وإذا دققنا أمور المسلمين اليوم فنرى مع الأسف الشديد تخلفا واضحا في المحافظة على دقة المواعيد والوفاء بها، فدينه الذي ينتسب إليه يكرر عليه كل يوم خمس مرات بيانا عمليا للمحافظة على دقة المواعيد.
وهناك من يرى تأدية الصلاة بعد خروج الوقت مطلقا، ويسمي تأديتها قضاء حتى لو لم يكن نوم أو نسيان؛ حيث أعمل الرأي فقاس الصلاة على الدين، واعتبر الصلاة دينا بذمة العبد لربه، وهي أولى بتأديتها؛ لأنها حق الله، ولكن رأيه هذا لا يؤيده الدليل بل يناهضه، وحيث إن القياس هو اجتهاد، ولا اجتهاد في مورد النص. الآية الكريمة التي تجعل الصلاة موقوتة بوقت الدخول ووقت الخروج، تؤيد من يعتقد أنه لا قضاء في الصلاة إلا بحدود الحديث السابق الذي حدد العذر بنوم أو سهو، فإذا أهملها صاحبها عامدا متعمدا فقد ضاعت عليه، وليس له إلا التوبة والندم والحرص على عدم إضاعتها في المستقبل ويكثر من النفل لعل الله تعالى يتقبل منه هذا النفل بدل ما فاته من المكتوبة.
علما أن القضاء في لغة العرب والقرآن يختلف عنه في لغة المتأخرين، فالقضاء في لغة العرب هو إكمال الشيء وإتمامه.
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (١).
أي أكملهن وأتمهن، وقد ذكر الله في كتابه الكريم القضاء بمعنى فعل العبادة في وقتها.
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٣).
стр. 10712
الإمام والصفوف:
إن وقوف المسلمين صفوفا مستوية ومتراصة، فالأقدام والركب والأكتاف متراصة كالبينان المرصوص دون ترك أية فرجة للشيطان، ودون أن يقطع الصفوف أي حاجز واصل كما قال رسول الله ﷺ : «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعة الله (١)»، حتى إن بعض المساجد أخذت تطبق في بنائها هذا الحديث فاستغنت عن الأعمدة والصواري التي كان الصحابة الكرام يطردوا من الصلاة بين الصواري طردا لعدم قطع الصف بينما أخذت بعض المساجد تقلل ما أمكن من الأعمدة كحد أدنى. إن هذا التراص في الصفوف ومراعاة جعل الإمام أمامها في منتصفها بحيث يكون جناحه الأيمن يعادل جناحه الأيسر، وعند البدء بصف جديد يبدأ من المنتصف خلف الإمام مباشرة، وهكذا يمينا وشمالا حتى يكمل، وهكذا هو تدريب المسلمين على تراص الصفوف في الجهاد وأمام العدو.
وقد اختلفت طبيعة القتال، فقد كانت صفوف المتحاربين تعتمد على تراص المقاتلين جنبا إلى جنب، أما قتال اليوم وطبيعة الأسلحة فالتراص ليس بالأشخاص وإنما بفعالية الأسلحة، لكن المبدأ يبقى وهو عدم ترك أية فرجة بين المقاتلين يستطيع العدو أن ينفذ خلالها إلى داخل الصفوف، وعندما استطاع العدو أن ينفذ داخل صفوف المقاتلين المصريين في عام ١٩٧٣، فإن هذا دليل عدم فهم حكمة التراص في الصلاة، التي تتكرر خمس مرات يوميا بالإضافة إلى كونه عدم التزام التراص عمليا كما هو مشاهد اليوم في كثير من بلاد المسلمين إلا من رحم ربك؛ حيث ترى أحيانا حتى عدم تماس بين المصلين، وهذا الأثر يترك مغزى هاما للمتبصر في الأمور بضعف الرابط الأخوي بين المسلمين المصلين فضلا عن العداوة والبغضاء بين أفراد الأمة الإسلامية التي يجب أن تكون كما قال رسول الله ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
стр. 10713
الجسد بالسهر والحمى (١)»، وقد بين رسول الله ﷺ هذا الترابط بين تسوية الصفوف وبين الواقع الاجتماعي بقوله عليه والصلاة والسلام.
«لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم (٢)».
والصف الأول له أفضلية؛ لذلك حض الخيرة التقدم إليه بقوله ﵊: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى (٣)»، وهذا ما يفيدنا في واقع الحياة أن تكون الصفوف الأمامية خيرة المقاتلين، وإلا فإن تغلب العدو على النسق الأول يوقع الوهن، ويحطم المعنويات للأنساق التالية، كما أنه حافز مشجع لمعنويات العدو، وإذا تبين للإمام أنه على غير وضوء فينسحب من الإمامة ويتقدم من خلفه ويؤم القوم، وكذلك في واقع الحياة، فإن تغيير القائد في المعركة لا يغير الواقع بل تستمر على نفس الهدف والوسيلة، كما حدث في تغيير القائد العام لجيوش المسلمين في فتوح الشام عندما استبدل عمر ﵁ خالدا بأبي عبيدة بن الجراح، كذلك في أمور الحكم؛ حيث يتولى أقدر الأمة؛ لأن الإمام له شروط في تولي الإمامة حسب الأكفأ، وليس هي مهنة يتولاها من يعين فيها، وقد يكون خلفه من هو أجدر منه بذلك، كما قال رسول الله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن تساووا فأكبرهم سنا (٤)».
وهذا يفيدنا في تطبيق الآية الكريمة:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥).
حيث إن العلم بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح هو أول ما يميز الناس ومكانتهم ثم الأسبق للهجرة التي هي بناء الدولة المسلمة، ثم الأكبر
стр. 10714
سنا؛ لأنه أكثر خبرة وعملا. وقد استبدل كثير من المسنين للإسلام اليوم أمورا دنيوية عوضا عن التقوى والعلم النافع؛ فأصبح في تفضيل كثير منهم المال أو الجاه أو المنصب أو المظهر، وهذا الأثر الاجتماعي هو صدى لشروطهم المبتدعة في الإمام، فعوضا عن الامتثال للحديث السابق فقد انقادوا لشروط من آرائهم التي أوجدتها في الأصل عدم العثور على الدليل، إلا أن القاعدة الفقهية: " لا اجتهاد في مورد النص " تبطل كل ما اشترطوه أمام حديث رسول الله ﷺ المذكور.
