← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

فتوى برقم ٨١٢٢ وتاريخ ٢٦/ ٢ / ١٤٠٥هـ السؤال الأول: سائل يقول: انتشر النمل في بلدنا بصورة مذهلة، حيث لا يترك لنا طعاما ولا لباسا إلا أتلفه، بالإضافة إلى أنه يؤذينا في أجسامنا، فهل يجوز لنا قتله؟ وبأي وسيلة نقتله؟ وهل هذا بلاء لنا؟ وكيف ندفعه عنا؟ الجواب: إذا كان الواقع ما ذكر جاز لكم قتل المؤذي منه بأي وسيلة ما عدا النار. ولا شك أن ذلك من الابتلاء والامتحان الذي يدعو للاعتبار والتوبة إلى الله . السؤال الثاني: ما حكم الإسلام في رجل كان يطلق لحيته ثم حلقها، وهو يعلم أدلة تحريمها جيدا، ويقول: إن هذه الأيام يجب أن نأخذ بالرخص؟ الجواب: حلق اللحية حرام، وما ادعاه من الرخصة في هذه الأيام غير صحيح.

стр. 10817

السؤال الثالث: علاج الصرع عندنا في مصر هو الذهاب إلى الكنيسة، خاصة كنيسة ماري جرجس أو الذهاب إلى السحرة والدجالين الذين ينتشرون في القرى، وأحيانا يأتي بفائدة، فهل هذا يجوز فعله مع العلم بأن الشخص المصروع إذا لم يسرعوا بعلاجه فإنه يهلك ويموت؟ ثم ما العلاج الذي شرعه الله لهذا الداء؛ حيث إن لكل داء دواء إلا الهرم. نرجو التفصيل في الجواب في العلاج وجزاكم الله خيرا؟ الجواب: لا يجوز الذهاب إلى الكنيسة لعلاج الصرع، ولا إلى السحرة ولا إلى الدجالين. أما طرق العلاج المباح فيعالج بالرقى المشروعة، مثل قراءة القرآن كسورة الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين وآية الكرسي، وما ورد من الأذكار والأدعية الثابتة عن الرسول ﷺ . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 10818

فتوى برقم ٩١٢٠ وتاريخ ٢٧/ ١١ / ١٣٩٦هـ السؤال الأول: هل يجوز للمسلم أن يرقي بأي نوع من الرقى؟ الجواب: تجوز الرقية بما ليس فيه شرك؛ كسور القرآن وآياته، وكالأذكار الثابتة عن النبي ﷺ ، وتحرم بما فيه شرك كتعويذ المريض بذكر أسماء الجن والصالحين، وبما لا يفهم معناه، خشية أن يكون شركا؛ لما ثبت عن قول النبي ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (١)». رواه مسلم. السؤال الثاني: هل يجوز للطبيب أن يعتذر عن الذهاب إلى الفرائض الخمسة في المسجد إذا كانت مسافته بعيدة أو غير بعيدة لازدحام المرضى

стр. 10819

بين يديه وهو يعالجهم بدون أجر يطلبه عندهم، بل في سبيل الله؟ الجواب: ليس له في ذلك العمل عذر يبيح له التخلف عن صلاة الفريضة في الجماعة. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 10820

فتوى برقم ٩٧٨٥ وتاريخ ٢٤/ ٨ / ١٤٠٦هـ السؤال الأول: سائل يقول: إن بعض الناس يزورون قبر نبي الله يونس ﵇، ويطوفون حول القبر، ويضعون عند القبر الذي أحيط بغرفة من زجاج وألمنيوم، وفيها نوافذ، يضعون من خلال النوافذ أكياسا من الحلوى، وقسم يضع المال وقسم يضع قطع قماش أخضر، والله أعلم بسرائر الناس هل أرادوا بعملهم هذا وجه الله فقط أم أرادوا التقرب إلى الله عن طريق هذا النبي، وتصادر هذه الحلوى والمال وقطع القماش الأوقاف. إلا أن بعض القائمين على هذا المسجد يوزعون من الحلوى للمعرفة (للبركة) وقطع القماش تباع على شكل أشرطة طول ٢٠سم وعرض ٥سم بنصف دينار، ثم يضعها المشتري في يده أو جيبه من أجل دفع الضر أو خشية من أن يصاب بسوء، أما المال فالله أعلم به، فهل هذه الحلوى أكلها حلال أم حرام؟ جزاكم الله خير الجزاء. الجواب: أ- زيارة القبور لغير النساء حسنة؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم بالآخرة (١)». ب- لا يجوز الطواف حول قبر نبي أو غيره، ولا يجوز وضع طعام

стр. 10821

ولا حلوى ولا غيرها عند القبر، ولا قماش ولا نقود، بل ذلك شرك إذا قصد به التقرب إلى صاحب القبر نبيا كان أو غيره. جـ- ما ذكرته عن القبر المذكور ليس بصحيح؛ لأنه لا يعلم بقبر أحد من الأنبياء، لا يونس ﵊ ولا غيره سوى قبر النبي محمد ﷺ ، وقبر إبراهيم الخليل ﵇ في فلسطين، ومن ادعى أن قبر يونس وغيره من الأنبياء معروف فقد كذب أو صدق بعض الكاذبين. د- لو علم قبر يونس أو غيره لم يجز النظر فيه ولا التقرب إليه بشيء من العبادات، ولا تقديم الحلوى والخرق إليه، ولا التمسح به، ولا سؤاله شيئا من الحاجات؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٢). . الآية. هـ- الحلوى وغيرها مما يقدم للقبور ليس له خصوصية ولا تكتسب به الأشياء من البركة، والواجب أخذها وتوزيعها بين الفقراء؛ لأنها مال قد أعرض عنه أهله. السؤال الثاني: سائل يقول: عند بعض الناس والمعروفين بالسادة - الدراويش - وعامة الناس إذا ذبح أحدهم شاة قال: باسم الله الله أكبر، ويعتقدون أنه إذا قال أحدهم عند ذبح الذبيحة: بسم الله الرحمن الرحيم يجب أن يترك الشاة ولا يذبحها؛ لأنه جاء اسم الرحمن الرحيم في التسمية، فيجب أن يرحم الشاة ولا يذبحها. فما حكم الإسلام في هذا؟ وما رأيكم في قولهم؟ الجواب: لا يترك ذبح الشاة من أجل ذلك، بل يتم ذبحها، ويعلم الذابح

