حتى تعلي من قدرهم وتعوضهم الحرمان والنقص الذي عاشوا به يكيدون للإسلام وللمسلمين، ومما يؤسف له حقا أن هذه النحلة الكافرة قد تمكنت من إيجاد عدة مراكز لها في ثلاث عشرة دولة إسلامية، قد أبانت عنها جريدة المسلمون في عددها الثالث والستين عام ١٤٠٦م، ويتبع كل مركز عدد من المدارس والمساجد والصحف.
هاتان نحلتان من النحل المنشقة عن الإسلام، والتي تستهدف في المقام الأول مقدسات المسلمين في مكة والمدينة، وكلتا النحلتين من مفرزات الباطنية، إذ إنهما يستقيان معظم الأفكار والمبادئ من تلك الفرقة.
لذا يكون من الأفضل أن نتعرض لتعاليم الباطنية بشيء من الشرح والتفصيل؛ لندرك كنه كل دعوة انشقت أو تنشق فيما بعد عن الإسلام؛ لأنه من المؤكد أنها ستنشق من الباطنية وإن أخذت مسميات أخرى.
٣) نظرة فاحصة لأصول الفكر الباطني:
وتعد الباطنية من أخطر الحركات المضادة للإسلام بصفة عامة، ولفريضة الحج بصفة خاصة، وتكمن خطورتها في مبادئها السرية التي تقوم عليها، والتي ما زال يكتنفها الغموض حتى يومنا هذا، إذ ما زالت أمهات كتب المذهب الباطني مجهولة المكان، وما نشر منها حتى الآن يعد قليلا بجانب المفقود منها أو المختفي في جهات سرية. ومن أجل هذا السبب لم تنقطع الدعوة الباطنية عن الظهور بين الحين، وتسمى في كل مرة باسم مجددها أو باعثها كتلك الدعوة المسماة بالقاديانية والبهائية، ومنتحلي النبوة. من أجل هذا يلزمنا أن نقف وقفة متأنية - بقدر ما نعرفه عن الباطنية - تستجلي طبيعة الفكر الباطني، ونتعرف على منابع الفكر حتى يتسنى لنا فهم الدور الخطير الذي تلعبه الآن هذه الفرق في تشويه العقيدة الإسلامية، وتمزيق كيان الأمة.
والباطنية إحدى فرق الشيعة المغالية، التي ظهرت في مطلع القرن الثالث الهجري، والتي تأثرت تأثيرا كبيرا بالفكر الغنوصي، الذي
стр. 10677
يشكل نظرية مختلطة من عدة مذاهب وعقائد بشرية من ملامحها: القول بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر، أو النور والظلام، وتدعو إلى شيوعية النساء والأموال، واستباحة المحرمات، وقد غزت هذه الأفكار العالم آنذاك، وظهرت في ديانة المصريين الفراعنة، والفرس والآشوريين والبابليين، والهنود والصين، وعندما جاءت الديانات السماوية اختلط هذا الفكر بالفكر السماوي، وكان حصيلة هذا الاختلاط تضاربا في المفاهيم لا حدود له، كالقول بالحلول والتجسيد، وقدم العالم، والتناسخ، وعبادة الملائكة، وإنكار بعث الأجساد، ورد الأرواح إلى الأبد، إلى غير ذلك من أفكار غايتها الخروج عن الضوابط والقيم والحدود التي شرعتها الديانات السماوية للعباد (١).
ويشير الدكتور علي سامي النشار أن كلمة غنوص (تعني المعرفة، ثم اتخذت هذه الكلمة بعد ذلك اصطلاحا خاصا، مؤداه التوصل إلى المعارف العليا بنوع من الكشف، أو محاولة تذوق المعارف الإلهية تذوقا مباشرا، بأن تلقى في النفس إلقاء، وبمرور الوقت تبلورت مبادئ الغنوصية، وصارت تجمع عصارات فكر المذاهب الفارسية والسريانية والأفلاطونية والمانوية والزرادشتية والديصانية والمزدكية) (٢).
وقد قاومت الديانتان اليهودية والمسيحية هجوم الغنوصية، ولكنهما سلمتا منها بل أسهمت في تشكيل أغلب أفكار هاتين الديانتين حتى يومنا هذا، أما الإسلام فقد واجهها بعنف منذ ظهور عبد الله بن سبأ، الذي قال بحلول الإله في بعض عباده، ورجعتهم بعد موتهم الظاهري، قال ذلك عن النبي ﷺ بعد موته، وعن الإمام علي، إذ ينكر قتله، ولو أتوه برأسه ميتا سبعين مرة. وعلى الرغم من مقاومة الإسلام والمسلمين لهذا الغنوصي اليهودي إلا أنه أخذ يتنقل بأفكاره تلك بين العراق ومصر والشام، ويؤسس الخلايا السرية لهدم الإسلام، وينضم إليه الكثيرون من الرعاع والحاقدين من اليهود والمجوس والشعوبيين وغيرهم، إلى أن
стр. 10678
تضخمت هذه الخلايا إبان القرن الثالث الهجري، واتخذت من سلمية - إحدى بلدان حماة في الشام - وكرا سريا لها.
ويعد ميمون القداح العامل بالقداحة - وهو من اليهود الآخذين بفكر الغنوصية - المؤسس الحقيقي للباطنية، والذي انضم إلى الشيعة من آل البيت ليناصرهم - على حد زعمه، ولكنه دس فيه من السموم والإسرائيليات والتأويلات الباطنية ما أصبح من العسر فهمه، وقد ساعدت فترة الستر التي عاشوها في سلمية على ازدياد ذلك الغموض. وعلى كل حال يمكننا أن نميز ثلاثة أصول قامت عليها الباطنية ومفرزاتها:
الأول: الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من مصطلحات ورموز وعلم الإلهيات.
والحقيقة أن علم الإلهيات ذلك ما هو إلا علم الأصنام عند اليونان، إذ فلسفوه وأضافوا إليه بعض الرموز الفنية ثم توارثتها الأجيال، حتى وصلت إلينا مترجمة إلى العربية. وهذه الفلسفة بفروعها تعارض بلا شك قواعد التوحيد الإسلامي؛ لأنها تعارض النبوة والوحي والجزاء، وقد لجأ إليها المترجمون من السريان واليهود إبان عصر ازدهار الترجمة؛ ليتخذوا منها وسيلة لهدم الدين، وإسقاط التكاليف والدعوة إلى الإباحية المطلقة، وقد انعكس ذلك بالتالي على مقدسات المسلمين وتعطيل أعمال الحج وطمس شعائره.
والعجيب أن المسلمين الأوائل كانوا على حذر من هذه الفلسفة عندما أقبلوا على ترجمة علوم اليونان، إذ لم يكن دافعهم الترجمة المطلقة، وإنما أرادوا منها العلوم الطبيعية والرياضيات، وعارضوا بشدة ترجمة الإلهيات والميتافيزيقا اليونانية؛ لأنهم كانوا حريصين على ألا يختلط هذا العلم بعلوم الدين الإسلامي حتى تبقى لهذه العلوم الإسلامية طابعها الإيماني الصحيح.
стр. 10679
وقد بدأت طلائع غزو الفلسفة اليونانية لفكرنا الإسلامي مع مجيء " عبد الله بن المقفع " الفارسي المجوسي الذي ادعى الإسلام، فهو الذي نقل إلى العربية الفكر المجوسي، وكان تمهيدا لترجمة كتب الإلهيات الوثنية والإغريقية والفارسية، ومن أبرز كتبه التي ترجمها كتاب " ديستاو " وهو كتاب مزدك الذي يحتوي على جملة عقائده وأفكاره، كما يعد كتاب " كليلة ودمنة " من أخطر الكتب التي قام بترجمتها، إذ أضاف إليه بابا من إنشائه سماه " برزويه " أراد به بث سموم المجوسية إلى المسلمين، فنراه في هذا الباب ينقد الدين، ويتكلم عن تعارض الأديان، وعن عدم التوصل إلى اليقين إلا بالعقل وحده، الذي يعد في نظره أعظم وسيلة للمعرفة (١).