стр. 10715
الإمام والمؤتمون:
قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا (١)».
إن هذا بيان عملي في الحياة لمتابعة الإمام والقائد في المعركة، والحاكم في الأمة، وإطاعته هذه الطاعة هي أحد شروط كسب المعركة وتقدم الأمة.
وإذا أخطأ في الصلاة بتلاوة القرآن فيصحح، وإذا أخطأ في عدد الركعات كما لو نهض واقفا عوضا عن جلوسه فينبه من قبل المؤتمين بقولهم: (سبحان الله)، فإن لم يعد للجلوس بل استمر واقفا فعليهم متابعته، ولا يجوز لهم مخالفته، وتبقى وحدة الإمام والمؤتمين، ويقوم بسجود السهو.
وكذلك في الحياة إن أخطأ الحاكم فينصح من قبل أهل العلم ويبين له الخطأ، فإن عاد عن خطئه فالرجوع للحق خير من التمادي في الباطل، وإن أصر على خطئه فعليهم متابعته، ويحمل تبعة ذلك أمام رب العالمين، ولا يجوز مخالفته ما دام الخطأ يسيرا؛ لأن وحدة الصف تبقى هدفا ساميا في الأمة، ولا يجوز التفرق والانشقاق. أما إذا أمر في معصية لرب العالمين فلا طاعة في معصيته، فحق الحاكم يتوقف عندما يبدأ حق الله، فإطاعته منوطة بإطاعته لله ورسوله، فإن خالف أمرهما فالعالم يبين وينصح، فلا استبداد ولا تسلط ولا
стр. 10716
ظلم في الإسلام، وكذلك لا تمرد أو عصيان للإمام المسلم كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١).
فأمر الله ورسوله للأمة حكاما ومحكومين. فالإمام العادل ما دام يستمد أوامره من الله ورسوله فإطاعته إطاعة لله ورسوله، وحتى إذا كانت أوامره لا تتعارض مع أوامر الله ورسوله من أمور الدنيا المباحة، فإن إطاعته واجبة بموجب الآية السابقة، وهذا ما يوضحه موقف خالد بن الوليد ﵁ عندما امتثل لأمر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ﵁ وسلم الجيش لأبي عبيدة بن الجراح ﵁ راضيا صاغرا دون تذمر وتأفف، ولسان حاله يقول:
إنا نقاتل كي يرضى الجهاد بنا ... ولا نقاتل كي يرضى بنا عمر
فقد كانوا ينظرون إلى المناصب، ويدركون مسئوليتها أمام رب العالمين، ويخشون أن تصبح حسرة وندامة يوم القيامة إذا حملت مظالم عباد الله وخلقه، فيسأل عنها ويحاسب عليها الحاكم في ذلك اليوم الذي لا ظلم فيه، ويحاسب الظالم فيه حسابا عسيرا فينتمى أن يعود للدنيا ليحكم بالعدل والقسط ويعمل صالحا حيث لا تنفع حسرة وندامة، ولا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وختم الله ﵎ رسالة السماء التي ابتدأت بالعلم، واختتمت بالتقوى وتذكيرا باليوم الآخر بقوله جل وعلا:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢).
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم (٣)».
إن المساواة الكاملة في صفوف الصلاة بين المصلين التي تشابه صفوف الملائكة دون أي تمييز لحسب ونسب أو جاه وسلطة أو غنى
стр. 10717
ومال أو لون أو جنس أو لغة وقومية أو دولة وأخرى لهي دروس وعبرة لعالمنا اليوم المتخبط الذي يعاني التمييز بين الشعوب والأمم والدول، بالإضافة إلى التمييز ضمن كل أمة وشعب، فهناك دول تسمي نفسها عظمى تتميز عن غيرها الصغيرة، وهناك تمييز بين الدول الصناعية والدول النامية، وهناك تمييز بين البشر بسبب اللون والجنس والعرق واللغة، كما هناك تمييز بين مواطني دولة ومن يفد عليهم من الخارج، وتمييز بين الحكام والمحكومين وبين أصحاب السلطة وغيرهم، وبين الأغنياء والفقراء بالإضافة إلى التمييز بين الأنساب والقبائل والمناطق، وبين المهن والأعمال. كل هذا التمييز ومقاييسه جاهلية تتعارض مع الإسلام؛ لأن مقياس الله في التمييز هو الإيمان والعمل الصالح، أي التقوى كما يقول ﵎: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١).
وكما قال رسول الله ﷺ : «لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى (٢)»، «كلكم من آدم وآدم من تراب (٣)».
لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل مساواة بين الناس في أي نظام أو دين إلا في ظل الإسلام، فكان رسول الله ﷺ يشترك مع أصحابه في بناء المسجد، وحمل الأحجار وحفر الخندق حول المدينة، واشتراكه الفعلي في مقدمة القتال، وهو سيد البشر ورئيس دولة الإسلام. وكان ﵊ عندما يسير مع أصحابه يقدمهم أمامه، ويسير في الخلف قائلا لهم «دعوا ظهري للملائكة (٤)»، وكان لا يتميز عن أصحابه في المجلس، ويجلس حيث يتوفر المكان ويكره القيام له رغم محبتهم واحترامهم له الذي لم يحظ به أحد من بني آدم، وفي يوم النصر العظيم وفتح مكة دخلها مطرق الرأس تواضعا وحمدا لله تعالى على الفوز المبين، وعندما يمتثل أمامه أعداؤه
стр. 10718
الذين كادوا له ولأصحابه بعدائهم وظلمهم المرير، يقول لهم ما لم يعرف في العالم مثلا له في السماحة والعفو «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وكذلك لم تعرف المرأة المساواة مع الرجال في الحقوق والواجبات في الأمم القديمة حتى جاء الإسلام، فكانت تعيش عيشة الهوان والذل والاستعباد في الأمم السابقة كاليونان والرومان والفرس، وكانت توأد حية في التراب عند العرب.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١) ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢).
عندما أتى الإسلام ساوى بين الجنسين في الأمور التعبدية، وفي الحقوق والواجبات:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٤).
وقال رسول الله ﷺ : «النساء شقائق الرجال (٥)».
