الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) برقم / ٣٤٣؛ ونقل قول أحمد: مبشر كذاب، يضع الحديث، وقال الشوكاني في (نيل الأوطار ٦/ ٣١١): (لو صح لكان معارضا لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه يصح أن يكون المهر دونها، ولكنه لم يصح، فإن في إسناده: مبشر بن عبيد وحجاج بن أرطأة، وهما ضعيفان، وقد اشتهر حجاج بالتدليس، ومبشر متروك، وقد روى الحديث البيهقي من طريق آخر، وفي إسناده داود بن زيد الأودي وهو ضعيف بلا خلاف، وثالثة فيها أبو خالد الواسطي، فهذه طرق ضعيفة لا تقوم بها حجة).
وقاس بعض الفقهاء أقل المهر على أول ما يقطع به يد السارق، وقد رد ابن القيم هذا القياس في (الزاد ٢/ ٣٣٠) وقال: (وهو من أفسد القياس، وأين النكاح من اللصوصية؟ واستباحة الفرج من قطع اليد؟!).
стр. 10607
رضا المخطوبة
١٣ - أن تكون راضية بالزواج ممن تقدم لخطبتها: فينبغي على ولي البنت أخذ رأيها فيمن رغب فيها، فلا يرغمها على الزواج من رجل لا ترغب فيه، ذلك أن الزواج عقد الحياة؛ فيجب أن تتوافر فيه الإرادة الكاملة، والرضا التام، فلا إكراه لأحد الطرفين على الاقتران بطرف لا يرغب فيه، أما إذا كانت المرأة تحب الراغب في نكاحها وتميل إليه، فالأولى تزويجها منه، إذا كان لها كفؤا، وذلك للأحاديث التالية:
أ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت (١)».
стр. 10608
ب - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها (١)».
ج - «عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم، قلت: البكر تستأمر فتستحي فتسكت، قال: سكاتها إذنها (٢)».
د - «عن خنساء بنت خذام الأنصارية (أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحه (٣)».
هـ - عن القاسم بن محمد «أن امرأة من ولد جعفر تخوفت أن يزوجها وليها وهي كارهة، فأرسلت إلى شيخين من الأنصار - عبد الرحمن ومجمع ابني جارية - فقالا: فلا تخشين، فإن خنساء بنت خذام أنكحها أبوها وهي كارهة، فرد النبي ﷺ نكاحها (٤)».
والأيم باتفاق أهل اللغة تطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيبا، وقال الفقهاء كافة: المراد الثيب، واستدلوا أنه جاء في الرواية الثانية للحديث بلفظ الثيب، وبأنها جعلت مقابلة للبكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيب (٥)، والاستئمار:
стр. 10609
طلب الأمر من قبلها وأمرها لا يكون إلا بنطق، أما الاستئذان: فهو طلب الإذن، وقد يعلم إذنها بسكوتها؛ لأن السكوت من علامات الرضا.
قال الحافظ في التعليق على حديث أبي هريرة (الفتح ٩/ ١٩١): (الثيب البالغ لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها اتفاقا، والحديث دال على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وقد وقع في الحديث التفرقة بين الثيب والبكر، فعبر للثيب بالاستئمار، وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة؛ ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفصح).
وحول حديث ابن عباس، قال النووي في (شرح مسلم ٩/ ٢٠٤): (واعلم أن لفظة (أحق) هنا للمشاركة، ومعناه أن لها في نفسها - في النكاح - حقا، ولوليها حقا، وحقها أوكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها كفئا وامتنعت لم تجبر).
وقال الحافظ في (الفتح ٩/ ١٩٣): (البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ، إذا لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها، واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغ بغير إذنها: فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور، يشترط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح، وقال الآخرون: يجوز للأب أن يزوجها ولو كانت بالغا بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، ومن حجتهم مفهوم الحديث؛ لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها).
стр. 10610
وقال صاحب عون المعبود (٦/ ١١٦): (والاستئذان عندهم إنما هو على استطابة النفس دون الوجوب، وليس ذلك بشرط في صحة العقد).
وذهب ابن القيم إلى ترجيح قول أبي حنيفة، من أن البكر لا تجبر على النكاح من غير رضاها؛ لأن ذلك هو الموافق لحكم النبي ﷺ
- وقواعد الشرع، ومصالح الأمة، قال ﵀ (زاد المعاد ٥/ ٩٦): (وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته: أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة. وأما موافقة هذا القول لأمره فإنه قال: والبكر تستأذن، وهذا أمر مؤكد؛ لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه. أما موافقته لنهيه فلقوله: «لا تنكح البكر حتى تستأذن (١)»، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق، أما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغ العاقلة الراشدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه دون رضاها، فكيف يجوز أن يرقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو من أبغض شيء إليها، ومع هذا ينكحها إياه قهرا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرة عنده. أما موافقته لمصالح الأمة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه، فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره).
أما إذا كانت البنت أو المرأة تحب المتقدم لخطبتها، وتميل إليه فالأولى تزويجها منه:
стр. 10611
وعن ابن عباس ﵄ «أن رجلا قال: يا رسول الله، في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم، فنحن نحب الموسر، وهي تحب المعدم، فقال ﷺ : لم ير للمتحابين مثل النكاح (١)»
ز - وعنه أيضا، قال: «إن زوج بريرة كان عبدا يقال له " مغيث " كأني أنظر إليه يطوف خلفها ودموعه تسيل على لحيته، يتبعها في سكك المدينة، فقال النبي ﷺ للعباس: " يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟!) فقال: يا رسول الله، اشفع له، فقال النبي ﷺ لها: يا بريرة اتق الله، لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: فلا حاجة لي فيه (٢)».