стр. 10822

الاقتصار في التسمية على ما ورد عن النبي ﷺ ، وذلك أن يقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر. السؤال الثالث: بماذا تنصحوني وأنا أعيش في هذا العصر الذي كثرت فيه البدع والإلحاد والفساد وكثر تاركو الصلاة، جزاكم الله خير الجزاء؟ الجواب: نوصيك بتقوى الله وننصحك بما نصح به النبي ﷺ حذيفة بن اليمان، فقد ثبت عن حذيفة ﵁ أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ فقال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (١)». وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 10823

من فتاوى: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز السؤال الأول: ما حكم بيع كيس السكر ونحوه بمبلغ مائة وخمسين ريالا إلى أجل وهو يساوي مبلغ مائة ريال نقدا؟ الجواب: إن هذه المعاملة لا بأس بها؛ لأن بيع النقد غير التأجيل، ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على جوازها، وقد شذ بعض أهل العلم فمنع الزيادة لأجل الأجل، وظن ذلك من الربا، وهو قول لا وجه له، وليس من الربا في شيء؛ لأن التاجر حين باع السلعة إلى أجل، إنما وافق على التأجيل من أجل انتفاعه بالزيادة، والمشتري إنما رضي بالزيادة من أجل المهلة وعجزه عن تسليم الثمن نقدا، فكلاهما منتفع بهذه المعاملة، وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهز جيشا، فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل، ثم هذه المعاملة تدخل في عموم قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) الآية. وهذه المعاملة من المداينات الجائزة الداخلة في الآية المذكورة، وهي من جنس معاملة بيع السلم؛ فإن البائع في السلم يبيع من ذمته حبوبا أو غيرها مما يصح السلم فيه بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به المسلم فيه وقت السلم؛ لكون المسلم فيه مؤجلا والثمن معجلا، فهو

стр. 10824

عكس المسألة سألتم عنها، وهو جائز بالإجماع، وهو مثل البيع إلى أجل في المعنى، والحاجة إليه ماسة كالحاجة إلى السلم، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل سببها فيهما تأخير تسليم المبيع في مسألة السلم وتأخير تسليم الثمن في مسألة البيع إلى أجل، لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه، وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها، فهذه المعاملة تسمى مسألة (التورق)، ويسميها بعض العامة (الوعدة)، وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين، أحدهما أنها ممنوعة أو مكروهة؛ لأن المقصود منها شراء دراهم بدراهم، وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة. والقول الثاني للعلماء جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها؛ لأنه ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا، ولدخولها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢). ولأن الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة. وأما تعليل من منعها أو كرهها لأن مقصود التجار غالبا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة؛ فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا، وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة، ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه، فهذا ممنوع شرعا؛ لما فيه من الحيلة على الربا، وتسمى هذه المسألة مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث

стр. 10825

عائشة وابن عمر ﵄ ما يدل على منعها. أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس الوعدة فهي معاملة أخرى ليست من جنس مسألة العينة؛ لأن المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجل وباعها من آخر نقدا من أجل حاجته للنقد، ليس في ذلك حيلة على الربا؛ لأن المشتري غير البائع، ولكن كثيرا من الناس في هذه المعاملة لا يعملون بما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة، فبعضهم يبيع ما لا يملك ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلمها للمشتري، وبعضهم إذا اشتراها يبيعها وهي في محل البائع قبل أن يقبضها القبض الشرعي، وكلا الأمرين غير جائز؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك (١)». وقال ﵊: «لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس عندك (٢)»، وقال ﷺ : «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه (٣)». قال ابن عمر ﵄: «كنا نشتري الطعام جزافا فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا (٤)». وثبت عنه ﵊ أيضا أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه، ويتضح أيضا أن ما يفعله كثير من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري، أو إلى السوق، أمر لا يجوز؛ لما فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ، ولما فيه من التلاعب بالمعاملات وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله ، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه. أما الزيادة التي تكون بها المعاملة من المعاملات الربوية فهي التي تبذل لدائن بعد حلول الأجل ليمهل المدين وينظره، فهذه

стр. 10826

الزيادة هي التي كان يفعلها أهل الجاهلية ويقولون للمدين قولهم المشهور: إما أن تقضي وإما أن تربي. فمنع الإسلام ذلك وأنزل الله فيه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). وأجمع العلماء على تحريم هذه الزيادة، وعلى تحريم كل معاملة يتوسل بها إلى تحليل هذه الزيادة، مثل أن يقول الدائن للمدين: اشتر مني سلعة من سكر أو غيره إلى أجل ثم بعها بالنقد وأوفني حقي الأول؛ فإن هذه المعاملة حيلة ظاهرة على استحلال الزيادة الربوية التي يتعاطاها أهل الجاهلية لكن بطريق آخر غير طريقهم. فالواجب تركها والحذر منها وإنظار المدين المعسر حتى يسهل الله له القضاء، كما أن الواجب على المدين المعسر أن يتقي الله ويعمل الأسباب الممكنة المباحة لتحصيل ما يقضي به الدين ويبرئ به ذمته من حق الدائنين، وإذا تساهل في ذلك ولم يجتهد في أسباب قضاء ما عليه من الحقوق فهو ظالم لأهل الحق، غير مؤد للأمانة، فهو في حكم الغني المماطل، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مطل الغني ظلم (٢)» وقال ﵊: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (٣)». والله المستعان. ومن المعاملات الربوية أيضا ما يفعله بعض البنوك وبعض التجار من الزيادة في القرض إما مطلقا وإما في كل سنة شيئا معلوما، فالأول مثل أن يقرضه ألفا على أن يرد إليه ألفا ومائة، أو يسكنه داره أو دكانه أو يعيره سيارته أو دابته مدة معلومة، أو ما أشبه ذلك من الزيادات. وأما الثاني فهو أن يجعل له كل سنة أو كل شهر ربحا معلوما في مقابل استعماله المال الذي دفعه إليه المقرض، سواء دفعه باسم القرض أم باسم الأمانة؛ فإنه متى قبضه باسم الأمانة للتصرف فيه كان قرضا مضمونا

стр. 10827

ولا يجوز أن يدفع إلى صاحبه شيئا من الربح، إلا أن يتفق هو والبنك أو التاجر على استعمال ذلك المال على وجه المضاربة، بجزء مشاع معلوم من الربح لأحدهما والباقي للآخر، وهذا القسط يسمى أيضا القراض، وهو جائز بالإجماع؛ لأنهما قد اشتركا في الربح والخسران، والمال الأساسي في هذا العقد في حكم الأمانة في يد العامل إذا أتلف من غير تعد ولا تفريط لم يضمنه، وليس له عن عمله إلا الجزء المشاع المعلوم من الربح المتفق عليه في العقد. وبهذا تتضح المعاملة الشرعية والمعاملة الربوية.

