوجية بل ويدمرها، بعد استحالة تحقق السكن النفسي والروحي للزواج بسببها.