وقد تنبه مفكرو المسلمين الأوائل إلى خطورة هذا العمل الذي قام به ابن المقفع، فنجد البيروني يشير إلى ذلك في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة) (٢)، ويركز بصفة خاصة على الباب الذي أضافه بعنوان " برزويه "، ويشير إلى دهاء ابن المقفع الذي أراد به تشكيك ضعاف الإيمان في دينهم، أو الاتجاه بهم إلى الدعوة المانوية، كما أشار الخليفة العباسي " المهدي " إلى زندقة ابن المقفع قائلا: " وما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع " (٣) هذا، وعلى الرغم من إحساس المسلمين الأوائل بخطورة هذا الكتاب إلا أنه للأسف الشديد يلقى في هذا الأيام قبولا وإعجابا، بل لم يقف بنا إلى هذا الحد، وإنما يقرر في مدارس بعض البلدان العربية على أنه نموذج من نماذج الأدب الرفيع.
الثاني: التأويل، ويعد من أهم المبادئ التي قامت عليها أفكار الباطنية. إذ قالوا: إن لظواهر القرآن والأحاديث النبوية بواطن، ثم ميزوا بين ظواهرها وبواطنها، وفضلوا الباطن الذي في نظرهم لا يعرفه إلا الإمام أو من ينوب عنه، من هنا فسروا آيات القرآن تفسيرا باطنيا، وحرفوا معانيها تحريفا مقصودا يخدم أغراضهم وأفكارهم، ثم أولوا أركان الشريعة
стр. 10680
لمعان أخرى ورموز غريبة، يهيئون بها العامة من الناس للتشكك والتذبذب حتى إذا ما تم لهم ذلك انتقلوا بهم انتقالا عقديا مغايرا تماما لمعتقدهم الإسلامي الصحيح، ألا وهو المعتقد الباطن.
وهذه الفكرة مأخوذة بلا شك من نظرية " المثل والممثول " (١) عند (أفلاطون)، إذ إنه يرى أن ما في العالم الحسي من أشباح يقابلها في العالم العلوي مثل عليا، وكذلك رأت الباطنية أن في عالم الدين مثلا لممثولات في العالم الروحاني، وسموا ظاهر الدين مثلا، وبواطنها الروحانية ممثولا، وطبقوا هذه النظرية الأفلاطونية على العقيدة الإسلامية وشريعتها الغراء، وجعلوها معتقدهم الباطني، وندع العلامة أبا الحسن الندوي (٢) يحدثنا عن خطورة هذه النظرية على الإسلام والمسلمين، يقول: ". . . . . لذلك اختاروا للوصول إلى هدفهم أسلوبا لا يزعج المسلمين ولا يثيرهم، هو الفرق بين الظاهر والباطن عن طريق الصلة القائمة بين الكلمات والمصطلحات الدينية ومعانيها، فإذا انقطعت هذه الصلة بين الكلمات والمعاني الأصلية وفق تأويلاتهم، وأصبحت الكلمات لا تدل على معان خاصة كان يدركها المسلمون تسرب الشك ثم الاختلاف إليها، وأصبحت الأمة الإسلامية بعد ذلك فريسة لكل دعوة وفلسفة ".
وسوف ندلل على ذلك ببعض الأمثلة لما أولوه في أركان الإسلام، عن الأصل الذي سنه الرسول ﷺ فقد جعلوا أركان الإسلام سبعة بدلا من خمسة على النحو التالي:
١ - الطهارة: يرمز لها إلى إنكار كل المذاهب ما عدا مذهب الإمام، ويكون التطهير في نظرهم من الذنوب والمعاصي بالحكمة والعلم، والماء الذي يتطهرون به هو العلم.
٢ - الصلاة: هي رمز للدعوة والاتصال بالإمام والتعلق به، ويعبرون عن الإمام بالقبلة، وعن ظهوره بطلوع الشمس، وعن موته بمغيبها.
стр. 10681
٣ - الزكاة: هي رمز إلى الحكمة التي ينبغي إيصالها إلى المستحقين وطالبي منهج الحق، والمال الذي يخرجه المزكي هو العلم الذي ينبغي ألا يبخل به الداعي على من يستحقه، وقسموا الأموال المزكاة درجات وفق علم وحكمة الداعي، ولهم في ذلك أقوال كثيرة لا داعي لسردها.
٤ - الصيام: هو رمز للإمساك عن كشف الحقائق الخاصة بالمذهب لغير أهلها، وعدم إفشاء أسرار الدعوة، ويرمزون بالإفطار عن ظهور الإمام من وراء أصحابه، وإظهار المعاني الإلهية والسرائر المكنونة، والعلوم المخزونة.
٥ - الحج: يرمزون به إلى زيارة إمام الزمان وقصد الأئمة من آل البيت دون سواهم، ويؤولون أركان الحج تأويلا باطنيا على النحو التالي:
- الكعبة هي النبي، وعلي بابها.
- الإحرام: هو الخروج من مذهب الأضداد.
- المزدلفة: هي معرفة قوانين الحكمة.
- النحر والحلق: هما إزالة الباطل وإظهار الحق.
- رمي الجمار هو نفي الشر والظن والوهم من العلوم والأعمال.
- التماس الحجر الأسود: هو قبول الدعوة من الناطق المؤيد.
السعي: هو تميمم الدعوة والوفاء.
وهكذا تلمس التأويل قاعدة أساسية في شتى عقائد الباطنية وتشريعاتها، وفي تناولهم للقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف.
والتأويل بهذه الصورة يعد الداء العضال الذي منيت به هذه الفرقة، وحاولت أن تنفثه في عقول المسلمين في كل وقت، ولعل أفكار القاديانيين والبهائيين لأكبر دليل على ذلك.
الثالث: نظرية الصدور أو الفيض، وهذه النظرية من النظريات الواضحة في الفكر الباطني.
стр. 10682
وتعد أحد الأسس التي قامت عليها فكرة الإمامة الدائمة والمطلقة، فهم يعتبرون أن للعالم أدوارا مختلفة، وأن الملة القائمة في كل دور تختلف بسنتها وشكلها عن الملة السابقة، والعالم في نظرهم يمر في سبعة أدوار، وعلى رأس كل دور نبي ناطق حامل رسالة إلهية، والأنبياء الستة هم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وسابع هو المهدي المنتظر، ويرى الباطنية أن لكل نبي من الأنبياء الستة الأوائل عمدة وأساسا يسمونه (الصامت)، وهو الذي يكشف باطن الشريعة للأشياع؛ لأنه مستودع علم النبوة، ويزعمون أيضا أن كل نبي متبوع بسبعة أئمة يبلغ سابعهم في كل دور أعلى مرتبة الإمامة فيصير ناطقا، وتعمل كل مجموعة سداسية من الأنبياء الصامتين على تدعيم عمل الناطق الذي سبقها، والتمهيد للناطق الجديد الذي يخلفه، وهكذا دواليك حتى تقوم الساعة.
وقد ترتب على فكرة الفيض نتائج خطيرة أدلت بدلوها كمعتقد فكري، ومن أخطر هذه النتائج:
١ - فكرة تعاقب أدوار الأئمة التي لا آخر لها، ما دام الفيض باقيا ومستمرا، فالأئمة الناطقون متعاقبون، وهذا يعني أن محمدا ﷺ لم يكن خاتم الأنبياء، ولا آخر من يمثل اكتمال الوحي الإلهي، وهذه النظرية في حد ذاتها وبلا شك تهدم كيان الإسلام، وتطمس معالم الرسالة المحمدية التي اختصها الله بالكمال والتمام، وكانت آخر رسالات السماء ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
وفكرة الفيض التي نادى بها الباطنيون قديما هي نفس الفكرة التي تؤمن بها القاديانية والبهائية، يقول المرزا غلام أحمد: ". . . . فكما ذكرت لكم مرارا أن هذا الكلام الذي أتلوه هو كلام الله بطريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة، وأنا نبي " ظلي، وبروزي من أنبياء الله، وتجب على كل مسلم إطاعتي " ثم
стр. 10683
يضيف قائلا: ". . . إنني صادق كموسى وعيسى وداود ومحمد، وقد أنزل الله لتصديقي آيات سماوية تربو على عشرة آلاف، وقد شهد لي القرآن، وشهد لي الرسول، وقد عين الأنبياء زمان بعثتي، وذلك هو عصرنا هذا، والقرآن يعين عصري ".