стр. 10719
للمرأة تبدي مفاتنها إرضاء للرجل الذي استعبدها بشهواته الحيوانية وأخرجها من مملكتها الصغيرة المنزلية وزج بها في المعامل والمكاتب والمتاجر بخدعة مساواتها بالرجل، وأهمل دورها في التربية وإعداد جيل الغد فانحطت الأجيال وانغمست في الشهوات والمخدرات والخمور والإفساد في الأرض، وسفك الدماء وهم يخدعونها بعبارات المساواة والتحرر من الضوابط الخلقية والانقلاب من الأدب والفضيلة ليغمسوها ويدنسوا أنوثتها بوحل القذارة والشهوات البيهيمة التي تنتشر فيها الأمراض الجنسية لتفتك بأنوثتها وتعطل دورها المهم في الإنتاج البشري وإعداده التربوي وتوجيهه الخلقي، حتى أصبحت بعض دول اليوم تعاني نقصا في المواليد عن الوفيات بالإضافة إلى تزايد الجراثيم والانحرافات، والانتحار في الأجيال التي حرمت عطف الأمهات وتربيتهن
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (١).
منذر الحريري
стр. 10720
متى ثبتت رؤية الهلال ثبوتا شرعيا وجب العمل بها
،
ولم يجز أن تعارض بكسوف ولا غيره.
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الرياض في عددها ٦٨٨٥ في ٣/ ٩ / ١٤٠٧هـ بقلم الدكتور أحمد بن عبد العزيز اللهيب عفا الله عنا وعنه من جزمه باستحالة أن يكون يوم الإثنين أول يوم من شعبان، بناء على ما وقع في ليلته من الكسوف وبناء على ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما، وجزمه بأن يوم الإثنين هو تمام الثلاثين لشهر رجب، وأن يوم الثلاثاء هو أول يوم من شعبان بشكل قطعي، وعليه يستحيل على ما ذكره أن يكون يوم الثلاثاء هو أول يوم من رمضان، وبناء على ذلك رأيت أن أوضح للقراء ما في هذا الكلام من الخطر العظيم والجرأة على دين الله ورسوله، ونبذ ما صحت به السنة عن رسول الله ﷺ وراء الظهر، وتقديم أقوال الحسابين على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من تعليق إثبات دخول الشهر وخروجه برؤية الهلال أو إكمال العدة. وحكمه ﷺ يعم زمانه وما بعده
стр. 10721
إلى يوم القيامة؛ لأن الله بعثه إلى العالمين بشريعة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، كما قال الله سبحانه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
وهو سبحانه يعلم ما يقع من الكسوف في كل زمان ولم يخبر عباده بما يجب عليهم اعتباره وقت الكسوف، من جهة إثبات الأهلة، مع أنه سبحانه أخبرهم على لسان رسوله محمد ﷺ بما يشرع لهم وقت الكسوف من صلاة وغيرها، أما قول الفلكيين: إن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر في ليالي استسرار القمر، فليس عليه دليل يعتمد عليه ويسوغ من أجله أن تخالف الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولو أيده شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم عفا الله عنهما، فإنهما ليسا معصومين، ويجوز عليهما الخطأ في بعض أقوالهما كما يجوز على غيرهما من أهل العلم، وقد أمر الله عباده عند التنازع أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأن يردوا ما اختلفوا فيه إلى حكمه وحكم رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢).
وقال :
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) الآية.
وقال سبحانه:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
стр. 10722
وقد صرح جمع من أهل العلم بأن كسوف الشمس يمكن وقوعه في غير آخر الشهر، وهكذا خسوف القمر يمكن وقوعه في غير ليالي الإبدار، والله سبحانه على كل شيء قدير. وكون العادة الغالبة وقوع كسوف الشمس في آخر الشهر لا يمنع وقوعه في غيره، وقد صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوجوب اعتماد الرؤية في إثبات الأهلة أو إكمال العدة، وهي أحاديث مشهورة مستفيضة عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما، وحكمه ﷺ لا يختص بزمانه فقط، بل يعم زمانه وما يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ لأنه رسول الله إلى الجميع. والله سبحانه أرسله إلى الناس كافة، وأمره أن يبلغهم ما شرعه لهم في إثبات هلال رمضان وغيره، وهو العالم بغيب السماوات والأرض، والعالم بما سيحدث بعد زمانه من المراصد وغيرها ويعلم سبحانه ما يقع من الكسوفات.
ولم يثبت عن رسوله محمد ﷺ أنه قيد العمل بالرؤية بموافقة مرصد أو عدم وجود كسوف، وهو لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، لا فيما سبق من الزمان ولا فيما يأتي إلى يوم القيامة، وقد قال النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه العشر (١)»، يرشد بذلك أمته ﵊ إلى أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين، وتارة يكون ثلاثين وصح عنه ﷺ أنه قال «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكلموا العدة (٢)»، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب، ولم يأذن في إثبات الشهور بذلك.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة صنفها في هذه المسألة كما في المجلد ٢٥ من الفتاوى صفحة ١٣٢: إجماع العلماء على أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة، وهو ﵀ من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف، ونقل الحافظ في الفتح جـ٤ ص١٢٧
стр. 10723
عن أبي الوليد الباجي: إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب، وأن إجماعهم حجة على من بعدهم.
والأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور. ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها أو جعلها معيار للرؤية، لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة، أو بأن الهلال قد ولد، فهذا كله باطل، ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي إمكان رؤيته أو عدمها، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته، لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ جميعا. وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية؛ لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله ﷺ بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة، وأما الاحتجاج بالكسوف فمن أضعف الحجج؛ لأنه لا يوجد نص من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ يدل على أن الخسوف للقمر، لا يقع إلا في ليالي الإبدار، وأن الكسوف للشمس لا يكون إلا أيام الاستسرار كما يقوله بعض العلماء، بل قد صرح جمع من أهل العلم بأنه يجوز أن يقع في كل وقت كما تقدم. وذكر غير واحد منهم أنه يمكن وقوعه في يوم عيد الفطر وعيد النحر. وهذان اليومان ليسا من أيام الإبدار ولا من أيام الاستسرار، فنقابل قول من قال: إنه لا يقع الخسوف إلا في ليالي الإبدار، ولا كسوف الشمس إلا في أيام الاستسرار بقول من قال: إنه يمكن وقوع ذلك في كل وقت وليس قول أحدهما بأولى من الآخر. وتسلم لنا الأدلة الشرعية ليس لها معارض، وليس في شرع الله سبحانه ولا في قدرته فيما نعلم ما يمنع وقوع الخسوف والكسوف في كل وقت
стр. 10724
لأن الله له القدرة الكاملة على كل شيء، وله الحكمة البالغة في جميع ما يقدره ويشرعه لعباده، وقد أخبر نبيه ﷺ أن كسوف الشمس وخسوف القمر آتيان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، والعباد في أشد الحاجة إلى التخويف، والإنذار من أسباب العذاب في كل وقت. وهذا المعنى نفسه من الأدلة الدالة على صحة، وقول من قال من العلماء بجواز وقوع الخسوف والكسوف في جميع الأوقات، والرؤية لهلال رمضان هذا العام - أعني عام ١٤٠٧هـ ليلة الثلاثاء (قد ثبتت لدى مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية بهيئته الدائمة فهي رؤية شرعية) - يجب الاعتماد عليها لموافقتها للأدلة الشرعية وبطلان ما يعارضها، وبموجبها يكون يوم الثلاثاء أول يوم من رمضان للأحاديث السابقة، ولقوله ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون (١)»، أخرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن.
