← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

الواجب كواجب عمرو بن حزم السفير الإداري القائد الفقيه، الذي يحتاج إلى الأناة والمرونة والذكاء والصبر في مهمة قد تطول كثيرا فتمتد إلى سنين، يصادف فيها معضلات سياسية وإدارية وحربية وعلمية وتربوية لا حصر لها، فلا يستقيم أن يتولى مثل هذا المنصب الخطير شاب في السابعة عشرة من عمره، حتى ولو كان متميزا بالذكاء الخارق والتفقه بالدين وبالشجاعة والإقدام. كما كان عمرو بن حزم متميزا بكل تلك الصفات. وحتى لو تولى منصبه على نجران وأهلها ومن حولها في العشرين من عمره؛ فإنه صغير جدا على منصبه الخطير في ظروف التغيير الاجتماعي والعقيدي الخطيرة، ولكنه دليل ملموس على تميزه بالذكاء الخارق، والتفقه بالدين، والشجاعة والإقدام، وبالقابلية الإدارية والقيادية والسياسة الفذة، والدأب على العمل، والمرونة في مواجهة المشكلات، والخلق الكريم الذي يمكن أن يكون أسوة حسنة لأمثاله من الشباب ولغير الشباب أيضا من مختلف الذكور والإناث. لقد كان عمرو بن حزم مثالا للصحابي الجليل. السفير قضى عمرو بن حزم في نجران سفيرا وواليا ومعلما وقائدا وجابيا، خمسة أشهر في منصبه الخطير، منذ التحاقه في مقر عمله بنجران، إلى أن التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، وكان الأسود العنسي قد ارتد، وارتد معه غير قليل من أهل اليمن، فأخرج عمرو بن حزم من نجران قسرا، وعاد إلى المدينة المنورة مضطرا. وعلى الرغم من قصر المدة التي مكثها عمرو في نجران سفيرا بالإضافة إلى واجباته الأخرى إلا أن سمات سفارته كانت واضحه للعيان، ولو لم يكن يتميز بتلك السمات لما ولاه النبي ﷺ مثل هذا المنصب الرفيع.

стр. 10642

وأول سمات سفارته، أنه كان مخلص الانتماء للمجتمع الإسلامي الجديد إخلاصا أخذ بمجامع عقله وقلبه معا، فقد كان في انتمائه لهذا المجتمع جنديا مندفعا إلى أبعد الحدود، يحرص على خدمة الإسلام والمسلمين حرصا لا مزيد عليه، ويجند طاقاته المادية والمعنوية للعمل في سبيل الخدمة العامة للإسلام والمسلمين، بعيدا عن كل مطمع ذاتي أو عائلي، فكان مستعدا أن يبذل كل ما يمكن بذله لتكون كلمة الله هي العليا. والحافز الأول والأخير لانتماء عمرو للإسلام والمسلمين هو إيمانه الراسخ؛ فقد نشأ في بيت إسلامي من الأنصار، ونشأ وترعرع برعاية النبي ﷺ ورعاية الأنصار والمهاجرين الأولين، فلا عجب أن يكون مؤمنا حقا يسخر طاقاته لخدمة عقيدته، ويرى تلك العقيدة أعز عليه من روحه وماله وولده وأهله وأغلى، ولعل الحديث عن إيمان الصحابة الراسخ لا يحتاج دليل. لقد كان عمرو يتحلى بالانتماء المطلق والإيمان العميق. وكان عمرو فصيحا يؤثر في سامعيه أبلغ الأثر؛ فيجذبهم بمنطقه القوي إلى الإسلام، وقد كان فصيحا في عرض الرسالة النبوية، وفي حمل أهل نجران على تنفيذ ما جاء فيها من أحكام نصا وروحا. وكان عالما بالقرآن والسنة، متفقها بالدين الحنيف، وكان المرجع لمن حوله من أهل نجران في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان على جانب عظيم من حسن الخلق، حتى كان أسوة حسنة لغيره من المسلمين باستقامته وورعه وتقواه، وفي قوله الحق الذي يعتقده بكل أمانة وإخلاص، فلا يخاف في الحق لومة لائم. وكان يتميز بالصبر الجميل، وبالحكمة البالغة في القول والعمل، وفي توجيه الأمور في نجران وما حولها ومن حولها، فعالج المعضلات بأناة وتغلب على المشاكل بالصبر والحكمة.

стр. 10643

ولولا تصرفه الحكيم؛ لصعب عليه أن ينجو بنفسه بعد احتلال الأسود العنسي لنجران، فاستطاع أن يتخلص من خطر داهم، حتى وصل إلى المدينة المنورة سالما. وكان واسع الحيلة؛ لأنه كان ألمعي الذكاء، يتحلى بالمرونة، فكان يجد لكل مشكلة حلا، ولكل معضلة مخرجا. ولا نعلم شيئا عن تمتعه برواء المظهر، وقد يكون المظهر الجذاب ضروريا للسفير في دولة غير عربية، أما بالنسبة للدول العربية فقد لا يكون رواء المظهر ضروريا. ولكنه كان شابا في ريعان الشباب، لا يخلو مظهره من رواء، بالرغم من سكوت المصادر عن مظهره. تلك هي مجمل سمات سفارة عمرو بن حزم، وهي سمات سهلت له مهماته سفيرا، ومهماته الأخرى واليا وجابيا وقائدا ومعلما، فنجح في تحمل أعباء واجباته في تلك المجالات. لقد كان عمرو يتحلى بالانتماء والإيمان، وبالفصاحة والعلم وحسن الخلق، وبالصبر والحكمة، وبسعة الحيلة، ورواء المظهر، وتلك هي سمات السفير المتميز في كل زمان ومكان.

стр. 10644

عمرو بن حزم في التاريخ يذكر له التاريخ، أنه كان من شباب الأنصار الذين يحرصون على الموت في ميدان الجهاد على الحياة في الميادين الأخرى. ويذكر له، أنه شهد غزوة الخندق، وما بعدها من الغزوات، وهو في ريعان الشباب. ويذكر له، أنه كان سفيرا نبويا، وواليا وقائدا وجابيا ومعلما؛ فنهض بكل هذه الواجبات بكل نجاح.

стр. 10645

ويذكر له أنه كان لا يخاف في الحق لومة لائم، ولا يكتم قوله الحق خوفا من السلطة والسلطان. ويذكر له أنه نال شرف الصحبة، وشرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد ﵊. رضي الله عن الصحابي السفير، القائد الوالي، العالم الجابي، عمرو بن حزم الأنصاري. محمود شيت خطاب

стр. 10646

رؤية فكرية وتاريخية لرعاية الحرمين الشريفين الدكتور محمد محمد إبراهيم زغروت الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد، وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا الموضوع على قدر كبير من الأهمية؛ إذ يمس الدين الإسلامي في الصميم، ويتصل بالرسالة المحمدية خاتمة الرسالات، فقد ظهرت في الأونة الأخيرة بعض النحل الدينية مثل: القاديانية والبهائية، كما ظهر بعض مأفوني العقول ممن ادعوا النبوة، وجميع هذه النحل الضالة تمثل خطرا كبيرا على الإسلام وعلى النبوة المحمدية - على صاحبها الصلاة والسلام، إذ تبين تورط مدعيها بمؤامرات دينية وسياسية خبيثة مع بعض المنظمات الصهيونية، والقوى الأخرى المعادية للإسلام؛ لتشويه العقيدة الإسلامية، وشريعتها الغراء بدعوى تجديدها وكسر جمودها بنبوءات جديدة، وقد وجدت هذه الفرق المضللة أن أقرب الطرق للوصول إلى أهدافهم الخبيثة يكون عن طريق مزاحمة المسلمين في مقدساتهم وشعائرهم، وذلك بتمزيق الرباط الروحي والفكري الذي يربط قلوب المسلمين وعقولهم بالكعبة المشرفة قبلة المسلمين جميعا، وبمسجد النبي الكريم ﷺ .

стр. 10647

فنرى القاديانيين يعتقدون أن قاديان هي ثالثة المقدسات الثلاثة (مكة والمدينة وقاديان)، ويدعي صاحب هذه النحلة الضالة أن قاديان تناهض البلد الحرام، وربما تفوقه، وأن السفر إليها يساوي الحج بل يفوق عليه، وقد جاء في إحدى صحفهم: " أن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف خشيب؛ لأن الحج إلى مكة اليوم لا يؤدي رسالته، ولا يفي بغرضه " (١)، وإن كانت القاديانية تتخذ اليوم من قاديان، ومن قبر المسيح المزعوم في كشمير أماكن مقدسة تغنيهم عن بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف؛ فإن البهائية تتخذ أيضا من عكا قبلة لهم في صلاتهم، وأرضا مقدسة يرتبطون ويتجهون إليها. وما أحسب تلك الأماكن المقدسة المزعومة في قاديان وكشمير وعكا، وكذلك مدعي النبوة إلا حلقة جديدة في إطار مخطط كامل رهيب للقضاء على الإسلام وتفتيت وحدة الصف الإسلامي، وقد ركز الحاقدون جل حملاتهم للنيل من الحرمين الشريفين - حفظهما الله من كل سوء، وهذا هو ديدنهم دائما في مواجهة الصحوات الإسلامية بين الحين والحين، إذ يعمدون إلى إحياء القاديانية في القارة الهندية، والبهائية في مصر والشام والشمال الإفريقي بأكمله، وذلك في وقت واحد وتلازم غريب، وليس هذا المخطط بخاف على كل ذي لب غيور على دينه ومقدساته، فهم يهدفون من مخططهم ذلك صرف المسلمين عن مقدساتهم، وذلك بتوزعهم إلى فرق شتى، ونحلات ضالة، حينئذ تشد الرحال إلى غير مقصدها، ويستغني مسلمو آسيا بقاديان وقبر المسيح الموعود عن الحج إلى البيت المعمور، وزيارة مسجد الرسول ﷺ ، كما يستغني العرب المسلمون في مصر والشام والجزيرة العربية وإفريقيا عن الحرمين الشريفين، بشد الرحال إلى قبلة البهائيين في عكا. إنه لمخطط رهيب قصد منه حصر الحرمين الشريفين - حفظهما الله - وتعطيل رسالتهما - لا قدر الله - بتجميد مشاعر المسلمين نحوهما، والانتقال بها إلى مشاعر أخرى تجاه أماكن أخرى