стр. 10828

السؤال الثاني: أرجو التفضل بإفادتي عن تسلسل جرح البينة ، مثل أن يقيم المدعي بينة على دعواه، ثم يقيم المدعى عليه بينة على جرحها، فهل تسمع البينة لجرح بينة الجرح ولو طال التسلسل أم لا؟ ولماذا في كلا الحالتين؟ الجواب: قد دل الكتاب والسنة على اعتبار العدالة في البينات؛ كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). ومعلوم أن الأصل براءة الذمة من الحقوق، فلا تثبت إلا بأمر يعتمد عليه، ولا ريب أن شهادة الفساق والمجهولين لا يجوز الاعتماد عليها، فاتضح بذلك أنه لا بد من العدالة في البينة والمزكين لها والجارحين لها أو للمزكين، ولهذا صرح أهل العلم بأن الشهادة والتزكية والجرح إنما تقبل من ذوي العدالة والمعرفة بحال البينة المزكاة والمجروحة، فعلم بهذا كله أنه لا بد من التحقق من حال البينة التي يعتمد الحاكم عليها في الحكم، ولو أفضى

стр. 10829

إلى التسلسل حتى يصل إلى العدالة المطلوبة حسب الإمكان، فإذا لم يتيسر ذلك ساغ له الحكم بما يغلب على الظن ثبوت الحق، ولو أفضى ذلك إلى تحليف المدعي مع بينته، أما تفريق الشهود عند أداء الشهادة فينبغي أن يعمل به عند الحاجة؛ خوفا من تواطئهم على الكذب. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. .

стр. 10830

السؤال الثالث: سائل يقول: أنا شخص أصلي والحمد لله، ومع ذلك أدخن وأستمع إلى الأغاني وأتفرج على التلفاز وأحيانا الفيديو، وكل هدفي في حياتي هو جمع مبلغ من المال في السعودية والسفر بعد ذلك إلى بلدي؛ وذلك لكي أحسن مستواي الاجتماعي، وأن يكون أولادي مستوري الحال، ولي زوجة تعمل في وظيفة مختلطة بالرجال، وهي غير ملتزمة بالحجاب، وكذلك لي بنت تتعلم في مدرسة مختلطة، وهي ليست بالصغيرة، وكذلك لي أولاد يتعلمون في المدارس الحكومية التي لا تهتم بالتعليم الديني. وقال لي أحد الناصحين: إن صلاتك لا تنفعك؛ لأنك "جاهل بالتوحيد" "ولا تكفر بالطواغيت" ولا تعادي الكفار والمشركين من اليهود والنصارى، وتحب المسلمين وتقف في صفهم، وإن لم تفعل هذا فقد تموت على غير الإسلام. ف هل صلاتي لا تنفع طالما أنني جاهل بالتوحيد وغير كافر بالطاغوت ، مع أني لا أعرف الطاغوت؟ وهل إذا مت على هذه الحالة يعذرني الله لأنني "جاهل"؟ وما موقف أبي ووالدتي اللذين ماتا على هذه الحالة؟ الجواب: نفيدك بأن ما ذكره لك هذا الناصح فيه إجمال، والواجب على كل مسلم تخصيص الله بالعبادة، وإخلاصها له سبحانه؛ من الدعاء

стр. 10831

والخوف والرجاء والتوكل والصلاة والصوم والذبح والنذر ونحو ذلك. وهذا هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن معناها لا معبود حق إلا الله كما قال سبحانه في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١). ولا بد مع ذلك من الكفر بجميع الطواغيت، وهي المعبودات من دون الله؛ كالأصنام ونحوها، ومعنى ذلك البراءة من عبادة غير الله، واعتقاد بطلانها، كما قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). ويدخل في ذلك البراءة من عبادة الجهلة لأصحاب القبور؛ كعبادة الحسين والبدوي ونحو ذلك، وعليك يا أخي أيضا ترك ما حرم الله عليك من التدخين واستماع الأغاني ومشاهدة ما حرم الله مشاهدته من النساء السافرات وشبه العاريات ونحو ذلك، ومنع ابنتك من الدراسة المختلطة وزوجتك من العمل المختلط؛ صيانة لهما عن الفتنة، مع الحرص على تعليم أولادك حقيقة الإسلام بواسطة بعض المعلمين الطيبين. وفقنا الله وإياك للعلم النافع والعمل الصالح، ورزقنا وإياك وسائر إخواننا الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه، إنه سميع قريب. . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 10832

السؤال الرابع: هل يعذر المسلم إذا فعل شيئا من الشرك كالذبح والنذر لغير الله جاهلا ؟ الجواب: الأمور قسمان: قسم يعذر فيه بالجهل، وقسم لا يعذر فيه بالجهل. فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين، وأتى الشرك بالله، وعبد غير الله، فإنه لا يعذر؛ لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه، فيكون غير

стр. 10833

معذور في عبادته غير الله من أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام، لإعراضه وغفلته عن دينه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (١). ولأن النبي ﷺ لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية، لم يؤذن له ليستغفر لها؛ لأنها ماتت على دين قومها عباد الأوثان، ولأنه ﷺ قال لشخص سأله عن أبيه، قال: هو في النار. . فلما رأى ما في وجهه قال: إن أبي وأباك في النار. لأنه مات على الشرك بالله، وعلى عبادة غيره ، فكيف بالذي بين المسلمين وهو يعبد البدوي، أو يعبد الحسين، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو يعبد الرسول محمدا ﷺ ، أو يعبد عليا أو يعبد غيرهم؟! فهؤلاء وأشباههم لا يعذرون من باب أولى؛ لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين، والقرآن بين أيديهم. . وهكذا سنة رسول الله ﷺ موجودة بينهم، ولكنهم عن ذلك معرضون. والقسم الثاني: من يعذر بالجهل؛ كالذي ينشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام في أطراف الدنيا، أو لأسباب أخرى كأهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الرسالة، فهؤلاء معذورون بجهلهم، وأمرهم إلى الله ، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة فيؤمرون، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار؛ لقوله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢) ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في هذه المسألة في آخر كتابه: طريق الهجرتين لما ذكر طبقات المكلفين، فليراجع هناك لعظم فائدته.