والبهائيون أيضا أخذوا بالفكرة الخبيثة في تعاقب الأدوار، ويتضح ذلك من تفسيرهم معنى خاتم النبيين، فقد جاء في كتاب " الراشد والدليل لمعرفة مشارق الوحي ومهابط التنزيل " ما نصه: (أما معنى خاتم النبيين في آية الأحزاب رقم (٤٠)، فإن خاتم يقرأ بكسر التاء وفتحها، أما قراءته بكسر التاء فمعناه آخر من أنبأ من الأنبياء بحضرة بهاء الله، وبشر به فيما أنزل عليه من القرآن، وتحدث عنه إلى أصحابه فآخر من بشر به من الأنبياء هو محمد؛ فإنه هو خاتمهم.
أما قراءة خاتم بفتح التاء فمعناه ما يتختم به ويتزين، فهذا المعنى أن محمدا ﷺ بين الأنبياء السابقين حليتهم وزينتهم، وقد بشر بحضرة بهاء الله، فرسالات الله ﷻ لعباده أبدية مستمرة. فمن آمن بشمس الحقيقة حضرة بهاء الله واتبع ما جاء به، فقد آمن بالله واليوم الآخر)، وفي هذا تحريف وافتراء لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
٢) ومن نتائج نظرية الفيض أيضا تأثر الباطنيين بنظريات الفيثاغوريين.
إذ اتخذوا من الرقم (٧) صفة مقدسة، ويتضح ذلك مما يلي:
- جعلوا النظام الكوني والحوادث التاريخية أمرا قائما على هذا العدد، فيجمعون التجليات كلها في سبع: الله - العقل الكلي - النفس - المادة الأصلية (الهيولى) - الفضاء - الزمن - عالم الأرضين والبشر.
- جعلوا للعالم سبعة أنبياء مشرعين يسمى كل واحد منهم الناطق، وبين كل نبيين ناطقين سبعة أنبياء صامتين.
стр. 10684
- جعلوا قواعد الإسلام سبعا هي: الولاية، الطهارة، الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، الجهاد.
وهكذا بنى الباطنية عقائدهم على الأرقام، والتي هي أساس فلسفة فيثاغورث، ثم قابلوا بينها وبين حدود الدين، وهي نفس الفكرة التي بنى عليها البهائيون معتقداتهم من ظهور الباب والتبشير بالبهاء على أنه خاتم نبوة لمرحلة جديدة من مراحل الدين، وعلى تفسير انتهاء أجل الأمة المحمدية وقيام الساعة، وإن كان الباطنية إبان القرنين الثالث والرابع الهجريين قريبة عهد، وأن أدوار الأنبياء الناطقين بها قليلة العدد، إذ لم تتجاوز الدورين أو الثلاثة بعد الإمام علي بن أبي طالب ﵀ لذا كانت أعدادهم في مجملها قليلة ويسيرة وغير معقدة، أما البهائيون فقد تقادم بهم الزمان، وامتدت معهم أدوار الأنبياء الناطقين؛ لذا جاءت أعدادهم كثيرة ومعقدة، مما اضطر بعضهم أن يعتمد على الكمبيوتر في إيجاد قول تقبله العقول فيما ذهبوا إليه، كما وضحنا سابقا.
وقد أبانت الدكتورة بنت الشاطئ في مقال لها بعنوان: (كشف الغطاء) لعبة هذه الأرقام البهائية، إذ حاولوا الاستناد إلى الكمبيوتر في تحديد نهاية الأمة المحمدية، وقيام الساعة بالعدد الأبجدي للحروف النورانية في فواتح السور، ثم ربطت بين هذه اللعبة وبين لعبة يهود بني قريظة الذين حاولوا أيضا تحديد نهاية الأمة بنفس هذه اللعبة، وقد استنبطت هذه اللعبة من كتب البهائية الموثوقة مثل كتاب (الإتقان) لبهاء الله من مطبوعات دار النشر البهائية في البرازيل. طبعة ثالثة معربة عن الفارسية، ومن منشورات مطابع البيان - بيروت طبعة ثالثة في جزء من كتاب (التبيان والبرهان) للنقابة أحمد حمدي آل محمد، وقد جاء في الكتابين:
(من الأدلة والبراهين التي لا شك فيها على زمن ظهور الباب، ما
стр. 10685
جاء في تفسير العلامة الطبري، بسنده عن جابر بن عبد الله قال: «مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿الم﴾ (١) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢) فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من يهود فقال: تعلمون والله، لقد سمعت محمدا فيما أنزل عليه ﴿الم﴾ (٣) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٤) فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك ﴿الم﴾ (٥) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٦) أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: نعم، قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك، وأقبل حيي بن أخطب على من كان معه، فقال لهم: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون. أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟» وبعد أن ساق صاحب الكتاب الحديث بطوله قال: (وهذا الحديث مختص بهذه الأمة، ولا تنتهي مدة أمة من الأمم إلا بمجيء رسول جديد) ثم أحصى حروف الفواتح المذكورة في الحديث بحساب أبي جاد، ثم طرح منها سبع سنين ليبقى الحساب ١٢٦٠ (وهي سنة ظهور السيد الباب وانتهاء الدورة المحمدية. . .).
وأما الآيات الدالة على ظهور زمن البهاء فإن فاتحة سورة النمل: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٧) ففي حساب الجمل عندهم أن السين تساوي ستين، وهي تشير إلى نهاية الدورة المحمدية، وظهور الباب سنة ١٢٦٠هـ، والطاء تسعة، وهي مدة الدورة البابية، ومجموع الحرفين الذي هو ٦٩ يشير إلى سنة ١٢٦٩هـ، وهي سنة ظهور بهاء الله وبدء دعوته.
فظهور الباب في سنة الستين وظهور البهاء في سنة ٦٩هـ دليل واضح على صدق القرآن، وأنه من عند الله هدى وبشرى للمؤمنين، يهدي المؤمنين بمحمد ﷺ إلى الإيمان بهذين
стр. 10686
الرسولين الكريمين ويبشرهم بهما وبالسعادة التي جاء بها البشر، وفي سورة الأعراف: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ (١)
(ولا شك أن أمة محمد أمة من الأمم لها أجلها المعين، ومدتها المقررة، فإذا انتهت جاء رسول جديد ودين جديد؛ فيجب الإيمان به والانقياد له). ما بين الحاصرتين منقول من مقالات الدكتورة بنت الشاطئ والتي سبق الإشارة إليها.
٣ - نظرية الحلول وهي إحدى النظريات التي تأثر بها الفكر الباطني والقادياني والبهائي على السواء، وقد تأثرت هذه الفرق المذكورة بهذه النظرية من الفكر الغنوصي واليهودي والمسيحي، وهي الفكرة المعروفة في المسيحية بحلول اللاهوت في الناسوت، حيث حل الله في المسيح ﵇، وأكسبه صفات الألوهية، وهي نفس الفكرة التي يقول بها الباطنيون، إذ يرون أن العقل الكلي (الله) يمكن أن يحل في أشخاص الأنبياء أو الرسل الذين يسميهم الإسماعيلية النطفاء، وهم في نظرهم كما قلنا في مرتبة الأنبياء، فيرون أن آدم عقل كلي. ومحمدا ﷺ عقل كلي كذلك، كما أنهم يعتقدون أن العقل الكلي يحل أيضا في أشخاص الأئمة. لذا لا ندهش إذا ما سمعنا الشعراء يصفون عبيد الله المهدي الخليفة الباطني الإسماعيلي الأول في المغرب بقولهم:.
حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح
حل بها الله ذو المعالي ... وكل شيء سواه ريح
كما جاءت عبارات المرزا غلام أحمد ما يدل على اعتناقه عقيدة التناسخ والحلول، وأن الأنبياء كانت تتناسخ أرواحهم ويتقمص بعضهم روح بعض، فقد جاء في كتابهم (ترياق القلوب) أن مراتب الوجود دائرة، وقد ولد إبراهيم بعادته وفطرته ومشابهته القلبية، وبعد وفاته بنحو ألفي سنة وخمسين في بيت عبد الله بن
стр. 10687
عبد المطلب، وسمي بمحمد ﷺ .