стр. 10648

مزعومة، وإذا ما تم ذلك انفصمت عرى العقيدة نهائيا من قلوب المسلمين، وانطفأت جذوة الإيمان التي يؤججها دائما أعمال الحج وزيارة مسجد الرسول ﷺ . إذن القضية هنا ليست قضية فرق منشقة؛ فالتاريخ الإسلامي حافل بأمثال هذه الفرق، وإنما هذه القضية كما يقول العلامة أبو الحسن الندوي: إنها قضية شاذة في التاريخ الإسلامي؛ لأنها دين إزاء دين، وأمة إزاء أمة، وانقلاب خطير على النبوة المحمدية ورسالتها الغراء التي جعلها الله خاتمة الرسالات (١)، ومن هذا المنطلق جاء هذا الموضوع " رؤية فكرية وتاريخية لرعاية الحرمين الشريفين "، وسوف أستعرض من خلاله القضايا الفكرية التالية: أولا: المكانة التاريخية والفكرية للحرمين الشريفين. ثانيا: مواجهة الحرمين الشريفين للحركات المعادية قديما. أ) مقولات الغزو الفكري حول مكانة الحرمين. ب) الصليبيون وإعلاء المقدسات المسيحية. ثالثا: مواجهة الحرمين الشريفين للتحديات المعاصرة. أ) العزلة الفكرية بين جناحي الأمة الإسلامية. ب) العلمانية وتجميد المشاعر الدينية نحو المقدسات. ج) الباطنية ومفرزاتها - البهائية - القاديانية. ١ - البهائية وتحويل قبلة الصلاة. ٢ - القاديانية والحج إلى قاديان. ٣ - نظرة فاحصة لأصول الفكر الباطني. أ - الفلسفة اليونانية ورموزها الغامضة. ب - التأويل الباطني لظاهر النصوص. ج - الصدور والفيض.

стр. 10649

أولا: المكانة التاريخية والفكرية للحرمين الشريفين اقتضت حكمة الله أن يجمع الموحدين من البشر على قبلة واحدة، فأوحى الله إلى أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇ أن يقيم قواعد البيت العتيق ليكون أول بيت يذكر فيه اسمه، وليكون أيضا مثابة للناس وأمنا، تشد الناس إليه الرحال من كل فج عميق. ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١). وقد شاء الله تعالى أن يبقى هذا البيت مصدرا للإشعاع والنور الرباني منذ أن أقيمت قواعده إلى أن تقوم الساعة، وجاءت الرسالة المحمدية بحكم أنها خاتمة الرسالات لتقر هذا المعنى وتؤكد هذه الحقيقة، إذ أمر المولى تعالى رسوله الكريم بالتوجه إليه في الصلاة بعد أن توجه إلى بيت المقدس ما يقرب من ستة عشر شهرا؛ وذلك ليعيد لأمة التوحيد متمثلة في الأمة المحمدية قيادة ركب البشرية وهدايتها، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢). فلا غرو بعد هذا أن تكون قبلة أبي الأنبياء " إبراهيم خليل الرحمن " رمزا للتوحيد، ومظهرا حقيقيا للإيمان، تشرئب إليها القلوب، وتتطاول إليها أعناق المسلمين؛ لأنها مظهر وحدتهم، وسر اجتماع كلمتهم، ومحور شعائرهم، وقد أكد القرآن الكريم هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣). ومن هذا المنطلق أرسى النبي ﷺ للبيت العتيق رسالته الصحيحة، وسن للمسلمين شعائر حجهم على أكمل وجه، وجعلها ركنا أساسيا من أركان الإسلام لا يكتمل إسلام المرء بدونه.

стр. 10650

ومن هذا التاريخ تصدرت مكانة الحرم المكي وأخذت الكعبة المشرفة أهميتها البارزة في عقيدة المسلمين وسائر عباداتهم، ثم عاش النبي - صلوات الله وسلامه عليه - الفترة الباقية من النبوة في المدينة المنورة يرسي قواعد الدولة الإسلامية متخذا من مسجده الشريف مقرا لإدارة الدولة، ومدرسة فكرية لتربية أصحابه، يزاولون فيه شعائر عباداتهم، ويتلقون من نبيهم تعاليم دينهم إلى أن استبان المنهج، واكتملت الرسالة، ولم يعد سوى أن يتابع رجاله السير على هداه، وبعدها لحق رسولنا الكريم بالرفيق الأعلى، تاركا لنا ميراث نبوته في كتاب الله وسنته المشرفة. ومن هذا المنطلق احتل مسجد الرسول الكريم ﷺ في طيبة الطيبة في حياته وبعد مماته مكانته المقدسة في قلوب المسلمين جميعا، وبجواره رقد النبي ﷺ رقدته الأخيرة إلى أن يلقى ربه، وصار المسجد النبوي ثاني الحرمين الذي تشد إليه الرحال من كل فج؛ ليشارك الحرم الأول رسالته السامية في تعميق مشاعر الإيمان في قلوب المؤمنين. وإيمانا بأهمية رسالة كل من الحرمين الشريفين حرص خلفاء المسلمين ومن جاء بعدهم من الحكام على إبقاء هذه الرسالة حية ومتجددة على الدوام، تؤتي أكلها وثمارها في كل حين، وذلك برعايتهما وصيانتهما من كل حركة معادية أو اتجاه هدام؛ لأن إلحاق الضرر - لا قدر الله، مهما كان نوعه أو درجته يمس الحرمين من قريب أو بعيد - إنما هو ضرر يمس قبل كل شيء عقيدة المسلمين، ويوهن من مشاعرهم وشعائرهم، وتؤدي إلى تمزيق وحدتهم التي من الله عليهم بها في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١). وإن كانت خدمات حكام المسلمين من: أمويين وعباسيين وفاطميين وعثمانيين وسعوديين إزاء هذين الحرمين عبر فترات التاريخ الإسلامي قد تنوعت، فشملت السقاية والرفادة وكسوة الكعبة،

стр. 10651

والتوسعة والبناء والترميم، وجميعها بلا شك خدمات جليلة يشهد بها التاريخ في الماضي، ويقرها الواقع اليوم، فإن هناك بجانب هذه الخدمات رعاية أخرى أسمى وأعمق؛ لنواجه بها بكل حزم وقوة تلك الاتجاهات المضللة والنحل الضالة، التي أرادت أن توهن من قدر هذه المقدسات، وأن تبعد أنظار المسلمين عنها إلى أماكن أخرى مزعومة، ومراكز فكرية تبث سمومها الإلحادية ضد معتقد المسلمين، وتغزو عقولهم غزوا فكريا يصعب انتزاعه، وفي اعتقادي أن مثل هذه الرعاية تعد أسمى أنواع الرعايات وأنفعها، وسوف تعود بالخير العميم على الحرمين من جهة، وعلى المسلمين من جهة أخرى، حتى يظل التأثير والتأثر بين الطرفين باقيا، وتظل المناعة الوقائية للحرمين ضد شتى الحملات العدائية قوية وباقية. فإذا تهيأ للحرمين أداء دورهما على هذا النحو انسابت آثارهما قوية في نفوس المؤمنين تعصمهم من كل بدعة أو انحراف، وتصحح المعتقد كلما طرأ عليه من الظواهر والمتغيرات ما يحيد بهم عن المنهج الرباني؛ فإنه لا يسوغ لأحد من أهل التوحيد أن يشد رحاله إلى غير الحرمين والمسجد الأقصى، أو يمكث في الأرض بعيدا عنهما، كما ينبغي أن تمتد حركة التصحيح بوسائلها المختلفة من هذين الحرمين إلى الطوائف المخالفة لهذا الحكم الإسلامي؛ لأن هذين الحرمين مصدران للإشعاع الإيماني الذي يواجه كل باطل وانحراف. ولم تقتصر رسالة الحرمين على مواجهة النحل الضالة وقطع دابرها من الأرض، وإنما لمن يقوم بخدمتها دور قيادي باعتباره الممثل الشرعي للمسلمين، والجامع لكلمتهم، والمعبر عن آمالهم، وهذا الدور الطليعي ينبغي أن يؤتي ثماره في المجالين الإسلامي والدولي، وعلى كافة محاور الأنشطة الدينية والسياسية والحربية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا الدور الطليعي الذي يضطلع به من يقوم بخدمة الحرمين ليس هو وليد اليوم، وإنما هو تكليف شرعي شرف الله به كل

стр. 10652

من قام بخدمتهما في كل عصر، منذ أن قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة إلى أن يشاء الله، فإن الحرمين الشريفين ليسا نصبين تذكاريين، وإنما هما معنيان من المعاني الخالدة، ولا تقوم للمسلمين قائمة بدونهما، بل لا تكتمل الشخصية القانونية والشرعية لدولة إسلامية كبرى تجمع المسلمين جميعا، إن لم يكن الحرمان الشريفان رمزا لها، ولنا في رسولنا الكريم والخلفاء الراشدين من بعده الأسوة الحسنة، فقد اتخذوا من مسجد الرسول ﷺ مقرا للدولة الكبرى التي أقاموها، وقد أدى المسجد النبوي دوره كاملا دون نقصان إذ انبعثت منه المؤثرات الدينية الصحيحة إلى كافة المسلمين في المشرق والمغرب، ومنه عقدت ألوية المجاهدين الذين انساحوا في الأرض لتمكين منهج الله، وإليه وفدت وفود الأمم ومبعوثوها لعقد المعاهدات والهدن وإبرام الصلح، كما كانت تفد إليه وفود الأمصار الإسلامية برئاسة ولاتها لأداء فريضة الحج وزيارة المسجد النبوي، ثم يلتقون بالخليفة كل على حدة؛ ليتلمس مشكلات المسلمين في بلادهم البعيدة، ويطمئن على عدالة الحكم وإيصال الحقوق إلى أصحابها، إنه بحق دور ريادي لراعي الحرمين ينطلق من المصلحة العليا للمسلمين بصفته الممثل الشرعي لهذه الأمة، والقادر على توصيل هذه المثل إلى جميع المسلمين في بقاع الأرض، والحارس على سلامتها وصحتها من كل بدعة أو اتجاه هدام.