стр. 10834

السؤال الخامس: هل يجوز التوسل بجاه فلان أو حق فلان ، وهل تجوز معاشرة الفساق وصحبتهم؟ الجواب: البدع التي لم يشرعها الله عند جمهور أهل العلم، وإنما المشروع التوسل إلى الله ، بأسمائه وصفاته وتوحيده ومحبته والإيمان به، وبالأعمال الصالحات، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). ولم يقل سبحانه: فادعوه بجاه محمد أو بجاه الأنبياء أو بجاه الأولياء أو بحق بيته العتيق أو نحو ذلك، وإنما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) أي بأسمائه هو وصفاته، ويدعى أيضا بتوحيده كما جاءت الأحاديث بذلك، ومنها الحديث عن بريدة ﵁ قال: «سمع النبي ﷺ رجلا يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى (٣)». أخرجه أبو داود والترمذي. ومن ذلك حديث أهل الغار الذين انطبقت عليهم صخرة لما آووا إلى الغار، في ليل فيه مطر، فقد انطبقت عليهم صخرة وسدت عليهم فم الغار ولم يستطيعوا الخروج، فقالوا فيما بينهم: لا ينجينا من هذا إلا أن نتوسل إلى الله بأعمالنا الخالصة، فتوسلوا إلى الله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره لوالديه، والثاني توسل بعفته عن الزنا، والثالث توسل بأدائه للأمانة، ففرج الله عنهم. فعلم بذلك مما ذكرنا أن العبد إذا توسل إلى الله بأسمائه أو بتوحيده،

стр. 10835

أو بإيمانه به ومحبته له، أو بالإيمان بنبيه ﷺ ومحبته له، أو بأداء ما افترض الله عليه من طاعته، أو بترك ما حرم عليه، فهو توسل مشروع وصاحبه حري بالإجابة. وأما معاشرة الفساق ومجالستهم فلا تجوز؛ لأنهم يجرون إلى فسقهم وضلالهم، لكن إذا خالطهم للدعوة إلى الله، وإنكار ما هم عليه من الباطل، وتوجيههم للخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، فهذا لا بأس به؛ لأن المسلم مأمور بذلك، أما من يتخذهم أصحابا وخلانا يجالسهم، ويأكل معهم، ويأنس بهم فذلك لا يجوز.

стр. 10836

السؤال السادس: من يتحاكم إلى القوانين العرفية، والقوانين القبلية، هل حققوا معنى لا إله إلا الله ؟ الجواب: أما تحكيم القوانين والأعراف القبلية فهذا منكر لا يجوز، والواجب تحكيم شرع الله، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). والواجب على جميع الدول المدعية الإسلام أن تحكم شرع الله، وأن تدع تحكيم القوانين. وعلى القبيلة أي قبيلة أن ترجع إلى حكم الله، ولا ترجع إلى قوانينها وأعرافها وسوالف آبائها. أما الصلح فلا بأس به من غير إلزام. . فإذا أصلح شيخ القبيلة أو أحد أفراد القبيلة وأعيانها بين متخاصمين، صلحا لا يخالف شرع الله، بأن أشاروا على هذا بأن يسقط بعض حقه، وهذا بأن يتسامح عن بعض حقه، وهذا بأن يعفو، فلا بأس بهذا، أما أن يلزموهم بقوانين ترجع إلى أسلافهم وآبائهم فهذا لا يجوز. أما الصلح بالتراضي على أن يسمح عن بعض

стр. 10837

حقه، أو يسمح عن سبه لأخيه، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١). ولقول النبي ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما (٢)».

стр. 10838

السؤال السابع: سمعت لك فتوى على أحد الأشرطة بجواز الزواج في بلاد الغربة، وهو ينوي تركها بعد فترة معينة، كحين انتهاء الدورة أو الابتعاث. فما هو الفرق بين هذا الزواج وزواج المتعة، وماذا لو أنجبت زوجته طفلة، هل يتركها في بلاد الغربة مع أمها المطلقة. . أرجو الإيضاح؟ الجواب: نعم لقد صدر فتوى من اللجنة الدائمة وأنا رئيسها بجواز النكاح بنية الطلاق إذا كان ذلك بين العبد وبين ربه، إذا تزوج في بلاد غربة ونيته أنه متى انتهى من دراسته، أو من كونه موظفا وما أشبه ذلك أن يطلق، فلا بأس بهذا عند جمهور العلماء. وهذه النية تكون بينه وبين الله سبحانه، وليست شرطا. والفرق بينه وبين المتعة: أن نكاح المتعة يكون فيه شرط مدة معلومة كشهر أو شهرين أو سنة أو سنتين ونحو ذلك، فإذا انقضت المدة المذكورة انفسخ النكاح، هذا هو نكاح المتعة الباطل، أما كونه تزوجها على سنة الله ورسوله، ولكن في قلبه أنه متى انتهى من البلد سوف يطلقها، فهذا لا يضره، وهذه النية قد تتغير وليست معلومة وليست شرطا، بل هي بينه وبين الله، فلا يضره ذلك، وهذا من أسباب عفته عن الزنا والفواحش، وهذا قول جمهور أهل العلم، حكاه عنهم صاحب المغني موفق الدين ابن قدامة ﵀.

стр. 10839

السؤال الثامن: هل تؤكل ذبيحة من لا تعرف عقيدته، ومن يستسهل المعاصي وهو يعلم أنها حرام، ومن يعرف عنه دعاء الجن بدون قصد؟

стр. 10840

الجواب: إذا كان لا يعرف بالشرك فذبيحته حلال إذا كان مسلما يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولا يعرف عنه ما يقتضي كفره، فإن ذبيحته تكون حلالا، إلا إذا عرف عنه أنه قد أتى بشيء من الشرك كدعاء الجن أو دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، فهذا نوع من الشرك الأكبر، ومثل هذا لا تؤكل ذبيحته. ومن أمثلة دعاء الجن أن يقول: افعلوا كذا أو افعلوا كذا أو أعطوني كذا أو افعلوا بفلان كذا، وهكذا من يدعو أصحاب القبور أو يدعو الملائكة ويستغيث بهم أو ينذر لهم، فهذا كله من الشرك الأكبر. نسأل الله السلامة والعافية. أما المعاصي فهي لا تمنع من أكل ذبيحة من يتعاطى شيئا منها إذا لم يستحلها، بل هي حلال إذا ذبحها على الوجه الشرعي، أما من يستحل المعاصي فهذا يعتبر كافرا، كأن يستحل الزنا، أو الخمر، أو الربا، أو عقوق الوالدين، أو شهادة الزور ونحو ذلك من المحرمات المجمع عليها بين المسلمين. نسأل الله العافية من كل ما يغضبه.

стр. 10841

بيان معنى لا إله إلا الله سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداة إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذه الكلمة هي أصل الدين، وأساس الملة، وهي التي فرق الله بها بين الكافر والمسلم، وهي التي دعت إليها الرسل جميعا، وأنزلت من أجلها الكتب، وخلق من أجلها الثقلان الجن والإنس، دعا إليها آدم أبونا ﵊، وسار عليها هو وذريته إلى عهد نوح، ثم وقع الشرك في قوم نوح، فأرسل الله إليهم نوحا ﵊ يدعوهم إلى توحيد الله ويقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) وهكذا هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم من الرسل كلهم دعوا أممهم إلى هذه الكلمة. . إلى توحيد الله والإخلاص له وترك عبادة ما سواه، وآخرهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﵊، بعثه الله إلى قومه بهذه الكلمة وقال لهم: «يا قوم، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا (٢)»، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، وأن يدعوا ما عليه آباؤهم وأسلافهم من الشرك بالله وعبادة الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار وغير ذلك،، فاستنكرها المشركون وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٣).

стр. 10842

لأنهم قد اعتادوا عبادة الأصنام والأوثان والأولياء والأشجار وغير ذلك والذبح لهم والنذر لهم، وطلبهم قضاء الحاجات وتفريج الكروب، فاستنكروا هذه الكلمة؛ لأنها تبطل آلهتهم ومعبوداتهم من دون الله. وقال سبحانه في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٢). فسموا النبي ﵊ شاعرا مجنونا بجهلهم وضلالهم وعنادهم، وهم يعلمون أنه أصدق الناس وأنه الأمين، وأنه أعقل الناس، وأنه ليس بشاعر، ولكنه الجهل والظلم والعدوان والمغالطة والتكذيب والتشبيه على الناس، فكل من لم يحقق هذه الكلمة ويعرف معناها ويعمل بها فليس بمسلم، فالمسلم هو الذي يوحد الله ويخصه بالعبادة دون كل ما سواه، فيصلي له ويصوم له ويدعوه وحده ويستغيث به وينذر ويذبح له إلى غير ذلك من أنواع العبادات، ويعلم يقينا أن الله سبحانه هو المستحق للعبادة، وأن ما سواه لا يستحقها، سواء كان نبيا أو ملكا أو وليا أو صنما أو شجرا أو جنيا أو غير ذلك، كلهم لا يستحقون العبادة، بل هي حق لله وحدة، ولهذا قال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣). يعني أمر وأوصى ألا تعبدوا إلا إياه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، وهو أنه لا معبود حق إلا الله، فهي نفي وإثبات؛ نفي للإلهية عن غير الله، وإثبات لها بحق لله وحده . فالإلهية التي يوصف بها غير الله باطلة، وهي لله وحده بحق ثابت له ، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٤).

стр. 10843

فالعبادة لله وحده دون كل ما سواه، وأما صرف الكفار لها لغيره سبحانه فذلك باطل ووضع لها في غير محلها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١). وقال سبحانه في سورة الفاتحة، وهي أعظم سورة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢). أمر الله المؤمنين أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) يعني نعبدك وحدك وإياك نستعين وحدك، وقال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥). وقال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٦). وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٧) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٨). إلى غير ذلك من آيات كثيرات كلها تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة، وأن المخلوقين لا حظ لهم فيها، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، وتفسيرها وحقيقتها تخص العبادة بحق لله وحده وتنفيها بحق عما سواه. ومعلوم أن عبادة غير الله موجودة، وقد عبدت أصنام وأوثان من دون الله، وعبد فرعون من دون الله، وعبدت الملائكة من دون الله، وعبدت الرسل من دون الله، وعبد الصالحون من دون الله، كل ذلك قد وقع ولكنه باطل، وهو خلاف الحق، والمعبود بالحق هو الله وحده .

стр. 10844

وكلمة لا إله إلا الله نفي وإثبات كما سبق، نفي للعبادة بحق عن غير الله كائنا من كان، وإثبات العبادة لله وحده بالحق، كما قال جل وعلا عن إبراهيم الخليل ﵇ أنه قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٢) ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٤)، وهذا قول الرسل جميعا؛ لأن قوله سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٥) يعني به الرسل جميعا، وهم الذين معه من أولهم إلى آخرهم، ودعوتهم دعوته، وكلمتهم هي البراءة من عبادة غير الله، ومن المعبودين من دون الله الذين رضوا بالعبادة لهم ودعوا إليها، فالمؤمن يتبرأ منهم وينكر عبادتهم، ويؤمن بالله وحده المعبود الحق ؛ ولهذا قال سبحانه في الآية السابقة عن إبراهيم أنه قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٧) وهو الله الذي فطره وفطر غيره، فإنه لا يتبرأ من عبادته، وإنما يتبرأ من عبادة غيره، فالبراءة تكون من عبادة غيره سبحانه، أما هو الذي فطر العباد وخلقهم وأوجدهم من العدم وغذاهم بالنعم فهو المستحق العبادة ، فهذا هو مدلول هذه الكلمة ومعناها ومفهومها، وحقيقتها البراءة من عبادة غير الله وإنكارها واعتقاد بطلانها