ويقول في كتاب آخر: (وتحل الحقيقة المحمدية وتتجلى في متبع كامل. . . وقد مضى مئات من الأفراد تحققت فيهم الحقيقة المحمدية، وكانوا يسمون عند الله عن طريق الظل محمدا وأحمد).
بل جاء في كلامه ما يصرح بتفوقه على النبي ﷺ ؛ لأنه يعتقد أن روحانية النبي ﷺ " إنما تجلت في عصره بصفات إجمالية، ولم تكن الروحانيات قد بلغت غايتها وأوجها بعد ذلك (العهد القاصر)، بل كانت الخطوة الأولى في سبيل ارتقائها وكمالها. وتجلت هذه الروحانية في القرن العشرين في شخص غلام أحمد في أبهى حللها وأرقى مظاهرها ".
ومن إلهاماته في هذه الصدد ادعاؤه بأنه عين النبي (من فرق بيني وبين المصطفى فما عرفني وما رأى)، ثم يدعي أن الله كان يخاطبه قائلا: (اسمع ولدي)، (يا قمر يا شمس، أنت مني وأنا منك ظهورك ظهوري).
وهكذا تجد كل منتحل للنبوة من القاديانيين والبهائيين وغيرهم قد استمدوا أفكارهم تلك من الباطنية التي جمعت بمرور الزمن خليطا من الفكر الغنوصي والمجوسي واليهودي واليوناني، ولما كان فكر الباطنية غريبا عن فكر المسلمين، لم يلق قبولا إلا في أماكن معينة، وبفعل ظروف تاريخية خاصة مما دفع بالباطنيين إلى الظهور حينا والاستتار حينا آخر، وهي في فترات استتارها تظهر على الناس بأسماء مختلفة مثل القاديانية والبهائية، وإن كانتا هما وغيرهما تمتاج جميعها من مورد باطني واحد.
وبعد:
فإنه يمكننا من خلال الرؤية التاريخية والفكرية التي قدمناها لرسالة الحرمين الشريفين الخالدة أن نتبصر أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه خادم
стр. 10688
الحرمين الشريفين باعتباره الممثل الشرعي للمسلمين، والذاب عن العقيدة والشريعة، والحارس للمقدسات الإسلامية التي تحتل مكانتها المرموقة في شعائرنا وعباداتنا.
وإن كانت عزة المسلمين وكرامتهم تستمد من اعتزازهم بعقيدتهم، ومن التفافهم حول شعائرهم المقدسة، تجمعهم معا على كلمة التوحيد التي من الله بها على أمتنا الإسلامية بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١).
وإن كان أيضا لرسالة الحرمين الشريفين أهميتها على هذا النحو، فما أحوجنا اليوم، ونحن نواجه فتنا كظلام الليل الدامس تكالبت علينا من كل جهة، وزاحمتنا في كل شبر، وصاحبتنا في الغدو والرواح أن ندعم تلك الرسالة لنواجه به شتى ضروب التحدي: " التحدي الفكري الذي أقام حواجز فكرية بين أبناء الأمة الواحدة، التحدي الطائفي لأصحاب القوميات والنعرات التعصبية التي مزقت كيان أفضل أمة قد أخرجت للناس، التحدي العقدي الذي ساعد على سلخ بعض النحل الضالة من الدين الإسلامي فادعت دينا غير الدين، ونبوة غير النبوة، ومقدسات غير المقدسات.
стр. 10689
وخلاصة هذا: أن رسالة الحرمين الشريفين هي رسالة السماء، وهبة الله لعباده المؤمنين، فما أجلها من رسالة، إن اعتصمنا بها سلمنا ونجونا، وإن فرطنا فيها بقيت شماء بحماية ربها، فللبيت رب يحميه، بينما يبقى المفرطون غرباء عنها حيارى ضالين إلى أن تحل كلمة الله ويقع عقابه، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (١).
محمد محمد إبراهيم زغروت
стр. 10690
صفحة فارغة
стр. 10691
صفحة فارغة
стр. 10692
علمتني الصلاة
الشيخ / منذر الحريري
الصلاة والحياة:
الصلاة عماد الدين، والركن الثاني للإسلام، والمقبولة عند الله ما كانت خالصة له وعلى سنة نبيه ﷺ طاعة لله في إقامتها ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) وطاعة لرسول الله في كيفية أدائها «صلوا كما رأيتموني أصلي (٢)».
وهي أول ما يحاسب عليها المسلم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة (٣)»، فإن قبلت عند الله وحافظ عليها صاحبها تحقيقا لقوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٤).
كان له من الله عهد ألا يعذبه. وهي الحد بين الإسلام والكفر، فعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الرجل والكفر ترك الصلاة (٥)».
стр. 10693
وللصلاة تأثيرها على الحياة الدنيا للمسلم، فهي بيان عملي لسلوك المسلمين وتصرفاتهم. ولها جوانب اجتماعية هامة في أمور حياتهم الدنيوية، فالصلاة:
١ - تبدأ باسم الجلالة بالتكبير، وتنتهي أيضا به (السلام عليكم ورحمة الله)، أو بضمير يعود عليه (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، قال رسول الله ﷺ عن الصلاة: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (١)».
وكذلك الحياة الدنيا للمسلم تبدأ باسم الجلالة عندما يحمل المولود باتجاه القبلة عقب ولادته ويؤذن في أذنه اليمنى الله أكبر. . .، وتنتهي به عندما يتشهد، وهذا أحد أدلة حسن الختام كما أخبرنا رسول الله ﷺ : «أن من كان آخر قوله: لا إله إلا الله، دخل الجنة (٢)».
وكما أن الصلاة المحصورة باسمي الجلالة هي صلة العبد بربه، كذلك الحياة الدنيا للمسلم أو عمره المحصور بين اسمي الجلالة هو تحقيق عبوديته لربه ﵎.
وإن الصلاة التي تشترط الطهارة ويمهد لها الغسل والوضوء الذي يبدأ بالتسمية، فلا وضوء بدونها كما قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (٣)»، وكذلك حياة المسلم يجب أن تكون طاهرة ونظيفة بكل معاني النظافة سواء المادية أو المعنوية.
١ - وهذه الحياة النظيفة فيها كل السعادة الحقيقية التي في أمس الحاجة إليها عالمنا المتخبط اليوم الذي يفتقد ويتعطش لحياة الطهر والنظافة في جميع مراحل الحياة.
стр. 10694
٢ - تؤدى هذه الصلاة في أي مكان طاهر «. . وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١)»، ما عدا الحمام والمقبرة، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (٢)».
كذلك لا تجوز في مرابض الإبل، فعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : «أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، توضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مرابض الإبل؟ قال: لا (٣)».
وهكذا فالدنيا معدة لطاعة الله وعبادته، وهذا دين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده المتداخل في الحياة لا ينفصم عنها، فالحياة تقوم عليه، وهو المهيمن عليها في جميع مجالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، من عظائم الأمور إلى أدقها.
٣ - واتجاه المسلمين في جميع أنحاء الأرض نحو قبلتهم الكعبة يوضح لهم جميعا وحدة الهدف في حياتهم الدنيا ألا وهو رضا الله والجنة، كما أن كيفية الصلاة التي بينها لهم رسول الله ﷺ بيانا عمليا على المنبر وأمرهم بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي (٤)»، تبين وحدة الوسيلة للهدف المنشود.
وهكذا تظهر وحدة المسلمين الكاملة الشاملة العميقة في وحدة الغاية والوسيلة، أو وحدة الإخلاص والصواب، وهذا ما تعجز أنظمة البشر وعقائدهم أن تحققه عمليا في واقع الحياة، فالاشتراكية والشيوعية والرأسمالية
стр. 10695
اليوم لها تفسيرات لعقائدها تختلف من دولة لأخرى، وكذلك النصرانية واليهودية في المذاهب المتعددة المختلفة في التصورات والطقوس والعبادات، ولئن أصاب المسلمين اليوم ما أصاب الأديان السماوية من التفرق، والاختلاف كما قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا ما كنت عليه أنا وأصحابي (١)»، وهكذا يتبين أن الفرقة الناجية ما كانت على الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح ﵃ وهي مدار البحث، فهي المقصودة بالمسلمين، وبموجب هذا الحديث لا تعتبر الفرقة المخالفة من الإسلام.
وتوحيد الغاية والوسيلة أو الإخلاص والصواب هو في كل جزئية من جزئيات الإسلام، كما أن في أساس العقيدة في توحيد المرسل بالربوبية والعبودية والصفات وتوحيد المرسل بالاقتداء والاتباع، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢).
الأذان: الأذان عبادة الله بين يدي كل صلاة مكتوبة فردية أو جماعية، وهو شعار المسلم يبدأ باسم الجلالة وينتهي به، وما أن يشرع داعي الله بالأذان حتى تتوقف أعمال وواجبات الدنيا والخلق، حيث تبدأ واجبات الخلق وعبادتهم لخالقهم العظيم، فأمور الدنيا لا قيمة لها بجانب أمور الدين: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
وما أن ينتهي المؤذن من كل جملة حتى يردد بعده المستمعون، وهذا ما يبين تجاوب الأمة الإسلامية مع داعي الله قولا بالترديد وفعلا بالمبادرة إلى
стр. 10696
طاعة الله، وهي بيان عملي لتماسك الأمة وتضامنها حاكما ومحكوما في وحدة كاملة كما يقول الرسول ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (١)».
وعندما ينتهي المؤذن تبدو صورة أخرى من وحدة الأمة عندما يصلي كل فرد على رسول الله ﷺ ويدعو له كما علمنا ﵊ بقوله «اللهم صل على محمد وعلى آله وذريته، كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على محمد وعلى آله وذريته، كما باركت على إبراهيم، اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته (٢)».
إن المحافظة على هذا الهدي النبوي يكسب صاحبه شفاعة الرسول ﷺ وهنا يتجلى إخلاص الأمة على اختلاف الأزمنة والأمكنة لقائدها الأعلى، سواء في حياته أو بعد وفاته، واستمرار الإخلاص والمتابعة والصلاة عليه والدعاء له إلى يوم القيامة، وليس هذا إلا لمن أرسل هدى ورحمة للعالمين، وهنا يبدو وجه آخر لتضامن الأمة الإسلامية المتمثل بالتفافها حول قائدها المفدى ﵊.
стр. 10697
صلاة الجماعة: عند سماع داعي الله مناديا للصلاة يجب على كل مسلم أن يبادر إلى المسجد المجاور؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن سمع النداء ولم يجب إلا من عذر (١)» أما حديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فضعيف، والأعذار لحضور الجماعة لها اعتبارات اجتماعية، وهي:
١ - المرض: الذي يمنع صاحبه من الحضور أو الذي يخشى من انتقاله بالعدوى للآخرين.
стр. 10698
٢ - المطر وما شابهه: وفي هذه الحالة ينادي المؤذن بعد حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة في الحال مرتين، فلا يستوجب على المصليين في هذه الحالة الحضور للمسجد، بل يصلون في بيوتهم مع أهليهم.
٣ - الخوف: إذا كان هناك على الطريق خطر ما يهدد المصلي وطمأنينته وأمنه.
٤ - حضور الطعام بشرط عدم تقصد ذلك، للهروب من الجماعة، وإلا فيسقط هذا العذر.
٥ - أكل الثوم والبصل مما يؤذي الملائكة والمصلين، وهذا يظهر ضررا آخر للتدخين الذي له نفس أثر الثوم والبصل.
٦ - السفر الذي يسقط فرضية حضور الجماعة الراتبة، ويستبدلها بجماعة السفر.
هذه الاجتماعات الخمسة اليومية للرجال دون النساء هو بيان عملي في واقع الحياة؛ أن دور الرجل ومجال نشاطه وفعاليته خارج البيت، وأن دور المرأة ومجال نشاطها وفعاليتها داخل البيت، فلكل منهما دوره واختصاصه حسب مواهبه وفطرته التي فطره الله تعالى عليها، فإن كان الرجل للإنتاج المادي وتنشيطه فالمرأة للإنتاج البشري وتربيته، والإنسان أغلى بكثير من الماديات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١).
وهنا تبدو أهمية دور المرأة وأثرها على جيل الغد، وقد بشر الرسول ﷺ من ينشئ ابنتين تنشئة إسلامية فله الجنة؛ لأن بنت اليوم أم الغد، والمرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بشمالها، عندما تنشئ القادة المفكرين والمجددين لعقيدة الأمة والأبطال الميامين الذين تفتخر بهم الأمم، وقد قال الشاعر:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
стр. 10699
وعندما كانت الأم تقدم أولادها شهداء لرفع كلمة الله عاليا، وتحمد الله على استشهادهم كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتنصر بالرعب مسيرة شهر، وعندما تدنى دور الأم اليوم فأصبحت تربي ابنها للدنيا وزينتها وليتنعم فيها دون أي هدف أو رسالة، أصبحت أمتنا تهدد من شرذمة المغضوب عليهم والمفسدين في الأرض، فتخسر مقدساتها وتتمزق شر ممزق، وتصبح فريسة سهلة المنال لأعدائها الطامعين، كما قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت (١)».
وهكذا حدث ما أخبر به رسول الله ﷺ الذي لا ينطبق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وذلك عندما أصبحت الأم تنشئ أولادها على حب الدنيا وكراهية الموت.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).
وهناك لقاء أسبوعي يتمثل في صلاة الجمعة حيث تنتقل عدة أحياء إلى المسجد الجامع لتوسع دائرة التعارف والتحابب والتآخي في الله إلى دائرة أوسع وأشمل، وتضيف إليها توجيها واحدا يجعل تكراره وسيلة لتوحيد الأفكار والعلم والثقافة والتصورات الذهنية بين المسلمين، وهذا عامل هام في توحيدهم، فالصورة الذهنية الواحدة وحلولها الصحيحة في أذهان المسلمين تنبثق في المستقبل تطبيقا موحدا في واقع الحياة.
تبقى اللقاءات اليومية والأسبوعية بين صفوف الرجال دون النساء، وعندما تتصعد الصحبة والأخوة بين الرجال نصف المجتمع يضاف النصف
стр. 10700
الثاني لهم من النساء ومعهن الصغار؛ حيث يخرج سكان البلدة في مهرجان إسلامي وتظاهرة كبيرة تكبر الله الخالق العظيم وتهتف بتوحيده وتصلي على نبيه الأمين إلى المصلى خارج المدينة لتقيم تجمعات إسلامية في كل مدينة وبلدة مسلمة احتفالا بتأدية عبادة الصيام والقيام في شهر القرآن، أو تجاوبا مع لقاء المسلمين في عرفات واحتفالا بالحج لبيت الله الحرام، فيؤدون صلاة العيد، ويستمعون إلى خطبته، ويشهدون جماعة المسلمين على نطاق البلدة أو المدينة، ويشتركون معهم بالأضاحي، وليست صلاة العيد هي الغاية الوحيدة من الخروج للمصلى؛ فقد أمر رسول الله ﷺ حتى الحيض بالخروج إلى المصلى لما له من الفوائد العظيمة، وفي طليعتها المردود الكبير في لقاء المسلمين بعضهم بعضا حيث يتاح لكل فرد لقاء كثير من إخوانه خلال فترة زمنية قصيرة، حيث لا تعوضها أيام ولا شهور لزيارتهم منفردين في البيوت، وهنا تتوسع دائرة الصحبة والأخوة إلى نطاق المدينة كما تتواسع دائرة التوجيه الفكري لتوحيد التصورات والأحاسيس والمشاعر والأحكام والأفكار والحلول في عقولهم ويرتع الصغار بمرحهم وفرحهم لتنطبع في نفوسهم وأفكارهم ذكريات العيد المرتبطة بعبادة الله والتآخي والتحابب بين عباده الصالحين.
وقد أهمل كثير من المسلمين هذا الخير الكبير في هذا التحشد العظيم عندما تقوقعوا في صلاة العيدين في المساجد التي لم يصل فيها رسول الله ﷺ ، وهناك الآخرون الذين أعرضوا عن الصلاة بالكلية سواء في المصلى أو المساجد، وقصدوا القبور وأحجارها عوضا عن التوجه لطاعة الله، ثم يأتي اللقاء الدولي العظيم للمسلمين مرة على الأقل في العمر في عرفات للمستطيعين ماديا وصحيا وأمنيا وشرعيا.
والاستطاعة الشرعية تشمل دراسة الحج وفهم مناسكه لتأدية هذه العبادة بالشكل الصحيح كما أمر رسول الله ﷺ ، وبين بقوله وفعله
стр. 10701
«لتأخذوا عني مناسككم (١)» فالصواب لا بد منه مع الإخلاص في العبادة، وكل عمل ليقبل عند الله ويكون ناجحا في الدنيا، كما تشمل الاستطاعة الشرعية وجود محرم للنساء، فلا يجوز سفر المرآة حتى لو كان السفر لحج أو عمرة دون محرم؛ لقوله ﷺ : «لا يحل لامرآة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم (٢)».
وفي هذا اللقاء الدولي الواسع تتسع دائرة التعارف والتحابب والتآخي في الله إلى دائرة الإنسانية المسلمة، وتتجاهل الفوارق العرقية والقومية والدولية، ويشهد المسلمون منافع لهم في معرفة أحوالهم وما لديهم من إيجابيات يستفيدون منها، وسلبيات يتعاونون على التخلص منها ويلتقي القادة والموجهون والعلماء والمفكرون لإعادة الدولة المسلمة وتوحيد صفوف الأمة، ونسف الحواجز الفاصلة والمجزئة، والقضاء على الخلافات والفوارق بينها؛ فتعود إلى عز وحدتها وقوة تماسكها، وتتبوأ مكان الصدارة والشهادة بين الناس، وتؤدي رسالتها العالمية في قيادة البشرية الشاردة، وإعادتها لعبودية ربها، وتعاون أممها وتسخير ما خلق لها ربها في حضارة الخير والرشاد والصلاح والوداد لحضارة المادة والروح والعلم والأخلاق؛ فتسعد البشرية وتسعد من حولها ويتحقق قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣).
ويتحقق قول رسوله ﷺ .
«ليبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار (٤)».
стр. 10702
إفشاء السلام: إن توافد الرجال إلى مسجد الحي خمس مرات يوميا لتأدية الصلاة، ولقاء بعضهم بعضا بالابتسامة التي قال عنها رسول الله ﷺ :
стр. 10703
«تبسمك في وجه أخيك صدقة (١)»، وتحية بعضهم بعضا بتحية الإسلام، وتحية أهل الجنة: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "، فهذه الجملة التي تربط المسلم بالمسلم عليه برباط يبدأ باسم الجلالة، وينتهي به أو بضمير يعود إليه هي رباط إلهي بين مسلمين بأخوة الإسلام، هذا السلام الذي جعله رسول الله ﷺ أحد وسائل التحابب في الله عندما حض على إفشائه بين المسلمين. كما أن التحابب في الله أحد النماذج السبعة التي تستظل بظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وقد زهد بتحية الإسلام وهدي نبيه ﵊ كثير من مسلمي اليوم، وقد أهملوا وسائل التحابب وخيره الوفير، وأجره العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فحل التباغض والنفور محل المحبة والوئام، والعداوة والبغضاء محل المودة والإخاء واستبدل بعضهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، عندما فضل تحية الأمم الأخرى محل تحية الإسلام، فقد أمر رسول الله ﷺ من حيا بتحية الجاهلية عم صباحا أن يستبدلها بتحية خير منها، ألا وهي تحية الإسلام، كما بين ﵊ الكيفية عندما سأله أحد الصحابة قائلا: «يلقى أحدنا أخاه أيقبله؟ قال: لا، قالوا: أينحني له؟ قال: لا، قالوا: أيصافحه؟ قال: نعم (٢)».
وكم هو مؤسف ما يتبناه اليوم بعض من ينتسب للإسلام في تحيتهم للمسلمين بتحية غيرهم من الأمم تقليدا لهم وانقيادا وتبعية إليهم في الوقت الذي يجب فيه على المسلم أن يكون أبعد الناس عن التقليد وخاصة في دين العزيز الحكيم الذي جعل العلم والمعرفة فرضا على كل مسلم ومسلمة ما دام منح من خالقه العظيم نعمة العقل ونعمة آيات الله المسطورة والمنظورة؛ لأن التقليد جهل، والعلم والتقليد يتنافران ولا ينشط أحدهما إلا في غياب الآخر، وقد نهى الأئمة ﵏ أتباعهم عن التقليد وحضوهم على
стр. 10704
التبصر بالأحكام ودراسة الأمور والبحث عن الأدلة واختيار ما صح منها، وما زالت أقوالهم تشهد وتحكم على خطأ كثير ممن ينتسب إليهم اليوم فقد قلبوا الأمور فأباحوا التقليد، بل وأوجبوه عندما قسموا الأمة إلى مجتهدين ومقلدين فقط، وأغلق بعضهم باب الاجتهاد صراحة، وبعضهم جعلوه مستحيلا بالتشديد على شروطه، والأغرب من ذلك أن بعض من تقلد مناصب الإفتاء في بعض بلاد المسلمين أقر على نفسه بالتقليد الذي هو رديف الجهل، فالمقلد هو العامي الجاهل الذي فرض دينه عليه أن يتعلم، وجعل العلم فوق العبادة ليجتاز مرحلة التقليد هذه بسرعة؛ لأنها غير مرغوب بها، وإنما تباح مؤقتا في حالة عدم العلم بأمر الله ورسوله.
وحقيقة الأمر أن الأمة تقسم إلى ثلاث طبقات: المجتهدون والمتبعون والمقلدون، ولا يعقل لمقلد الأمس أن يطفر فيصبح مجتهد اليوم دون أن يمر على مراحل، مرحلة مرحلة، وبعض المراحل قد تستغرق عمره، وهي مرحلة الاتباع التي يأخذ فيها أدلة الأحكام الشرعية من قول الله تعالى وقول وفعل وإقرار رسوله الأمين ﵊ وآله وصحبه أجمعين.
وبعضهم عوضا أن يلتقي مع أخيه ويبادره بتحية الإسلام يبادره بقوله تقبل الله، التي لا ضير منها إذا تبعت تحية الإسلام لا أن تحل محلها. وبعضهم وقع في ما نهى عنه رسول الله ﷺ وخسر أجر إحياء السنة عندما التزم تقبيل الأيدي أو الرأس أو الوجه أو الانحناء، كل هذا صد لقوله ﵊ «. . . . وخير الهدي هدي محمد ﷺ (١)». . .، وهي جملة في خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يستفتح بها خطبه، ونهيب بالإخوة الدعاة وخطباء المساجد والوعاظ تذكير الناس بها عمليا إحياء لهذا السنة المباركة عند افتتاح الخطب عموما وخطب الجمعة والأعياد خصوصا.
أما على أثر السفر فقد ورد عن بعض الصحابة المعانقة والمصافحة بين المسلمين تسبب تساقط ذنوبهم كما تتساقط أوراق الشجر حسب الحديث
стр. 10705
الصحيح، على أن تكون ضمن الجنس الواحد أو مع المحارم، أما مصافحة الرجال للنساء فهي محرمة لقول رسول الله ﷺ : «لأن يطعن رأس أحدكم بمخيط خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»، فلم يصافح رسول الله ﷺ النساء مطلقا واكتفى بأخذ البيعة من نساء بيعة العقبة الثانية شفاها، وقال: «إني لا أصافح النساء (١)». . . . رواه أحمد بسند صحيح.
وهكذا تتبين لنا الحكمة في أمور متعددة:
١ - عندما جعل الرجل المعلق قلبه في المساجد أحد السبعة تحت ظل العرش، وذلك بسبب سعة صحبته وتحاببه مع إخوانه المصلين.
٢ - عندما منع الإسلام المصلي أن يلتزم مكانا خاصا في المسجد؛ لأن ذلك يحد من اختلاط وتعارف المسلمين.
٣ - ما نجده لدى بعض المسلمين من تغيير المكان عند صلاته النفل، وهذا له حكمة في إتاحة جوار جديد للمصلي، وزيادة الاختلاط والتعارف بين المصلين، وأن تشهد له الأرض التي صلى عليها يوم القيامة.
في المسجد: وعندما يأتي المسلم لبيت الله يجب عليه اختيار أنظف وأفضل الثياب لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢).
واقتداء برسول الله ﷺ وطاعة له في حضه على السواك وحبه للطيب وأمره بالاغتسال كل يوم جمعة كحد أدنى فضلا عن اغتسال الطهارة.
هذه الأمور تجعل المسلم مهتما بنظافة جسمه ولباسه؛ لأنه يتردد على بيوت الله كل يوم خمس مرات، وهكذا الإسلام نظافة المظهر ونظافة القلب إلا أنه يلقى اليوم من بعض أتباعه كل بلاء وإيذاء فلا يدركون هذه الحقائق ولا يمتثلون لها في واقع حياتهم، حيث نجدهم ويا للأسف في بعض بيوت الله
стр. 10706
تفوح منهم ومن ألبستهم روائح كريهة تؤذي المسلمين والملائكة في بيوت الله.
ويجب أن يكون المجيء لبيت الله بوقار وسكينة؛ لأمر رسول الله ﷺ : «إذا أتيتم فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا ومافاتكم فأتموا (١)».
وكذلك في واقع الحياة يجب أن تكون تصرفات المسلم تتصف بالاتزان والسكينة والوقار؛ لأنه نموذج وقدوة حسنة.
يدخل المسجد مبتدأ باليمنى قائلا: (بسم الله، اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)، وهذا ما يعلمنا في واقع الحياة التيامن في كل شيء، فنبدأ من اليمين في الضيافة والدخول والخروج والمصافحة حتى لو كان أصغر القوم، وهذه مثالية المساواة التي لم تعرفها حتى الديمقراطية التي يتبجحون بها، وكذلك يعلمنا في واقع الحياة أن نبدأ أمورنا كلها بذكر الله كما علمنا رسول الله ﷺ في كل أمر وجزئية أن نفتتحه بذكر الله وقد استبدلت، ففي بعض بلاد المسلمين - ويا للأسف - افتتاح المنجزات المادية باسم الشعب أو الوطن أو غيرها. عوضا أن تكون موحدة باسم رب العالمين العزيز الحكيم رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، المقدر لذلك الأمر والمسهل سبحانه لكل أمر صعب.
إن حضور المصلين إلى المساجد غالبا ما يكون خلال وقت يبدأ بالأذان وينتهي بانتهاء الجماعة مما لا يتيح لهم فرص اللقاء على نطاق واسع، وتبقى في هذا الوقت الذي يسبق قيام الفريضة تحية بيت الله بصلاة ركعتين سنة في جميع الأوقات قبل الجلوس حتى أثناء الخطبة لقول رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين وليتجوز بهما (٢)».
حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ استثنى سنة تحية المسجد من
стр. 10707
أوقات الكراهة، وتتوقف كل صلاة نفل عند الإقامة؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (١)».
وهذا يفيدنا في واقع الحياة تفضيل الأهم الواجب على المهم المندوب عندما يقعان في وقت واحد، ومن يدخل المسجد وقد شرع المصلون في صلاة الفجر فيسرع في صلاة السنة، ثم يلتحق بالفريضة يكون بالإضافة إلى مخالفته للحديث السابق، وتقديم رأيه أو رأي من قلده على الدليل قد حرم نفسه شطرا من صلاة الفريضة في الوقت الذي أدى نفلا في هذا الوقت فضلا عن عدم اطمئنانه في نفله.
أما تحية المسجد في المسجد الحرام فيسبقها الطواف سبعة أشواط حول الكعبة، ولا بد من السلام على المصلين والملائكة بتحية الإسلام، إلا أثناء الخطبة فلا سلام ولا كلام، وإلقاء السلام سنة حتى لو كان المصلون في الصلاة، ورده واجب، وفي هذه الحالة يكون برفع اليد اليمنى موازية للأرض وراحتها للأسفل اقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وبسبب جهل كثير من المسلمين لهذه السنة أهملوها بل ولا يردونها وهم في الصلاة، بل إنهم يستنكرون هذه السنة من أصلها بسبب بعدهم عن هدي رسول الله ﷺ .
وقد حرص الإسلام على لقاء المسلمين عند انتهائهم من صلاة الجماعة في حضه على جعل صلاة النفل في البيوت، وأكد على صلاة الفريضة في المسجد مع الجماعة، فعند انتهائها يخرج المسلمون في وقت واحد، وهذا ما يتيح لهم فرصا أكبر في اللقاء والتعارف والتحاب والتعاون على البر والتقوى، كما أن تأدية السنن في البيت تعلم الصغار الصلاة عمليا من آبائهم وأمهاتهم والكبار، واليوم مع الأسف ترك بعض المصلين صلاة الجماعة الراتبة وجعلوها في بيوتهم في بعض بلاد المسلمين، وبعضهم الآخر أهمل صلاة النفل في البيت وجعله بمثابة المقبرة. ونقل صلاة السنن
стр. 10708
إلى المسجد فحرم الصغار فرص التعلم العملي والاقتداء بالآباء فضلا عن مخالفة أمر الرسول ﷺ بقوله: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتركوها مقابر (١)»، «. . . خير الهدي هدي محمد ﷺ (٢)». . . .
стр. 10709
أوقات الصلاة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١)﴾.
يبدأ وقت الصلاة بوقت معين يختلف حسب الموقع على الكرة الأرضية، كما يختلف حسب الوقت على مدار السنة، وينتهي وقت الصلاة بوقت معين يختلف أيضا بالنسبة للمكان والزمان، فلا تجوز الصلاة قبل بدء الوقت إلا في حالة الجمع (حيث يباح للمسافر والمريض جمع الظهر والعصر وجمع المغرب والعشاء تقديما أو تأخيرا) كما أن الصلاة لا تجوز بعد انتهاء الوقت بموجب الآية السابقة إلا ما استثناه الحديث الصحيح: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك (٢)».
فالنوم والنسيان الذي كتبه الله على بني آدم عذران مقبولان يبيحان لصاحبهما عذرا في الصلاة بعد خروج الوقت الطبيعي لها بوقت استثنائي إضافي، فإن بادر عند استيقاظه أو تذكره للطهارة والصلاة كانت صلاته هذه كأنها في وقتها الطبيعي، وإن ماطل وتماهل بها خرج وقتها وضاعت عليه؛ لأمر الرسول ﷺ بتأديتها حين يذكرها فلا كفارة له إلا أن يؤديها ضمن الوقت الاستثنائي وإلا فلا كفارة له إن أهمل تأديتها وأضاعها. هذا بشرط عدم تقصد النوم لإضاعتها؛ لأنها حق من لا تخفاه خافية ومن يعلم السر وأخفى أو أن يسهر عبثا حيث يأوي للنوم في الساعات الأخيرة من الليل فيضيع عليه صلاة الفجر التي قال الله تعالى عنها:
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣).
стр. 10710
والتي لها مع صلاة العشاء أفضلية خاصة فقد نهانا رسول الله ﷺ عن النوم قبل العشاء لعدم إضاعتها؛ حيث تنتهي في منتصف الليل «ووقت العشاء حتى منتصف الليل (١)». . .)، كما نهانا عن السهر بعدها لعدم إضاعة الفجر؛ فقال ﵊: «لا تناموا قبل العشاء ولا تسمروا بعدها (٢)» إلا إذا كان السهر طلبا للعلم النافع.
وإذا نظرنا إلى حياة المسلمين اليوم ويا للأسف فقد ضرب بعضهم التوجيه النبوي عرض الحائط، حيث أدخل التليفزيون بشروره وأضراره التي تفوق فوائده ليخرق هذا الأمر النبوي، ويعمل على خلافه إلا من رحم الله من المسلمين الملتزمين الذين يحبون الله ورسوله، ويتبعون أوامرهما، ويمتثلون لها، ويسلمون تسليما، فهم عباده الصالحون على الفطرة التي جعل الله فيها النوم باكرا والاستيقاظ باكرا من الشروط الصحية والجسمية والعقلية، كما أيد علم الطب وعلم النفس بأن ساعة من النصف الأول من الليل تعادل ساعتين من النصف الثاني، إنه دين الفطرة التي فطر الناس عليها، وقد قال رسول الله ﷺ : «بورك لأمتي في بكورها (٣)».
وحيث إن تأدية الصلاة تفضل في أول الوقت بموجب الحديث النبوي الصحيح: «أحب الأعمال إلى الله الصلاة في وقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله (٤)».
فهذه الدقة في أوقات الصلاة لهي التدريب للمسلمين على الدقة في المواعيد والمحافظة عليها، فالإخلاف في الموعد أحد صفات المنافقين الثلاث كما قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان (٥)».
стр. 10711
وإذا دققنا أمور المسلمين اليوم فنرى مع الأسف الشديد تخلفا واضحا في المحافظة على دقة المواعيد والوفاء بها، فدينه الذي ينتسب إليه يكرر عليه كل يوم خمس مرات بيانا عمليا للمحافظة على دقة المواعيد.
وهناك من يرى تأدية الصلاة بعد خروج الوقت مطلقا، ويسمي تأديتها قضاء حتى لو لم يكن نوم أو نسيان؛ حيث أعمل الرأي فقاس الصلاة على الدين، واعتبر الصلاة دينا بذمة العبد لربه، وهي أولى بتأديتها؛ لأنها حق الله، ولكن رأيه هذا لا يؤيده الدليل بل يناهضه، وحيث إن القياس هو اجتهاد، ولا اجتهاد في مورد النص. الآية الكريمة التي تجعل الصلاة موقوتة بوقت الدخول ووقت الخروج، تؤيد من يعتقد أنه لا قضاء في الصلاة إلا بحدود الحديث السابق الذي حدد العذر بنوم أو سهو، فإذا أهملها صاحبها عامدا متعمدا فقد ضاعت عليه، وليس له إلا التوبة والندم والحرص على عدم إضاعتها في المستقبل ويكثر من النفل لعل الله تعالى يتقبل منه هذا النفل بدل ما فاته من المكتوبة.
علما أن القضاء في لغة العرب والقرآن يختلف عنه في لغة المتأخرين، فالقضاء في لغة العرب هو إكمال الشيء وإتمامه.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (١).
أي أكملهن وأتمهن، وقد ذكر الله في كتابه الكريم القضاء بمعنى فعل العبادة في وقتها.
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٣).
стр. 10712
الإمام والصفوف:
إن وقوف المسلمين صفوفا مستوية ومتراصة، فالأقدام والركب والأكتاف متراصة كالبينان المرصوص دون ترك أية فرجة للشيطان، ودون أن يقطع الصفوف أي حاجز واصل كما قال رسول الله ﷺ : «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعة الله (١)»، حتى إن بعض المساجد أخذت تطبق في بنائها هذا الحديث فاستغنت عن الأعمدة والصواري التي كان الصحابة الكرام يطردوا من الصلاة بين الصواري طردا لعدم قطع الصف بينما أخذت بعض المساجد تقلل ما أمكن من الأعمدة كحد أدنى. إن هذا التراص في الصفوف ومراعاة جعل الإمام أمامها في منتصفها بحيث يكون جناحه الأيمن يعادل جناحه الأيسر، وعند البدء بصف جديد يبدأ من المنتصف خلف الإمام مباشرة، وهكذا يمينا وشمالا حتى يكمل، وهكذا هو تدريب المسلمين على تراص الصفوف في الجهاد وأمام العدو.
وقد اختلفت طبيعة القتال، فقد كانت صفوف المتحاربين تعتمد على تراص المقاتلين جنبا إلى جنب، أما قتال اليوم وطبيعة الأسلحة فالتراص ليس بالأشخاص وإنما بفعالية الأسلحة، لكن المبدأ يبقى وهو عدم ترك أية فرجة بين المقاتلين يستطيع العدو أن ينفذ خلالها إلى داخل الصفوف، وعندما استطاع العدو أن ينفذ داخل صفوف المقاتلين المصريين في عام ١٩٧٣، فإن هذا دليل عدم فهم حكمة التراص في الصلاة، التي تتكرر خمس مرات يوميا بالإضافة إلى كونه عدم التزام التراص عمليا كما هو مشاهد اليوم في كثير من بلاد المسلمين إلا من رحم ربك؛ حيث ترى أحيانا حتى عدم تماس بين المصلين، وهذا الأثر يترك مغزى هاما للمتبصر في الأمور بضعف الرابط الأخوي بين المسلمين المصلين فضلا عن العداوة والبغضاء بين أفراد الأمة الإسلامية التي يجب أن تكون كما قال رسول الله ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
стр. 10713
الجسد بالسهر والحمى (١)»، وقد بين رسول الله ﷺ هذا الترابط بين تسوية الصفوف وبين الواقع الاجتماعي بقوله عليه والصلاة والسلام.
«لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم (٢)».
والصف الأول له أفضلية؛ لذلك حض الخيرة التقدم إليه بقوله ﵊: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى (٣)»، وهذا ما يفيدنا في واقع الحياة أن تكون الصفوف الأمامية خيرة المقاتلين، وإلا فإن تغلب العدو على النسق الأول يوقع الوهن، ويحطم المعنويات للأنساق التالية، كما أنه حافز مشجع لمعنويات العدو، وإذا تبين للإمام أنه على غير وضوء فينسحب من الإمامة ويتقدم من خلفه ويؤم القوم، وكذلك في واقع الحياة، فإن تغيير القائد في المعركة لا يغير الواقع بل تستمر على نفس الهدف والوسيلة، كما حدث في تغيير القائد العام لجيوش المسلمين في فتوح الشام عندما استبدل عمر ﵁ خالدا بأبي عبيدة بن الجراح، كذلك في أمور الحكم؛ حيث يتولى أقدر الأمة؛ لأن الإمام له شروط في تولي الإمامة حسب الأكفأ، وليس هي مهنة يتولاها من يعين فيها، وقد يكون خلفه من هو أجدر منه بذلك، كما قال رسول الله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن تساووا فأكبرهم سنا (٤)».
وهذا يفيدنا في تطبيق الآية الكريمة:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥).
حيث إن العلم بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح هو أول ما يميز الناس ومكانتهم ثم الأسبق للهجرة التي هي بناء الدولة المسلمة، ثم الأكبر
стр. 10714
سنا؛ لأنه أكثر خبرة وعملا. وقد استبدل كثير من المسنين للإسلام اليوم أمورا دنيوية عوضا عن التقوى والعلم النافع؛ فأصبح في تفضيل كثير منهم المال أو الجاه أو المنصب أو المظهر، وهذا الأثر الاجتماعي هو صدى لشروطهم المبتدعة في الإمام، فعوضا عن الامتثال للحديث السابق فقد انقادوا لشروط من آرائهم التي أوجدتها في الأصل عدم العثور على الدليل، إلا أن القاعدة الفقهية: " لا اجتهاد في مورد النص " تبطل كل ما اشترطوه أمام حديث رسول الله ﷺ المذكور.
стр. 10715
الإمام والمؤتمون:
قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا (١)».
إن هذا بيان عملي في الحياة لمتابعة الإمام والقائد في المعركة، والحاكم في الأمة، وإطاعته هذه الطاعة هي أحد شروط كسب المعركة وتقدم الأمة.
وإذا أخطأ في الصلاة بتلاوة القرآن فيصحح، وإذا أخطأ في عدد الركعات كما لو نهض واقفا عوضا عن جلوسه فينبه من قبل المؤتمين بقولهم: (سبحان الله)، فإن لم يعد للجلوس بل استمر واقفا فعليهم متابعته، ولا يجوز لهم مخالفته، وتبقى وحدة الإمام والمؤتمين، ويقوم بسجود السهو.
وكذلك في الحياة إن أخطأ الحاكم فينصح من قبل أهل العلم ويبين له الخطأ، فإن عاد عن خطئه فالرجوع للحق خير من التمادي في الباطل، وإن أصر على خطئه فعليهم متابعته، ويحمل تبعة ذلك أمام رب العالمين، ولا يجوز مخالفته ما دام الخطأ يسيرا؛ لأن وحدة الصف تبقى هدفا ساميا في الأمة، ولا يجوز التفرق والانشقاق. أما إذا أمر في معصية لرب العالمين فلا طاعة في معصيته، فحق الحاكم يتوقف عندما يبدأ حق الله، فإطاعته منوطة بإطاعته لله ورسوله، فإن خالف أمرهما فالعالم يبين وينصح، فلا استبداد ولا تسلط ولا