أما اليتيمة فإنها تستأذن، فإن أبت فلا جواز عليها ولا تكره:
ح - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وأن أبت فلا جواز عليها (٣)».
واليتيمة في الأصل: الصغيرة لا أب لها، ولكن هذا اللفظ قد يطلق ويراد به البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها؛ فلزمها اسم اليتم، فدعيت به وهي بالغة، والعرب ربما دعت الشيء بالاسم الأول الذي إنما
стр. 10612
سمي به لمعنى متقدم، ثم ينقطع ذلك المعنى ولا يزول الاسم. ومن هنا اختلف العلماء في جواز نكاح اليتيمة التي لم تبلغ، فذهب سفيان الثوري والشافعي إلى أن نكاحها لا يجوز حتى تبلغ، قال صاحب عون المعبود (٦/ ١١٧): (والمراد باليتيمة في الحديث البكر البالغة، سماها باعتبار ما كانت، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)
وفائدة التسمية مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح، فإن اليتم مظنة الرأفة والرحمة، ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها، فكأنه ﵊ شرط بلوغها، فمعناه: لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر أي تستأذن).
وذهب أحمد وإسحاق إلى جواز نكاحها إذا بلغت تسع سنين ورضيت، واحتجا «بحديث عائشة: أن النبي ﷺ بنى بها وهي بنت تسع سنين (٢)»، وقولها ﵂: " إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة " وهو ما رجحه الإمام ابن القيم محتجا بالحديث الذي رواه علي بن أبي طالب ﵁، قال: «حفظت عن رسول لله ﷺ اثنتين: لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل (٣)».
ثم قال ﵀: (فدل ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشة ﵂، وعليه يدل الكتاب والسنة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما.) (الزاد ٥/ ١٠٠).
ب - وقوله:
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (١) (البقرة / ٢٢١).
فمدلول الآتين أن المرأة لا تنكح نفسها إلا بولي؛ لأن الخطاب فيهما موجه إلى الأولياء، ويشمل ذلك كلا من القاصرة والبالغة على السواء.
ج - عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي (٢)».
د - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له (٣)»
هـ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها (٤)».
و «وعن معقل بن يسار ﵁ قال: كانت لي أخت تخطب إلي، فأتاني ابن عم لي، فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقا له
стр. 10615
رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها، فقلت له: والله، لا أنكحتها أبدا، قال: ففي نزلت هذه الآية: فكفرت عن يميني، وأنكحتها إياه (٢)».
وجمهور أهل العلم على أنه لا يصح العقد بدون ولي للأدلة المذكورة، وممن قال بوجوب الولي: علي وعمر، وابن مسعود وابن عمر، وابن أبي ليلى والعترة، وأحمد وإسحاق والشافعي. ونقل عن ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلا، ويجوز للمرأة أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفئا، واحتج بالقياس على البيع؛ فإنها تستقل به، وبحديث «الثيب أحق بنفسها من وليها (٣)»، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة، وخص بهذا القياس عمومها (٤).
أما حديث «الثيب أحق بنفسها من وليها (٥)» فلا حجة لهم فيه؛ لأن معناه كما قال النووي في (شرح مسلم ٩/ ٢٠٤): (أن لها في نفسها حقا، ولوليها حقا، وحقها أوكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها كفئا وامتنعت لم تجبر)، ونقل صاحب عون المعبود (٦/ ١٠١) عن ابن الجوزي قوله: (إنه أثبت لها حقا، وجعلها أحق؛ لأنه لا يجوز للولي أن يزوجها إلا بإذنها)، وقال الصنعاني في (سبل السلام ٣/ ١١٩): (أحقيته الولاية، وأحقيتها رضاها، فحقها آكد من حقه، لتوقف حقه على إذنها) فتأويل الحنفية لهذا الحديث ترده الأخبار الصحيحة المفيدة لاشتراط الولي، أما لجوؤهم إلى القياس مع
стр. 10616
وجود النص الصحيح الصريح، فهو من أفسد أنواع الأقيسة، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح ٩/ ١٨٧): (حديث معقل المذكور رفع هذا القياس، ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره؛ ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء).
قال صاحب عون المعبود (٦/ ١٠١): (والحق أن النكاح بغير الولي باطل كما يدل عليه الحديث).
وقال ابن تيمية في (الفتاوى ٣٢/ ٢١): (جمهور العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل، يعزرون من يفعل ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب ﵁، وهذا مذهب الشافعي، بل طائفة: منهم يقيمون الحد في ذلك بالرجم وغيره)، وقال أيضا (٣٢/ ١٣١): (دل القرآن في غير موضع، والسنة في غير موضع، وهو عادة الصحابة، إنما كان يزوج النساء الرجال، لا يعرف عن امرأة تزوج نفسها، وهذا مما يفرق فيه بين النكاح ومتخذات أخدان؛ ولهذا قالت عائشة: " لا تزوج المرأة نفسها؛ فإن البغي هي التي تزوج نفسها ").
وقد يحتج بعض الناس على أن الأمر في النكاح للمرأة، وأن الولي ليس له من الأمر شيء، بالحديث التالي، (عن عبد الله بن بريدة «عن عائشة ﵂ أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة: قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه. فجعل الأمر إليها، فقالت: يارسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم الناس: أن ليس للآباء من الأمر شيء (١)».