ولو فرضنا أن المسلمين أخطأوا في إثبات الهلال دخولا أو خروجا، وهم معتمدون في إثباته على ما صحت به سنة نبيهم ﷺ ، ولم يكن عليهم في ذلك بأس، بل كانوا مأجورين ومشكورين من أجل اعتمادهم على ما شرعه الله لهم، وصحت به الأخبار عن نبيهم ﷺ ، ولو تركوا ذلك من أجل قول الحاسبين أو من أجل وقوع الكسوفات مع قيام البينة الشرعية برؤية الهلال دخولا وخروجا لكانوا آثمين وعلى خطر عظيم من عقوبة الله ؛ لمخالفتهم ما رسمه لهم نبيهم وإمامهم محمد بن عبد الله ﷺ التي حذر الله منها في قوله :
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
وفي قوله :
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣).
стр. 10725
وقوله سبحانه:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١).
وأرجو أن يكون فيما ذكرته مقنع لطالب الحق، وكشف للشبهة التي ذكرها الدكتور أحمد بن عبد العزيز اللهيب وغيره ممن يعتمد على أقوال الحاسبين. والله سبحانه المسئول أن يوفقنا والدكتور أحمد وجميع المسلمين لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد والتمسك بشرع الله المطهر، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن القول على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ بغير علم: إنه ولي ذلك والقادر عليه. وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على رسوله نبينا محمد وآله وصحبه، ومن عظم سنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين. حرر في ٧/ ٩ / ١٤٠٧هـ.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
стр. 10726
تعقيب على فضيلة الشيخ
عبد الله كنون
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربهم إلى يوم الدين. . .
أما بعد:
فقد اطلعت على فتوى لصاحب الفضيلة الشيخ عبد الله كنون قد نشرت في صحيفة الميثاق المغربية حول الإحرام من الطائرة لأهل المغرب وتأخيره إلى جدة. . فاستغربتها كثيرا. . ومع تقديري لعلمه وفضله، فقد رأيت التنبيه على عدم صحة هذه الفتوى، وأن تأخير الإحرام إلى جدة للحاج المغربي أو المعتمر أمر مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب الإحرام من المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ ، ومنها الجحفة لأهل مصر والشام والمغرب وسائر دول شمال إفريقيا. ولا يجوز اعتمادها.
بل الواجب على الحاج المغربي أن يحرم إذا حاذى المقيات جوا وبرا وبحرا كما هو نص الحديث الشريف. وكما نص عليه أهل العلم.
والتوقيت من النبي ﷺ ليس توقيتا لزمن رسول الله ﷺ ، بل هو توقيت للمسلمين إلى يوم القيامة.
والله يعلم أنه سيكون في آخر الزمان طائرات وغيرها، فدل على دخول ركابها في ذلك. وإذا خاف راكبها من تجاوز المقيات قدم الإحرام قبل وصوله المقيات احتياطا.
وما ذكره الأستاذ عبد الله من عدم تمكن المسافر من الاستعداد في الطائرة بالغسل والصلاة؛ فإن بإمكان الحاج أن يستعد في بيته أو بلده قبل ركوبه الطائرة، مع العلم بأن الغسل ليس بواجب، وإنما هو
стр. 10727
مستحب. وهكذا الوضوء ليس بواجب. فلو أحرم من دون وضوء ولا غسل فإحرامه صحيح.
وهكذا الصلاة قبل الإحرام. ليست واجبة، وإنما هي مستحبة عند الجمهور. وقال بعض أهل العلم لا تستحب لعم الدليل الصحيح الصريح في ذلك.
فلو أحرم الحاج أو المعتمر من دون وضوء ولا غسل فإحرامه صحيح، ولا يجوز تأخير الواجب عن وقته أو مكانه من أجل تحصيل المستحب، بل يجب البدار بالواجب وإن فات المستحب. وهذا أمر واضح لا غبار عليه.
فنصيحتي للأستاذ أخينا الشيخ عبد الله كنون الرجوع عن هذه الفتوى؛ لأن الرجوع للصواب هو الواجب على المؤمن، وهو شرف له، وهو خير من التمادي في فتوى تخالف الدليل. وأسأل الله أن يوفقنا وإياه وسائر لإصابة الحق في القول والعمل، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 10728
قرار هيئة كبار العلماء
رقم ١٤٨ وتاريخ ١٢/ ١ / ١٤٠٩ه ـ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية والثلاثين، والمنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من ٨/ ١ / ١٤٠٩ إلى ١٢/ ١ / ١٤٠٩هـ بناء على ما ثبت لديه من وقوع عدة حوادث تخريب ذهب ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء، وتلف بسببها كثير من الأموال والممتلكات والمنشآت العامة في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، قام بها بعض ضعاف الإيمان أو فاقديه من ذوي النفوس المريضة والحاقدة، ومن ذلك: نسف المساكن، وإشعال الحرائق في الممتلكات العامة والخاصة، ونسف الجسور والأنفاق، وتفجير الطائرات أو خطفها. وحيث لوحظ كثرة وقوع مثل هذه الجرائم في عدد من البلدان القريبة والبعيدة، وبما أن المملكة العربية السعودية كغيرها من البلدان عرضة لوقوع مثل هذه الأعمال التخريبية؛ فقد رأى مجلس هيئة كبار العلماء ضرورة النظر في تقرير عقوبة رادعة لمن يرتكب عملا تخريبيا، سواء كان موجها ضد المنشآت العامة والمصالح الحكومية، أو موجها لغيرها بقصد الإفساد والإخلال بالأمن. وقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة، وهي: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال. وقد تصور المجلس الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وما تسببه
стр. 10729
الأعمال التخريبية من الإخلال بالأمن العام في البلاد، ونشوء حالة من الفوضى والاضطراب، وإخافة المسلمين على أنفسهم وممتلكاتهم، والله قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، ومما يوضح ذلك قوله : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) سورة المائدة / / ٣٢، الآية.
