أولا: حكم الشهادة:
حكم الشهادة - بمعنى الأثر المترتب عليها - وجوب الحكم على القاضي بموجبها بعد التزكية فورا، والقياس يأبى جواز الحكم بها، لاحتمال الكذب، لكن لما شرطت العدالة ترجح جانب الصدق، وترك القياس؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) سورة البقرة آية ٢٨٢. .
ونظائر هذا الأمر كثير في الكتاب والسنة. والعدل مفروض على كل حاكم الحكم به (٢).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤).
стр. 10887
والحكم بالشهادة حكم بما أنزل الله، فمتى أصبحت مكتملة الشروط والأركان فإن الحكم بموجبها من العدل، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (١).
والأمر بالشيء نهي عن أضداده (٢)، وقد أمر الله نبيه ﷺ بالحكم بما أنزل الله، سواء كان ذلك بمقتضى الشهادة أو غيرها مما ورد في القرآن الكريم.
ويجوز للقاضي تأخير الحكم للأسباب التالية:
١ - أن تكون الدعوى بين الأقرباء فيأمل القاضي حصول الصلح بينهما، وكذلك إذا رجي الصلح بين الخصوم من غير الأقارب.
٢ - أن يدعي المدعى عليه أن لديه دفعا للدعوى ويطلب الإمهال لإحضار بينته على الدفع أو يطلب المدعي الإمهال لإحضار بينته على الدعوى.
٣ - أن يكون لدى القاضي ريب وشبهة في الشهود.
٤ - إذا احتاج القاضي إلى البحث عن الحكم في الكتب أو سؤال العلماء عنه.
لكن النظر يقضي بأن السببين الثاني والثالث خارجان عن الموضوع؛ لأن القضية لا تكتمل بدون البينة على الدعوى أو الدفع أو عند حصول ريبة في الشهود.
стр. 10888
ثانيا: الحكمة من مشروعية الشهادة:
من حكمة الله تعالى أن جعل حياة الإنسان حياة جماعية؛ لأنه لا يستطيع الوفاء بما يحتاجه بمفرده في هذه الحياة من ضروريات، فكان في الحياة الجماعية قيام كل فرد بجزء من متطلباتها، مما ينجم عنه الوفاء بحاجياتها عن طريق التعاون الجماعي. قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (١).
ومع أن الناس لا يستغني بعضهم عن بعض في هذه الحياة، فمنذ وجد الإنسان على ظهر البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإنه يحصل بينهم مشاحنات، ويحصل من بعضهم على بعض تطاولات واعتداءات على الأنفس، والأعراض، والثمرات، نتيجة لتجمعاتهم، ولما تحويه الأنفس من غرائز الطمع، والجنس، وغيرهما مما يجعل بعضهم يعتدي على البعض الآخر، ويحاول الاستيلاء على الممتلكات من غير حق.
وقد حصلت التعديات والاعتداءات في عهد صفوة الخلق محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي عهد صحابته الأطهار الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر (٢)».
وقد تجلت حكمة الله تعالى بأن شرع من الحدود ما يناسب الفطرة البشرية؛ حفاظا على أبدانها، وعقولها، وأعراضها، وأموالها، وكان من كراماته أن شرع طرقا لإثبات هذه الحدود والحقوق عند تنازع الناس فيها، ومن هذه الطرق الشهادة التي يستدل بها القاضي على الحق ويحكم بموجبها
стр. 10889
بعد أخذ الحيطة للتأكد من عدالة الشهود وغيرها، وعدم وجود حجة قطعية أو ظنية تحول دون تغليب حجية الشهادة في القضية.
وهي وسيلة عظيمة وجليلة لدفع التظالم ولإثبات الحقوق وردها إلى أهلها إذا اعتدى عليها، وتمكين القضاء من توقيع العقوبة على من يستحقها، وبدونها فإنها تضيع. كما أنها ترجح قول المدعي على قول المدعى عليه.
ولو أن القاضي اقتصر على علمه بالحادثة المراد منه الحكم فيها بحيث يكون علما منطبقا على الواقع بأن يشاهد الحادثة بنفسه ويحيط بها إحاطة تامة، أو يصل إليه خبرها بطريق التواتر المفيد للعلم، فإن أكثر مصالح الناس سوف تتعطل؛ لأن علمه إذا حصل في حادثة واحدة أو اثنتين فإن الكثير من الحوادث يتعذر عليه الوقوف عليها والعلم بها، كما يتعذر عليه العلم بها عن طريق التواتر المفيد لليقين؛ لأنه ليس من اليسر والسهولة وصول أخبار الحوادث دائما بطريق التواتر، ولذلك اقتضت حاجات الناس فيما يتقاضون فيه قبول الحجة الظنية ليبنى عليها الحكم؛ لأنهم إما أن يهملوا النظر في الحوادث والقضايا التي لم يقم على ثبوتها دليل قطعي عند القاضي، ويترتب على هذا ضياع حقوق الناس وفوضى واضطراب في حياتهم ونظامها، وإما أن يقبلوا الدليل الذي يغلب على الظن صدقه كالشهادة، ويحفظوا حقوق الناس بها.
وبالنظر في هذين الأمرين يتعين قبول الدليل الظني دفعا لأشد الضررين، وعلى هذا فإن الحقوق تثبت بما يفيد العلم القطعي، وبما يفيد الظن الراجح. وإذن فإن الحاجة ماسة إلى الشهادة؛ إذ إنها سبب في إثبات
стр. 10890
الحقوق، وحفظ الأرواح، والأموال، والأنساب، والعقول.
فهي طريق لإنصاف المظلومين، وردع للظالمين، وحسم للنزاع بين العالمين، الذي ينشأ من حين لحين؛ لأن المجتمعات البشرية على اختلاف زمانها ومكانها لا تخلو من الأسباب المفضية إلى المنازعات والخصومات مهما بلغت هذه المجتمعات من رقي وعلم وحضارة.
ولأهميتها فقد نطق القرآن الكريم بفضلها، ورفع الله ﷻ نسبتها إلى نفسه، وشرف بها ملائكته ورسله وأفاضل خلقه، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢).
فجعل كل نبي شهيدا على أمته لكونه أفضل خلقه في عصره.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤).
ويكفي الشهادة شرفا أن الله تعالى خفض الفاسق عن قبول الشهادة.
فقال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).
فأخبر أن العدل هو المرضي بقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٧).
стр. 10891
وكل هذا دليل على محاسن الشهادة وأهميتها ومكانتها.
والشريعة السمحاء بعد أن أجازت القضاء بالحجة الظنية - شهادة الشهود - المبنية على المعاينة والمشاهدة لم تقتصر على ذلك، بل يسرت للأمة، فأجازت الشهادة بالتسامع، والشهادة على الشهادة، وشهادة الرجل الواحد من غير يمينه في مواضع وأحوال مخصوصة، وشهادة الصبيان في مواضع تضيع فيها الحقوق لو لم تقبل شهادتهم فيها، وذلك لصيانة حقوق الناس متى غلب على الظن صدق هؤلاء الشهود.
ومن هذا تتجلى الحكمة من مشروعية الشهادة، ويتضح أنها من الأهمية بمكان حيث تدعو الحاجة الماسة إليها في مختلف الأمصار والأعصار ما وجد الإنسان على ظهر الأرض.
стр. 10892
ثالثا: أركان الشهادة:
الركن في اللغة: جانب الشيء الأقوى (١):
أما في اصطلاح الفقهاء: فقد عرفه الحنفية بأنه: ما توقف عليه وجود الشيء، وكان جزءا منه، وداخلا في تركيبه. أما ما يتوقف وجود الشيء عليه، ولكنه لا يكون جزءا منه، فهو الشرط عندهم، فهم إذن يفرقون بين الركن والشرط من حيث حقيقة كل منهما.
أما من حيث الأثر الذي يترتب على عدم وجود الركن، أو الشرط،، فيقولون: إنه لا فرق بينهما في العبادات على معنى أن العبادة التي يفوت ركنها، أو يتخلف شرطها تكون باطلة، فالركن والشرط إذن لا بد من وجودهما لصحة العبادة، وفوات أي منهما يبطلها، ويجعلها غير صالحة لأداء ما هو المقصود بها شرعا. وهذا لا خلاف فيه بين جميع الفقهاء.
стр. 10893
أما في المعاملات فإنهم يفرقون بين ما فقد ركنه منها، فيكون باطلا، وما تخلف شرطه حيث يكون فاسدا، بخلاف الجمهور الذين يرون بطلان كل ما تخلف ركنه أو فقد شرطه؛ لأن الركن: ما لا بد للشيء منه في وجود صورته عقلا، إما لدخوله في حقيقته، أو لاختصاصه به.
وعلى ضوء ما تقدم يمكن القول بأن تعريف الركن في اصطلاح الحنفية أقرب إلى معناه اللغوي، وإن كان العلماء يقولون: لا مشاحة في الاصطلاح.
وقد ترتب على الخلاف في معنى الركن الخلاف في أركان الشهادة، وذلك على قولين:
القول الأول: أن ركن الشهادة هو قول الشاهد: "أشهد" بلفظ المضارع؛ لتضمنه معنى المشاهدة والقسم والإخبار للحال، فكأن الشاهد يقول: أقسم بالله لقد اطلعت على ذلك وأخبر به.
وهذا قول جمهور فقهاء الحنفية.
ويرى بعضهم أن الركن: هو الصيغة المتمثلة في حكاية الشاهد بقوله: "أشهد بكذا وكذا" وأن لفظ: "أشهد" شرط في كل ما يشهد به أمام القاضي، أي شرط في الركن.
وقد أخذ بهذا المتأخرون من الحنفية، وهو الراجح عندهم.
القول الثاني: أن أركان الشهادة خمسة وهي: شاهد، ومشهود له، ومشهود عليه، ومشهود به، وصيغة.
стр. 10894
وهذا مذهب الشافعية (١). وفيما يلي شيء من بيان هذه الأركان:
стр. 10895
الركن الأول: الشاهد ، وقد اتفق الفقهاء في الجملة على ضرورة توفر شروط معينة في الشاهد لكي تقبل شهادته عند القضاء؛ إذ إنه لو لم يعتبر لقبول الشهادة شروطا يغلب على الظن صدق الشاهد بعد توفرها فيه لأدى ذلك إلى أن يشهد الفجار بعضهم لبعض، فتؤخذ الأموال بغير حق، وتنتهك الأعراض، وتزهق الأنفس. لذلك اعتبر في أحوال الشهود خلوهم عما يوجب التهمة في شهاداتهم. والشروط الواجب توفرها في الشاهد إجمالا هي: أن يكون الشاهد بالغا، عاقلا، مسلما، حرا، متيقظا، سميعا، بصيرا، ناطقا، عدلا، وألا يكون محدودا في قذف، ولا متهما في شهادته، وأن يكون عالما بالمشهود به.
стр. 10896
الركن الثاني والثالث: المشهود له وعليه:
لا تجوز الشهادة على من لا يعرفه الشاهد، ولا لمن لا يعرفه؛ لأن الجهل بمعرفة كل منهما مانع من صحة الشهادة كالجهل بمعرفة المشهود به.
وكمال معرفة كل منهما أن يعرفه بعينه بالإشارة إليه، وذكر اسمه، ونسبه. ولو عرفه بعينه دون اسمه ونسبه جاز ذلك في الحاضر دون الغائب؛ لأن الإشارة أقوى سبل التعريف، فمتى أمكنت وجبت وكفت.
وإن عرفه باسمه، ونسبه، ولم يعرفه بعينه جاز ذلك في المشهود له، ولم يجز في المشهود عليه؛ لأنه قد يجوز أن يتحمل الشهادة لغائب، ولا يجوز أن يتحملها على غائب.
стр. 10897
الركن الرابع: المشهود به:
وذلك بأن يكون المشهود به معلوما. فإذا كانت الشهادة بمجهول لم تقبل؛ لأن علم القاضي بالمشهود به شرط صحة قضائه، ومبنى علمه شهادة الشهود بمعلوم. وعلى هذا فإن القاضي لا يقضي بالمشهود به إذا لم يعرفه الشهود عنده تعريفا كافيا لعلمه به.
ولكن الفقهاء اختلفوا في القدر الكافي من تعريف الشاهد بالمشهود به الدال على علمه عند أدائه للشهادة، وذلك في بعض المسائل.
فلو شهد رجلان - مثلا - عند القاضي أن فلانا وارث هذا الميت لا وارث له غيره، فإن شهادتهما جائزة عند الحنابلة، والشافعية، وغير جائزة عند الحنفية؛ لأنهم يرون أنه لا بد أن يقول الشهود بأنه ابنه ووارثه، لا يعلمون له وارثا غيره، أو أخوه لأبيه وأمه، لا يعلمون له وارثا غيره.
стр. 10898
الركن الخامس: الصيغة:
اتفق الفقهاء على الركن الخامس، وهو الصيغة في الشهادة، إلا أنهم اختلفوا في اللفظ الذي تؤدى به الشهادة، فهل يجب على الشاهد إذا حضر في مجلس القضاء لأداء الشهادة أن يؤديها بلفظ: "أشهد" دون غيره من الألفاظ، أو أن شهادته تصح بأي لفظ آخر يؤدي المعنى كأعلم، وأتيقن.
ولأهمية هذا اللفظ، واختلاف العلماء فيه على قولين فإنني أوضح كلا منهما وأدلة أصحابه به فيما يلي:
القول الأول:
إنه يجب على الشاهد عند تأديته الشهادة أن يؤديها بلفظ "أشهد" بصيغة المضارع، فلا يجوز شهدت، لاحتمال الإخبار عما مضى،
стр. 10899
فلا يكون بذلك شاهدا للحال، بخلاف لفظ "أشهد" فهي بمعنى الشهادة في الحال حيث يتضمن المشاهدة والقسم، والإخبار في الحال، ولا يقبل غير هذا اللفظ كأعلم، وأتيقن.
وقد ذهب إلى هذا القول جمهور الفقهاء.
الأدلة:
استدل أصحاب هذا القول - الجمهور - على وجوب أداء الشهادة بلفظ "أشهد" بالكتاب، والسنة، واللغة.
أولا: الأدلة من الكتاب:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٥).
وبغير هذه الآيات من آيات عموم الشهادة.
فقد استعملت هذه الآيات وغيرها لفظ "أشهد" في مجال إثبات الحقوق، والدعوة إلى أداء ما علمه الإنسان وإقامته، وعدم كتمانه، دون غيره من الألفاظ، وهذا يدل على وجوب أدائها بلفظ: "أشهد".
стр. 10900
قال في تكملة رد المحتار: " فالنصوص ناطقة بلفظ الشهادة، فلا يقوم غيرها مقامها، لما فيها من زيادة توكيد؛ لأنها من ألفاظ اليمين، فيكون معنى اليمين ملاحظا فيها " (١).
ثانيا: الدليل من السنة:
استدلوا من السنة بما روى ابن عباس ﵄: «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الشهادة، فقال ﷺ له: هل ترى الشمس؟ قال نعم، قال: على مثلها فاشهد، أو دع (٢)».
ففي هذا الحديث الشريف أمر الرسول ﷺ السائل بلفظ "أشهد" عندما سأله عن الشهادة بعد أن بين له ضرورة التأكد مما يشهد به، وهذا يدل على أن هذا هو اللفظ الذي يجب أن تؤدى به الشهادة.
ثالثا: الدليل من اللغة:
إن سبب عدم جواز الشهادة بالتصريفات الأخرى كلفظ "شهدت" بدلا من لفظ "أشهد"؛ لأن لفظ "شهدت" موضوع للإخبار بأمر وقع في زمن ماض، فإذا شهد باللفظ المذكور فلا يكون المشهود به مخبرا به في الحال، بل يحتمل معنى أنه شهد في الزمن الماضي.
أما صيغة المضارع فلما كانت موضوعة للإخبار في الحال فإنه إذا قال: أشهد فإنها بمعنى الشهادة في الحال، كما أن هذا اللفظ يتضمن: المشاهدة، والقسم، والإخبار في الحال، فإذا شهد الشاهد بذلك اللفظ كان معنى قوله: إنني أقسم بالله أنني مطلع على ذلك عن مشاهدة وإنني أخبر عنه الآن، وهذا المعنى مفقود في الألفاظ الأخرى كلفظ الإخبار والإعلام ونحوهما وإن كان يؤدي الشهادة تعبدا غير معقول المعنى إلا أنه
стр. 10901
تعين هذا اللفظ "أشهد" احتياطا واتباعا للمأثور، ولأن الشهادة خبر محتمل للصدق والكذب، فلا يصلح حجة ما لم يؤيد بمؤيد وهو لفظ "أشهد"، لأنه يمين بدلالة قوله مخبرا عن المنافقين (١):
﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣).
القول الثاني:
إنه لا يجب على الشاهد تأدية الشهادة بلفظ معين، بل تصح تأديتها بأي لفظ أو صيغة تفيد المعنى.
وقد ذهب إلى هذا القول المالكية، والإمام أحمد بن حنبل في إحدى رواياته، وبه قال ابن قيم الجوزية، وشيخه ابن تيمية، والظاهريون. ونقل عن ابن القيم أن هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وظاهر كلام أحمد بن حنبل.
أدلة أهل هذا القول:
استدل أهل هذا القول على عدم وجوب الاقتصار على لفظ "أشهد" عند أداء الشهادة، وجواز قول الشاهد للقاضي: أنا أخبرك، أو أنا أقول لك، أو أنا أعلمك، أو رأيت كيت وكيت، أو سمعت نحو ذلك، بدلا من أنا
стр. 10902
أشهد، وعلى أن ذلك سواء، ويعتبر شهادة تامة يجب على القاضي الحكم بها، بأن الغرض من الشهادة هو إخبار الشاهد عما علمه ليتمكن القاضي من الحكم وإيصال الحق إلى صاحبه، وهذا يتحقق بأي لفظ يفيد العلم؛ كأتيقن أو أعلم أو رأيت أو سمعت. . إلخ فينبغي المصير إلى اعتبار هذه الألفاظ.
أما القول بأن النصوص استعملت لفظ الشهادة فيرد عليه بأن الشرع استعمل لفظ الشهادة مرادفا لألفاظ أخرى، مما يؤكد عدم تفرد لفظ الشهادة بمعنى خاص، وأن الله ﵎ قال:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١).
وروى مسلم بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، أو قول الزور. وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٢)».
وعن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن النبي ﷺ في الكبائر، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور (٣)».
فجاء في نص الحديث الشريف قول الزور مرادفا لشهادة الزور، وعلى هذا فإن القول والشهادة سواء.
وورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (٤).
ومعلوما قطعا أنه ليس المراد التلفظ بلفظ "أشهد" في هذا، بل مجرد
стр. 10903
الإخبار بتحريمه. وقد قال الله تعالى:
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (١).
ولا تتوقف صحة الشهادة على أنه يقول سبحانه: "أشهد بكذا".
وقال تعالى:
﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ (٢).
أي أخبر به وتكلم به عن علم، والمراد به التوحيد.
ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل فيه: "أشهد أن لا إله إلا الله، بل لو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله" كان مسلما بالاتفاق (٣).
وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (٤)». فإذا تكلموا بقول: لا إله إلا الله حصلت لهم العصمة وإن لم يأتوا بلفظ "أشهد".
وقال ابن عباس ﵄: "شهد عندي رجال مرضيون - أرضاهم عندي عمر - أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب". ومعلوم أن عمر لم يقل لابن عباس: أشهد عندك أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، ولكن أخبره فسماه ابن عباس شهادة (٥).
قال ابن قيم الجوزية: (وقد تناظر الإمام أحمد، وعلي بن المديني في
стр. 10904
العشرة - رضوان الله عليهم - فقال علي: أقول: "هم في الجنة، ولا أقول: أشهد بذلك". بناء على أن الخبر في ذلك خبر آحاد، فلا يفيد العلم، والشهادة إنما تكون على العلم.
فقال الإمام أحمد: " متى قلت: هم في الجنة فقد شهدت ". حكاه القاضي أبو يعلى، وذكره ابن تيمية.
فكل من أخبر بشيء فقد شهد به، وإن لم يتلفظ بلفظ "أشهد". وقال: ومن العجب أنهم احتجوا على قبول الإقرار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (١).
قالوا: هذا يدل على قبول إقرار المرء على نفسه. ولم يقل أحد: إنه لا يقبل الإقرار حتى يقول المقر: "أشهد على نفسي"، وقد سماه الله "شهادة" (٢).
وأما ما ورد في شرح فتح القدير على الهداية من (أن النصوص نطقت باشتراط هذه اللفظة، وهي قوله تعالى:
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥).
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٦).
وقول الرسول ﷺ : «إذا علمت مثل الشمس فاشهد (٧)»، وأن حاصل هذا أن النصوص وردت بلفظ الشهادة. وقوله: فإن قيل: غاياتها وردت بلفظ الشهادة، وذلك لا يوجب على الشاهد لفظ الشهادة؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٨).
стр. 10905
ولم يرد من السنة في تكبير الافتتاح إلا بلفظ التكبير؛ كقوله ﷺ : «تحريمها التكبير (١)» ولم يشترط لذلك لفظ التكبير عند أبي حنيفة، فمن أين لزم في الشهادة؟ وجوابه عليه بقوله: قلنا الفرق معنوي، وهو أن لفظة الشهادة أقوى في إفادة تأكيد متعلقها من غيرها من الألفاظ كأعلم، وأتيقن، لما فيها من اقتضاء معنى المشاهدة والمعاينة التي مرجعها الحس، ولأنها من ألفاظ الحلف، فالامتناع مع ذكرها عن الكذب أظهر. وقد وقع الأمر بلفظ الشهادة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)
وقوله ﵊: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد»، فلزم لذلك لفظ الشهادة بخلاف التكبير فإنه التعظيم، وليس لفظ أكبر أبلغ من أجل وأعظم، فكانت الألفاظ سواء، فلم تثبت خصوصية توجب تعيين لفظ أكبر (اهـ.) (٣) فقد رد عليه الشيخ أحمد إبراهيم قائلا:
أقول: (إن عجيبا من مثل صاحب الفتح أن يقتنع بمثل هذا الكلام):
أولا: استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٤) وبقوله ﵊: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد» على أن الأمر وقع بلفظ الشهادة، فكيف هذا وكل ما في الآية الكريمة هو الأمر بإقامة الشهادة لله، وليس في ذلك ما يستلزم أن يكون الأداء بلفظ مشتق من مادة (ش هـ د)، فضلا عن لفظ أشهد بخصوصه، فإقامة الشهادة قد تأتي بغير ذلك اللفظ، ولا أحسب أن هذا يخفى على مثل صاحب الفتح على جلالة قدره، ومتانة علمه، بل هو لا يخفى على من دونه بدرجات، والاستدلال بالحديث على ذلك أبعد من
стр. 10906
الاستدلال بالآية، والأمر ظاهر.
ثانيا: أن ذلك الفرق المعنوي بين لفظي الشهادة والتكبير ممنوع، كيف وذلك المعنى الذي يستفاد من تأدية الشهادة بلفظ أشهد يمكن أن يستفاد من مثل قول الشاهد: "رأيت ما أخبر به الآن بعيني التي في رأسي، وسمعت كلام المدعي عليه بأذني سمعا حقيقيا، وإني متأكد مما أقول، وأقسم بالله العظيم إني لصادق". فهل تقصر مثل هذه العبارة عن أن تؤدي المعنى المستفاد من لفظ أشهد أو هي تزيد عليه؟ على أنه كم شاهد يشعر بأن في قوله: "أشهد" معنى اليمين، بل هل ورد عن العرب أن لفظ أشهد يؤدي معنى الإخبار عن معاينة مع تضمنها القسم في آن واحد، فمن الذي ادعى هذا ممن يوثق بنقله من أئمة اللغة؟ فالمسألة في الحقيقة من قبيل المشترك اللفظي، وهل يتناول اللفظ المشترك في استعمال واحد معنييه معا أو جميع معانيه؟
ثالثا: أن التكبير جاء في الصلاة التي هي من العبادات، والشهادات جاءت في المعاملات، والأصل عند المحققين من أئمة الشريعة أن أحكام المعاملات معللة معقولة المعنى جملة وتفصيلا، بخلاف العبادات، فيا للعجب كيف يدخل الرأي والقياس في العبادات، وكيف يمتنع في المعاملات؟! على أنه من الذي يدرينا أن معنى أجل وأعظم أبلغ من معنى أكبر عند الشارع، أليس للشارع وحده أن يتعبدنا بما شاء، فمنه الأمر وعلينا الامتثال، ولا معنى للتعبد قليلا أو كثيرا، وما الذي يدرينا أن هذا الذي استنبطناه بالرأي يكون عبادة يرضاها الشارع منا؟ فالأسلم في جانب العبادة أن تكون بمعزل عن الرأي والقياس. وأما المعاملات الدنيوية فجانب المعنى فيها في
стр. 10907
غاية الظهور، فلا معنى لأن يدخلها التعبد. فالحق أنه لا دليل من الكتاب، ولا من السنة، ولا من القياس على اشتراط أن يكون الأداء بلفظ الشهادة فضلا عن لفظ "أشهد" بخصوصه (اهـ.).
стр. 10908
الترجيح:
إذا نظرنا إلى أدلة جمهور الفقهاء لا نجد فيها نصا صريحا يستوجب الاقتصار على لفظة "أشهد" عند تأدية الشاهد لشهادته أمام القاضي؛ لأن جميع أدلتهم عامة، خالية من نص خاص يؤيد ما قالوا به، أو تعليل يفرض نفسه سوى تضمن هذا اللفظ للإعلام، والإخبار، والقسم، إضافة إلى أنهم قالوا في معرض تبريرهم بأن هذا اللفظ تعبدي غير معقول المعنى، وأنه ورد اللفظ به على لسان الشارع، فنسلم به، ونقصر لفظ الشهادة عليه دون غيره من الألفاظ كأعلم، وأتيقن.
أما الفريق الآخر فإن أدلتهم وإن ورد بها ما يفيد عدم اقتصار الشهادة المعتبرة شرعا على لفظ الشهادة أمام القاضي، حيث عبر في الحديث الشريف بقول الزور، وبشهادة الزور، وقال في الآية الكريمة:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١).
فرادف القول الشهادة، فإن شهادة الزور سميت شهادة مجازا.
أما قول الإمام أحمد: "متى قلت: هم في الجنة فقد شهدت" (٢) فإنه كلام إمام مجتهد لا يخلو من معارض.
стр. 10909
والذي يترجح عندي عدم الاقتصار في الشهادة على لفظ "أشهد" عند تأدية الشاهد لها أمام القاضي، واعتبار أي لفظ يفيد المعنى ويؤدي الغرض المطلوب، وهو إيضاح الحقيقة تبيانا للعدل، وإيضاحا للحق، وذلك للأسباب التالية:
١ - عدم وجود نص صريح يستوجب الاقتصار على هذا اللفظ.
٢ - أنه ما دام أن الدخول في الإسلام يتم بدون شرط التلفظ بالشهادة بالرغم من ورود ذلك في نص الحديث، فإن هذا اللفظ ليس بشرط. فإن قيل: إن هذا من معاني الشهادة العامة، قلت: وكذلك استعمالها عند القاضي ليس في موضوع معين، بل في عامة القضايا.
٣ - وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (١).
حيث لا تتوقف الشهادة على أنه سبحانه يقول: أشهد بكذا.
٤ - كذلك قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ (٢).
فإنه إذا كان قد احتج بهذا على إقرار المرء على نفسه ولم يقل أحد بقصر الإقرار على قول المقر: أشهد على نفسي بكذا وكذا. وقد سمى الله الإقرار هنا شهادة؛ فإنه كما يجوز الإقرار بأي لفظ فكذلك الشهادة من باب أولى، سيما وأنها لا ترد من الشخص المقر، بل من شخص - في الغالب - لا يطلب مغنما ولا يدفع مغرما.
٥ - أنه هناك من المسلمين غير العرب من لا يفهم معنى كلمة أشهد باللغة العربية، وفي حالة شهادته حادثة ما، واستلزم الأمر لشهادته مع
стр. 10910
أنه لا يستطيع تأديتها بالعربية، أفنضطره على أن ينطق بهذا اللفظ مع عدم معرفته لمعناه؟ لا شك أن هذا شبه مستحيل، ويصعب على أي عاقل أن ينطق بكلام لا يفهم معناه ويوافق على تدوينه والتوقيع عليه. وإذا صرف النظر عن شهادته فسيضيع الحق إذا كانت قد تعينت عليه الشهادة لكمال النصاب به.
وإذا اكتفى بإدلائه بشهادته بلغته، ثم ترجمت إلى العربية - وهذا هو الافتراض الذي أرى أنه لا محيد عنه من لدن أي عاقل يدرك سماحة الشريعة وحرصها على حقوق الناس - فإن الترجمة حينئذ لن تكون حرفية، فقد يمليها المترجم بلفظ أعلم أو أتيقن، أو غيرهما مما يفيد علمه بالواقعة، فهل نصرف النظر عن هذه الشهادة لعدم قول المترجم لفظ: أشهد؟!
كما أن المترجم قد يترجم لفظ أعلم أو أتيقن بلغة الشاهد إلى لفظ أشهد، وتكون الشهادة المملاة من الناقل وهو المترجم مغايرا لفظها للفظ الصادر من الشاهد، فيكون ظاهر الحكم على هذه الشهادة صحيحا وباطنه باطلا. بخلاف الحالة الأولى حيث يطابق فيها لفظ لغة الشاهد للفظ: أشهد مع ترجمتها إلى أعلم أو أتيقن، فيكون ظاهر هذه الشهادة باطلا وباطنها صحيحا. وعندئذ فإنه سيكون هناك مشقة على المسلمين عند تأدية الشهادات وتحملها، سيما في البلاد التي تكثر فيها اللغات، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٢).
قال ابن عباس في تفسير هاتين الآيتين: لا يغلب عسر يسرين (٣)، والدين الإسلامي في غاية اليسر والسماحة والمثالية ومراعاة مصالح الناس، وإن الشريعة مقاصدها المحافظة على مصالح الناس، وكيان المجتمع
стр. 10911
بكفالة ضروريات الناس وتوفير حاجياتهم، والمحافظة على حياتهم وشؤونها. والأمور الضرورية للناس هي: المحافظة على خمسة أشياء، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. ولا يتأتى حفظ هذه الأشياء إلا بتطبيق شريعة الله، ومن ذلك الأخذ بالشهادة بأي لفظ يفيد المعنى ويتحقق الحق به.
وقد قال ابن حزم بأنه: (إن قال الشاهد للقاضي: أنا أخبرك، وأنا أقول لك، وأنا أعلمك، أو لم يقل: أنا أشهد - فكل ذلك سواء - وكل ذلك شهادة تامة فرض على الحاكم الحكم بها؛ لأنه لم يأت قرآن، ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا قياس ولا معقول، بالفرق بين شيء من ذلك. ثم قال: فإن قيل بأن القرآن والسنة وردا بتسمية ذلك شهادة؟ قلنا: نعم، وليس في ذلك أنه لا يقبل حتى يقول: أنا أشهد فقد جعلنا معتمدنا وجعلتم معتمدكم في رد شهادة الفاسق قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١).
فصح أن كل شهادة نبأ، وكل نبأ شهادة وكلاهما خبر، وكلاهما قول، وكل ذلك حكاية (٢).
وهذا كلام جيد وموافق للغة والمعقول، وتتحقق به المصالح المنشودة من الشهادة. والله أعلم.
стр. 10912
صفحة فارغة
стр. 10913
حكم العمل بالعام قبل البحث عن المخصص
بقلم الدكتور: عياضة بن نامي السلمي
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله النبي الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذا بحث صغير في مسألة من مسائل أصول الفقه الهامة، التي كثر الكلام فيها بين الأصوليين، وجاء أكثره فيها غير مبين، قد اختلط فيه الغث بالسمين، وأثار الغبار في طريق الدارسين، وبلبل عقول المبتدئين، فأردت أن أسهم بهذا البحث المختصر في حل معضلها، وبيان مشكلها، راجيا الله العليم الحكيم أن يوفقني للصواب ويكتب لي به الأجر والثواب.
وقد قسمت البحث إلى تمهيد وسبعة مطالب على النحو التالي:
١ - تمهيد في تعريف العام ووجوب العمل به.
٢ - المطلب الأول: تحرير محل النزاع في المسألة.
٣ - المطلب الثاني: ذكر الأقوال فيها إجمالا.
٤ - المطلب الثالث: تحرير الأقوال ونسبتها لأصحابها والاستدلال عليها ومناقشة الأدلة.
٥ - المطلب الرابع: الموازنة والترجيح.
٦ - المطلب الخامس: سبب الخلاف في المسألة.
٧ - المطلب السادس: ثمرة الخلاف.
٨ - المطلب السابع: مقدار البحث المخصص عند من أوجبه في تعريف
стр. 10914
العام ووجوب العمل به.
تمهيد:
- العام في اللغة: اسم فاعل من العموم، وهو الشمول والإحاطة، والعام هو الشامل المحيط بأكثر من واحد.
- وفي الاصطلاح: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر.
والعمل بالعام من الكتاب والسنة هو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم من الطوائف. وإنما نقل الخلاف فيه عن بعض المتكلمين الذين يزعمون أن ألفاظ العموم التي يذكرها العلماء لا تفيد العموم إلا بقرائن، فإن لم توجد قرائن تدل على العموم أو الخصوص وجب التوقف فيها، وهذا القول لا يعتد به، ولا يلتفت إليه، وما زال العلماء قديما وحديثا يستدلون بعمومات الكتاب والسنة غير معتدين بمن خالف فيها.
والصحابة رضوان الله عليهم هم أعرف الناس بهذا الشرع وبلغته التي أنزل الله بها كتابه، وتكلم بها نبيه ﷺ . وقد عملوا بعمومات الكتاب والسنة في وقائع كثيرة حصل بمجموعها العلم بأنهم كانوا مجمعين على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على عمومها ما لم يصرفها صارف إلى الخصوص.
стр. 10915
وقد لام النبي ﷺ أبا سعيد بن المعلى حينما لم يعمل بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١).
وذلك حين ناداه وهو يصلي فلم يجب حتى قضى صلاته، فلامه الرسول ﷺ وقال: ألم تسمع قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) الآية (٣). ووقع مثل ذلك لأبي بن كعب (٤).
стр. 10916
المطلب الأول
تحرير محل النزاع
لا خلاف بين أرباب العموم في أن العام المراد به العموم قطعا، يجب اعتماد عمومه والعمل به من غير توقف ولا انتظار، يقول الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) رحمه الله تعالى: العمومات إذا اتحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة، من غير تخصيص، فهي مجراة على عمومها على كل حال، وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل. . إلى أن قال: وعلى هذا ينبني القول في العمل بالعموم، وهل يصح من غير المخصص أم لا؟ فإنه إذا عرض على هذا التقسيم أفاد أن القسم الأول غير محتاج فيه إلى بحث؛ إذ لا يصح تخصيصه إلا حيث تخصص القواعد بعضها بعضا. فإن قيل: قد حكي الإجماع في أنه يمنع العمل بالعموم حتى يبحث هل له مخصص أم لا؟ وكذلك كل دليل مع معارضه، فكيف يصح القول بالتفصيل؟ فالجواب أن الإجماع إن صح فمحمول على غير القسم المتقدم؛ جمعا بين الأدلة (١).
стр. 10917
ولا خلاف بين العلماء في أن العام المراد به الخصوص لا يجوز العمل به في عمومه. وإنما اختلفوا في العام المطلق الذي لم يعلم له مخصص أصلا أو علم تخصيص بعض أفراده، فهل يجوز العمل بعمومه في الأفراد التي لم يعلم تخصيصها قبل البحث عن المخصص؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) في تحرير محل النزاع: "وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه، أو علم تخصيص صور معينة منه، هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له؟ " (١).
وهذا هو الذي عليه المحققون، وإن كان من الأصوليين من نقل الإجماع على عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، كالغزالي وغيره (٢).
ومنهم من نقل الإجماع على التمسك بالعموم في حياة النبي ﷺ قبل البحث عن المخصص. ونقل الإجماع في هذه المسألة وهم كبير، لما سنعرف من كثرة الأقوال فيها، إلا إذا فسر البحث عن المخصص بأنه مجرد التروي واسترجاع ما في الذاكرة.
стр. 10918
المطلب الثاني
ذكر الأقوال إجمالا
اختلف العلماء في المسألة السابقة على أقوال:
١ - أنه يجب العمل بالعام قبل البحث عن المخصص.
٢ - أنه لا يجوز العمل به قبل البحث عن المخصص.
٣ - أنه يجوز العمل به لمن في عهد النبي ﷺ من غير بحث عن
стр. 10919
المخصص.
٤ - أنه يجوز العمل به لمن سمعه من النبي ﷺ من غير بحث عن المخصص.
٥ - أنه يجوز العمل به لمن سمعه من النبي ﷺ على سبيل التعليم، كأن يكون جوابا عن سؤال ونحو ذلك.
стр. 10920
المطلب الثالث
تحرير الأقوال وذكر أدلتها ومناقشتها
القول الأول:
أنه يجب العمل بالعام إذا حضر وقت العمل به ولا يتوقف فيه إلى أن يتم البحث عن المخصص.
وهذا القول هو ظاهر كلام الشافعي في الرسالة حيث قال: " فكل كلام كان عاما ظاهرا في سنة رسول الله ﷺ فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله: (بأبي هو وأمي) يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض " (١).
وقال أيضا: " وكذلك ينبغي لمن سمع الحديث أن يقول به على عمومه وجملته حتى يجد دلالة يفرق بها فيه بينه " (٢).
وذكر نحو ذلك في مواضع أخرى (٣).
وهذا المذهب هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وقد استخرجها أصحابه مما جاء في رواية ابنه عبد الله أنه سأله عن
стр. 10921
الآية إذا جاءت عامة مثل قوله تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١).
وأخبر أن قوما يقولون: لو لم يجئ فيها خبر عن النبي ﷺ توقفنا عندها، فلم تقطع حتى يبين الله لنا فيها أو يخبر الرسول. فقال أحمد قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢)
كنا نقف عند ذكر الولد لا نورثه حتى ينزل الله أن لا يرث قاتل ولا عبد؟ " (٣).
قال القاضي أبو يعلى (ت ٤٥٨هـ) بعد ذلك: "وظاهر هذا الحكم به في الحال من غير توقف، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، وذكره في أول كتاب التنبيه، فقال: وإذا ورد الخطاب من الله تعالى، أو من الرسول بحكم عام أو خاص حكم بوروده على عمومه حتى ترد الدلالة على تخصيصه، أو تخصيص بعضه (٤).
وجاء في المسودة بعد نقل كلام القاضي ما نصه: (قلت: إنما رد على من يقف إذا لم يرد مخصص، ليس فيه عدم البحث عن المخصص) (٥).
وقد اختار هذا القول الصيرفي من الشافعية (٦).
وهو اختيار ابن حزم (٧) (ت ٤٥٦هـ) والقاضي أبي يعلى (٨)، وابن
стр. 10922
عقيل (١) (ت٥١٣هـ) وابن قدامة (٢) (ت ٦٢٠هـ)، والبيضاوي (٣) (ت ٦٨٥هـ) والسبكي (٤) (ت ٧٧١هـ) وغيرهم.
ونسبه صاحب فواتح الرحموت إلى الحنفية فقال: " والحنفية يوجبون العمل به قبل البحث، واستقر هذا المذهب إلى الآن" (٥).
وسيأتي أن هذا ليس مذهب جميع الحنفية كما يتبادر من كلامه.
الأدلة:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة نذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: أن الصيغة تقتضي العموم وضعا، فيجب العمل بمقتضاه حتى يرد ما يعارضه، كما أنه يجب العمل بنصوص الكتاب والسنة قبل انقطاع الوحي مع احتمال ورود الناسخ، ولم يقل أحد إنهم كانوا لا يعملون بالنصوص إلا بعد السؤال عن الناسخ والبحث عنه، بل كانوا يبادرون إلى العمل بالنص من كتاب أو سنة متى بلغهم من غير أن ينتظروا الناسخ، وإذا لم يجب التوقف للبحث عن الناسخ لم يجب للبحث عن المخصص (٦).
- المناقشة:
اعترض على هذا الاستدلال من قبل المانعين من وجهين:
الأول: أن الصيغة تقتضي العموم، لكن ليس اقتضاؤها إياه مطلقا، بل هو مشروط بالتجرد عن المخصص، ولا يتحقق ذلك إلا بالبحث عن المخصص (٧).
стр. 10923
- ودفع هذا الاعتراض من وجوه:
١ - أن الأصل عدم المخصص، فإن لم يعلم وجب العمل بالأصل.
٢ - أنه يلزمهم أن يقولوا في الأعداد والحقائق الأخرى مثل ذلك.
٣ - أنه يلزمهم أن يقولوا في تخصيص الزمان وهو النسخ مثل ذلك؛ لأن احتمال النسخ قائم، لكنه خلاف الظاهر (١).
الثاني: أن النسخ يفارق التخصيص؛ لأن النسخ لا يكون متراخيا، لذلك لم يجب انتظاره، بخلاف المخصص فإنه يكون مقارنا. وأيضا فإن انتظار الناسخ يؤدي إلى تعطيل العمل بالدليل السابق مطلقا، ورفع الحكم إنما يكون بعد العمل به، فلو كان قبل العمل به لم يكن للفظ الأول فائدة، وهذا بخلاف المخصص، فإن انتظاره لا يؤدي إلى تعطيل العمل بالدليل؛ لأنه إذا لم يوجد المخصص عملنا بالدليل على عمومه، وإن وجد المخصص عملنا به فيما سوى المخصص، وتحققنا أن المخصوص غير مراد باللفظ، فالعمل بالعام بعد البحث حاصل على كل حال، إما في عمومه من غير استثناء، أو فيما بقي (٢).
ودفع هذا الاعتراض القاضي وابن عقيل فأجابا عن الشق الأول من الاعتراض بأن المخصص يجوز تأخيره عندنا، فهو كالناسخ في ذلك (٣).
وأجاب ابن عقيل عن الشق الثاني بأن البحث عن الناسخ لا يعطل العمل بالدليل، بل إن عدم الناسخ عملنا بالدليل، وإن وجد علمنا أن العمل بالدليل الأول لا يجوز، وكذا الشأن في المخصص، فإذا لم يوجد المخصص عمل بالعموم، وإن وجد لم يعمل به في عمومه، بل فيما عدا المخصوص.
стр. 10924
وقولهم: إن رفع الحكم لا يكون إلا بعد العمل به غير مسلم به، يجوز أن يرفع الحكم قبل التمكن من العمل به على الأرجح. وفائدة الأمر الأول ظهور عزم المطيع على العمل، وعزم العاصي على المعصية (١).
الدليل الثاني: أن الصيغة موضوعة للعموم حقيقة، والتخصيص متوهم، فلا يجوز تأخير العمل بالعام لتوهم الخصوص، كما أن الحقائق لا يتوقف فهم معانيها، والعمل بها على البحث عن القرائن الصارفة لها عن حقيقتها إلى المجاز. فإذا وجب التمسك بالحقيقة والعمل بها من غير بحث عما يصرفها عن حقيقتها إلى المجاز فكذلك يجب العمل بالعام من غير بحث عما يصرفه عن عمومه إلى الخصوص (٢).
- المناقشة:
اعترض على هذا الاستدلال بأن صيغة العموم تخالف سائر الحقائق في أنه إذا خص من العموم بعض أفراده لم يصر مجازا في الباقي، والحقائق إذا صرفت عما وضعت له صارت مجازات عند الجميع.
ودفع هذا الاعتراض بأنه قد اشترك العام مع سائر الحقائق في أنه موضوع لمعناه حقيقة، وإنما قلنا: إنه بعد التخصيص لا يصير مجازا؛ لأن البعض الباقي ليس غير ما وضع له اللفظ، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي (٣).
وهذا الجواب كما هو واضح لا يتمشى إلا مع مذهب القائلين بأن التخصيص لا يصير العام مجازا. وأما من قال: إنه يصير مجازا فلا يخفى أن الاعتراض لا يرد عليه أصلا.
الدليل الثالث: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم
стр. 10925
التوقف في العمل بالعام إلى أن يستقصي البحث عن المخصص، ولا أنكر أحد منهم على من استدل بالعام قبل استقصاء البحث عما يخصصه، بل قد روي عنهم ما يخالف ذلك؛ فقد حكم عمر ﵁ بدية الأصابع بمجرد العلم بكتاب عمرو بن حزم ﵁، وترك القياس، والرأي، ولم يبحث عن المخصص ولم يسأل عنه، وتمسكت فاطمة ﵂ بعموم آية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١).
ولم تبحث عن المخصص؛ إذ لو بحثت واستقصت في البحث لوجدته، وقد أقرها أبو بكر على ذلك الاحتجاج، ولم ينكر عليها، ولكن بين لها أن العموم مخصوص (٢).
الدليل الرابع: أنه لو لم يعمل بالعام قبل البحث عن المخصص لأفضى ذلك إلى ترك العمل بالدليل العام؛ لأن الأصول كثيرة، والإحاطة بها ليس بالأمر الهين، فما لم يجده المجتهد اليوم قد يجده غدا (٣).