стр. 10845

والإيمان بأن العبادة بحق لله وحده ، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ومعنى يكفر بالطاغوت ينكر عبادة الطاغوت ويتبرأ منها، والطاغوت: اسم لكل ما عبد من دون الله، فكل معبود من دون الله يسمى طاغوتا، فالأصنام والأشجار والأحجار والكواكب المعبودة من دون الله كلها طواغيت، وهكذا من عبد وهو راض كفرعون ونمرود وأشباههما يقال له: طاغوت. وهكذا الشياطين طواغيت؛ لأنهم يدعون إلى الشرك، وأما من عبد من دون الله ولم يرض بذلك كالأنبياء والصالحين والملائكة فهؤلاء ليسوا طواغيت، وإنما الطاغوت الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم من جن وإنس. أما الرسل والأنبياء والصالحون والملائكة فهم براء من ذلك، وليسوا طواغيت؛ لأنهم أنكروا عبادتهم وحذروا منها وبينوا أن العبادة حق الله وحده ؛ كما قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ (٢) يعني ينكر عبادة غير الله ويتبرأ منها ويجحدها ويبين أنها باطلة. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (٣) يعني يؤمن بأن الله هو المعبود بالحق، وأنه هو المستحق للعبادة، وأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم رب كل شيء ومليكه، العالم بكل شيء والقاهر فوق عباده، وهو فوق العرش فوق السماوات ، وعلمه في كل مكان، وهو المستحق العبادة جل وعلا، فلا يتم الإيمان ولا يصح إلا بالبراءة من عبادة غير الله وإنكارها واعتقاد بطلانها، والإيمان

стр. 10846

بأن الله هو المستحق للعبادة ، وهذا هو معنى قوله سبحانه في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١). وفي سورة لقمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢). وهو معنى الآيات السابقات، وهي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣). وقوله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٤). وقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥). إلى غير ذلك من الآيات. وكان الناس في عهد آدم وبعده إلى عشرة قرون كلهم على توحيد الله كما قال ابن عباس ﵄، ثم وقع الشرك في قوم نوح فعبدوا مع الله ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، كما ذكر الله ذلك في سورة نوح، فأرسل الله إليهم نوحا ﵊ يدعوهم إلى توحيد الله وينذرهم نقمة الله وعقابه، فاستمروا في طغيانهم وكفرهم وضلالهم ولم يؤمن به منهم إلا القليل، فأكثرهم ومعظمهم استكبروا عن ذلك كما بين الله ذلك في كتابه العظيم، فماذا فعل الله بهم؟ فعل بهم ما بينه لنا في كتابه العظيم من إهلاكهم بالطوفان، وهو الماء العام الذي ملأ الأرض وعلا فوق الجبال وأغرق الله به من كفر بالله وعصى رسوله نوحا، ولم ينج إلا من كان مع نوح في السفينة؛ كما قال سبحانه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦). وهذا عقابهم في العاجل في الدنيا، ولهم عقاب آخر في الآخرة، وهو العذاب في النار يوم القيامة. . نسأل الله العافية، ثم جاءت عاد بعد ذلك

стр. 10847

وأرسل الله إليهم هودا بعد نوح، فسلكوا مسلك من قبلهم من قوم نوح في العناد والكفر بالله والضلال، فأرسل الله عليهم الريح العقيم فأهلكوا عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من آمن بهود وهم القليل، ثم جاء بعدهم قوم صالح وهم ثمود فسلكوا مسلك من قبلهم من الأمتين أمة نوح وأمة هود، فعصوا الرسل واستكبروا عن الحق، فأخذهم الله بعقاب الصيحة والرجفة حتى هلكوا عن آخرهم، ولم ينج إلا من آمن بنبيه صالح ﵊، ثم جاء بعدهم الأمم الأخرى أمة إبراهيم وأمه لوط وأمة يعقوب وإسحاق ويوسف، ثم جاء بعدهم موسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، كلهم دعوا الناس إلى توحيد الله كما أمروا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). وكلهم أدوا ما عليهم من البلاغ والبيان عليهم الصلاة والسلام، بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة وبينوا لهم معنى هذه الكلمة: "لا إله إلا الله"، وبينوا أن الواجب إخلاص العبادة لله وحده، وأنه هو الذي يستحق العبادة دون كل ما سواه، وأن الأشجار والأحجار والأصنام والكواكب والجن والإنس وغيرهم من المخلوقات كلهم لا يصلحون للعبادة؛ لأن العبادة يجب أن تصرف لله وحده. وفرعون لما بغى وطغى وعاند موسى وخرج لقتله ساقه الله جل وعلا للبحر وأغرقه ومن معه فيه في لحظة واحدة، وهذا عذاب معجل، وهو الغرق، وبعده عذاب النار، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 10848

ونبينا محمد ﵊ دعا الناس إلى عبادة الله، وبشر بالجنة من آمن، وحذر بالنار من كفر، فآمن من آمن وهم القليل في مكة، ثم بسبب الأذى له ولأصحابه أمره الله بالهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها ومن آمن معه ممن استطاع الهجرة، فصارت المدينة دار الهجرة، والعاصمة الأولى للمسلمين، وانتشر فيها دين الله، وقامت فيها سوق الجهاد بعد تعب عظيم وإيذاء شديد من قريش وغيرهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين معه في مكة. كل ذلك من أجل هذه الكلمة "لا إله إلا الله"، الرسل تدعو إليها، ومحمد خاتمهم ﵊ يدعو إلى ذلك، يدعو إلى الإيمان بها، واعتقاد معناها، وتعطيل الآلهة التي عبدوها من دون الله وإنكارها، وإخلاص العبادة لله وحده، والمشركون يأبون ذلك، ويقولون: إنهم سائرون على طريقة أسلافهم، ويقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١). فأمة العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ سلكوا مسلك من قبلهم في العناد والكفر والضلال والتكذيب، ونبينا ﵊ طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة يدعوهم إلى توحيد الله، وإلى ترك الشرك بالله، فلم يؤمن به إلا القليل، وهذا بعد الهجرة إلى المدينة، استمروا في طغيانهم، وقاتلوه يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب؛ عنادا وكفرا وضلالا، وساعدهم من ساعدهم من كفار العرب، ولكن الله جلت قدرته أيد نبيه والمؤمنين وأعانهم، وجرى ما جرى يوم بدر من الهزيمة على أعداء الله، والنصر لأولياء الله، ثم جرى ما جرى يوم

стр. 10849

أحد من الامتحان الذي كتبه الله على عباده، وحصل ما حصل من الجراح والقتل على المسلمين بأسباب بينها في كتابه العظيم . ثم جاءت وقعة الأحزاب بين الرسول ﷺ وبين أهل الكفر، فأعز الله جنده ونصر عبده وأنزل بأسه بالكفار، فرجعوا خائبين لم ينالوا خيرا، ونصر الله المسلمين ضد أعدائهم، ثم جاءت بعد ذلك غزوة الحديبية عام ست من الهجرة، وحصل فيها ما حصل من الصلح بين الرسول ﷺ وأهل مكة، والمهادنة عشر سنين حتى يأمن الناس، وحتى يتصل بعضهم ببعض، وحتى يتأملوا دعوته ﵊ وما جاء به من الهدى، ثم نقضت قريش العهد فغزاهم النبي ﷺ عام ثمان من الهجرة في رمضان، وفتح الله عليه مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا والحمد لله. فهذا الدين العظيم، وهو الإسلام، يحتاج من أهله إلى صبر ومصابرة وإخلاص لله ودعوة إليه وإيمان به وبرسله، والوقوف عند حدوده، وترك لما نهى عنه ، هذا هو دين الله، الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الدين الذي بعث به نبيه محمدا ﵊، وهو توحيد الله والإخلاص له والإيمان برسوله محمد ﷺ ، والانقياد لشريعته قولا وعملا وعقيدة، وأصله وأساسه شهادة أن لا إله إلا الله، التي بعث الله بها جميع الرسل، فلا إسلام إلا بها من عهد نوح إلى عهد محمد ﵊، لا إسلام إلا بهذه الكلمة: "لا إله إلا الله" قولا وعملا وعقيدة، فيقول المسلم "لا إله إلا الله" بلسانه ويصدقها بقلبه وأعماله، فيوحد الله، ويخصه بالعبادة، ويتبرأ من عبادة ما سواه، ولا بد مع هذا من الشهادة للنبي بالرسالة ﵊، لا بد من الإيمان بالله وحده وإخلاص العبادة له، لا بد من التصديق للرسل الذين بعثوا بذلك من عهد نوح إلى عهد محمد ﷺ ، لا بد مع الشهادة بأنه "لا

стр. 10850

إله إلا الله"، والإيمان بالله: من تصديق نوح ﵊، فلا إسلام إلا بذلك. وفي عهد هود كذلك لا إسلام إلا بتصديق هود ﵊، مع توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بمعنى لا إله إلا الله، وهكذا في عهد صالح لا إسلام إلا بذلك. . بتوحيد الله والإخلاص له، والإيمان بصالح، وأنه رسول الله حقا ﵊، وهكذا من بعدهم كل نبي يبعث إلى أمته، لا بد في الإسلام من توحيد الله والإيمان بذاك الرسول الذي بعث إليهم وتصديقه، وآخرهم عيسى ابن مريم ﵊ هو آخر أنبياء بني إسرائيل وآخر الأنبياء قبل محمد ﵊. فلا إسلام إلا لمن آمن به واتبع ما جاء به، ولما أنكرته اليهود وكذبوه صاروا كفارا بذلك، ثم بعث الله محمدا ﷺ خاتم الأنبياء وآخرهم. وجعل الدخول في الإسلام لا يتم ولا يصح إلا بالإيمان به ﵊، فلا بد من توحيد الله والإيمان بهذه الكلمة، وهي لا إله إلا الله، واعتقاد معناها. وأن معناها توحيد الله وإفراده بالعبادة، وتخصيصه بها دون كل ما سواه، مع الإيمان برسوله محمد ﵊، وأنه خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، هكذا علم الرسول أمته ﵊، وهكذا دل كتاب الله على ذلك، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (١). لا بد من الإيمان بالنبيين جميعا وآخرهم محمد ﵊، ولما سأل جبرائيل النبي ﷺ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته

стр. 10851

وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (١)». فلا بد مع الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله من الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين السابقين، والإيمان بجميع الملائكة، والكتب المنزلة على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعا، ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره والإيمان باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وأن ذلك حق لا بد منه، ولكن أصل ذلك وأساسه الإيمان بالله وحده، وأنه هو المستحق العبادة. هذا هو الأصل، وهذا هو الأساس والبقية تابعة لذلك، فمن أراد الدخول في الإسلام والاستقامة عليه والفوز بالجنة والنجاة من النار، وأن يكون من أتباع محمد ﵊ الموعودين بالجنة والكرامة، فإنه لا يتم له ذلك إلا بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فتحقيق الأولى وهي: " لا إله إلا الله " بإفراد الله بالعبادة، وتخصيصه بها، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الجنة والنار والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وأما تحقيق الثانية: وهي شهادة أن محمدا رسول الله، فبالإيمان به ﷺ ، وأنه عبد الله ورسوله، أرسله الله إلى الناس كافة إلى الجن والإنس، يدعوهم إلى توحيد الله والإيمان به، واتباع ما جاء به رسول الله ﵊، مع الإيمان بجميع الماضين من الرسل والأنبياء، ثم بعد ذلك الإيمان بشرائع الله التي شرعها لعباده، على يد رسوله محمد ﷺ ، والأخذ بها والاستمساك بها من صلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد وغير ذلك. «وكان ﷺ إذا سئل عن عمل يدخل به العبد الجنة وينجو به من النار قال له: " تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " وربما قال له: " تعبد الله ولا تشرك به شيئا (٢)». فعبر له بالمعنى، فإن معنى شهادة أن

стр. 10852

لا إله إلا الله، أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا. ولهذا لما سأله جبرائيل ﵇ في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: «يا رسول الله، أخبرني عن الإسلام؟ قال: " الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا (١)». وفي حديث عمر ﵁ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (٢)». فهذا يفسر هذا؛ فإن شهادة أن لا إله إلا الله معناها: إفراد الله بالعبادة، وهذا هو عبادة الله وعدم الإشراك به مع الإيمان برسوله ﵊. وجاءه رجل فقال: «يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة، وأنجو من النار. . قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا. ثم قال: وتقيم الصلاة (٣)». إلى آخره. فعبادة الله وعدم الإشراك به هذا هو معنى لا إله إلا الله، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٤). يعني: اعلم أنه المستحق للعبادة، وأنه لا عبادة لغيره، بل هو المستحق لها وحده، وأنه الإله الحق، الذي لا تنبغي العبادة لغيره . وإنكار المشركين لها يبين معناها؛ لأنهم إنما أنكروها لما علموا أنها تبطل آلهتهم وتبين أنهم على ضلالة، ولهذا أنكروها فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (٥)، وقال الله عنهم:. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٧). فعرفوا أنها تبطل آلهتهم وتبين زيفها، وأنها لا تصلح للعبادة، وأنها

стр. 10853

باطلة، وأن الإله الحق هو الله وحده . ولهذا أنكروها، فعبادتهم للأصنام أو الأشجار أو الأحجار، أو الأموات أو الجن أو غير ذلك عبادة باطلة. فجميع المخلوقات ليس عندهم ضر ولا نفع، كلهم مملوكون لله ، عبيده جل وعلا، فلا يصلحون للعبادة؛ لأن الله سبحانه خالق كل شيء، وهو القائل : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١). وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢). فالواجب على كل مكلف، وعلى كل مؤمن ومؤمنة من الجن والإنس التبصر في هذا الأمر، وأن يعتني به كثيرا، حتى يكون جليا عنده، واضحا لديه؛ لأن أصل الدين وأساسه عبادة الله وحده، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله وحده ، ويضاف إلى ذلك الإيمان بالرسل وبخاتمهم محمد ﵊، لا بد من ذلك مع الإيمان بملائكة الله، وكتب الله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله. كل ذلك لا بد منه في تحقيق الدخول في الإسلام، وكما سبق بيان ذلك. وكثير من الناس قد يظن أن قول: " لا إله إلا الله، أو أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " يكفيه، ولو فعل ما فعل، وهذا من الجهل العظيم، فإنها ليست كلمات تقال، بل كلمات لها معنى لا بد من تحقيقه بأن يقولها ويعمل بمقتضاها، فإذا قال: لا إله إلا الله، وهو يحارب الله بالشرك وعبادة غيره، فإنه ما حقق هذه الكلمة، فقد قالها المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وهم مع ذلك في الدرك الأسفل من

стр. 10854

النار، كما قال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١). لماذا؟! لأنهم قالوها باللسان وكفروا بها بقلوبهم، ولم يعتقدوها ولم يعملوا بمقتضاها، فلا ينفعهم قولها بمجرد اللسان. وهكذا من قالها من اليهود والنصارى وعباد الأوثان، كلهم على هذا الطريق، لا تنفعهم حتى يؤمنوا بمعناها، وحتى يخصوا الله بالعبادة، وحتى ينقادوا لشرعه. وهكذا أتباع مسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار بن أبي عبيد الثقفي الذين ادعوا النبوة وغيرهم، ويقولون: لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لكن لما صدقوا من ادعى أنه نبي بعد محمد ﷺ كفروا، وصاروا مرتدين؛ لأنهم كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). فهو خاتمهم وآخرهم، ومن ادعى بعده أنه نبي أو رسول صار كافرا ضالا، وهكذا من صدقه كأتباع مسيلمة في اليمامة والأسود العنسي في اليمن والمختار في العراق وغيرهم، لما صدقوا هؤلاء الكذابين بأنهم أنبياء، كفر من صدقهم بذلك، واستحقوا أن يقاتلوا. فإذا كان من ادعى مقام النبوة يكون كافرا؛ لأنه ادعى ما ليس له في هذا المقام العظيم، وكذب على الله، فكيف بالذي يدعي مقام الألوهية، وينصب نفسه ليعبد من دون الله؟ لا شك أن هذا أولى بالكفر والضلال. فمن يعبد غير الله، ويعرف له العبادة، ويوالي على ذلك ويعادي عليه، فقد أتى أعظم الكفر والضلال. فمن شهد لمخلوق بالنبوة بعد محمد ﵊، فهو كافر ضال، فلا إسلام ولا إيمان إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، قولا وعملا

стр. 10855

وعقيدة، وأنه لا معبود بحق سوى الله، ولا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله، مع تصديق الأنبياء الماضين والشهادة لهم بأنهم بلغوا الرسالة عليهم الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك يقوم العبد بما أوجب الله عليه من الأوامر والنواهي، هذا هو الأصل، لا يكون العبد مسلما إلا بهذا الأصل: بإفراد الله بالعبادة، والإيمان بما دلت عليه هذه الكلمة: " لا إله إلا الله "، ولا بد مع ذلك من الإيمان برسول الله والأنبياء قبله، وتصديقهم واعتقاد أنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة عليهم الصلاة والسلام، وكثير من الجهلة كما تقدم يظن أنه متى قال: لا إله إلا الله وشهد أن محمدا رسول الله، فإنه يعتبر مسلما ولو عبد الأنبياء أو الأصنام أو الأموات أو غير ذلك. وهذا من الجهل العظيم والفساد الكبير والضلال البعيد، بل لا بد من العمل بمعناها والاستقامة عليه، وعدم الإتيان بضد ذلك قولا وعملا وعقيدة، ولهذا يقول جل وعلا في سورة " فصلت ": ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢). والمعنى أنهم قالوا: ربنا الله ثم استقاموا على ذلك، ووحدوه وأطاعوه واتبعوا ما يرضيه، وتركوا معاصيه، فلما استقاموا على ذلك صارت الجنة لهم، وفازوا بالكرامة. وفي الآية الأخرى من سورة الأحقاف قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
следующие страницы →