وقوله سبحانه:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) سورة المائدة / ٣٣.
وتطبيق ذلك كفيل بإشاعة الأمن والاطمئنان وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين في أنفسهم وممتلكاتهم، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وغيرها على السواء لقوله سبحانه:
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٣) سورة البقرة / ٢٠٤، ٢٠٥.
ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في تفسيره، وقال أيضا: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر / اهـ. والله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٤) ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٥)
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (٦) الأعراف / / ٥٦.
стр. 10730
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد؛ فنهى تعالى عن ذلك اهـ.
وقال القرطبي: نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر، فهو على العموم على الصحيح من الأقوال اهـ. وبناء على ما تقدم، ولأن ما سبق أيضا حد يفوق أعمال المحاربين الذين لهم أهداف خاصة يطلبون حصولهم عليها من مال أو عرض، وهؤلاء هدفهم زعزعة الأمن وتقويض بناء الأمة واجتثاث عقيدتها، وتحويلها عن المنهج الرباني؛ فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولا: من ثبت شرعا أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن بالاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة: كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال كأنابيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك؛ فإن عقوبته القتل لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد؛ ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.
ثانيا: أنه لا بد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى براءة للذمة واحتياطا للأنفس، وإشعارا بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءت اللازمة شرعا لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.
стр. 10731
ثالثا: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الإعلام، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
مجلس هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد العزيز بن صالح
عبد الله خياط ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سليمان بن عبيد ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن ... راشد بن خنين
عبد الله بن منيع ... صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان
حسن بن جعفر العتمي ... عبد الله البسام ... محمد بن صالح العثيمين
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ... صالح الفوزان
стр. 10732
حديث شريف
" عن أبي هريرة ﵁ قال: «قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان (١)»
رواه البخاري
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 10735
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 10736
المحتويات
الافتتاحية:
نصيحة عامةلأئمة المسلمين وعامتهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
موضوع العدد:
كيفية الإمساك والإفطار في رمضان وضبط أوقات الصلاة في بعض البلدان اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١١
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة ٣٥
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧٩
стр. 10737
البحوث:
بيان معنى لا إله إلا الله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٩١
الولاء والبراء في الإسلام الدكتور / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان ١١٥
حكم الشهادة والحكمة من مشروعيتها وأركانها الدكتور / عبد الله بن محمد الزين ١٢٩
حكم العمل بالعام قبل البحث عن المخصص الدكتور / عياضة بن نامي السلمي ١٥١
تعدد الزوجات وأهميته للمجتمع المسلم الدكتور / ناصر بن عقيل الطريفي ١٧٧
تحقيق مخطوطة "فتيا في حكم السفر إلى بلاد الشرك" للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تحقيق الشيخ الوليد بن عبد الرحمن الفريان ٢٠١
الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومسنده الشيخ /أحمد بن عبد الرحم بن سليمان الصويان ٢٢١
الحكمة من قطع يد السارق الشيخ / عبد الله بن حمد العبودي ٣٠٣
كلمة حول عدم جواز وصف الميت بالمغفور له أو المرحوم لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٠
تعليق على كلمة محيي الدين الصافي سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣١
من قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ٣٣٧
نداء لجميع المسلمين وغيرهم للوقف في صف حكومة السودان وشعبها بسبب الكارثة التي نزلت بهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٤٦
стр. 10738
صفحة فارغة
стр. 10739
الافتتاحية
نصيحة عامة لأئمة المسلمين وعامتهم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد اقتضت حكمة الله أن يبتلي عباده بالخير والشر، والصحة والمرض، والفقر والغنى، والقوة والضعف؛ لينظر كيف يعملون، وهل يكونون مطيعين له في حال الرخاء والشدة، قائمين بحقوقه سبحانه في كل الأوقات والأحوال، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١). وقال : ﴿المَ﴾ (٢) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤).
إذا علم هذا فإن الله سبحانه يختبر العباد ويمتحن شكرهم وصبرهم؛ لينالوا الجزاء منه كل حسب حاله وما صدر منه. فالواجب على المسلم إذا أنعم الله عليه بنعمة المال أن يتذكر أخاه الفقير فيواسيه من ماله، ويعينه على تحمل أعباء الحياة ويؤدي حق الله الواجب في المال، وأن يتذكر دائما قوله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٥).
وإذا كان المسلم معافى في بدنه، قويا في جسمه، فينبغي له أن يتذكر إخوانه وجيرانه المرضى والضعفاء العاجزين، فيعينهم على قضاء حوائجهم، ويبذل ما يستطيع لتخفيف وطأة المرض عليهم. ومثل ذلك إذا كان قويا
стр. 10740
في علمه، فعليه أن ينفع عباد الله المسلمين الذين حرموا نعمة العلم، فيرشدهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، ويعلمهم ما أوجب الله عليهم، كما أن على المسلم الفقير أو المريض العاجز أن يصبر على ما أصابه، ويرجو الفضل من عند الله سبحانه، ويجتهد في فعل الأسباب المباحة التي يكشف الله بها ما أصابه، وليتذكر الجميع قول الرب سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١).
وما يقال بالنسبة للأفراد يقال بالنسبة للأمم المسلمة؛ إذ يجب على الأمة القوية في مالها أو رجالها أو سلاحها أو علومها، أن تمد الأمة المستضعفة، وأن تعينها على الحفاظ على نفسها ودينها، وتمنع عنها الذئاب من حولها المتسلطة عليها، وأن تؤتيها من مال الله الذي آتاها، فهذا هو مقتضى الأخوة الإسلامية التي عقدها الرب سبحانه بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ إذ يقول جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢).