стр. 10653

ثانيا: مواجهة الحرمين الشريفين للحركات المعادية قديما: إن الحركات الهدامة التي تعرض لها الحرمان الشريفان قديما كثيرة ومتعددة، بدأت مع أصحاب الفيل قبل الإسلام، ثم مع جماعة عبد الله بن سبأ وغيره من اليهود الذين حقدوا على الإسلام، ولا سيما بعد تغير اتجاه القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، ثم مع الباطنية وفرقها منذ عهد مؤسسها ميمون القداح وابنه عبيد الله، ثم مع حملات الحقد

стр. 10654

من الصليبيين الذين أرادوا إحياء مقدساتهم في القدس الشريف، وقد حاولوا الهجوم على الحرمين الشريفين أكثر من مرة، وسوف أعرض في عجالة لأهم هذه الحركات وأخطرها. أ) مقولات من الغزو الفكري حول مكانة الحرمين: الحقيقة أن هذه قضية من القضايا المهمة التي لها أبعادها في التاريخ الإسلامي لبلاد الحجاز، والتي ينبغي أن يعاد فيها النظر مرة أخرى، فإن ما تردده بعض الأقلام المعاصرة من أن الحجازيين ولا سيما أهل المدينة قد عانوا فراغا سياسيا بعد انتقال عاصمة الدولة الإسلامية من المدينة المنورة إلى دمشق ثم بغداد، ثم القاهرة، ثم الأستانة، وأن هذا الفراغ قد دفع بأهالي المدينة إلى الاستعاضة عن دورهم السياسي بالغناء والطرب، وانتشار شعر الغزل بكافة أنواعه (١). إن مثل هذه الروايات في تقديري تعد من قبيل الغزو الفكري الذي ابتلي به المسلمون، وأراد منه المغرضون تشويه التاريخ الإسلامي، ولا سيما تاريخ الأنصار أبناء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. قد نسلم بأن انتقال عاصمة المسلمين من المدينة المنورة قد أثر على مكانتها السياسية، إذ استحوذت كل من دمشق، ثم بغداد، ثم القاهرة، ثم الأستانة جل الأنشطة السياسية للخلفاء باعتبارها حواضر الدول الإسلامية آنذاك، ولكننا لا نسلم بالفراغ السياسي جملة، كما لا نسلم بأنه أدى إلى انحراف الحجازيين إلى مثل هذه الأنشطة الدنيوية اللاهية. فمن المعلوم تاريخيا وفكريا أنه على الرغم من خلو المدينة المنورة من مركز الزعامة السياسية، إلا أنها هي ومكة المكرمة حزتا الزعامة الدينية للعالم الإسلامي كما شهدت المدينتان معا ثقلا سياسيا من نوع خاص بجانب زعامتهما الدينية تلك، وإن كان هذا الثقل السياسي

стр. 10655

للحجازيين يأتي في إطار علاقتهما بالخلافة الأموية ثم العباسية ثم الحكام الفاطميين في مصر، باعتبارهما وقتئذ ولايتين تابعتين للخلافة، إلا أن الثقل الديني والسياسي لهما قد أوجد نظرية فكرية وسياسية تبلور مفهومهما إبان القرن الرابع الهجري، حين شهدت بلاد الحجاز صراعا من قبل الخلافة العباسية والحكام الفاطميين على الظفر برعاية الحرمين الشريفين، إذ أصبح من المسلم به في الأوساط الرسمية والشعبية أن الخليفة الشرعي الممثل للمسلمين هو من دعي له على منابر مكة والمدينة؛ وبذلك يضفي على خلافته صفتها الشرعية، ويمتلك منبرا قويا للتأثير على مشاعر المسلمين الذين احتشدوا من كل فج عميق لأداء فريضة الحج، ومن يتتبع علاقات الحجازيين بالخلافة العباسية والدولة الفاطمية ثم الدولة البويهية والأيوبية، وأخيرا دولتي: بني رسول وبني نجاح في اليمن - يدرك تماما أهمية تلك النظرية بجانبيها الفكري والسياسي في تأصيل تلك الدول واتخاذها صفة الشرعية السياسية في نظر المسلمين. ولعل هذه النظرية هي تلك التي ألهبت الصراع بين الدولة العباسية السنية والفاطميين الشيعة منذ أن قامت دولة الفاطميين الأولى في الشمال الإفريقي، فعلى الرغم من تمذهب الفاطميين بالمذهب الإسماعيلي الذي لم يلق اهتماما من المسلمين، إلا أنهم لم يغمضوا جفونهم عن محاولة الاستيلاء على الحرمين، وقد بدأت محاولاتهم الأولى مبكرة في عهد عبيد الله المهدي وابنه القائم، إذ حاول الاثنان أن يستميلا أهل الحجاز، وعندما فشلت محاولاتهما المتكررة أوعزا إلى القرامطة بتأديبهم، فما كان من هؤلاء إلا أن اعتدوا على الحجيج، وامتدت أعمالهم التخريبية إلى الكعبة - صانها الله، وعلى ما يبدو فإن عبيد الله المهدي لم يرقه الظفر برعاية الحرمين بهذا الأسلوب الذي أحنق عليه المسلمين جميعا؛ فنراه يسارع بإظهار الاستياء، وإنكاره الشديد لهذا الحادث، ويبعث برسالة شديدة اللهجة إلى مدبره، قائلا فيها: " سجلت علينا في التاريخ نقطة سوداء لا تمحوها الليالي والأيام "، ثم يقول في موضع آخر من الرسالة:

стр. 10656

" قد حققت على دولتنا وشيعتنا ودعاتنا اسم الكفر والزندقة والإلحاد بفعالك الشنيعة هذه. . . ". كما هز هذا الحادث الجلل مشاعر الخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي في الأندلس فاستشاط غضبا هو وأهل السنة في بلده لما انتهك من حرمة البيت العتيق، وينعي على الفاطميين اشتراكهم في هذه المؤامرة، وإعاقتهم حجيج الأندلس أثناء مرورهم بالقيروان، ويتوعدهم قائلا في إحدى رسائله إلى بعض أمراء المغرب المتقربين إليه: ". . . وهو الأمر الفادح والكارث الذي لا يحل لأمير المؤمنين ترك الغضب منه والسعي في الانتصار له، والقيام في الذب عنه، والتقرب إلى الله بحماية البيت العتيق وتعظيمه وتهوين من استهان به، والله على الانتصار منهم معين إن شاء الله ". مما تقدم يتضح أن الحجازيين لم يعانوا من فراغ سياسي كما تردد حولهم، وأن لخدمة الحرمين أثرها الكبير في توطيد أركان الممالك الإسلامية التي قامت آنذاك، ومن ثم انشغل الحجازيون بعلاقات سياسية على أعلى مستوى، كما كان لهم أيضا دورهم الديني في هذا الصدد، إذ تسنموا قمة التوجيه الديني لشعوب العالم الإسلامي، فقد عاش في المدينة أبناء الصحابة - رضوان الله عليهم - وأبناء التابعين، وكانت وفود طلاب العلم من المشرق الإسلامي ومغربه تصل إليهم للتتلمذ على أيديهم، وتدوين أحاديث النبي ﷺ فيجاورون الحرمين، وينتظمون في حلقات العلم بالمسجد النبوي والمسجد الحرام، وظلت هذه الحلقات تقوم بدورها الكبير في تطوير الأمة الإسلامية فكريا وحضاريا، وربطها بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، وكان الإمام مالك ﵀ من أبرز معلمي المسجد النبوي في مطلع القرن الثاني الهجري، إذ تتبع منهاج الرسول ﷺ ، وسار طلابه على منهاجه، حتى تكونت مدرسته الفكرية الفقهية التي تعرف بمدرسة عالم المدينة، والتي نهجت هي أيضا منهج السلف

стр. 10657

والجماعة، وابتعدت عن القياس والتأويل، والتزمت بظاهر النص مع معناه الأصيل. ولم يقف تأثير فكر عالم المدينة على أهالي الجزيرة العربية والمشرق الإسلامي، بل امتد ليؤثر في المغرب والأندلس وشعوب غرب أوروبا؛ وذلك ليحمي أمة بأكملها من زيغ الزائفين وضلالات المضللين، إذ كان لبعد هذه البلاد عن مراكز الإسلام الإشعاعية في المشرق الإسلامي ولا سيما الحرمين الشريفين، كما كان لضعف السلطة المركزية في بغداد في أن تتعقب أصحاب النحل الضالة التي فرت إلى المغرب، قد شجع أصحاب هذه النحل أن تتخذ من بلاد المغرب أوكارا تعشعش فيها دعواتهم المنحرفة. وشاء الله لهذه البلاد أن تنجو من تلك المهالك إذ هيأ لها رجالا أشداء مخلصين تمذهبوا بمذهب عالم المدينة، وعرفوا منه الدين على أصوله الصافية، إذ كانت رحلة المغاربة إلى المدينة لا تنقطع سواء في مواسم الحج أو طلبا للعلم. ولم يمض وقت طويل حتى تكونت في بداية القرن الثالث الهجري النواة الأولى لمدرسة القيروان التي لمعت في دراسة الفقه المالكي، وفي تصنيفه، وفي الإفتاء به، ومن أشهر الفقهاء المؤسسين لهذه المدرسة: الإمام سحنون وابنه محمد، وابن عيدروس، وابن الحداد، وغيرهم كثيرون يشهدون بفضل عالم المدينة المنورة، وبعلمه الصحيح. ولم يقف تأثير فكر عالم المدينة المنورة على الشمال الإفريقي، بل امتد أيضا ليشمل بلاد الأندلس في غرب أوروبا، إذ لمس الأندلسيون عند مرورهم بالقيروان متجهين إلى الحج مدى الازدهار العلمي والثقافي الذي تعيشه القيروان في رحاب فكر عالم المدينة، حينئذ شدوا رحالهم إلى المدينة لتعلم الفقه المالكي، وأخذ العلم من منابعه، ثم عادوا إلى بلادهم

стр. 10658

يحملون نسخا من الموطأ بعد أن درسوه واستظهروا أحكامه، ولم يمض وقت طويل حتى تأسست مدرسة قرطبة الفقهية (١) التي شاركت أختها القيروانية الفكر الديني، والأخذ بآراء أهل السنة والجماعة، وبادلوهم التأثر والتأثير في كثير من القضايا الفكرية والدينية والسياسية، الأمر الذي أدى إلى تساند أهل السنة في البلدين في إطار الوحدة العقدية لمذهب عالم المدينة للوقوف في مواجهة فتنة المذاهب الدخيلة، ولا سيما المذهب الإسماعيلي الذي ابتلي به البلدان المسلمان. فقد حاول الفاطميون فرض مذهبهم بشتى الوسائل، وذلك في إطار خطتهم الشاملة لحكم العالم الإسلامي، ولكن أهل السنة في هذه البلاد لم يستسلموا مطلقا، وشرعوا يواجهون دعاة المذهب الإسماعيلي مواجهة سطرها التاريخ بأحرف من نور، إذ انبرى فقهاء المالكية في البلدين يناظرون فقهاء الباطنية مناظرات علمية كتبت لها الظفر والتفوق، ومكنتهم من كشف أضاليلهم أمام الناس، ولم تقتصر المواجهة على المناظرات العلمية، وإنما اتخذت أشكالا أخرى منها المقاطعة الجماعية، والمواجهة العسكرية حتى فشل الفاطميون في نشر مذهبهم في المغرب والأندلس، وكان هذا سببا من الأسباب التي اضطرتهم للرحيل نحو بلاد المشرق واحتلال مصر. إذن كان الدور الفكري للمسجد النبوي وعالمه مالك كبيرا، إذ امتد تأثيره وإشعاعاته الإيمانية ليصون أمة إسلامية في الشمال الإفريقي والأندلس من خطر النحل الضالة، والاتجاهات الهدامة، فقد ظل ذلك المذهب حتى يومنا هذا قلعة حصينة من قلاع أهل السنة، ومنبرا من أهم منابر الفكر الإسلامي الصحيح في هذه البلاد.

стр. 10659

ب) الصليبيون وإعلاء المقدسات المسيحية: كان المد الإشعاعي للحرمين الشريفين كما عرفنا بعيدا وعميقا حتى بدد دياجير الظلم والإلحاد في بقاع كثيرة من المعمورة، وأنقذ شعوبا كانت مقهورة تحت سلطان الكنيسة في العصور الوسطى، واعتنقوا الإسلام عن رغبة واقتناع أكيدين، كان من أبرز مظاهره ارتباط تلك الشعوب بالأماكن المقدسة الإسلامية وإعراضهم عن الكنيسة، ومقدساتها المزعومة، مما أوجد قلوب رجال الدين الأوروبيين على الإسلام ومقدساته، مما زاد من غضبتهم الغاشمة ذلك الاحتكاك الثقافي والفكري الذي تأثرت به بعض الشعوب الأوروبية عن طريق الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وجنوب إيطاليا، وحاول هؤلاء المتأثرون إقامة حياتهم في أوروبا على ضوء المفاهيم والقيم والمعارف التي وجدوها عند المسلمين، ولكن الكنيسة وقفت ضد هذه الحركة العلمية التي بدأت تأخذ طريقها إلى سائر الشعوب الأوروبية لسببين: الأول: خوفها على مكانتها في نفوس الأوروبيين، إذ بانتشار العلم يزداد وعي الشعوب، وتتفتح أعينهم على خرافات رجال الدين المهيمنين على حياة هذه الشعوب آنذاك. ثانيا: خوفها من انتشار الإسلام مع الحركة العلمية المنقولة عن الجامعات الإسلامية وعلمائها. ولكي تضع الكنيسة حدا لمؤثرات الإسلام الفكرية والعلمية التي باتت خطرا يهدد مصالحها؛ انبثقت الدعوة للحروب الصليبية، وحشدت لحروب المسلمين أعدادا غفيرة من رجالات الدين والحاقدين على الإسلام من كافة أرجاء القارة الأوروبية، وأضفوا عليها طابعا مقدسا، وسموها بالحروب المقدسة، وقد ظلت تلك الحروب قرابة قرنين من الزمان من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر الميلادي جاثمة بكلكلها على جناحي الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء، وفي آن واحد،

стр. 10660

استهدفت أول ما استهدفت النيل من مقدسات المسلمين في الحرمين الشريفين، وذلك بانتزاع الأماكن المقدسة المسيحية في القدس من أيدي المسلمين، وإثارة الطوائف المسيحية ضد الإسلام والمسلمين، وبعد أن يتم لهم ذلك ويقيموا مملكتهم في بيت المقدس يباشرون جهودهم في تنصير المسلمين، واقتلاع الإسلام من نفوسهم، وإحلال المسيحية محله، وحينئذ تأخذ المقدسات المسيحية صدارتها، وتتجه أنظار العالم نحوها. إذن فإن دوافع الحروب الصليبية والتي أطلقوا عليها الحرب المقدسة لم تكن دوافع اقتصادية أو سياسية أو حربية بقدر ما كانت دوافع أملاها الحقد والكراهية والتعصب الأعمى البغيض؛ فهي حرب أمة تجاه أمة، وحرب دين تجاه دين، وتشير أحداث التاريخ إلى محاولات الصليبيين المتكررة لغزو بلاد الحجاز، ففي عام ٥٧٧هـ قامت المحاولة الأولى بقيادة أرناط صاحب إمارة الكرك، وكان هدفه الأساسي من الغزو هو ضرب المسلمين في مقدساتهم - الحرمين الشريفين - والاستيلاء على طريق الحج البحري والسيطرة عليه، ولكن باءت هذه الحملة بالفشل بعد أن تصدى لها الأيوبيون، ثم تكررت محاولته الثانية في العام التالي إذ تمكن الصليبيون من النزول بأسطولهم على ساحل الحوراء قرب ينبع، وغزوا المناطق المجاورة وجدوا في المسير حتى أصبحوا على بعد مسيرة مرحلة واحدة من المدينة المنورة، يريدون دخولها ونبش قبر الرسول ﷺ وإخراج جسده الطاهر من قبره، ثم نقله إلى بلادهم ودفنه عندهم حتى لا يستطيع المسلمون زيارته (١)، إلا أنهم لم يحققوا أهدافهم، وحفظ الله نبيه من كيدهم، وحلت بهم الهزيمة والأسر على أيدي صلاح الدين ورجاله، وجعل منهم عبرة لكل من تسول له نفسه بالاعتداء على الحرمين إذ أمر بنحر بعضهم في منى كما تنحر الهدي، ثم أمر بقتل الباقين بعد أن طيف بهم في شوارع مدينة الأسكندرية عام ٥٧٨هـ.

стр. 10661

وقد يخطئ من يظن أن الحقد الصليبي على الإسلام والمسلمين انتهى بانتهاء الحروب الصليبية، وإنما هو باق إلى يومنا هذا، وإن كان قد أخذ شكلا مغايرا لما كان عليه، فإن من أبرز مظاهره اليوم هو تنصير المسلمين، تلك الحركة الخبيثة التي باتت تستشري في بعض بلدان العالم الإسلامي لاستئصال الإسلام نهائيا من النفوس. يقول المبشر رايد: " إنني أحاول أن أنقل المسلم من محمد إلى المسيح، ومع ذلك يظن المسلم أن لي في ذلك غاية خاصة، أنا لا أحب المسلم لذاته، ولا لأنه أخ لي في الإنسانية، ولولا أنني أريد ربحه إلى صفوف النصارى لما كنت تعرضت له لأساعده ". ويقول المبشر الألماني " كارل بكر ": " إن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى أقام سدا في وجه انتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجان المسيحية ". ومن هنا يتضح أن حركة التنصير التي تقوم بها المسيحية اليوم في بلاد المسلمين، ما هي إلا إحدى مفرزات الحركات الصليبية إبان القرون الوسطى، وإن كانت الحروب الصليبية قد استهدفت قديما عداء سافرا وهجوما مباشرا على الحرمين الشريفين، وأثبتت في ذلك فشلا ذريعا، فإن خلفاء الصليبيين اليوم من المبشرين بالمسيحية قد غيروا من هذا الأسلوب المباشر بعد أن ثبت لأسلافهم فشله، وعولوا على اتباع أسلوب أكثر خبثا يتسم بالمرونة والملاينة، فهم لا يودون تهييج المسلمين بالطعن في مقدساتهم، وإنما يخمدون وهجها من قلوبهم بمخطط رهيب ينفذ بكل دقة، ويقوم على مرحلتين أساسيتين: تبدأ الأولى بأعمال التذبذب، ثم تسلم إلى المرحلة الثانية، والتي سموها بأعمال الهدم، ويوضح لنا المبشر الفرنسي " شاتليه " أبعاد هاتين المرحلتين في مقدمة كتابه " الغارة على العالم الإسلامي " يقول عن المرحلة الأولى: " ولا ينبغي أن نتوقع من جمهور العالم الإسلامي أن يتخذ له أوضاعا وخصائص أخرى إذا

стр. 10662

هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية، إذ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية، وما يتبع ذلك الضعف من الانتقاض والاضمحلال الملازم له سوف يقضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر ". أما عن المرحلة الأخرى وهي الهدم فيقول: ". . . ولكننا نعود فنقول: إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث الشطر الثاني من خطتهم، وهو " الهدم "، فإن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم دائما للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية، والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية الأوروبية، إذ من المحقق إن الإسلام يضمحل من الوجهة السياسية، وسوف لا يمضي غير زمن قصير حتى يكون الإسلام في حكم مدينة محاطة بالأسلاك الأوروبية ". هذا هو الخطر المعادي الثاني، والذي يتمثل في الحقد الصليبي في العصور الوسطى، وما تمخض عنه اليوم من حركات تنصيرية أخذت طريقها في بلاد المسلمين.

стр. 10663

ثالثا: مواجهة الحرمين الشريفين للتحديات المعاصرة . يواجه الحرمان الشريفان اليوم تحديات كثيرة، البعض منها يمسها مباشرة، والبعض الآخر يمس الإسلام: عقيدته وشريعته، وتاريخه ولغته ونظمه وثقافته وفكره، والبعض الثالث يستهدف المسلمين أنفسهم؛ لكسر شوكتهم وتمزيق صفهم، وإبعادهم عن دينهم الحنيف، وانتزاعهم من ماضيهم المجيد، وليس بخاف على أحد أن التحديات الثلاثة تعمل جميعها في مخطط واحد، تعاونت قوى الشر والضلال على تنفيذه بكل دقة، فجندت له كل عربيد خارج عن الدين، وشحذت له كل لسان متفوه، واستأجرت له كل قلم مريب، ثم نفخت في كير كل دعوة منشقة عن

стр. 10664

الإسلام، وقدمت لها الدعم المالي والسياسي في كثير من أرجاء عالمنا الإسلامي. وقد تسربت هذه التحديات جميعا إلى عقول المسلمين في غفلة منهم، فإن ما تمر به أمتنا الإسلامية اليوم كان حصاد قرن من الزمان، عمل خلاله الاستعمار العسكري الأوروبي بتوجيه الصهيونية العالمية لحسابه، وتمكنت من اقتطاع فلسطين لحسابها، ودبرت الجولات الثلاث مع إسرائيل، حصدت فيها ثلاثة أجيال من الأمة، وأشعلت نار الحرب في أماكن إسلامية أخرى: كحرب الصحراء المغربية، وحرب الصحراء المغربية وحرب الخليج، واحتلال أفغانستان، مع عربدة على الساحة العربية في غزة والضفة الغربية للأردن والجولان، وتهويد بيت المقدس، واحتلال جنوب لبنان، ومذابح صبرا وشاتيلا والبقاع. وفي ظل العتمة الحالكة التي شغلت المسلمين عن وجودهم المعنوي جاء الغزو الفكري الجائح للموقع الديني برمته: مقدساته وفكره ومعتنقيه، مستهدفين قبل كل شيء ذلك الحصن المنيع الذي يعد مناط الأمة وأساس وجودها وبقائها. فماذا أعدوا لذلك؟ أ - العزلة الفكرية بين جناحي الأمة الإسلامية. لعبت عوامل كثير في اصطناع هذه العزلة وفرض جدار قوي يحول دون التبادل الثقافي والفكري بين جناحي الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب، ومن هذه العوامل ما هو تاريخي يعود إلى جذور شعوبية أو عصبية بغيضة قضى عليها الإسلام بتعاليمه السمحاء، ومنها ما يعود إلى الاستعمار وحلفائه من الصهاينة والماسونية والماركسيين الذين دعوا إلى ظهور الدعوات المختلفة لتعميق الهوة الفاصلة بين رقعة العالم الإسلامي، وترسيب كثير من الرواسب التي ساهمت في إثارة مواقف فكرية مضادة، كان مؤداها ظهور القوميات التي مزقت الكيان الفكري

стр. 10665

والاجتماعي للأمة الإسلامية، فبرزت القومية الهندية، والفارسية والفرعونية والكردية والبربرية، إلى غير ذلك من دعوات عملت على تعميق الهوة والاختلاف، وإشعال جذوة الصراع الفكري والعقدي بين مسلمي الجناحين؛ فلا يصح في عقل ولا منطق أن تتجاوز كل من القاديانية في قاديان، والبهائية في شيراز حدودهما الجغرافية من بلاد فارس، وما كان دعاتها المؤسسون سوى بقايا الشعوبية الحانقة على الإسلام، فإذا كانت اليهودية العالمية بشهادة الوثائق هي التي بشرت بالبهائية والقاديانية وروجت لهما حتى تكاثرت خلاياهما في عالم اليوم، فكيف استطاعت هاتان النحلتان أن تغزوا فكرنا المعاصر من حيث لا ندري، وقد أعيا اليهود منذ القدم أن تنفذ إليه، فكيف أفلحت إذن كل من هاتين النحلتين الآسيويتين؟ بلا شك أنه عمل صهيوني خطير قصد منه تمزيق أواصر الوحدة الفكرية التي نعم بها المسلمون قرونا طويلة. وفي إطار تمزيق الوحدة الفكرية الذي بدأ مع ليل الاستعمار البغيض، أصبحت بلاد المسلمين مرتعا خصبا للإرساليات التبشيرية، والبعثات العلمانية الأجنبية من كل جنس وملة، فنشبت أظفارها في ديارنا تتولى أبناء المسلمين منذ نعومة أظفارهم وتتعهدهم بالتربية والتعليم والتثقيف لتخرجهم غرباء من وطنهم، وقد فرطوا في عناصر أصالتهم، وجهلوا حقائق تاريخهم. ومما يستغرب له حقا أنه حتى بعد رحيل الاستعمار عنا، فإن الإشعاعات الثقافية الغربية ما زالت ماثلة في عقولنا، وما زلنا نستقي العديد منها دون أدنى تمييز بين الصالح والطالح منها، نكرر كلام الأساتذة المستشرقين بدون وعي، ونرجع إليهم فيما ينشرون من أبحاث، ونأخذ عنهم كل ما يقولون، وبين ثنايا الكتب سهاما مسمومة موجهة وجهات معينة، الهدف منها تعميق الهوة بين مفكري الأمة الإسلامية.

стр. 10666

وليس من المستغرب أيضا أن يكون لبعض مفكرينا دور بارز في هذه العزلة الثقافية، فإن كان في عالمنا العربي والإسلامي مناطق ذات جغرافيات مختلفة، ولكل منطقة ظروفها الخاصة، فإننا لا نخشى من هذه الخصوصيات؛ لأنها أخيرا تصب في مورد واحد، وبالتالي لا ضير من اختلاف المناهج الثقافية إن تعددت مواردها بشرط الاحتفاظ بأصالتها من جهة وبإمكانية انفتاحها على الثقافات الأخرى إن كان اللقاح بينهما سيؤدي في النهاية نتاجا مشتركا يحمل هوية عربية إسلامية، ولكن مما يؤسف له أن بعض مفكرينا لم يأخذ بهذه النظرية وتمسك بأفكار مسبقة أخذت مكانتها في أذهان المفكرين، وكأنها مسلمات أصبح من الصعب انتزاعها مع شعور بالكبر والتعالي حينا، أو شعور بالرضا والقناعة حينا آخر، كل في بيئته قانع بما عنده، ولا يشعر بضرورة الانفتاح الفكري، وتبادل التأثر والتأثير مع غيره في المشرق أو المغرب الإسلاميين. ومن هنا أصبح من الضروري أن نلتقي للتعرف على أنفسنا، ولا نخش مطلقا من اختلاف الآراء ووجهات النظر للتخلص أولا من العقد المتراكمة في نفوس بعضنا، ومن الرواسب التاريخية والبيئية والقومية التي خلفها لنا الماضي القريب والاستعمار العنيد، ثم ننهض معا بعد ذلك لتلمس أوضاعنا الثقافية والفكرية والدينية التي تعانيها اليوم أمتنا الإسلامية لنجد لها حلولا مناسبة، تعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا، وترد إلينا عزتنا وكرامتنا، ونتحول بها تحولا كبيرا، ولا عجب في ذلك، فإن التحولات الكبرى في العالم بدأت من المثقفين وأصحاب الفكر وأرباب الأقلام في كل أمة. ومما يحمد حقا أن الله قد من على أمتنا بنخبة من المفكرين والمثقفين في شتى مجالات الفكر الإسلامي موزعين في الجناحين: الشرقي والغربي، وجميعهم يمكن أن يناط بهم دور قيادي أمام جماهيرنا العربية والإسلامية، يعملون على هدم الجدار القائم بين هذين الشطرين، ويساعدون على تخفيف العزلة، وتيسير الأوضاع والعقليات في بلادنا.

стр. 10667

وفي اعتقادي أن للحرمين الشريفين رسالتهما المهمة في تخفيف هذه العزلة الفكرية التي ابتليت بها أمتنا العربية والإسلامية، والتي تعد في نفس الوقت من أخطر الحركات المعادية، فإن موقع الحرمين الشريفين في ملتقى الجناحين الإسلاميين كان بمثابة همزة الوصل الفكري بين مسلمي الشرق والغرب، والمحطم لجدار العزلة الثقافية الذي أقامه الاستعمار منذ أكثر من قرن من الزمان، فقد كانت وفود الحجيج من قارة آسيا وإفريقيا وأوروبا تلتقي جميعها بأفكارها وعقولها ومشاعرها حول شعائر واحدة، متجردين من كل نزعة إقليمية أو جنسية أو مذهبية، متخذين من موسم الحج مؤتمرا إسلاميا يتدارسون فيه أوضاعهم ومشاكلهم، ويتبصرون بالمخاطر التي تحف بهم، وبعقيدتهم وشريعتهم الغراء، ثم يعودون إلى بلادهم وقد ذابت العقد الفكرية تماما، وانفتح مفكرو الشرق على ثقافة أهل الغرب، والتقى الجميع حول معتقدات فكرية واحدة، وأصول ثقافية إسلامية محددة، محافظين على قيم أمتهم الكبرى والصغرى، التي سار عليها المسلمون قرونا متطاولة، بعيدين عن الانبهار بالثقافات الغربية أو اعتقادات أصحاب النحل الضالة. ب) العلمانية وتجميد المشاعر الدينية نحو المقدسات: تشكل العلمانية خطرا داهما على الإسلام والمسلمين بوجه خاص، وعلى سائر الديانات بوجه عام، وتكمن خطورة هذه الدعوة في شعارها الذي تنادي به دوما، وهو فصل الدين عن الدولة، والذي ينعكس بالتالي على الإسلام والمسلمين، فهم يرون أن الدين له مجالاته في العبادات والشعائر، بينما للعلم وللعلماء قيادة الركب الحضاري والسياسي في الدولة، ولا يخفى على أحد أن لهذه الدعوة آثارها السلبية في تجميد المشاعر الدينية، والانزواء بها بعيدا عن تيارات الحياة مما أدى إلى تفشي المادية، والاستغراق في اللذات، وغياب القيم الروحية، والانفلات عن كل التزام بدعوى التطور العلمي والتقدم التكنولوجي، وإن كان الأمر يفضي

стр. 10668

إلى ذلك، فما جدوى الحج وتكبد المشاق في سبيله؟ هل يعود بفائدة على أولئك الذين رانت المادة على قلوبهم وانطفأت معها كل جذوة دينية؟ الإجابة على هذا التساؤل أعتقد أننا نعرفها جيدا؛ لأن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن الدين الإسلامي برمته في نظرهم لا مكانة له عند العلمانيين. ومن الغريب أن تطالعنا العلمانية هذه الأيام بتفسير عصري للقرآن الكريم، تستخدم فيه لغة الكمبيوتر، فنرى العلماني الدكتور محمد رشاد خليفة خبير التنمية الصناعية بالأمم المتحدة، وإمام مسجد مدينة توسان الأمريكية، في طبعة دار الفكر بدمشق لمحاضراته التي ألقاها بالكويت بعنوان " تسع عشرة دلالة جديدة في إعجاز القرآن " قال بعد أن لفت الأنظار إلى أن عدد حروف البسملة تسعة عشر، وأنه عندما تتبع كلماتها وجد أن كل كلمة فيها مضاعفة عن العدد ١٩ على النحو التالي: كلمة اسم تتكرر ١٩ مرة. لفظ الجلالة (الله) يتكرر في القرآن ٢٦٩٨ مرة، وهو ١٩ × ١٤٢. كلمة الرحمن تتكرر في القرآن ٥٧ مرة، وهو ١٩ × ٣. كلمة الرحيم تتكرر في القرآن ١١٤ مرة، وهو ١٩ × ٦. وبعد أن يقدم هذا الحساب الإلكتروني المذهل يقول: " كيف يمكننا أن نصدق أو نعتقد بأن رجلا أميا يعيش في القرن السابع الميلادي بين البدو في الصحراء دون أن يتعلم من الحساب شيئا من هذا كالنسبة المئوية أو المكررات الحسابية، قال لنفسه: إنني سأكتب كتابا كبيرا تكون الجملة الأولى فيه مكونة من تسعة عشر حرفا، وتتكرر كل كلمة فيه عددا من المرات من أضعاف الرقم تسعة عشر. وتلقى الناس قوله بانبهار، وخفي عليهم سر الرقم (١٩) الذي تدور حوله عقيدة البهائيين في قولهم: بنهاية الأمة المحمدية، والتبشير بالبهاء، وبقيام الساعة عام ١٧٠٩هـ، فالهدف من لغة الكمبيوتر هنا هو غزو

стр. 10669

الفكر الإسلامي بتأويلات الباطنية؛ لتجوز على المسلمين وصبغتها بصبغة خداعة براقة تخفى منابعها السامة، وينطلي على الناس أنهم يكشفون عن جديد في إعجاز القرآن العلمي، النظري التكنولوجي. وهكذا نرى تواطؤا كبيرا بين العلمانيين أعداء الدين، وبين أصحاب الفرق الضالة في استخدام الأسلوب العلمي لطمس معالم القرآن الكريم، وهدم الاتجاهات الدينية الصحيحة، والتركيز على أهم دعامتين تقوم عليهما حياة المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل، وهما: انتهاء دور الرسالة المحمدية، ثم زعزعة عقيدة المسلمين في قيام الساعة، فهل يبقى للحرمين الشريفين بعد هذا كله من مكانة في نفوس الناس، والعلمانيون يبثون سمومهم على هذا النحو؟ إذن ما هو سر الرقم (١٩) الذي شغل به العلمانيون المسلمين عن قضاياهم الأساسية؟ من أقوال المتهمين البهائيين ولا سيما الرسام حسين بيكار يمكن أن نوضح لغز الرقم (١٩)، إذ تعلق عليه البهائية أهمية قصوى على النحو التالي. - البهائي يخرج من ماله ١٩% من صافي ربحه لبيت العدل في حيفا لتوزيعه على المحافل الدولية. - السنة تسعة عشر شهرا، والشهر تسعة عشر يوما. - قيمة صداق النساء في المدن تسعة عشر مثقالا من الذهب الإبريز، وصداق أهل القرى من الفضة، ومن أراد الزيادة حرم عليه. - تجديد أسباب البيت بعد انقضاء تسعة عشر عاما. - من يغضب أحدا، عليه أن ينفق تسعة عشر مثقالا من الذهب. وهكذا ترى العدد (١٩) ومضاعفاته يدخلان كأساسين في معتقد البهائية، يدخلان في طقوس استقبال وتوديع الميت، ومهور النساء، وتأديب الصبيان، وكفارة إكراه أحد على السفر، ودخول بيت أحد قبل إذنه، وأحكام الصلاة والطهارة من الجنابة ومن الحيض، وطقوس

стр. 10670

خدمة البيت والهيكل، وعدد أبوابه وتجديده بعد مضي (١٩) سنة، وحدود السرقة والسلب والنهب، وطقوس الجلوس في الخضرة، وعدد مرات الاستغفار كل يوم، وأحكام الأذان، ودية القتل، إلى غير ذلك من أحكام تدور في فلك العدد (١٩)، وضعها الباب في كتاب " البيان ". وعن طريق مضاعفات الرقم (١٩) قال الكمبيوتر عن طريق عملية أجراها الدكتور محمد رشاد خليفة يحدد فيها موعد قيام الساعة سنة ١٧٠٩هـ، وقد قامت جريدة (المسلمون) في عددها الثامن من سنتها الأولى بكشف هذا الادعاء العلماني البهائي تحت عنوان (الكمبيوتر يشترك في مؤامرة الرقم ١٩، ادعاء بهائي أن العالم ينتهي سنة ١٧٠٩هـ) ثم نشرت في العدد التاسع تعقيب عدد من السادة العلماء على هذا الادعاء بعنوان: (الرقم ١٩ آخر فضائح الحركة البهائية) علماء المسلمين يقولون: هدف اللعبة شغل المسلمين عن مشاكلهم الحقيقية. جـ) الباطنية ومفرزاتها: البهائية - القاديانية تشكل كل من البهائية والقاديانية اليوم كنحلتين من النحل الإسلامية المنشقة خطرا أكيدا على الإسلام والمسلمين ومقدساتهم التي شرفهم الله بها، وسوف نتعرض في عجالة لأهم أخطار هاتين النحلتين؛ حتى ندرك أبعاد المخطط الصهيوني الذي تلقف دعاتها ومريديها بالدعم المالي والسياسي والتمكين لهم في أرض الإسلام. ١ - البهائية وتحويل قبلة الصلاة: تتمثل أخطار البهائية فيما أدخلوه على القرآن من تحريفات وتأويلات باطنية، وتبني مفاهيم عقدية تنافي المعتقد الإسلامي الصحيح، وفي صرف المسلمين عن أماكن حجهم ومقدساتهم، كما تشتد خطورتها في

стр. 10671

ارتباطها منذ نشأتها حتى اليوم مع اليهود والصهيونية والاستعمار، وهذه كلها إثباتات موثقة بالأدلة والبراهين. - فقد جاء في كتاب الأقدس الذي يزعم البهائيون أنه يحتوي على أحكام البهائية، وهي منزلة على بهاء الله من الله " لا تحسبن أنا نزلنا لكم الأحكام بل فتحنا ختم الرحيق المختوم بأصابع القدرة والاقتدار، يشهد بذلك ما نزل من قلم الوحي، تفكروا يا أولي الألباب. إذا أردتم الصلاة فولوا وجوهكم شطري الأقدس المقام المقدس، الذي جعله الله مطاف الملأ الأعلى، ومقبل أهل مدائن البقاء، ومصدر الأمر لمن في الأرضين والسماوات). ومن يومها تغيرت القبلة في الصلاة من جهة مكة إلى الاتجاه الذي يقيم فيه بهاء الله، ومقامه الأقدس في عكا، وقد أعطوه قدسيته بتأويل الآية الأولى من سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١) الإسراء / ١. فالمكان الذي باركه الله حول المسجد الأقصى هو عكا. - تأويل آيات الله بطريقة عصرية تخدم أغراضهم وأغراض العلمانيين معا، ولنقف على بعض الأمثلة. فهم يؤولون آية الكرسي على النحو التالي: كرسي الله هو قلب المؤمن، والعقل هو العرش، والجسد هو اللوح المحفوظ الذي يكتب عليه على الجينات الوراثية في خلية الجنين قدر المولود وحياته. ويؤولون بشرية الرسل في قولهم: " إن بشريتهم هي السر الإلهي ستر الله به النبوة في ثوب بشري عادي تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، حتى لا يبتذل السر بالإظهار والاشتهار. كما نراهم يؤولون خطاب الله لموسى ﵇: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (٢) طه / ١٢.

стр. 10672

أن المقصود بالنعلين هما: (النفس والجسد، والله يصورهما كنعلين؛ لأنهما القدمان اللتان تغوص بهما الروح في عالم المادة). كما أنهم يؤولون عذاب الجحيم للعصاة يوم القيامة فيقولون: (ها هو الله يبين لنا حقيقة جديدة، إذ إنه يورد الألفاظ للتخويف، ولكنه ليس تخويفا من غير أساس، إنه مثل تخويفك لابنك حينما تحذره من إهمال نظافة أسنانه، وتقول له: إذا لم تنظف أسنانك بالفرشاة فإن الفئران سوف تأكل أسنانك، تقوله محبة منك ورحمة بطفلك، وبالطبع لن تأكل الفئران أسنانه، ويفسر الله لنا الحساب، فيقول: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١) الإسراء / ١٤. حتى الحساب هنا يبدو أنه حساب النفس للنفس، تعالى ذو الجلال أن يحاسب أمثالنا، وأن يعذب أمثالنا، وإنما لزم كل واحد علمه كظله ولا خلاص. ولكن هذه المعاني تضيع في النظرة المتعجلة السطحية والوقوف عند الحروف وعند جلجلة الأصوات والألفاظ التي وصف الله بها القيامة، كلها ألفاظ رهيبة ذات جلجلة وصلصلة تقرع الآذان). - وإن كانت البهائية نحلة على غير ديننا اعترفت بها المحافل الدولية، وانتشرت محالفها في أوروبا إلا أن خطرها ينصب على الإسلام والمسلمين فقط؛ لأنها مسخرة لتنفيذ مأرب الصهيونية العالمية فبعد مقتل الباب (ميرزا علي محمد الشيرازي) عام ١٢٥٠م وظهور بهاء الله الذي بشر به الباب، نرى الصيهونية العالمية تلقي بشباكها فتلتقط هذا المدعي الدجال لتسخره في قضاء مآربها، وعلى الرغم من تضييق الدولة العثمانية على نشاط هذا الدعي وإعدادها لقتله حفاظا على الدين، نرى العصابات اليهودية تسارع إلى نقله بعيدا عن خطر الخلافة الإسلامية ليحط رحله في مدينة عكا، وفي هذه المدينة وفي ظل الحماية اليهودية أعلن البهاء خروجه عن الإسلام، واعتبر نفسه نبيا

стр. 10673

ناسخا للديانة الإسلامية، وألقى تعاليمه إلى أتباعه، والتي احتواها كتاب الأقدس. وليس بغريب بعد أن لقي البهاء دعما من اليهودية والحماية البريطانية أن يعبر عن فرحته بسقوط الخلافة التركية الإسلامية، وأن يعترف بفضل الاحتلال البريطاني لفلسطين الذي مكن له ولليهود من احتلال هذا البلد، إذ اتخذ منه أكبر وكر يجتمع فيه الحلفاء من الصهاينة والبهائيين لشراء الذمم والضمائر، وإحاكة المؤامرات ضد المسلمين، وتأسيس المحافل البهائية، والخلايا السرية لغزو المسلمين في أفكارهم ومعتقداتهم. - ومما زاد من خطورة هذه النحلة الضالة ارتباطها الأكيد بالماسونية أكبر مفرزات الصهيونية العالمية، ومما يؤكد وجود تلك العلاقة المشبوهة أن تنظيم المحافل البهائية جاء متسقا تماما مع تنظيم المحافل الماسونية؛ فكلاهما يلتزمان طابع السرية التامة في التكتم على أسماء الأعضاء خوفا من أن ينكشف أمرهم أمام المسلمين فيبطش بهم الحكام، كما يهدفون من جهة أخرى إلى بناء الشخصيات القوية في المواقع الحيوية الحساسة في غفلة من المسلمين، ثم توجيهها لصالح كل منهما حتى يتمكنوا من القبض على أزمة الأمور، وتحريكها وفق مخططاتهم وأهدافهم المنشودة. وكان تأهيلهم لهذه المناصب الحيوية منصبا على الشباب المسلم الذي تحول ظروفه المادية والعلمية عن الالتحاق بالجامعات الإسلامية إذ يسروا لهم منحا دراسية في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وصنعوا منهم رجالا مشهورين ذاع صيتهم في المحافل الدولية والمؤتمرات العالمية، حتى إذا عادوا إلى بلادهم عادوا وحولهم هالة كبرى مصطفاة، وقد انتحلوا أسماء غير أسمائهم وجنسيات غير جنسياتهم، ولكن انبهار الأهلين بهم قد أعماهم عن حقيقتهم وأهدافهم التي قد تنكشف إن

стр. 10674

أراد الله بهم خيرا، كما حدث في قصة الجاسوس اليهودي الذي انتحل صفة مغترب في الأرجنتين، وظهر في سورية باسم (كامل أمين ثابت)، وبعد أن افتضح أمره تبين أنه الجاسوس الإسرائيلي (كوهين). ٢ - القاديانية والحج إلى قاديان تنتسب النحلة القاديانية المنحرفة إلى مؤسسها ميرزا غلام أحمد الذي ولد في قاديان بولاية البنجاب بالهند سنة ١٨٣٩م في الوقت الذي هيمن فيه الإنجليز على قلب الهند، والتوغل إلى أجزاء منها، ولكن البنجاب كانت في أيدي طائفة السيخ، ثم سرعان ما سقطت نهائيا في أيدي الإنجليز، الذين عملوا على جذب ذلك المدعي إليهم، واحتضان دعوته الضالة، والتبشير لها في أرجاء القارة الهندية لتأخذ طابعا قوميا دينيا لعزلة الجناح الهندي الآسيوي عن جسم الأمة الإسلامية. - يقول الكاتب الهندوسي الدكتور (١) " سنكرداس " في أحد كتبه مخاطبا الهنود: " إن من أهم المسائل التي تواجهها بلادنا الآن هي كيف نستطيع أن ننشئ نعرة القومية في قلوب المسلمين، وقد حاولنا معهم كل المحاولات، محاولات للتحريض والترغيب، ولكن مسلمي الهند لم يتأثروا من هذه الأشياء كلها، وإلى الآن هم يتصورون أنهم شعب مستقل، ويتغنون بأغاني العرب، وإن استطاعوا لجعلوا الهند قطعة عربية، في هذا الظلام الدامس لا يرى محبو الوطن والقوميون الهنود شعاع نور إلا من جانب واحد هو جانب القاديانية، كلما يكثر المسلمون ميولا إلى القاديانية يتصورون القاديان قبلتهم وكعبتهم بدل مكة، وهكذا يقتربون إلى القومية الهندية، فلا يمكن أن يزيل التهذيب العربي والروح الإسلامية إلا ارتقاء القاديانية، فينبغي لنا أن ننظر إلى القاديانية بوجهة القومية الهندية، فيقوم رجل من خطة

стр. 10675

" بنجاب " هندية، ويدعو المسلمين إلى اتباعه، فمن يتبعه يصير مسلما قاديانيا بعد أن كان مسلما فقط، ويعتقد في الأمور الآتية: إن الله يرسل حينا بعد حين رسلا لإرشاد الناس وهدايتهم. فقد أرسل إلى العرب زمن جاهليتهم محمدا رسولا. ثم احتاج الله سبحانه إلى نبي آخر فأرسل ميرزا غلام أحمد، وعندما سئل عن أهمية ذلك قال: أنه لو أسلم هندوسي ينتقل من " رام "، و" كرشنا " و" جيتا " إلى القرآن والعرب، هكذا وبنفس الطريقة حينما يصير المسلم قاديانيا تتغير وجهته، ويقل حبه لمحمد، وينقل خلافته من الجزيرة العربية وتركيا إلى القاديان. فكل قادياني يقدس الهند؛ لأن القاديان في الهند، وغلام أحمد هندي، وخلفاؤه كلهم هنود، ولأجل هذا ينظر المسلمون إلى القاديانية نظرة شك وريب). ويفسر العلامة أبو الحسن الندوي (١) هذا الاتجاه، ويراه قضية شاذة في التاريخ الإسلامي؛ لأنها بهذا المقياس تزاحم الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، ومضت عليه هذه الأمة؛ لأنها تريد أن تحل محله في العقيدة والفكر والعاطفة، وتستولي على نصيبه من الطاعة والحب والاحترام والتقديس، والوصول إلى هذا الغرض، فإنها تقارن بين أصحاب النبي ﷺ وبين رفقة غلام أحمد، ثم يربطون بين قاديان ومكة المكرمة في المكانة والقدسية والحج إليها، فلا غرو أن يقول المرزا بشير الدين محمود: " لقد قدس الله هذه المقامات: مكة والمدينة وقاديان " ثم يفسر قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢) يصدق على مسجد قاديان. وخلاصة هذا أن القايادنية هي حركة كغيرها ضالة، تميزت بالعصبية الشعوبية التي حنقت على الإسلام منذ إشراقته في هذه البلاد، فهي تريد أن تخلق لنفسها دينا كالدين، ونبيا كالنبي ﷺ ، ومقدسات كالمقدسات

стр. 10676

حتى تعلي من قدرهم وتعوضهم الحرمان والنقص الذي عاشوا به يكيدون للإسلام وللمسلمين، ومما يؤسف له حقا أن هذه النحلة الكافرة قد تمكنت من إيجاد عدة مراكز لها في ثلاث عشرة دولة إسلامية، قد أبانت عنها جريدة المسلمون في عددها الثالث والستين عام ١٤٠٦م، ويتبع كل مركز عدد من المدارس والمساجد والصحف. هاتان نحلتان من النحل المنشقة عن الإسلام، والتي تستهدف في المقام الأول مقدسات المسلمين في مكة والمدينة، وكلتا النحلتين من مفرزات الباطنية، إذ إنهما يستقيان معظم الأفكار والمبادئ من تلك الفرقة. لذا يكون من الأفضل أن نتعرض لتعاليم الباطنية بشيء من الشرح والتفصيل؛ لندرك كنه كل دعوة انشقت أو تنشق فيما بعد عن الإسلام؛ لأنه من المؤكد أنها ستنشق من الباطنية وإن أخذت مسميات أخرى. ٣) نظرة فاحصة لأصول الفكر الباطني: وتعد الباطنية من أخطر الحركات المضادة للإسلام بصفة عامة، ولفريضة الحج بصفة خاصة، وتكمن خطورتها في مبادئها السرية التي تقوم عليها، والتي ما زال يكتنفها الغموض حتى يومنا هذا، إذ ما زالت أمهات كتب المذهب الباطني مجهولة المكان، وما نشر منها حتى الآن يعد قليلا بجانب المفقود منها أو المختفي في جهات سرية. ومن أجل هذا السبب لم تنقطع الدعوة الباطنية عن الظهور بين الحين، وتسمى في كل مرة باسم مجددها أو باعثها كتلك الدعوة المسماة بالقاديانية والبهائية، ومنتحلي النبوة. من أجل هذا يلزمنا أن نقف وقفة متأنية - بقدر ما نعرفه عن الباطنية - تستجلي طبيعة الفكر الباطني، ونتعرف على منابع الفكر حتى يتسنى لنا فهم الدور الخطير الذي تلعبه الآن هذه الفرق في تشويه العقيدة الإسلامية، وتمزيق كيان الأمة. والباطنية إحدى فرق الشيعة المغالية، التي ظهرت في مطلع القرن الثالث الهجري، والتي تأثرت تأثيرا كبيرا بالفكر الغنوصي، الذي

стр. 10677

يشكل نظرية مختلطة من عدة مذاهب وعقائد بشرية من ملامحها: القول بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر، أو النور والظلام، وتدعو إلى شيوعية النساء والأموال، واستباحة المحرمات، وقد غزت هذه الأفكار العالم آنذاك، وظهرت في ديانة المصريين الفراعنة، والفرس والآشوريين والبابليين، والهنود والصين، وعندما جاءت الديانات السماوية اختلط هذا الفكر بالفكر السماوي، وكان حصيلة هذا الاختلاط تضاربا في المفاهيم لا حدود له، كالقول بالحلول والتجسيد، وقدم العالم، والتناسخ، وعبادة الملائكة، وإنكار بعث الأجساد، ورد الأرواح إلى الأبد، إلى غير ذلك من أفكار غايتها الخروج عن الضوابط والقيم والحدود التي شرعتها الديانات السماوية للعباد (١). ويشير الدكتور علي سامي النشار أن كلمة غنوص (تعني المعرفة، ثم اتخذت هذه الكلمة بعد ذلك اصطلاحا خاصا، مؤداه التوصل إلى المعارف العليا بنوع من الكشف، أو محاولة تذوق المعارف الإلهية تذوقا مباشرا، بأن تلقى في النفس إلقاء، وبمرور الوقت تبلورت مبادئ الغنوصية، وصارت تجمع عصارات فكر المذاهب الفارسية والسريانية والأفلاطونية والمانوية والزرادشتية والديصانية والمزدكية) (٢). وقد قاومت الديانتان اليهودية والمسيحية هجوم الغنوصية، ولكنهما سلمتا منها بل أسهمت في تشكيل أغلب أفكار هاتين الديانتين حتى يومنا هذا، أما الإسلام فقد واجهها بعنف منذ ظهور عبد الله بن سبأ، الذي قال بحلول الإله في بعض عباده، ورجعتهم بعد موتهم الظاهري، قال ذلك عن النبي ﷺ بعد موته، وعن الإمام علي، إذ ينكر قتله، ولو أتوه برأسه ميتا سبعين مرة. وعلى الرغم من مقاومة الإسلام والمسلمين لهذا الغنوصي اليهودي إلا أنه أخذ يتنقل بأفكاره تلك بين العراق ومصر والشام، ويؤسس الخلايا السرية لهدم الإسلام، وينضم إليه الكثيرون من الرعاع والحاقدين من اليهود والمجوس والشعوبيين وغيرهم، إلى أن

стр. 10678

تضخمت هذه الخلايا إبان القرن الثالث الهجري، واتخذت من سلمية - إحدى بلدان حماة في الشام - وكرا سريا لها. ويعد ميمون القداح العامل بالقداحة - وهو من اليهود الآخذين بفكر الغنوصية - المؤسس الحقيقي للباطنية، والذي انضم إلى الشيعة من آل البيت ليناصرهم - على حد زعمه، ولكنه دس فيه من السموم والإسرائيليات والتأويلات الباطنية ما أصبح من العسر فهمه، وقد ساعدت فترة الستر التي عاشوها في سلمية على ازدياد ذلك الغموض. وعلى كل حال يمكننا أن نميز ثلاثة أصول قامت عليها الباطنية ومفرزاتها: الأول: الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من مصطلحات ورموز وعلم الإلهيات. والحقيقة أن علم الإلهيات ذلك ما هو إلا علم الأصنام عند اليونان، إذ فلسفوه وأضافوا إليه بعض الرموز الفنية ثم توارثتها الأجيال، حتى وصلت إلينا مترجمة إلى العربية. وهذه الفلسفة بفروعها تعارض بلا شك قواعد التوحيد الإسلامي؛ لأنها تعارض النبوة والوحي والجزاء، وقد لجأ إليها المترجمون من السريان واليهود إبان عصر ازدهار الترجمة؛ ليتخذوا منها وسيلة لهدم الدين، وإسقاط التكاليف والدعوة إلى الإباحية المطلقة، وقد انعكس ذلك بالتالي على مقدسات المسلمين وتعطيل أعمال الحج وطمس شعائره. والعجيب أن المسلمين الأوائل كانوا على حذر من هذه الفلسفة عندما أقبلوا على ترجمة علوم اليونان، إذ لم يكن دافعهم الترجمة المطلقة، وإنما أرادوا منها العلوم الطبيعية والرياضيات، وعارضوا بشدة ترجمة الإلهيات والميتافيزيقا اليونانية؛ لأنهم كانوا حريصين على ألا يختلط هذا العلم بعلوم الدين الإسلامي حتى تبقى لهذه العلوم الإسلامية طابعها الإيماني الصحيح.

стр. 10679

وقد بدأت طلائع غزو الفلسفة اليونانية لفكرنا الإسلامي مع مجيء " عبد الله بن المقفع " الفارسي المجوسي الذي ادعى الإسلام، فهو الذي نقل إلى العربية الفكر المجوسي، وكان تمهيدا لترجمة كتب الإلهيات الوثنية والإغريقية والفارسية، ومن أبرز كتبه التي ترجمها كتاب " ديستاو " وهو كتاب مزدك الذي يحتوي على جملة عقائده وأفكاره، كما يعد كتاب " كليلة ودمنة " من أخطر الكتب التي قام بترجمتها، إذ أضاف إليه بابا من إنشائه سماه " برزويه " أراد به بث سموم المجوسية إلى المسلمين، فنراه في هذا الباب ينقد الدين، ويتكلم عن تعارض الأديان، وعن عدم التوصل إلى اليقين إلا بالعقل وحده، الذي يعد في نظره أعظم وسيلة للمعرفة (١). وقد تنبه مفكرو المسلمين الأوائل إلى خطورة هذا العمل الذي قام به ابن المقفع، فنجد البيروني يشير إلى ذلك في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة) (٢)، ويركز بصفة خاصة على الباب الذي أضافه بعنوان " برزويه "، ويشير إلى دهاء ابن المقفع الذي أراد به تشكيك ضعاف الإيمان في دينهم، أو الاتجاه بهم إلى الدعوة المانوية، كما أشار الخليفة العباسي " المهدي " إلى زندقة ابن المقفع قائلا: " وما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع " (٣) هذا، وعلى الرغم من إحساس المسلمين الأوائل بخطورة هذا الكتاب إلا أنه للأسف الشديد يلقى في هذا الأيام قبولا وإعجابا، بل لم يقف بنا إلى هذا الحد، وإنما يقرر في مدارس بعض البلدان العربية على أنه نموذج من نماذج الأدب الرفيع. الثاني: التأويل، ويعد من أهم المبادئ التي قامت عليها أفكار الباطنية. إذ قالوا: إن لظواهر القرآن والأحاديث النبوية بواطن، ثم ميزوا بين ظواهرها وبواطنها، وفضلوا الباطن الذي في نظرهم لا يعرفه إلا الإمام أو من ينوب عنه، من هنا فسروا آيات القرآن تفسيرا باطنيا، وحرفوا معانيها تحريفا مقصودا يخدم أغراضهم وأفكارهم، ثم أولوا أركان الشريعة

стр. 10680

لمعان أخرى ورموز غريبة، يهيئون بها العامة من الناس للتشكك والتذبذب حتى إذا ما تم لهم ذلك انتقلوا بهم انتقالا عقديا مغايرا تماما لمعتقدهم الإسلامي الصحيح، ألا وهو المعتقد الباطن. وهذه الفكرة مأخوذة بلا شك من نظرية " المثل والممثول " (١) عند (أفلاطون)، إذ إنه يرى أن ما في العالم الحسي من أشباح يقابلها في العالم العلوي مثل عليا، وكذلك رأت الباطنية أن في عالم الدين مثلا لممثولات في العالم الروحاني، وسموا ظاهر الدين مثلا، وبواطنها الروحانية ممثولا، وطبقوا هذه النظرية الأفلاطونية على العقيدة الإسلامية وشريعتها الغراء، وجعلوها معتقدهم الباطني، وندع العلامة أبا الحسن الندوي (٢) يحدثنا عن خطورة هذه النظرية على الإسلام والمسلمين، يقول: ". . . . . لذلك اختاروا للوصول إلى هدفهم أسلوبا لا يزعج المسلمين ولا يثيرهم، هو الفرق بين الظاهر والباطن عن طريق الصلة القائمة بين الكلمات والمصطلحات الدينية ومعانيها، فإذا انقطعت هذه الصلة بين الكلمات والمعاني الأصلية وفق تأويلاتهم، وأصبحت الكلمات لا تدل على معان خاصة كان يدركها المسلمون تسرب الشك ثم الاختلاف إليها، وأصبحت الأمة الإسلامية بعد ذلك فريسة لكل دعوة وفلسفة ". وسوف ندلل على ذلك ببعض الأمثلة لما أولوه في أركان الإسلام، عن الأصل الذي سنه الرسول ﷺ فقد جعلوا أركان الإسلام سبعة بدلا من خمسة على النحو التالي: ١ - الطهارة: يرمز لها إلى إنكار كل المذاهب ما عدا مذهب الإمام، ويكون التطهير في نظرهم من الذنوب والمعاصي بالحكمة والعلم، والماء الذي يتطهرون به هو العلم. ٢ - الصلاة: هي رمز للدعوة والاتصال بالإمام والتعلق به، ويعبرون عن الإمام بالقبلة، وعن ظهوره بطلوع الشمس، وعن موته بمغيبها.
следующие страницы →