فهذا الحديث ليس بصحيح، فقد رواه البيهقي في (السنن الكبرى ٧/ ١١٨) وقال عنه: (وهذا مرسل ابن بريده لم يسمع من عائشة - رضي
стр. 10617
الله عنها - كما رواه الدارقطني (٣/ ٢٣٢) وقال عنه: (مرسل؛ لأن ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئا)، ووافقه على ذلك شمس الحق العظيم آبادي في (التعليق المغني على الدارقطني) وقال: (وإن صح فإنما جعل الأمر إليها لوضعها في غير كفء)، كما ضعفه الألباني في (غاية المرام) برقم / ٢١٧.
وقد اشترط الفقهاء في الولي أن يكون: حرا، عاقلا، بالغا، مسلما إذا كان المولى عليه مسلما، أما العدالة فلا تشترط فيه، إذ إن الفسق لا يسلب أهليته للتزويج، إلا إذا خرج به الفسق إلى حد التهتك؛ فعندها يسلب حقه في الولاية، إذ لا يؤتمن في هذه الحالة على من تحت يده (١).
стр. 10618
الاشتراط:
١٥ - ألا تشترط على خاطبها طلاق زوجته الأولى إذا كان متزوجا؛ وذلك لقوله ﷺ :
أ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها، لتستفرغ ما في صحفتها، فإنما لها ما قدر لها (١)».
ب - وعنه أيضا، قال «نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها (٢)».
стр. 10619
ج - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى (١)».
قال النووي في (شرح مسلم ٩/ ١٩٣): (ومعنى هذا الحديث نهي المرأة الأجنبية أن تسأل طلاق زوجته، وأن ينكحها ويصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بانكفاء ما في الصحفة مجازا، قال الكسائي: أكفأت الإناء كببته، وكفأته وأكفأته أملته، والمراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كافرة).
ونقل الحافظ في (الفتح (٩/ ٢٢٠) عن ابن عبد البر قوله: " الأخت الضرة، وفيه من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به ".
وقال الشوكاني في (النيل ٦/ ١٤٣): ومن الشروط التي تنافي مقتضى العقد أن تشترط عليه أن لا يقسم لضرتها أو ينفق عليها، أو يطلق من كانت تحته، فلا يجب الوفاء بشيء من ذلك.
أما غير ذلك من الشروط فلا ضير فيه، ما دام لا يحرم حلالا، ولا يحل حراما؛ لما رواه عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «إن أحق الشروط أن توفوا بها، ما استحللتم به الفروج (٢)».
قال ابن القيم في (الزاد ٥/ ١٠٦): (تضمن هذا الحكم وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد، إذا لم تتضمن تغييرا لحكم الله ورسوله، وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء والإنفاق والخلو من المهر ونحو ذلك، واختلفت في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وشرط دار الزوجة، ولا يتزوج عليها) وقال: (وتضمن حكمه ﷺ بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها، وأنه لا يجب
стр. 10620
الوفاء به، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا، وأبطلتم شرط طلاق الضرة؟ قيل: الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها، وكسر قلبها، وخراب بيتها، وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غيرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسد).
стр. 10621
النظر إليها
١٦ - أن يراها الخاطب وينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فيتعرف على جمالها الذي يشده إلى الاقتران بها، أو قبحها الذي قد يصرفه عنها إلى غيرها، فلربما تزوجها دون أن ينظر إليها فوجدها خلاف ما وصفت له؛ فيصاب بخيبة أمل وانقطاع رجاء، فتسوء الحال بينهما، ويحل الخصام محل الوئام، ويكون الفشل والفرقة خاتمة ما بينهما، وهكذا شأن المسلم دوما لا يقدم على أمر حتى يكون على بصيرة منه:
أ - «عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال: فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها (١)».
ب - «عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند رسول الله، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا (٢)».
стр. 10622
ج - «عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما قال: فأتيتها وعندها أبواها، وهي في خدرها، فقلت: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر إليها، قال: فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: أحرج عليك، إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر لما نظرت، وإن كان رسول الله ﷺ لم يأمرك أن تنظر فلا تنظر، قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها، ولقد تزوجت سبعين أو بضعا وسبعين امرأة (١)».
د - عن أبي حميد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم (٢)».
هـ - «عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
أريتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول: إن يك من عند الله يمضه (٣)».
و «قال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردا شديدا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: إني سمعت رسول الله
стр. 10623
- ﷺ يقول: إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها (١)».
ز - عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ أراد أن يتزوج امرأة، فبعث بامرأة تنظر إليها، فقال: " شمي عوراضها، وانظري إلى عرقوبها "، قال: فجاءت إليهم، فقالوا: ألا نغديك يا أم فلان؟ فقالت: لا آكل إلا من طعام جاءت به فلانة، قال: فصعدت في رف لهم، فنظرت إلى عرقوبها، ثم قالت: قبليني يا بنية، قالت: فجعلت تقبلها، وهي تشم عارضها، قال: فجاءت فأخبرت النبي ﷺ » -، والعوارض: الأسنان التي في عرض الفم، لاختبار رائحة النكهة.
ح - وعن محمد بن علي ابن الحنفية، أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكره له صغرها، فقيل له: إن ردك فعادوه، فقال له علي: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقيها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك) وقد تزوجها، ورزق منها بولديه: زيد ورقية.
نستخلص من استعراض هذه الطائفة من الأحاديث النبوية الشريفة الآتي:
١ - من المندوب أن ينظر الخاطب إلى المرأة التي يرغب في الزواج منها؛
стр. 10624
ليكون على معرفة بصفات من تكون شريكة عمره، وهذا أدعى لقيام الألفة والمحبة بينهما.