فيا أيها الزعماء والقادة، ويا أيها المسلمون في كل مكان، أدعوكم إلى تطبيق مقتضى الآية الكريمة، والعمل على إقامة الأخوة الحقيقية بين كل المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، وأن يكون المسلمون يدا على من سواهم، واعلموا وفقكم الله أن وسائل الابتلاء في هذا العصر أكثر منها في العصور الخالية؛ ذلك أن الله سبحانه أفاض أنواعا من النعم على طوائف من المسلمين، وابتلى طوائف أخرى بالفقر والجهل وتسلط الأعداء من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم، وابتلى الناس بمخترعات جديدة وآلات حديثة يسرت اطلاع بعضهم على أحوال بعض واتصالهم فيما بينهم، وجعلتهم أعظم مسؤولية وأكثر قدرة على النصر ومد يد العون إذا هم أرادوا ذلك. فالمسلمون اليوم يسمعون ويرون ما يحل بإخوانهم في
стр. 10741
الفلبين وأفغانستان وأريتيريا والحبشة وفلسطين وبلدان أخرى كثيرة، بل إن هناك أقليات مسلمة في دول شيوعية كافرة والمسلمون قد فرطوا في حقها، ولم يقوموا بما يجب من نصرتها وتأييدها وإعانتها، والرسول ﷺ يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (١)»، ويقول ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وشبك بين أصابعه (٢)»، وقال ﷺ : «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة (٣)»، وقال أيضا ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٤)».
وهذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ توضح ما يجب أن يكون عليه المسلمون من التعاون والشعور بحاجة بعضهم إلى بعض.
ولقد قرر العلماء ﵏ أنه لو أصيبت امرأة مسلمة في المغرب بضيم لوجب على أهل المشرق من المسلمين نصرتها، فكيف والقتل والتشريد والظلم والعدوان والاعتقالات بغير حق كل ذلك يقع بالفئات الكثيرة من المسلمين، فلا يتحرك لهم إخوانهم ولا ينصرونهم إلا ما شاء الله من ذلك.
فالواجب على الدول الإسلامية والأفراد من ذوي الغنى والثروة أن ينظروا نظرة عطف ورحمة إلى إخوانهم المستضعفين، ويعينوهم بواسطة سفراء الدول الإسلامية الموثوق بهم أو بواسطة الوفود التي يجب أن ترسل بين حين وآخر باسم الدول الإسلامية؛ لتفقد أحوال المسلمين في تلك الدول الإسلامية أو الأقليات المسلمة في الدول الأخرى، وإذا كانت الأمم النصرانية واليهودية والشيوعية من الأمم
стр. 10742
الكافرة قد تحفظ حقوق أي فرد ينتسب إليها ولو كان يقيم في دولة أخرى بعيدة عنها، وتصدر الاحتجاجات وترسل الوعيد والتهديد أحيانا إذا لحق بواحد منهم ضرر، ولو كان مفسدا في الدولة التي يقيم في أراضيها، فكيف يسكت المسلمون اليوم على ما يحل بإخوانهم في حروب الإبادة وضروب العذاب والنكال في أماكن كثيرة من هذا العالم، ولتعلم كل طائفة أو أمة لا تتحرك لنصرة أختها بأنه يوشك أن تصاب هي بمثل ذلك البلاء الذي تسمع به أو تراه يقطع أوصال أولئك المسلمين، فلا تجد من ينصرهم أو يعمل على رفع الظلم والعذاب عنهم، فالله سبحانه المستعان، وهو المسئول بأن يوقظ قلوب العباد لطاعته، وأن يهدي ولاة أمور المسلمين وعامتهم إلى أن يكونوا يدا واحدة وصرحا متراصا للقيام بأوامر الله، والعمل بكتابه وسنة رسوله ونصرة المسلمين ومحاربة الظالمين المعتدين؛ عملا بقول الله سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢).
وقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣).
وقوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦).
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 10743
كيفية الإمساك والإفطار في رمضان
وضبط أوقات الصلاة في بعض البلدان
إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الرسالة الواردة من معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بالمملكة بتاريخ ١٦/ ١ / ١٣٩٨ هـ إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والتي يذكر فيها أنه تلقى كتابا من رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة (مالو) بالسويد يفيد بأن الدول الإسكندنافية يطول نهارها صيفا ويقصر شتاء؛ نظرا لوضعها الجغرافي، كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقا في الصيف، وعكسه في الشتاء، ويسأل المسلمون فيها عن كيفية الإمساك والإفطار في رمضان، وكذلك كيفية ضبط أوقات الصلاة في هذه البلدان، ويرجو إصدار فتوى في ذلك.
وبناء على ما اقترحه سماحة الرئيس العام من عرض هذا الموضوع على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة؛ لما له من صفة العموم، وما رآه من إعداد اللجنة الدائمة بحثا في ذلك - ذكرت اللجنة نقولا عن الفقهاء تتضمن آراءهم في الموضوع، مع استدلال كل منهم لما ذهب إليه لينظره المجلس ويتخذ ما يراه حول هذا الموضوع، وفيما لي ذكر النقول مع الأدلة، والله الموفق.
стр. 10744
قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (١): ومن لا يوجد عندهم وقت العشاء كما قيل يطلع الفجر قبل غيبوبة الشفق عندهم، أفتى البقالي بعدم الوجوب عليهم؛ لعدم السبب، وهو مختار صاحب الكنز، كما يسقط غسل اليدين من الوضوء عن مقطوعهما من المرفقين، وأنكره الحلواني ثم وافقه، وأفتى الإمام البرهاني الكبير بوجوبها. ولا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الغرض وبين عدم سببه الجعلي الذي جعل علامة على الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدد المعرفات للشيء، فانتفاء الوقت انتفاء للمعرف، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليل آخر. وقد وجد وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء من فرض الله الصلاة خمسا بعدما أمروا أولا بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعا عاما لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قطر وقطر - وما روي: «ذكر الدجال رسول الله ﷺ : "قلنا: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. فقيل: يا رسول الله: اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم. قال: لا: اقدروا له (٢)». رواه مسلم. فقد أوجب فيه ثلاثمائة عصر قبل صيرورة الظل مثلا، أو مثلين، وقس عليه، فاستفدنا أن الواجب في نفس الأمر خمس على العموم، غير أن توزيعها على تلك الأوقات عند وجودها فلا يسقط بعدمها الوجوب - وكذا قال ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد (٣)». ومن أفتى بوجوب العشاء يجب على قوله الوتر. اهـ. كلام الكمال ابن الهمام.
