وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (١)».
فلا بد مع الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله من الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين السابقين، والإيمان بجميع الملائكة، والكتب المنزلة على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعا، ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره والإيمان باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وأن ذلك حق لا بد منه، ولكن أصل ذلك وأساسه الإيمان بالله وحده، وأنه هو المستحق العبادة.
هذا هو الأصل، وهذا هو الأساس والبقية تابعة لذلك، فمن أراد الدخول في الإسلام والاستقامة عليه والفوز بالجنة والنجاة من النار، وأن يكون من أتباع محمد ﵊ الموعودين بالجنة والكرامة، فإنه لا يتم له ذلك إلا بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
فتحقيق الأولى وهي: " لا إله إلا الله " بإفراد الله بالعبادة، وتخصيصه بها، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الجنة والنار والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وأما تحقيق الثانية: وهي شهادة أن محمدا رسول الله، فبالإيمان به ﷺ ، وأنه عبد الله ورسوله، أرسله الله إلى الناس كافة إلى الجن والإنس، يدعوهم إلى توحيد الله والإيمان به، واتباع ما جاء به رسول الله ﵊، مع الإيمان بجميع الماضين من الرسل والأنبياء، ثم بعد ذلك الإيمان بشرائع الله التي شرعها لعباده، على يد رسوله محمد ﷺ ، والأخذ بها والاستمساك بها من صلاة وزكاة وصوم وحج وجهاد وغير ذلك.
«وكان ﷺ إذا سئل عن عمل يدخل به العبد الجنة وينجو به من النار قال له: " تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " وربما قال له: " تعبد الله ولا تشرك به شيئا (٢)». فعبر له بالمعنى، فإن معنى شهادة أن
стр. 10852
لا إله إلا الله، أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا.
ولهذا لما سأله جبرائيل ﵇ في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: «يا رسول الله، أخبرني عن الإسلام؟ قال: " الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا (١)».
وفي حديث عمر ﵁ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (٢)». فهذا يفسر هذا؛ فإن شهادة أن لا إله إلا الله معناها: إفراد الله بالعبادة، وهذا هو عبادة الله وعدم الإشراك به مع الإيمان برسوله ﵊.
وجاءه رجل فقال: «يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة، وأنجو من النار. . قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا. ثم قال: وتقيم الصلاة (٣)». إلى آخره.
فعبادة الله وعدم الإشراك به هذا هو معنى لا إله إلا الله، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٤).
يعني: اعلم أنه المستحق للعبادة، وأنه لا عبادة لغيره، بل هو المستحق لها وحده، وأنه الإله الحق، الذي لا تنبغي العبادة لغيره .
وإنكار المشركين لها يبين معناها؛ لأنهم إنما أنكروها لما علموا أنها تبطل آلهتهم وتبين أنهم على ضلالة، ولهذا أنكروها فقالوا:
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (٥)، وقال الله عنهم:.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٧).
فعرفوا أنها تبطل آلهتهم وتبين زيفها، وأنها لا تصلح للعبادة، وأنها
стр. 10853
باطلة، وأن الإله الحق هو الله وحده .
ولهذا أنكروها، فعبادتهم للأصنام أو الأشجار أو الأحجار، أو الأموات أو الجن أو غير ذلك عبادة باطلة.
فجميع المخلوقات ليس عندهم ضر ولا نفع، كلهم مملوكون لله ، عبيده جل وعلا، فلا يصلحون للعبادة؛ لأن الله سبحانه خالق كل شيء، وهو القائل : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢).
فالواجب على كل مكلف، وعلى كل مؤمن ومؤمنة من الجن والإنس التبصر في هذا الأمر، وأن يعتني به كثيرا، حتى يكون جليا عنده، واضحا لديه؛ لأن أصل الدين وأساسه عبادة الله وحده، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله وحده ، ويضاف إلى ذلك الإيمان بالرسل وبخاتمهم محمد ﵊، لا بد من ذلك مع الإيمان بملائكة الله، وكتب الله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله.
كل ذلك لا بد منه في تحقيق الدخول في الإسلام، وكما سبق بيان ذلك. وكثير من الناس قد يظن أن قول: " لا إله إلا الله، أو أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " يكفيه، ولو فعل ما فعل، وهذا من الجهل العظيم، فإنها ليست كلمات تقال، بل كلمات لها معنى لا بد من تحقيقه بأن يقولها ويعمل بمقتضاها، فإذا قال: لا إله إلا الله، وهو يحارب الله بالشرك وعبادة غيره، فإنه ما حقق هذه الكلمة، فقد قالها المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وهم مع ذلك في الدرك الأسفل من
стр. 10854
النار، كما قال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١).
لماذا؟! لأنهم قالوها باللسان وكفروا بها بقلوبهم، ولم يعتقدوها ولم يعملوا بمقتضاها، فلا ينفعهم قولها بمجرد اللسان.
وهكذا من قالها من اليهود والنصارى وعباد الأوثان، كلهم على هذا الطريق، لا تنفعهم حتى يؤمنوا بمعناها، وحتى يخصوا الله بالعبادة، وحتى ينقادوا لشرعه.
وهكذا أتباع مسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار بن أبي عبيد الثقفي الذين ادعوا النبوة وغيرهم، ويقولون: لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لكن لما صدقوا من ادعى أنه نبي بعد محمد ﷺ كفروا، وصاروا مرتدين؛ لأنهم كذبوا قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢).
فهو خاتمهم وآخرهم، ومن ادعى بعده أنه نبي أو رسول صار كافرا ضالا، وهكذا من صدقه كأتباع مسيلمة في اليمامة والأسود العنسي في اليمن والمختار في العراق وغيرهم، لما صدقوا هؤلاء الكذابين بأنهم أنبياء، كفر من صدقهم بذلك، واستحقوا أن يقاتلوا.
فإذا كان من ادعى مقام النبوة يكون كافرا؛ لأنه ادعى ما ليس له في هذا المقام العظيم، وكذب على الله، فكيف بالذي يدعي مقام الألوهية، وينصب نفسه ليعبد من دون الله؟ لا شك أن هذا أولى بالكفر والضلال.
فمن يعبد غير الله، ويعرف له العبادة، ويوالي على ذلك ويعادي عليه، فقد أتى أعظم الكفر والضلال.
فمن شهد لمخلوق بالنبوة بعد محمد ﵊، فهو كافر ضال، فلا إسلام ولا إيمان إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، قولا وعملا
стр. 10855
وعقيدة، وأنه لا معبود بحق سوى الله، ولا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله، مع تصديق الأنبياء الماضين والشهادة لهم بأنهم بلغوا الرسالة عليهم الصلاة والسلام.
ثم بعد ذلك يقوم العبد بما أوجب الله عليه من الأوامر والنواهي، هذا هو الأصل، لا يكون العبد مسلما إلا بهذا الأصل: بإفراد الله بالعبادة، والإيمان بما دلت عليه هذه الكلمة: " لا إله إلا الله "، ولا بد مع ذلك من الإيمان برسول الله والأنبياء قبله، وتصديقهم واعتقاد أنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة عليهم الصلاة والسلام، وكثير من الجهلة كما تقدم يظن أنه متى قال: لا إله إلا الله وشهد أن محمدا رسول الله، فإنه يعتبر مسلما ولو عبد الأنبياء أو الأصنام أو الأموات أو غير ذلك. وهذا من الجهل العظيم والفساد الكبير والضلال البعيد، بل لا بد من العمل بمعناها والاستقامة عليه، وعدم الإتيان بضد ذلك قولا وعملا وعقيدة، ولهذا يقول جل وعلا في سورة " فصلت ":
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢).
والمعنى أنهم قالوا: ربنا الله ثم استقاموا على ذلك، ووحدوه وأطاعوه واتبعوا ما يرضيه، وتركوا معاصيه، فلما استقاموا على ذلك صارت الجنة لهم، وفازوا بالكرامة.
وفي الآية الأخرى من سورة الأحقاف قال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
стр. 10856
فعليك يا عبد الله بالتبصر في هذا الأمر والتفقه فيه بغاية العناية، حتى تعلم أنه الأصل الأصيل والأساس العظيم لدين الله، فإنه لا إسلام ولا إيمان إلا بشهادة أن لا إله إلا الله قولا وعملا وعقيدة، والشهادة بأن محمدا رسول الله قولا وعملا وعقيدة، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وما سيكون، ثم بعد ذلك تأتي بأعمال الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وغير ذلك.
ولا ينبغي لعاقل أن يغتر بدعاة الباطل، ودعاة الشرك الذين دعوا غير الله، وأشركوا بالله غيره، وعبدوا المخلوقين من دون الله، وزعموا أنهم بذلك لا يكونون كفارا؛ لأنهم قالوا: " لا إله إلا الله " قالوها بالألسنة، ونقضوها بأعمالهم وأقوالهم الكفرية، قالوها وأفسدوها بشركهم بالله، وعبادة غيره ، فلم تعصم دماءهم ولا أموالهم، ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١)».
هكذا بين النبي ﷺ أنه لا بد من هذه الأمور. . وفي حديث طارق بن أشيم الأشجعي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله (٢)». . وفي اللفظ الآخر: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (٣)». أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه.
فأبان النبي ﷺ بهذين الحديثين وأمثالهما أنه لا بد من توحيد الله والإخلاص له، ولا بد من الكفر بعبادة غيره، وإنكار ذلك والبراءة منه، مع التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء بقية الحقوق
стр. 10857
الإسلامية. . وهذا هو الإسلام حقا، وضده الكفر بالله .
وهذا الأصل يجب التزامه والسير عليه، وهو أن توحد الله، وتخلص له العبادة أينما كنت، مع أداء الحقوق التي فرضها الله، وترك ما حرم الله عليك، وبهذا تكون مسلما، مستحقا لثواب الله ولكرامته في الدنيا والآخرة، ولذلك أنزل الله قوله جل وعلا:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
فبين الحكمة في خلقهم، وهي أن يعبدوا الله وحده، وأنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى، بل خلقوا لهذا الأمر العظيم: ليعبدوا الله جل وعلا، ولا يشركوا به شيئا، ويخصوه بدعائهم وخوفهم ورجائهم وصلاتهم وصومهم، وذبحهم ونذرهم وغير ذلك، وقد بعث بهذا الأمر الرسل، كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).
فكل من أتى بناقض من نواقض الإسلام أبطل هذه الكلمة؛ لأن هذه الكلمة إنما تنفع أهلها إذا عملوا بها واستقاموا عليها، فأفردوا الله بالعبادة وخصوه بها، وتركوا عبادة ما سواه واستقاموا على ما دلت عليه من المعنى، فأطاعوا أوامر الله وتركوا نواهي الله، ولم يأتوا بناقض ينقضها.
وبذلك يستحقون كرامة الله، والفوز بالسعادة، والنجاة من النار.
أما من نقضها بقول أو عمل فإنها لا تنفعه، ولو قالها ألف مرة في الساعة الواحدة، فلو قال: لا إله إلا الله وشهد أن محمدا رسول الله، وصلى وصام وزكى وحج ولكنه يقول: إن مسيلمة الكذاب الذي خرج في عهد رسول الله ﷺ ثم في عهد الصحابة يدعي أنه رسول الله، لو قال إنه: صادق، كفر ولم ينفعه كل شيء.
стр. 10858
أو قال: إن المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة في العراق إنه نبي صادق، وأن الذين قاتلوه أخطئوا في قتاله.
أو قال في حق الأسود العنسي الذي ادعى في اليمن أنه نبي، أو من بعدهم من الكذابين: إنهم صادقون، يكون كافرا، ولو قال: لا إله إلا الله، وكررها آلاف المرات.
وهكذا لو قالها وهو يعبد البدوي أو يعبد الحسين أو يعبد ابن علوان أو العيدروس، أو يعبد النبي محمدا ﷺ ، أو يعبد ابن عباس ﵄، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو غيرهم يدعوهم ويستغيث بهم، وينذر لهم، ويطلب منهم المدد والعون، لم تنفعه هذه الكلمة، وهي "لا إله إلا الله"، وصار بذلك كافرا ضالا، وناقضا لهذه الكلمة، مبطلا لها.
وهكذا لو قال: لا إله إلا الله، وصلى وصام ولكنه يسب النبي ﷺ ، أو يتنقصه أو يهزأ به، أو يقول: إنه لم يبلغ الرسالة كما ينبغي، بل قصر في ذلك، أو يعيبه بشيء من العيوب، صار كافرا، وإن قال: لا إله إلا الله آلاف المرات، وإن صلى وصام؛ لأن هذه النواقض تبطل دين العبد الذي يأتي بها، ولهذا ذكر العلماء ﵏ في كتبهم بابا سموه: باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا فيه أنواعا من نواقض الإسلام منها ما ذكرنا آنفا.
وهكذا لو قال: لا إله إلا الله، وجحد وجوب الصلاة، فقال: إن الصلاة ليست واجبة، أو الصوم ليس واجبا، أو الزكاة ليست واجبة، أو الحج ليس واجبا مع الاستطاعة، كفر إجماعا، ولم ينفعه قوله: لا إله إلا الله، أو صلاته، أو صومه إذا جحد وجوب ذلك، ولو صام وصلى وتعبد، ولكنه يقول: إن الزنا حلال، أو غيره مما أجمعت الأمة على تحريمه، كفر عند جميع المسلمين، ونقض دينه بهذا القول، وإن قال: لا إله إلا الله، وشهد أن محمدا رسول الله وصلى وصام؛ لأنه بتحليله الزنا صار
стр. 10859
مكذبا لله الذي حرمه بقوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١).
وهكذا لو قال: إن الخمر أو الميسر حلال، كفر ولو صلى وصام، ولو قال: لا إله إلا الله، فإنه يصير مشركا كافرا عند جميع المسلمين؛ لأنه مكذب لله في قوله سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
لكن إن كان من قال ذلك مثله يجهل الحكم لكونه نشأ في بلاد بعيدة عن المسلمين، بين له حكم ذلك بالأدلة الشرعية، فإذا أصر على حل الزنا أو الخمر ونحوهما من المحرمات المجمع عليها، كفر إجماعا.
والمقصود من هذا أن يعلم أن الدخول في الإسلام والنطق بهذه الكلمة: "لا إله إلا الله" والشهادة بأن محمدا رسول الله لا يكفي في عصمة الدم والمال، إذا أتى قائلها بما ينقضه.
وهكذا لو أن إنسانا صلى وصام وتعبد وقال هذه الكلمة آلاف المرات في كل مجلس، ثم قال مع ذلك: إن أمه حلال له أن يجامعها، أو بنته أو أخته، كفر عند جميع المسلمين، وصار مرتدا بذلك؛ لكونه استحل ما حرم الله، بالنص والإجماع، وهكذا لو كذب نبيا من الأنبياء، وقال: إن محمدا رسول الله وأنا مؤمن به وموحد لله، وأقول: لا إله إلا الله، ولكني أقول: إن عيسى ابن مريم كذاب ليس برسول لله، أو موسى أو هارون أو داود أو سليمان أو نوحا أو هودا أو صالحا أو غيرهم ممن نص القرآن على نبوته ليسوا أنبياء، أو سبهم، كفر إجماعا، ولم ينفعه قول
стр. 10860
لا إله إلا الله ولا شهادة أن محمدا رسول الله، ولا صلاته ولا صومه؛ لأنه أتى بما يكذب به الله ورسوله، وطعن في رسل الله، وهكذا لو أتى بكل شيء مما شرعه الله، وعبد الله وحده وصلى وصام، ولكنه يقول: الزكاة ليست واجبة، من شاء زكى ومن شاء لم يزك كفر إجماعا، وصار من المرتدين الذين يستحقون أن تراق دماؤهم؛ لأنه قال: الزكاة غير واجبة، ولأنه خالف قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١).
وخالف النصوص من السنة الدالة على أنها فرض من فروض الإسلام وركن من أركانه.
وهكذا لو ترك الصلاة، ولو قال: إنها واجبة، فإنه يكفر في أصح قولي العلماء كفرا أكبر؛ لقول النبي ﷺ : «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢)». أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأهل السنن بإسناد صحيح، وقول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٣)».
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة.
ومن أراد التفصيل في هذا الأمر فليراجع باب حكم المرتد، ليعرف ما ذكر فيه العلماء من النواقض الكثيرة.
وبذلك يكون المؤمن على بصيرة في هذا الدين، ويعرف أن لا إله إلا الله هي أصل الدين، وهي أساس الملة، مع شهادة أن محمدا رسول الله، وأنه لا إسلام ولا إيمان ولا دين إلا بهاتين الشهادتين، مع الإيمان بكل ما جاء به رسول الله ﷺ ، والالتزام بذلك، مع الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ، ومع الإيمان بفرائض الله، ومع الإيمان بمحارم الله، ومع الوقوف عند حدود الله.
стр. 10861
وهذا أمر أوضحه العلماء، وبينوه في كتبهم، وهو محل إجماع ووفاق بين أهل العلم، فينبغي لك يا عبد الله أن تكون على بصيرة، وألا تنخدع بقول الجاهلين والضالين من القبوريين وغيرهم، من عباد غير الله، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وجهلوا دين الله، حتى عبدوا مع الله غيره، ويزعمون أنهم بذلك ليسوا كافرين؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم ينقضونها بأعمالهم وأقوالهم، وتعلم أيضا أن هاتين الشهادتين اللتين هما أصل الدين وأساس الملة ينتقضان في حق من أتى بناقض من نواقض الإسلام.
فلو أن هذا الرجل أو هذه المرأة شهدا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصليا وصاما إلى غير ذلك من أعمال، لكنهما يقولان: إن الجنة ليست حقيقة، أو إن النار ليست حقيقة، فلا جنة ولا نار، بل كله كلام ما له حقيقة، فإنهما يكفران بذلك القول كفرا أكبر، بإجماع المسلمين.
ولو صلى وصام من قال ذلك وزعم أنه مسلم موحد لله، وترك الشرك، ولكنه يقول: إن الجنة أو النار ليستا حقا، ما هناك جنة ولا نار، أو قال: ما هناك ميزان، أو ما هناك قيامة، ما فيه يوم آخر، فإنه بذلك يصير مرتدا كافرا ضالا عند جميع المسلمين.
أو قال: إن الله ما يعلم الغيب، أو لا يعلم الأشياء على حقيقتها، فإنه يكفر بذلك؛ لكونه بهذا القول مكذبا لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وما جاء في معناها من الآيات، ولأنه قد تنقص ربه ، وسبه بهذا القول، وبهذا تعلم يا أخي أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هي أصل الإيمان، وهي أساس الملة، ولكنها لا تعصم قائلها إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام، بل لا بد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
стр. 10862
ولا بد مع ذلك من أداء فرائض الله، وترك محارم الله، فمن أتى بعد ذلك بناقض من نواقض الإسلام بطل في حقه قول: لا إله إلا الله، وصار مرتدا كافرا، وإن أتى بمعصية من المعاصي التي دون الشرك نقص دينه، وضعف إيمانه، ولم يكفر كالذي يزني أو يشرب الخمر، وهو يؤمن بتحريمها؛ فإن دينه يكون ناقصا، وإيمانه ضعيفا، وهو على خطر إذا مات على ذلك من دخول النار والعذاب فيها، ولكنه لا يخلد فيها إذا كان قد مات موحدا مسلما، بل له أمد ينتهي إليه حسب مشيئة الله ، ولكنه لا يكون آمنا، بل هو على خطر من دخول النار؛ لأن إيمانه قد ضعف ونقص بهذه المعصية التي مات عليها ولم يتب، من زنا أو سرقة أو غيرهما من الكبائر.
فالمخالفة لأمر الله قسمان:
قسم يوجب الردة، ويبطل الإسلام بالكلية، ويكون صاحبه كافرا كالنواقض التي أوضحتها سابقا.
والقسم الثاني: لا يبطل الإسلام، ولكن ينقصه ويضعفه، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله وعقابه إذا لم يتب، وهو جنس المعاصي التي يعرف مرتكبها أنها معاص، ولكن لا يستحلها، كالذي مات على الزنا، أو على الخمر، أو على عقوق الوالدين، أو على الربا ونحو ذلك. . فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
لأنه ليس بكافر؛ لكونه لم يستحل هذه الأمور، وإنما فعلها اتباعا للهوى والشيطان.
أما من استحل الزنا أو الخمر أو الربا فإنه يكفر كما تقدم بيان ذلك،
стр. 10863
فينبغي التنبه لهذه الأمور، والحذر منها، وأن يكون المسلم على بصيرة من أمره. وهذا الذي ذكرناه هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم وأتباعهم بإحسان.
رزقني الله وجميع المسلمين الاستقامة على دينه، ومن علينا جميعا بالفقه في الدين، والثبات عليه، وأعاذنا الله جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 10864
صفحة فارغة
стр. 10865
الولاء والبراء في الإسلام
بقلم: د / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فإنه بعد محبة الله ورسوله تجب محبة أولياء الله ومعاداة أعدائه. فمن أصول العقيدة الإسلامية أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها، فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم، وذلك من ملة إبراهيم والذين معه، الذين أمرنا بالاقتداء بهم، حيث يقول :
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١).
وهو من دين محمد ﵊. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
وهذه في تحريم موالاة أهل الكتاب خصوصا.
وقال في تحريم موالاة الكفار عموما:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣).
стр. 10866
بل لقد حرم الله على المؤمن موالاة الكفار ولو كانوا من أقرب الناس إليه نسبا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٢).
وقد جهل كثير من الناس هذا الأصل العظيم، حتى لقد سمعت بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة في إذاعة عربية يقول عن النصارى: إنهم إخواننا، ويا لها من كلمة خطيرة.
وكما أن الله سبحانه حرم موالاة الكفار أعداء العقيدة الإسلامية فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٣) ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٦).
فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧).
فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت
стр. 10867
أزمانهم إخوة متحابون، يقتدي آخرهم بأولهم، ويدعو بعضهم لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض.
وللولاء والبراء مظاهر تدل عليهما:
стр. 10868
١ - ف من مظاهر موالاة الكفار:
١ - التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبه للمتشبه به، ولهذا قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (١)». فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم من عاداتهم وعباداتهم، سمتهم وأخلاقهم؛ كحلق اللحى وإطالة الشوارب والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس، والأكل والشرب وغير ذلك.
٢ - الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى، ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٣) ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤).
فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة. وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية
стр. 10869
كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
٣ - ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس. والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة - كالعلاج والتجارة والتعليم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم - فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين. ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مظهرا لدينه معتزا بإسلامه، مبتعدا عن مواطن الشر؛ حذرا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
٤ - ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة، نعوذ بالله من ذلك.
٥ - ومن مظاهر موالاة الكفار الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين، واتخاذهم بطانة ومستشارين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (٣).
فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار وما يكنونه نحو المسلمين من بغض، وما يدبرونه ضدهم من مكر وخيانة، وما يحبونه
стр. 10870
من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين بهم فيخططون للإضرار بهم والنيل منهم.
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: لي كاتب نصراني، قال: ما لك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). ألا اتخذت حنيفا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله.
وروى الإمام أحمد ومسلم «أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: ارجع فلن أستعين بمشرك (٢)».
ومن هذه النصوص يتبين لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم، ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم، ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين؛ بلاد الحرمين الشريفين، وجعلهم عمالا وسائقين ومستخدمين، ومربين في البيوت، وخلطهم مع العوائل، أو خلطهم مع المسلمين في بلادهم.
٦ - ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتاريخهم، خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من
стр. 10871
أنفسهم، وليس هو من دين المسيح ﵇، فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم. ولتجنب هذا لما أراد الصحابة ﵃ وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر ﵁ عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة الرسول ﷺ ؛ مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم، والله المستعان.
٧ - ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها، أو حضور إقامتها، وقد فسر قوله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (١). أي: ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.
٨ - ومن مظاهر موالاة الكفار مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم، دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢) طه الآية ١٣١.
وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣).
وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في الأصل للمسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤).
стр. 10872
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢).
فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات، ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها، بل يجب أن تكون لهم مصانع وتقنيات.
٩ - ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم، بحيث يسمي بعض المسلمين أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية ويتركون أسماء آبائهم، وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم. وقد قال النبي ﷺ : «خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن (٣)»، وبسبب تغيير الأسماء فقد وجد جيل يحمل أسماء غريبة، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة.
١٠ - من مظاهر موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم، وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٤).
لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه.
стр. 10873
٢ - مظاهر موالاة المؤمنين:
مظاهر موالاة المؤمنين قد بينها الكتاب والسنة ومنها:
١ - الهجرة إلى بلاد المسلمين وهجر بلاد الكافرين، والهجرة هي
стр. 10874
الانتقال من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين.
والهجرة بهذا المعنى ولأجل هذا الغرض واجبة وباقية إلى طلوع الشمس من مغربها عند قيام الساعة، وقد تبرأ النبي ﷺ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، فتحرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفار، إلا إذا كان لا يستطيع الهجرة منها. أو كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣).
٢ - مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٥).
٣ - التألم لألمهم والسرور بسرورهم، قال النبي ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٦)» وقال أيضا ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وشبك بين أصابعه ﷺ (٧)».
стр. 10875
٤ - النصح لهم ومحبة الخير لهم، وعدم غشهم وخديعتهم، قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١)». وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يحقره ولا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه (٢)». وقال ﵊: «لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا (٣)».
٥ - احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٥).
٦ - أن يكون معهم في حال العسر واليسر والشدة والرخاء، بخلاف أهل النفاق الذين يكونون مع المؤمنين في حالة اليسر والرخاء، ويتخلون عنهم في حال الشدة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦).
٧ - زيارتهم ومحبة الالتقاء بهم والاجتماع معهم. وفي الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتزاورين في (٧)». وفي حديث آخر: «أن
стр. 10876
رجلا زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فسأله: أين تريد؟ قال: أزور أخا لي في الله، قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه، قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه (١)».
٨ - احترام حقوقهم، فلا يبيع على بيعهم، ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، ولا يتعرض لما سبقوا إليه من المباحات. قال ﷺ : «ألا لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته (٢)». وفي رواية: «ولا يسم على سومه».
٩ - الرفق بضعفائهم، كما قال النبي ﷺ : «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا (٣)»، وقال ﵊: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم (٤)». وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٥).
١٠ - الدعاء لهم والاستغفار لهم، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٦).
وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٧).
стр. 10877
تنبيه:
وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١).
فمعناه أن من كف أذاه من الكفار فلم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم
стр. 10878
من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي، ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأن الله قال:
﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١)
ولم يقل: توالونهم وتحبونهم. ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين الكافرين:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (٢).
وقد «جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة، فاستأذنت أسماء رسول الله ﷺ في ذلك، فقال لها: صلي أمك (٣)». وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٤).
فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر، ولأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام، فهما من وسائل الدعوة، بخلاف المودة والموالاة، فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه، والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام.
وكذلك تحريم موالاة الكفار لا تعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم؛ فالنبي ﷺ استأجر ابن أريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر، واستدان من بعض اليهود، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن وليس لهم علينا فيه فضل ومنة. وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم؛ فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم.
стр. 10879
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١).
إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢).
قال الحافظ ابن كثير: ومعنى قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٣) أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل. . انتهى. . قلت: وهذا ما حصل في هذا الزمان. والله المستعان.
стр. 10880
أقسام الناس فيما يجب في حقهم من الولاء والبراء:
الناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من يحب محبة خالصة لا معاداة معها ، وهم المؤمنون الخلص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ ، فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين وأهل بيته الطيبين وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين وبقية العشرة والمهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة ﵃ أجمعين، ثم التابعون والقرون المفضلة وسلف هذه الأمة وأئمتها؛ كالأئمة الأربعة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
стр. 10881
ولا يبغض الصحابة وسلف هذه الأمة من في قلبه إيمان، وإنما يبغضهم أهل الزيغ والنفاق وأعداء الإسلام كالرافضة والخوارج، نسأل الله العافية.
стр. 10882
القسم الثاني: من يبغض ويعادي بغضا ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة معهما ، وهم الكفار الخلص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين، على اختلاف أجناسهم كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (١).
وقال تعالى عائبا على بني إسرائيل:
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣).
стр. 10883
القسم الثالث: من يحب من وجه ويبغض من وجه، فيجتمع فيه المحبة والعداوة ، وهم عصاة المؤمنين، يحبون لما فيهم من الإيمان، ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك. ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم، فلا يجوز السكوت على معاصيهم، بل ينكر عليهم ويؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وتقام عليهم الحدود والتعزيرات حتى يكفوا عن معاصيهم ويتوبوا من سيئاتهم، لكن لا يبغضون بغضا خالصا ويتبرأ منهم كما تقوله الخوارج في مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا يحبون ويوالون حبا وموالاة خالصين كما تقوله المرجئة، بل يعتدل في شأنهم على ما ذكرنا كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 10884
والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، والمرء مع من أحب يوم القيامة كما في الحديث.
وقد تغير الوضع وصار غالب موالاة الناس ومعاداتهم لأجل الدنيا، فمن كان عنده طمع من مطامع الدنيا والوه، وإن كان عدوا لله ولرسوله ولدين المسلمين. ومن لم يكن عنده طمع من مطامع الدنيا عادوه ولو كان وليا لله ولرسوله عند أدنى سبب وضايقوه واحتقروه. وقد قال عبد الله بن عباس ﵄: (من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا). رواه ابن جرير.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب (١)» الحديث، رواه البخاري.
وأشد الناس محاربة لله من عادى أصحاب رسول الله ﷺ وسبهم وتنقصهم، وقد قال ﷺ : «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا، فمن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه (٢)» أخرجه الترمذي وغيره.
وقد صارت معاداة الصحابة وسبهم دينا وعقيدة عند بعض الطوائف الضالة. نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه، ونسأله العفو والعافية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. .
стр. 10885
حكم الشهادة والحكمة من مشروعيتها وأركانها
الدكتور: عبد الله بن محمد الزبن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وبعد:
بما أن الشهادة من أهم طرق الإثبات لدفع المظالم ورفعها، فإنني أورد حكمها - بمعنى الأثر المترتب عليها - والحكمة من مشروعيتها وأركانها فيما يلي:
стр. 10886
أولا: حكم الشهادة:
حكم الشهادة - بمعنى الأثر المترتب عليها - وجوب الحكم على القاضي بموجبها بعد التزكية فورا، والقياس يأبى جواز الحكم بها، لاحتمال الكذب، لكن لما شرطت العدالة ترجح جانب الصدق، وترك القياس؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) سورة البقرة آية ٢٨٢. .
ونظائر هذا الأمر كثير في الكتاب والسنة. والعدل مفروض على كل حاكم الحكم به (٢).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤).
стр. 10887
والحكم بالشهادة حكم بما أنزل الله، فمتى أصبحت مكتملة الشروط والأركان فإن الحكم بموجبها من العدل، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (١).
والأمر بالشيء نهي عن أضداده (٢)، وقد أمر الله نبيه ﷺ بالحكم بما أنزل الله، سواء كان ذلك بمقتضى الشهادة أو غيرها مما ورد في القرآن الكريم.
ويجوز للقاضي تأخير الحكم للأسباب التالية:
١ - أن تكون الدعوى بين الأقرباء فيأمل القاضي حصول الصلح بينهما، وكذلك إذا رجي الصلح بين الخصوم من غير الأقارب.
٢ - أن يدعي المدعى عليه أن لديه دفعا للدعوى ويطلب الإمهال لإحضار بينته على الدفع أو يطلب المدعي الإمهال لإحضار بينته على الدعوى.
٣ - أن يكون لدى القاضي ريب وشبهة في الشهود.
٤ - إذا احتاج القاضي إلى البحث عن الحكم في الكتب أو سؤال العلماء عنه.
لكن النظر يقضي بأن السببين الثاني والثالث خارجان عن الموضوع؛ لأن القضية لا تكتمل بدون البينة على الدعوى أو الدفع أو عند حصول ريبة في الشهود.
стр. 10888
ثانيا: الحكمة من مشروعية الشهادة:
من حكمة الله تعالى أن جعل حياة الإنسان حياة جماعية؛ لأنه لا يستطيع الوفاء بما يحتاجه بمفرده في هذه الحياة من ضروريات، فكان في الحياة الجماعية قيام كل فرد بجزء من متطلباتها، مما ينجم عنه الوفاء بحاجياتها عن طريق التعاون الجماعي. قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (١).
ومع أن الناس لا يستغني بعضهم عن بعض في هذه الحياة، فمنذ وجد الإنسان على ظهر البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإنه يحصل بينهم مشاحنات، ويحصل من بعضهم على بعض تطاولات واعتداءات على الأنفس، والأعراض، والثمرات، نتيجة لتجمعاتهم، ولما تحويه الأنفس من غرائز الطمع، والجنس، وغيرهما مما يجعل بعضهم يعتدي على البعض الآخر، ويحاول الاستيلاء على الممتلكات من غير حق.
وقد حصلت التعديات والاعتداءات في عهد صفوة الخلق محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي عهد صحابته الأطهار الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر (٢)».
وقد تجلت حكمة الله تعالى بأن شرع من الحدود ما يناسب الفطرة البشرية؛ حفاظا على أبدانها، وعقولها، وأعراضها، وأموالها، وكان من كراماته أن شرع طرقا لإثبات هذه الحدود والحقوق عند تنازع الناس فيها، ومن هذه الطرق الشهادة التي يستدل بها القاضي على الحق ويحكم بموجبها
стр. 10889
بعد أخذ الحيطة للتأكد من عدالة الشهود وغيرها، وعدم وجود حجة قطعية أو ظنية تحول دون تغليب حجية الشهادة في القضية.
وهي وسيلة عظيمة وجليلة لدفع التظالم ولإثبات الحقوق وردها إلى أهلها إذا اعتدى عليها، وتمكين القضاء من توقيع العقوبة على من يستحقها، وبدونها فإنها تضيع. كما أنها ترجح قول المدعي على قول المدعى عليه.
ولو أن القاضي اقتصر على علمه بالحادثة المراد منه الحكم فيها بحيث يكون علما منطبقا على الواقع بأن يشاهد الحادثة بنفسه ويحيط بها إحاطة تامة، أو يصل إليه خبرها بطريق التواتر المفيد للعلم، فإن أكثر مصالح الناس سوف تتعطل؛ لأن علمه إذا حصل في حادثة واحدة أو اثنتين فإن الكثير من الحوادث يتعذر عليه الوقوف عليها والعلم بها، كما يتعذر عليه العلم بها عن طريق التواتر المفيد لليقين؛ لأنه ليس من اليسر والسهولة وصول أخبار الحوادث دائما بطريق التواتر، ولذلك اقتضت حاجات الناس فيما يتقاضون فيه قبول الحجة الظنية ليبنى عليها الحكم؛ لأنهم إما أن يهملوا النظر في الحوادث والقضايا التي لم يقم على ثبوتها دليل قطعي عند القاضي، ويترتب على هذا ضياع حقوق الناس وفوضى واضطراب في حياتهم ونظامها، وإما أن يقبلوا الدليل الذي يغلب على الظن صدقه كالشهادة، ويحفظوا حقوق الناس بها.
وبالنظر في هذين الأمرين يتعين قبول الدليل الظني دفعا لأشد الضررين، وعلى هذا فإن الحقوق تثبت بما يفيد العلم القطعي، وبما يفيد الظن الراجح. وإذن فإن الحاجة ماسة إلى الشهادة؛ إذ إنها سبب في إثبات
стр. 10890
الحقوق، وحفظ الأرواح، والأموال، والأنساب، والعقول.
فهي طريق لإنصاف المظلومين، وردع للظالمين، وحسم للنزاع بين العالمين، الذي ينشأ من حين لحين؛ لأن المجتمعات البشرية على اختلاف زمانها ومكانها لا تخلو من الأسباب المفضية إلى المنازعات والخصومات مهما بلغت هذه المجتمعات من رقي وعلم وحضارة.
ولأهميتها فقد نطق القرآن الكريم بفضلها، ورفع الله ﷻ نسبتها إلى نفسه، وشرف بها ملائكته ورسله وأفاضل خلقه، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢).
فجعل كل نبي شهيدا على أمته لكونه أفضل خلقه في عصره.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤).
ويكفي الشهادة شرفا أن الله تعالى خفض الفاسق عن قبول الشهادة.
فقال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).
فأخبر أن العدل هو المرضي بقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٧).