٢ - ومن الأفضل تقديم النظر على الخطبة، فإن لم تعجبه، وكره منها أمرا، تركها إلى غيرها، ومن غير إيذاء لخفرها وخدش لسمعتها.
٣ - يجوز للناظر أن ينظر من مخطوبته ما يدعوه إلى نكاحها، وهذا يعني أكثر من الوجه والكفين، كالنظر إلى الساق والعنق والساعد والشعر، قال الحافظ في (الفتح ٩/ ١٨٢): (قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقال الأوزاعي: يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل منها وما أدبر، ولأحمد ثلاث روايات: الأولى كالجمهور، والثانية: ينظر إلى ما يظهر غالبا - وهو ما نرجحه ونميل إليه، والثالثة: ينظر إليها متجردة).
وقال الصنعاني في (سبل السلام ٣/ ١١١): والحديث مطلق، فينظر إلى ما يحصل له المقصود بالنظر إليه، ويدل على فهم الصحابة لذلك ما رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور أن عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي لما بعث بها إليه لينظرها.
وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة ١/ ١٥٦): (وظاهر هذه الأحاديث أنه يجوز للخاطب أن ينظر من مخطوبته إلى أكثر من الوجه والكفين، كالنظر إلى الساق والعنق أو الساعد والشعر، وقد أيد هذا فعل الصحابة - رضوان الله عليهم، كما فعله جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، والخليفة الراشد عمر بن الخطاب، أما تقييد الأحاديث بالنظر إلى الوجه والكفين فقط، فهو تقييد بدون نص مقيد، وتعطيل لفهم الصحابة بدون حجة).
٤ - وكما يجوز له إعلامها أنه يريد النظر إليها ورؤيتها، فإنه يجوز له أيضا النظر إليها على غفلة منها، ومن غير أن تعلم، كما ورد في حديث جابر،
стр. 10625
وكما فعل محمد بن مسلمة ﵁ حين كان يطارد بثينة بنت الضحاك ببصره طردا شديدا دون علمها، قال النووي في (شرح مسلم ٥/ ٢١٠): والجمهور أنه لا يشترط في جواز النظر إليها رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدم إعلام؛ لأن النبي ﷺ قد أذن في ذلك مطلقا، ولم يشترط استئذانها؛ لأنها تستحي غالبا من الإذن؛ ولأن في ذلك تغريرا، فلربما رآها فلم تعجبه فيتركها فتنكسر وتتأذى).
٥ - وإذا لم يتمكن الخاطب - لظروف تمنعه - من النظر إلى مخطوبته، فإنه يستحب له أن يبعث امرأة يثق بها، فتنظر إليها وتخبره بصفتها، «كما فعل ﵊ حين بعث أم سليم إلى امرأة رغب فيها، وقال لها: " انظري إلى عرقوبها، وشمي عوارضها».
٦ - إن النظر إلى المرغوب فيها، لا يعني بحال الخلوة بها، بل إن مقصوده يتحصل بالنظر إليها في مكان آهل عام، أو بحضور أحد محارمها.
٧ - إذا كان المندوب نظر الرجل إلى المرأة قبل إقدامه على الزواج منها، فهل من المندوب أن تنظر هي إليه؟ قال الصنعاني في (سبل السلام ٣/ ١١١): (ويثبت مثل هذا الحكم للمرأة، فإنها تنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، كذا قيل ولم يرد به حديث، والأصل تحريم نظر الأجنبي والأجنبية إلا بدليل، كالدليل على جواز نظر الرجل لمن يريد خطبتها).
стр. 10626
عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي
الصحابي السفير
اللواء الركن: محمود شيت خطاب
نسبه وأيامه الأولى
هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن حارثة بن عدي بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن جشم بن الحارث بن الخزرج الأنصاري (١) الخزرجي.
وفي رواية أخرى، أنه: عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري.
وأكثر من ينسبه يتفق مع النسب الثاني؛ لذلك يمكن ترجيحه على النسب الأول.
أول مشاهد عمرو الخندق. وكانت هذه الغزوة في شهر شوال من السنة الخامسة الهجرية، وسبب تأخره عن الجهاد هو صغر سنه لا تخلفه. ولا ذكر له في المشاهد الأخرى، وليس معنى ذلك أنه لم يشهد
стр. 10627
غزوات النبي ﷺ بعد الخندق، إذ لا يمكن ذكر كل الصحابة في كل غزوة، بل يذكر قسم منهم حسب سير الحوادث وأثرهم فيها. وأرجح أنه كان صغيرا في سنه، فلم يبرز في تلك المشاهد كما برز أصحاب التجربة في القتال، فقد ولاه رسول الله ﷺ على نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، وذلك في السنة العاشرة الهجرية (١). وهذا على أنه كان صغيرا على تحمل أعباء الغزوات وعلى التأثير في أحداثها.
وقد كانوا لا يفسحون المجال للمسلم أن يشارك في الغزوات قبل الخامسة عشرة من سنه كما هو معلوم، وكانوا يردون الصغار الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة ولا يسمحون لهم بخوض غمرات القتال.
وقد كانت غزوة الخندق من الغزوات الدفاعية وكانت حول المدينة المنورة، كما كان المسلمون يدافعون عن مصيرهم ومصير الإسلام تجاه قوات المشركين المتفوقين على المسلمين فواقا ساحقا، إذ كان تعداد المسلمين نحو ثلاثة آلاف مجاهد، وكان تعداد المشركين عشرة آلاف مقاتل عدا يهود المدينة الذين خانوا العهد وانقلبوا على المسلمين وظاهروا المشركين من الأحزاب؛ لذلك حشد النبي ﷺ كل المسلمين؛ ليقاتل القادرون على القتال، وليكثر السواد من غير القادرين على القتال ويعملوا في القضايا الإدارية والحراسات؛ فشهد عمرو غزوة الخندق، ولما يبلغ الخامسة عشرة من عمره.
ومع ذلك، فهناك نص: أنه شهد الخندق وما بعدها (٢)، ولكنه لم تكن له بصمات واضحة في تلك الغزوات التي شهدها؛ لأنه كان صغير السن، قليل التجربة العملية.
стр. 10628
أمه من بني ساعدة (١)، يكنى: أبا الضحاك (٢).
لقد نال عمرو بن حزم شرف الصحبة، وشرف الجهاد تحت لواء الرسول ﵊.
стр. 10629
السفير النبوي
بعثه النبي ﷺ إلى بني الحارث بن كعب في نجران بعد أن ولى وفدهم عائدا من المدينة إلى نجران، في بقية شهر شوال أو في صدر ذي القعدة من السنة العاشرة من الهجرة، ولى عمرو بن حزم الأنصاري أحد بني النجار؛ ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم.
وكان النبي ﷺ قد أرسل خالد بن الوليد في شهر شوال من السنة العاشرة الهجرية (١) إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا، فإن أجابوا أقام فيهم وعلمهم شرائع الإسلام، وإن لم يفعلوا قاتلهم. وخرج خالد إليهم في سرية مؤلفة من أربعمائة مجاهد (٢) ودعاهم إلى الإسلام، فأجابوا وأسلموا. وأقام خالد فيهم، وكتب إلى رسول الله ﷺ يعلمه إسلامهم (٣)، وكان نص كتاب خالد إلى النبي ﷺ :
стр. 10630
(بسم الله الرحمن الرحيم)
لمحمد النبي رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك. بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله ﷺ ، وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يا بني الحارث (أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، وآمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إلي رسول الله.
والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
وكتب رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد جوابا على رسالته ما نصه.
«بسم الله الرحمن الرحيم)
من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك.
فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن كتابك جاءني مع رسلك بخبر أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتلوا، وأجابوا
стр. 10631
إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (١)».
علامة الختم: محمد رسول الله.
وأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب وأعلنوا إسلامهم واجتمعوا بالنبي ﷺ ثم عادوا أدراجهم في بقية شوال، أو في صدر ذي القعدة من السنة العاشرة الهجرية (٢)، كما ذكرنا ذلك من قبل.
وقد تعمدت ذكر رسالة خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ ، وجواب النبي ﷺ على رسالة خالد، وعودة خالد من نجران إلى المدينة المنورة ومعه وفد بني الحارث بن كعب؛ لإعطاء صورة واضحة عن الوضع السائد في نجران عندما توجه إلى أهلها عمرو بن حزم الأنصاري ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة النبوية ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم (٣)، وبعثه عليه الصلاة السلام بعد أن عاد وفد بني الحارث بن كعب إلى نجران (٤)، فغادر المدينة إلى نجران في شهر ذي القعدة من سنة عشر هجرية، ومع عمرو بن حزم كتاب نبوي هذا نصه:
стр. 10632
«بسم الله الرحمن الرحيم "
من محمد رسول الله ﷺ إلى: شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل، ذي رعين، وهمدان (٤)، ما سقت السماء أو كان سيحا أو كان بعلا (٥)، ففيه العشر إذا بلغت خمسة أوسق، وما سقى الرشاء (٦)، والدالية، ففيه نصف عشر إذا بلغ خمسة أوسق.
وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة، إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإن زادت واحدة على أربع وعشرين، ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، فإن زادت على
стр. 10633
خمسة وثلاثين واحدة ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمسة وأربعين، فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين، ففيها حقة - طروقة الفحل - إلى أن تبلغ ستين. فإن زادت واحدة ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسا وسبعين. فإن زادت واحدة، ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، ففيها حقتان - طروقتا الفحل - إلى أن تبلغ عشرين ومائة. فما زاد عن عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الفحل.
وفي كل ثلاثين باقورة (١) تبيع، جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وفي كل أربعين شاة سائمة شاة، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت واحدة ففيها شاتان، إلى أن تبلغ مائتين. فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت، ففي كل مائة شاة شاة.
ولا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا عجفاء، ولا ذات عوار (٢)، ولا تيس (٣) الغنم إلا أن يشاء المصدق.
ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة وما أخذ من الخليطين؛ فإنهما يراجعان بالسوية.
وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدي صدقاتها من العشر، وليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء.
стр. 10634
قال: وكان في الكتاب:
إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الشرك، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار من الجهاد في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنات، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم.
وإن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل الإملاك (١)، ولا عتاق (٢) حتى يبتاع، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء منه.
وكان في كتاب:
(إن من اعتبط (٣) مؤمنا، قتله عن بينة، فإنه قود (٤)، إلا أن يرضى أولياء المقتول.
وإن في النفس الدية، مائة من الإبل، وفي الأنف الذي أوعب (٥) جدعه (٦) الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجلين الدية، والواحدة نصف الدية. في المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة (٧)
стр. 10635
ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة (١) خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة».
علامة الختم: محمد رسول الله.
هذا هو الكتاب النبوي، الذي حمله عمرو بن حزم، فيه الفرائض والسنن، والصدقات والديات (٢)، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والدرامي (٣)، وكتابه هذا مشهور في كتب السنن، ولم يستوفه أحد منهم، وأكملهم له رواية النسائي (٤) بعنوان: (ذكر حديث عمرو بن حزم (٥)، وكتاب عمرو بن حزم مشهور يحتج به العلماء، وشهرته أقوى من الإسناد (٦).
وفي هذا الكتاب النبوي، الذي لم يقتصر أثره وتأثيره في وقته على نجران، بل امتد حتى اليوم، وسيبقى ما بقيت تعاليم الدين الحنيف في كل قطر، وكل مكان فيه مسلمون في أرجاء العالم. وفيه دروس قيمة جدا، ومن
стр. 10636
دروسه تنظيم جباية الأرض المزروعة السيح منها والتي تروى بالمجهود الذاتي، وزكاة الإبل والبقر والضأن بالتفصيل، ويذكر من يعفى من الزكاة من الرقيق والعبيد؛ لأنهم أحق بالرأفة من غيرهم وأجدر أن يشملهم الإعفاء.
ثم يسلط الضوء على الكبائر، ويعددها ويحذر من اقترافها.
ويشير إلى قسم من العبادات، وقسم من القضايا الاجتماعية المهمة، التي تطهر الفرد وتفيد المجتمع، وتجعله متماسكا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
وأخيرا ينص على العقوبات الرادعة التي تجعل المسلم الحق لا يقترفها أبدا؛ ليرفل الفرد والمجتمع بالأمان والاطمئنان والسلام.
تلك هي الخطوط العريضة للأهداف الرفيعة الباقية لهذا الكتاب النبوي الكريم الموجه إلى أهل نجران، ثم أصبح للمسلمين كافة في كل مكان ولكل زمان: أفراد وجماعات، وفقراء وأغنياء، وحكاما ومحكومين من أجل تنظيم المجتمع الإسلامي على هدى وبصيرة، فالكل يعرف ما عليه من واجبات تجاه نفسه، وتجاه أخيه المسلم وتجاه كل إنسان، وتجاه المجتمع الإسلامي.
وكما يعرف واجباته يعرف حقوقه على نفسه، وعلى أخيه المسلم. وعلى كل إنسان، وعلى المجتمع الإسلامي. ومن المعلوم أن الفرد والجماعة، والغني والفقير، والحاكم والمحكوم إذا عرفوا ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق، فأدوا واجباتهم كاملة، وأخذوا حقوقهم كاملة أيضا فإن التعاون والمحبة والسلام والسعادة والرخاء والنصر يشمل الفرد والمجتمع في السلام والحرب، وفي مختلف الظروف والأحوال.
لقد أدى عمرو بن حزم واجباته في سفارته خير أداء.
стр. 10637
الإنسان
بعث النبي ﷺ عمرو بن حزم بعد انصراف وفد بني الحارث بن كعب من المدينة إلى نجران، وكان انصراف وفدهم في بقية شوال، أو في صدر ذي القعدة من السنة العاشرة الهجرية كما ذكرنا.
وتوفي رسول الله ﷺ وعمرو بن حزم عامله بنجران (١)، أو على الأصح في منطقة نجران كلها على بني الحارث بن كعب (٢) في رواية، وعلى نجران (٣) في رواية أخرى، وأرجح الرواية الثانية؛ لأن سير الحوادث التي ستذكر وشيكا تدل على ذلك.
ولما ارتد أهل الردة في اليمن بقيادة ذي الخمار عبهلة بن كعب - وهو الأسود العنسي، وكان الأسود كاهنا شعباذا (٤)، وكان يري من حوله الأعاجيب، ويسبي قلوب من سمع منطقه، فكاتبته مذحج وواعدته نجران، فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم (٥)، كما أخرجوا غيره من عمال النبي ﷺ في اليمن (٦)، فرجع عمرو إلى المدينة المنورة (٧) بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
واستقر عمرو في المدينة، وكانت داره فيها مجاورة لدار عثمان بن عفان ﵁ (٨).
стр. 10638
وقد روى عن النبي ﷺ (١) خمسة أحاديث (٢) قال عمرو بن حزم: «رآني رسول الله ﷺ على قبر فقال: انزل لا تؤذي صاحب هذا القبر (٤)». ووفد عمرو بن حزم إلى معاوية بن أبي سفيان في خلافته، فقال له: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لم يسترع عبدا رعية إلا وهو سائله عنها (٥)»، وكلم عمرو معاوية في أمر بيعته ليزيد بكلام قوي (٦)، وروى لمعاوية ولعمرو بن العاص حديث: «يقتل عمارا الفئة الباغية (٧)» «وروى لعمرو بن العاص لما قتل عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: تقتله الفئة الباغية (٨)».
وقد روى عنه ابنه محمد، وامرأته سودة بنت حارثة، وابن ابنه أبو بكر محمد ولم يدركه، وزياد بن نعيم الحضرمي، والنضر بن عبد الله السلمي.
واستعمله النبي ﷺ على نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، وقد استعمله النبي ﷺ سنة عشر من الهجرة على نجران كما ذكرنا ذلك في الحديث عن سفارته، ومعنى ذلك أنه ولد سنة سبع قبل الهجرة.
ومات بالمدينة المنورة سنة إحدى وخمسين هجرية، وقيل: سنة ثلاث وخمسين هجرية، وقيل: سنة أربع وخمسين الهجرية.
стр. 10639
وجزم خليفة بن خياط في تاريخه، أنه مات سنة إحدى وخمسين الهجرية (١)، دون أن يذكر مكان موته. كما جزم ابن الأثير في تاريخه، أنه مات سنة ثلاث وخمسين الهجرية (٢)، دون أن يذكر مكان موته أيضا.
وعلى كل حال، فهو قد مات بعد الخمسين، وليس كما ذكرت بعض المصادر بأنه مات في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، والصحيح أنه مات بعد الخمسين؛ لأنه وفد على معاوية بن أبي سفيان في أيام خلافته كما ذكرت المصادر التي تحدثت عنه.
فإذا كان عمرو بن حزم، قد ولد سنة سبع قبل الهجرة، وتوفي بعد الخمسين، فمعنى ذلك أنه عاش ثماني وخمسين، أو تسعا وخمسين سنة، أو ستين سنة، أو إحدى وستين سنة قمرية، (٧ ق هـ - ٥١ هـ أو ٥٢ هـ أو ٥٣ هـ أو ٥٤ هـ).
ذلك هو عمر عمرو بن حزم، بموجب المصادر التي بين أيدينا.
ولكن مصدرا من تلك المصادر (٣)، حين ذكر استعمال عمرو بن حزم على نجران، لم يذكر أنه كان في السابعة عشرة من عمره حين استعمله النبي ﷺ على نجران، كما نص على ذلك غيره من المصادر الأخرى، مما يدل على أنه لم يقتنع بأن عمرو بن حزم كان في السابعة عشرة من عمره حقا.
وأنا مع صاحب هذا المصدر، وهو الإمام ابن حجر العسقلاني، وهو من هو علما وورعا وصدقا وتدقيقا وتحقيقا، مع أنه كان متأخرا عن أصحاب أكثر المصادر الأخرى، ولكنه لم ينقل عنها ما نصت عليه حول عمر عمرو بن حزم حين تولى نجران سنة عشر هجرية، بل تغاضى عن نقل ذلك التوقيت، مما يدل على شكه في صحة الخبر.
стр. 10640
لقد رد النبي ﷺ يوم أحد أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمرو بن حزم وغيرهم، وكان لعبد الله بن عمر بن الخطاب يوم أحد أربعة عشر عاما، وكان سائر من رد معه في هذه السن أيضا.
وأجاز ﵊ في تلك الغزوة سمرة بن جندب الفزاري، ورافع بن خديج، ولهما خمسة عشر عاما (١) أي أن عمر عمرو بن حزم كان في يوم أحد أربع عشرة سنة. وقد أجاز النبي ﷺ الذين ردهم يوم أحد، بعد ذلك بسنة عام الخندق، أي أن عمر عمرو بن حزم بعد سنة من أحد صار خمس عشرة سنة، فأجيز يوم الخندق كما أجيز أقرانه.
نستنتج أن عمرو بن حزم كان له خمس عشرة سنة يوم الخندق، وكانت غزوة الخندق في السنة الخامسة الهجرية؛ فيصبح عمره في السنة العاشرة الهجرية عشرين سنة، أي أنه ولد في السنة العاشرة قبل الهجرة، وتوفي سنة إحدى وخمسين أو اثنتين وخمسين أو ثلاث وخمسين أو أربع وخمسين الهجرية (١٠ قه - ٥١ هـ أو ٥٢ هـ أو ٥٣ هـ أو ٥٤ هـ)، أي أن عمره يوم توفي كان إحدى وستين أو اثنتين وستين أو ثلاثا وستين أو أربعا وستين سنة، وكان في العشرين حين تولى نجران سنة عشر الهجرية.
إنه إذا تولى نجران في السنة العاشرة الهجرية، وكان له حينذاك سبع عشرة سنة، فمعنى ذلك أنه شهد غزوة الخندق، وكان له اثنتا عشرة سنة، وهذا ما لا يستقيم، كما أن توليه نجران وله سبع عشرة سنة لا يستقيم أيضا، فهو صغير جدا على واجب مهم ثقيل على المسئولين، والقول بأن النبي ﷺ ولى أسامة بن زيد قيادة جيش وله عشرون سنة (٢)، هو أن واجب أسامة إجراء غارة خاطفة والانسحاب إلى المدينة، وهذه المهمة تحتاج إلى شاب يتسم بالشجاعة والإقدام وتحمل المشاق، وهذا ما يناسب أسامة المتميز بالشجاعة والإقدام وتحمل المشاق، فهو في ريعان الشباب، وليس
стр. 10641
الواجب كواجب عمرو بن حزم السفير الإداري القائد الفقيه، الذي يحتاج إلى الأناة والمرونة والذكاء والصبر في مهمة قد تطول كثيرا فتمتد إلى سنين، يصادف فيها معضلات سياسية وإدارية وحربية وعلمية وتربوية لا حصر لها، فلا يستقيم أن يتولى مثل هذا المنصب الخطير شاب في السابعة عشرة من عمره، حتى ولو كان متميزا بالذكاء الخارق والتفقه بالدين وبالشجاعة والإقدام. كما كان عمرو بن حزم متميزا بكل تلك الصفات.
وحتى لو تولى منصبه على نجران وأهلها ومن حولها في العشرين من عمره؛ فإنه صغير جدا على منصبه الخطير في ظروف التغيير الاجتماعي والعقيدي الخطيرة، ولكنه دليل ملموس على تميزه بالذكاء الخارق، والتفقه بالدين، والشجاعة والإقدام، وبالقابلية الإدارية والقيادية والسياسة الفذة، والدأب على العمل، والمرونة في مواجهة المشكلات، والخلق الكريم الذي يمكن أن يكون أسوة حسنة لأمثاله من الشباب ولغير الشباب أيضا من مختلف الذكور والإناث.