وقال الزيلعي في شرحه على الكنز (٤):
من لم يجد وقت العشاء والوتر، بأن كان في بلد يطلع الفجر فيه كما تغرب الشمس، أو قبل أن يغيب الشفق، لم يجبا عليه؛ لعدم السبب، وهو الوقت، وذكر المرغيناني أن الشيخ برهان الدين الكبير أفتى بأن عليه صلاة
стр. 10745
العشاء - ثم إنه لا ينوي القضاء في الصحيح؛ لفقد وقت الأداء، وفيه نظر؛ لأن الوجوب بدون السبب لا يعقل، وكذا إذا لم ينو القضاء يكون أداء ضرورة، وهو فرض الوقت، ولم يقل به أحد؛ إذ لا يبقى وقت العشاء بعد طلوع الفجر إجماعا. اهـ.
وكتب الشلبي في حواشيه على شرح الزيلعي: قوله (بأن كان في بلد يطلع الفجر فيه. . إلخ) قال العيني: (ويذكر أن بعض أهل بلغار لا يجدون في كل سنة وقت العشاء أربعين ليلة، فإن الشمس كما تغرب من ناحية المغرب يظهر الفجر من المشرق. اهـ.
قوله: أفتى بأن عليه صلاة العشاء. . إلخ. وردت هذه الفتوى من بلغار على شمس الأئمة الحلواني، فأفتى بقضاء العشاء، ثم وردت بخوارزم على الشيخ الكبير سيف السنة البقالي، فأفتى بعدم الوجوب، فبلغ جوابه الحلواني، فأرسل من يسأله في عامته بجامع خوارزم: ما تقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحدة، هل يكفر؟ فأحس به الشيخ فقال: ما تقول فيمن قطع يداه من المرفقين أو رجلاه من الكعبين، كم فرائض وضوئه؟ قال: ثلاث لفوات محل الرابع. قال: وكذلك الصلاة الخامسة. فبلغ الحلواني جوابه فاستحسنه ووافقه فيه. اهـ. من المجتبى.
قال العلامة كمال الدين ابن الهمام رحمه الله تعالى: ولا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الغرض، وبين عدم سببه الجعلي الذي جعل علامة الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر. . . إلخ.
وقال العلامة ابن عابدين في حواشيه على الدر المختار (١): لم أر من تعرض عندنا لحكم صومهم فيما إذا كان يطلع الفجر عندهم كما تغيب الشمس أو بعده بزمان لا يقدر فيه الصائم على أكل ما يقيم بنيته، ولا يمكن أن يقال بوجوب موالاة الصوم عليهم؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك، فإن قلنا
стр. 10746
بوجوب الصوم يلزم القول بالتقدير، وهل يقدر ليلهم بأقرب البلاد إليهم كما قال الشافعية أم يقدر لهم بما يسع الأكل والشرب، أم يجب عليهم القضاء فقط دون الأداء، كل محتمل، فليتأمل. ولا يمكن القول هنا بعدم الوجوب أصلا كالعشاء عند القائل به فيها؛ لأن علة عدم الوجوب فيها عند القائل به عدم السبب، وفي الصوم قد وجد السبب وهو شهود جزء من الشهر، وطلوع فجر كل يوم. هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
وقال في إمداد الفتاح: وكذلك يقدر لجميع الآجال كالصوم والزكاة والحج والعدة وآجال البيع والسلم والإجارة، وينظر ابتداء اليوم فيقدر كل فصل من الفصول الأربعة بحسب ما يكون كل يوم من الزيادة والنقص، كذا في كتب الشافعية، ونحن نقول بمثله؛ إذ أصل التقدير مقول به إجماعا في الصلوات اهـ. نقله عنه ابن عابدين في ص ٣٣٨ جـ ١.
قال الشيخ محمد عرفة الدسوقي في أوقات الصلاة (١): ما ذكره المصنف من أن مبدأ المختار للظهر من زوال الشمس إلى هنا كله بالنسبة لغير زمن الدجال، وأما في زمنه فيقدر للظهر وغيرها بالنسبة لغير زمانه، ثم إن بعض البلاد السنة فيها يوم وليلة، وحينئذ فيقدرون لكل صلاة كزمن الدجال، وفي بعض البلاد الليل من المغرب للعشاء، فيخرج الفجر وقت العشاء، فعند الحنفية تسقط عنهم العشاء، وعند الشافعية يقدرون بأقرب البلاد إليهم، ولا نص عندنا، ولكن استظهر بعضهم الرجوع في ذلك لمذهب الشافعي. كذا قرر شيخنا.
وقال الشيخ أحمد الدردير في شرحه الكبير على مختصر خليل: وإن التبست عليه الشهور فلم يعرف رمضان من غيره. عرف الأهلة أم لا (وظن شهرا) أنه رمضان (صامه وإلا) يظهر بل تساوت عنده الاحتمالات (تخير) شهرا وصامه، فإن فعل ما طلب منه فله أحوال أربعة، أشار لأولها
стр. 10747
بقوله: (وأجزأ ما بعده) أي إن تبين أن ما صامه في صورتي الظن والتخيير هو ما بعد رمضان أجزأ، ويكون قضاء عنه وثابت نية الأداء عن القضاء، ويعتبر في الإجزاء مساواتهما (بالعدد)، فإن تبين أن ما صامه شوال، وكان هو ورمضان كاملين أو ناقصين، قضى يوما عن يوم العيد، وإن كان الكامل رمضان فقط قضى يومين وبالعكس لا قضاء، وإن تبين أن ما صامه ذو الحجة فإنه لا يعتد بالعيد وأيام التشريق، ولثانيها وثالثها بقوله: (لا) إن تبين أن ما صامه (قبله)، ولو تعددت السنون (أو بقي على شكه) في صومه لظن أو تخيير، فلا يجزئ فيهما. وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون: يجزئه في البقاء على الشك؛ لأن فرضه الاجتهاد، وقد فعل ما يجب عليه، فهو على الجواز حتى ينكشف خلافه، ورجحه ابن يونس، ولرابعها بقوله: (وفي) الإجزاء عند (مصادفته) في صومه تخييرا، وهو المعتمد وعدمه (تردد)، فإن صادفه في صومه ظنا فجزم اللخمي بالإجزاء من غير تردد) (١).
وقال الحطاب في مواهب الجليل على مختصر خليل (٢):
(الخامس) ورد في صحيح مسلم أن «مدة الدجال أربعون يوما، وإن فيها يوما كسنة ويوما كشهر ويوما كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، فقال الصحابة ﵃: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره (٣)». قال القاضي عياض: في هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع. قال ولو وكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. ونقله عنه النووي وقبله، وقال بعده: ومعنى «اقدروا له قدره (٤)» أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا
стр. 10748
الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة كلها فرائض مؤداة في وقتها، وأما اليوم الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول على ما ذكرنا، والله تعالى أعلم. انتهى.