لقد كان عمرو بن حزم مثالا للصحابي الجليل.
السفير
قضى عمرو بن حزم في نجران سفيرا وواليا ومعلما وقائدا وجابيا، خمسة أشهر في منصبه الخطير، منذ التحاقه في مقر عمله بنجران، إلى أن التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، وكان الأسود العنسي قد ارتد، وارتد معه غير قليل من أهل اليمن، فأخرج عمرو بن حزم من نجران قسرا، وعاد إلى المدينة المنورة مضطرا.
وعلى الرغم من قصر المدة التي مكثها عمرو في نجران سفيرا بالإضافة إلى واجباته الأخرى إلا أن سمات سفارته كانت واضحه للعيان، ولو لم يكن يتميز بتلك السمات لما ولاه النبي ﷺ مثل هذا المنصب الرفيع.
стр. 10642
وأول سمات سفارته، أنه كان مخلص الانتماء للمجتمع الإسلامي الجديد إخلاصا أخذ بمجامع عقله وقلبه معا، فقد كان في انتمائه لهذا المجتمع جنديا مندفعا إلى أبعد الحدود، يحرص على خدمة الإسلام والمسلمين حرصا لا مزيد عليه، ويجند طاقاته المادية والمعنوية للعمل في سبيل الخدمة العامة للإسلام والمسلمين، بعيدا عن كل مطمع ذاتي أو عائلي، فكان مستعدا أن يبذل كل ما يمكن بذله لتكون كلمة الله هي العليا.
والحافز الأول والأخير لانتماء عمرو للإسلام والمسلمين هو إيمانه الراسخ؛ فقد نشأ في بيت إسلامي من الأنصار، ونشأ وترعرع برعاية النبي ﷺ ورعاية الأنصار والمهاجرين الأولين، فلا عجب أن يكون مؤمنا حقا يسخر طاقاته لخدمة عقيدته، ويرى تلك العقيدة أعز عليه من روحه وماله وولده وأهله وأغلى، ولعل الحديث عن إيمان الصحابة الراسخ لا يحتاج دليل.
لقد كان عمرو يتحلى بالانتماء المطلق والإيمان العميق.
وكان عمرو فصيحا يؤثر في سامعيه أبلغ الأثر؛ فيجذبهم بمنطقه القوي إلى الإسلام، وقد كان فصيحا في عرض الرسالة النبوية، وفي حمل أهل نجران على تنفيذ ما جاء فيها من أحكام نصا وروحا.
وكان عالما بالقرآن والسنة، متفقها بالدين الحنيف، وكان المرجع لمن حوله من أهل نجران في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكان على جانب عظيم من حسن الخلق، حتى كان أسوة حسنة لغيره من المسلمين باستقامته وورعه وتقواه، وفي قوله الحق الذي يعتقده بكل أمانة وإخلاص، فلا يخاف في الحق لومة لائم.
وكان يتميز بالصبر الجميل، وبالحكمة البالغة في القول والعمل، وفي توجيه الأمور في نجران وما حولها ومن حولها، فعالج المعضلات بأناة وتغلب على المشاكل بالصبر والحكمة.
стр. 10643
ولولا تصرفه الحكيم؛ لصعب عليه أن ينجو بنفسه بعد احتلال الأسود العنسي لنجران، فاستطاع أن يتخلص من خطر داهم، حتى وصل إلى المدينة المنورة سالما.
وكان واسع الحيلة؛ لأنه كان ألمعي الذكاء، يتحلى بالمرونة، فكان يجد لكل مشكلة حلا، ولكل معضلة مخرجا.
ولا نعلم شيئا عن تمتعه برواء المظهر، وقد يكون المظهر الجذاب ضروريا للسفير في دولة غير عربية، أما بالنسبة للدول العربية فقد لا يكون رواء المظهر ضروريا. ولكنه كان شابا في ريعان الشباب، لا يخلو مظهره من رواء، بالرغم من سكوت المصادر عن مظهره.
تلك هي مجمل سمات سفارة عمرو بن حزم، وهي سمات سهلت له مهماته سفيرا، ومهماته الأخرى واليا وجابيا وقائدا ومعلما، فنجح في تحمل أعباء واجباته في تلك المجالات.
لقد كان عمرو يتحلى بالانتماء والإيمان، وبالفصاحة والعلم وحسن الخلق، وبالصبر والحكمة، وبسعة الحيلة، ورواء المظهر، وتلك هي سمات السفير المتميز في كل زمان ومكان.
стр. 10644
عمرو بن حزم في التاريخ
يذكر له التاريخ، أنه كان من شباب الأنصار الذين يحرصون على الموت في ميدان الجهاد على الحياة في الميادين الأخرى.
ويذكر له، أنه شهد غزوة الخندق، وما بعدها من الغزوات، وهو في ريعان الشباب.
ويذكر له، أنه كان سفيرا نبويا، وواليا وقائدا وجابيا ومعلما؛ فنهض بكل هذه الواجبات بكل نجاح.
стр. 10645
ويذكر له أنه كان لا يخاف في الحق لومة لائم، ولا يكتم قوله الحق خوفا من السلطة والسلطان.
ويذكر له أنه نال شرف الصحبة، وشرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد ﵊.
رضي الله عن الصحابي السفير، القائد الوالي، العالم الجابي، عمرو بن حزم الأنصاري.
محمود شيت خطاب