ومثل ذلك الأيام الذي تحجب الشمس فيها عن الطلوع عند إرادة الله طلوعها من مغربها، ذكره ابن فرحون في الألغاز، وقال: هذا الحكم نص عليه الشارع. (قلت): ومثله ما ذكره القرافي في كتاب اليواقيت عن الشافعية في قطر يطلع فيه الفجر قبل غروب الشفق قال: فكيف يصنع بالعشاء، وهل تصلي الصبح قبل مغيب الشفق، وهل يحكم على العشاء بالقضاء، فذكر عن إمام الحرمين أنه قال: لا تصلي العشاء حتى يغيب الشفق، ولا تكون قضاء؛ لبقاء وقتها، ويتحرى بصلاة الصباح فجر من يليهم من البلاد، ولا يعتبر الفجر الذي لهم. انتهى باختصار، وكأنه ارتضاه.
(السادس) قال القرافي في كتاب اليواقيت: مسألة من نوادر أحكام الأوقات إذا زالت الشمس ببلد من بلاد المشرق وفيها ولي فطار إلى بلد من بلاد المغرب، فوجد الشمس كما طلعت، فقال بعض العلماء: إنه مخاطب بزوال البلد الذي يوقع فيها الصلاة؛ لأنه صار من أهلها. انتهى. (قلت): وانظر على هذا لو صلى الظهر في البلد الذي زالت عليه فيه الشمس، ثم جاء إلى البلد الآخر، والظاهر أنه لا يطالب بإعادة الصلاة؛ لأنه كان مخاطبا بزوال البلد الذي أوقع فيها الصلاة، وسقط عنه الوجوب بإيقاعها فيه، ولم يكلف الله بصلاة في يوم واحد مرتين، فانظره.
وقال أيضا: (ومن لا تمكنه رؤية ولا غيرها كأسير كمل الشهور) ابن بشير.
стр. 10749
لا شك أن الأسير إذا كان مطلقا أنه يبني على الرؤية أو العدد، وإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الرؤية بنى على العدد، فأكمل كل شهر ثلاثين يوما (وإن التبست وظن شهرا صامه) ابن بشير إن التبست عليه الشهور اجتهد وبنى على ظنه (وإلا تحرى) ابن عبدون وابن القاسم وعبد الملك وأشهب.
إن أشكل رمضان على أسير أو تاجر ببلد حرب تحراه، اللخمي صام أي شهر أحب (وأجزأ ما بعده) من المدونة إن التبست الشهور على أسير أو تاجر أو غيره في أرض العدو فصام شهرا ينوي به رمضان فإن كان قبله لم يجزه وإن كان بعده أجزأه، وإن لم يدر أصام قبله أو بعده، فكذلك يجزئه حتى ينكشف أنه صام قبله. قاله أشهب وعبد الملك وسحنون، وقال ابن القاسم: يعيد؛ إذ لا يزول فرض بغير يقين (ابن يونس، وقول أشهب أبين؛ لأنه صار فرضه إلى الاجتهاد، وهو قد اجتهد وصام فهو على الجواز حتى ينكشف خلافه أصله من اجتهد في يوم غيم وصلى فلم يدر أصلى قبل الوقت أو بعده (بالعدد) من النكت. من كتاب أحكام القرآن لابن عبد الحكم إذا صام شوالا فليقض يوم الفطر إن كان رمضان الذي أفطره مثل عدد شوال الذي صامه من الأيام، وإن كان شوال الذي صامه ثلاثين يوما ورمضان تسعة وعشرين يوما فلا شيء عليه، وليس عليه قضاء يوم الفطر لأنه قد صام تسعة وعشرين يوما، وليس عليه إلا عدة الأيام (التي أفطر) (لا قبله) تقدم نص المدونة إن كان قبله لم يجزئه (أو بقي على شكه) تقدم قول ابن القاسم قبل قوله بالعدد (وفي مصادفته تردد) ابن رشد إذا صام على التحري ثم خرج وعلم أنه أصابه بتحريه فلا يجزئه على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على مذهب أشهب وسحنون "ابن عرفة " ولم أجد ما ذكره عن ابن القاسم وأخذه من سماع عيسى بعيد، وما ذكر اللخمي إلا الأجزاء خاصة، وساقه كأنه المذهب ولم يعزه.
стр. 10750
قال الشيرازي في المهذب (١):
وإن اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرى ويصوم، كما يلزمه أن يتحرى في وقت الصلاة وفي القبلة، فإن تحرى وصام فوافق الشهر أو ما بعده أجزأه، فإن وافق شهرا بالهلال ناقصا وشهر رمضان الذي صامه الناس تاما ففيه وجهان: أحدهما: يجزئه. وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني رحمه الله تعالى؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين، ولهذا لو نذر صوم شهر فصام شهرا ناقصا بالأهلة أجزأه.
والثاني: أنه يجب عليه صوم يوم، وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب، وهو الصحيح عندي؛ لأنه فاته صوم ثلاثين وقد صام تسعة وعشرين يوما فلزمه صوم يوم.
وإن وافق صومه شهرا قبل رمضان. قال الشافعي: لا يجزئه. ولو قال قائل: يجزئه كان مذهبنا. قال أبو إسحاق المروزي: لا يجزئه، قولا واحدا. وقال سائر أصحابنا: فيه قولان بالفعل قبل الوقت عند الخطأ كالوقوف بعرفة إذا أخطأ الناس ووقفوا قبل يوم عرفة. والثاني لا يجزئه، وهو الصحيح؛ لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء. فلم يعتد له بما فعله. كما لو تحرى في وقت الصلاة قبل الوقت.
قال النووي: قوله: (عبادة تفعل في السنة مرة) احتراز من الخطأ في الصلاة قبل الوقت، والاحتراز في قوله: تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء. سبق بيانه في استقبال القبلة. وهذا الذي قاسه على الوقوف بعرفة قبل يوم عرفة تفريع على الضعيف من الوجهين، وهو أنه يجزئهم، وبه قطع المصنف، والأصح أنه لا يجزئهم كما سنوضحه في بابه إن شاء الله تعالى.
أما أحكام هذا الفصل فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: