← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

الآية إذا جاءت عامة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). وأخبر أن قوما يقولون: لو لم يجئ فيها خبر عن النبي ﷺ توقفنا عندها، فلم تقطع حتى يبين الله لنا فيها أو يخبر الرسول. فقال أحمد قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢) كنا نقف عند ذكر الولد لا نورثه حتى ينزل الله أن لا يرث قاتل ولا عبد؟ " (٣). قال القاضي أبو يعلى (ت ٤٥٨هـ) بعد ذلك: "وظاهر هذا الحكم به في الحال من غير توقف، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، وذكره في أول كتاب التنبيه، فقال: وإذا ورد الخطاب من الله تعالى، أو من الرسول بحكم عام أو خاص حكم بوروده على عمومه حتى ترد الدلالة على تخصيصه، أو تخصيص بعضه (٤). وجاء في المسودة بعد نقل كلام القاضي ما نصه: (قلت: إنما رد على من يقف إذا لم يرد مخصص، ليس فيه عدم البحث عن المخصص) (٥). وقد اختار هذا القول الصيرفي من الشافعية (٦). وهو اختيار ابن حزم (٧) (ت ٤٥٦هـ) والقاضي أبي يعلى (٨)، وابن

стр. 10922

عقيل (١) (ت٥١٣هـ) وابن قدامة (٢) (ت ٦٢٠هـ)، والبيضاوي (٣) (ت ٦٨٥هـ) والسبكي (٤) (ت ٧٧١هـ) وغيرهم. ونسبه صاحب فواتح الرحموت إلى الحنفية فقال: " والحنفية يوجبون العمل به قبل البحث، واستقر هذا المذهب إلى الآن" (٥). وسيأتي أن هذا ليس مذهب جميع الحنفية كما يتبادر من كلامه. الأدلة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة نذكر منها ما يلي: الدليل الأول: أن الصيغة تقتضي العموم وضعا، فيجب العمل بمقتضاه حتى يرد ما يعارضه، كما أنه يجب العمل بنصوص الكتاب والسنة قبل انقطاع الوحي مع احتمال ورود الناسخ، ولم يقل أحد إنهم كانوا لا يعملون بالنصوص إلا بعد السؤال عن الناسخ والبحث عنه، بل كانوا يبادرون إلى العمل بالنص من كتاب أو سنة متى بلغهم من غير أن ينتظروا الناسخ، وإذا لم يجب التوقف للبحث عن الناسخ لم يجب للبحث عن المخصص (٦). - المناقشة: اعترض على هذا الاستدلال من قبل المانعين من وجهين: الأول: أن الصيغة تقتضي العموم، لكن ليس اقتضاؤها إياه مطلقا، بل هو مشروط بالتجرد عن المخصص، ولا يتحقق ذلك إلا بالبحث عن المخصص (٧).

стр. 10923

- ودفع هذا الاعتراض من وجوه: ١ - أن الأصل عدم المخصص، فإن لم يعلم وجب العمل بالأصل. ٢ - أنه يلزمهم أن يقولوا في الأعداد والحقائق الأخرى مثل ذلك. ٣ - أنه يلزمهم أن يقولوا في تخصيص الزمان وهو النسخ مثل ذلك؛ لأن احتمال النسخ قائم، لكنه خلاف الظاهر (١). الثاني: أن النسخ يفارق التخصيص؛ لأن النسخ لا يكون متراخيا، لذلك لم يجب انتظاره، بخلاف المخصص فإنه يكون مقارنا. وأيضا فإن انتظار الناسخ يؤدي إلى تعطيل العمل بالدليل السابق مطلقا، ورفع الحكم إنما يكون بعد العمل به، فلو كان قبل العمل به لم يكن للفظ الأول فائدة، وهذا بخلاف المخصص، فإن انتظاره لا يؤدي إلى تعطيل العمل بالدليل؛ لأنه إذا لم يوجد المخصص عملنا بالدليل على عمومه، وإن وجد المخصص عملنا به فيما سوى المخصص، وتحققنا أن المخصوص غير مراد باللفظ، فالعمل بالعام بعد البحث حاصل على كل حال، إما في عمومه من غير استثناء، أو فيما بقي (٢). ودفع هذا الاعتراض القاضي وابن عقيل فأجابا عن الشق الأول من الاعتراض بأن المخصص يجوز تأخيره عندنا، فهو كالناسخ في ذلك (٣). وأجاب ابن عقيل عن الشق الثاني بأن البحث عن الناسخ لا يعطل العمل بالدليل، بل إن عدم الناسخ عملنا بالدليل، وإن وجد علمنا أن العمل بالدليل الأول لا يجوز، وكذا الشأن في المخصص، فإذا لم يوجد المخصص عمل بالعموم، وإن وجد لم يعمل به في عمومه، بل فيما عدا المخصوص.

стр. 10924

وقولهم: إن رفع الحكم لا يكون إلا بعد العمل به غير مسلم به، يجوز أن يرفع الحكم قبل التمكن من العمل به على الأرجح. وفائدة الأمر الأول ظهور عزم المطيع على العمل، وعزم العاصي على المعصية (١). الدليل الثاني: أن الصيغة موضوعة للعموم حقيقة، والتخصيص متوهم، فلا يجوز تأخير العمل بالعام لتوهم الخصوص، كما أن الحقائق لا يتوقف فهم معانيها، والعمل بها على البحث عن القرائن الصارفة لها عن حقيقتها إلى المجاز. فإذا وجب التمسك بالحقيقة والعمل بها من غير بحث عما يصرفها عن حقيقتها إلى المجاز فكذلك يجب العمل بالعام من غير بحث عما يصرفه عن عمومه إلى الخصوص (٢). - المناقشة: اعترض على هذا الاستدلال بأن صيغة العموم تخالف سائر الحقائق في أنه إذا خص من العموم بعض أفراده لم يصر مجازا في الباقي، والحقائق إذا صرفت عما وضعت له صارت مجازات عند الجميع. ودفع هذا الاعتراض بأنه قد اشترك العام مع سائر الحقائق في أنه موضوع لمعناه حقيقة، وإنما قلنا: إنه بعد التخصيص لا يصير مجازا؛ لأن البعض الباقي ليس غير ما وضع له اللفظ، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي (٣). وهذا الجواب كما هو واضح لا يتمشى إلا مع مذهب القائلين بأن التخصيص لا يصير العام مجازا. وأما من قال: إنه يصير مجازا فلا يخفى أن الاعتراض لا يرد عليه أصلا. الدليل الثالث: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم

стр. 10925

التوقف في العمل بالعام إلى أن يستقصي البحث عن المخصص، ولا أنكر أحد منهم على من استدل بالعام قبل استقصاء البحث عما يخصصه، بل قد روي عنهم ما يخالف ذلك؛ فقد حكم عمر ﵁ بدية الأصابع بمجرد العلم بكتاب عمرو بن حزم ﵁، وترك القياس، والرأي، ولم يبحث عن المخصص ولم يسأل عنه، وتمسكت فاطمة ﵂ بعموم آية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١). ولم تبحث عن المخصص؛ إذ لو بحثت واستقصت في البحث لوجدته، وقد أقرها أبو بكر على ذلك الاحتجاج، ولم ينكر عليها، ولكن بين لها أن العموم مخصوص (٢). الدليل الرابع: أنه لو لم يعمل بالعام قبل البحث عن المخصص لأفضى ذلك إلى ترك العمل بالدليل العام؛ لأن الأصول كثيرة، والإحاطة بها ليس بالأمر الهين، فما لم يجده المجتهد اليوم قد يجده غدا (٣).

стр. 10926

الدليل الخامس: أن الأصل عدم المخصص، وهذا يورث ظنا غالبا بأن المخصص معدوم، والظن الغالب كاف لإثبات الأحكام (١). القول الثاني: أنه لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص. وهذا القول هو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. وقد استنتجها أصحابه من قوله فيما كتبه إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني حيث قال: "فأما من تأوله على ظاهره - يعني القرآن - بلا دلالة من رسول الله ﷺ ، ولا أحد من أصحابه، فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكما عاما، ويكون ظاهرها في العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله ﷺ هو المعبر عن كتاب الله، وما أراد وأصحابه أعلم بذلك منا لمشاهدتهم الأمر، وما أريد بذلك (٢). قال القاضي بعد نقل هذا النص: " ظاهر هذا أنه لا يجب اعتقاده، ولا العمل به في الحال حتى يبحث وينظر هل هناك دليل تخصيص (٣). وقال الإمام أحمد أيضا في رواية صالح: " إذا كان للآية ظاهر فينظر ما عملت السنة، فهو دليل على ظاهرها " (٤).

стр. 10927

واختار هذا القول ابن سريج وأكثر الشافعية (١). وهو اختيار أبي الخطاب (٥١٠هـ) وشيخ الإسلام ابن تيمية من الحنابلة (٢). الأدلة: استدل أصحاب القول الثاني بأدلة أهمها ما يلي: الدليل الأول: أننا لو قدرنا وجود المخصص لما صح الاستدلال بالعام على عمومه، فإذا لم نبحث عن المخصص حتى يحصل لنا علم أو ظن غالب بعدمه فالدليل العام متردد بين أن يكون حجة وأن لا يكون. والأصل ألا يكون حجة إبقاء للأشياء على حكم الأصل. فيكون الدليل العام قبل البحث عن المخصص ليس بحجة (٣). - المناقشة: لقد أجاب الرازي عن هذا الاستدلال بأن الدليل العام وإن كان مترددا بين الحجية وعدمها إلا أن كونه حجة أغلب على الظن؛ لأن فيه إجراء للعام على ظاهره، والظن الغالب يكفي للاحتجاج (٤). الدليل الثاني: قياس اللفظ العام على الشهادة فإنه لا يجوز للقاضي المبادرة إلى العمل بشهادة الشهود قبل أن يستكشف حالهم هل هم عدول؟ ولا يكتفي بأصل العدالة. قالوا: فكذلك الشأن في اللفظ العام فإنه وإن كان ظاهره يدل على دخول جميع أفراده لكن لا بد أن يبحث

стр. 10928

المجتهد عما يخصص هذا العموم، ولا يكتفي بدلالة الصيغة في أصل الوضع (١). - المناقشة: اعترض على هذا الاستدلال بأن الشهود لم تثبت عدالتهم من قبل، وإلا لوجب على القاضي العمل بموجب شهادتهم من غير حاجة إلى تزكية، وأما العام فقد علمت دلالته على أفراده بأصل الوضع، فيعمل بتلك الدلالة حتى يرد ما يخالفها. قال ابن حزم في الجواب عن هذا الاستدلال: " وهذا تشبيه فاسد؛ لأن الشاهدين لو صح عندنا قبل شهادتهما أنهما عدلان فهما على تلك الحالة، ولا يحل التوقف في شهادتهما، والغرض إنفاذ الحكم بها ساعة يشهدان، وكذلك ما أيقنا أنه خطاب الله تعالى أو خطاب رسول الله ﷺ لنا، وإنما يتوقف في الشاهدين إذا لم يعلمها " (٢). وأيضا فإن الشهادة تفارق النقل والرواية من وجوه كثيرة؛ فإن رواية الواحد صحيحة يجب قبولها والعمل بها، بخلاف الشهادة فلا تصح من واحد (٣). الدليل الثالث: أن السامع إذا سمع قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤). فإما أن يعتقد عموم الآية مباشرة حتى إنه يعتقد خلق صفة الكلام، والإرادة، والعلم، ونحوها من صفات الله ، وإما أن يتوقف حتى ينظر فيما يجوز دخوله تحت الآية فيدخله، وما لا يجوز إدخاله فيخرجه، والاحتمال الأول باطل، فيتعين الثاني، وإذا قلتم به فقد قلتم بوجوب البحث

стр. 10929

عن المخصص (١). - المناقشة: أجيب عن هذا الدليل بأن دليل العقل فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته سابق لكل سمع، فإذا سمع العاقل هذه الآية ونحوها بعدم دخول الله وصفاته تحت عمومها (٢). ولا يخفى أن هذا الدليل إنما يتجه على من أوجب اعتقاد العموم والجزم به قبل البحث عن المخصص كالصيرفي، ولا يدل على عدم جواز العمل بالعام قبل البحث عما يخصصه. القول الثالث: التفصيل، فيجب التوقف في حق البعض ولا يجب في حق البعض الآخر، وقد اختلفوا في كيفتيه على ثلاثة أقوال: أ - مذهب أبي بكر الجصاص: وهو أن السامع للفظ العام إن كان قد سأل النبي ﷺ عن حكم حادثة فأنزل الله في ذلك قرآنا عاما أو أجابه النبي بجواب عام، فعليه إمضاء لفظه على عمومه من غير طلب للمخصص؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يذكر للسائل اللفظ العام من غير ذكر المخصص إلا إذا كان مرادا به العموم؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وإن كان سمع النبي ﷺ يتكلم باللفظ العام ابتداء من غير أن يسأله، أو بلغه الدليل العام عن طريق النقل عن الرسول ﷺ من غير مشافهة، فلا يخلو إما أن يكون السامع من أهل الاجتهاد أو لا. فإن كان من أهل الاجتهاد ففيه وجهان:

стр. 10930

- أحدهما: أنه لا يجوز له الحكم بظاهر الدليل العام حتى يستقرئ الأصول هل فيها ما يخصه؟ - والثاني: أنه يجوز له الحكم بعمومه من غير بحث؛ لأنه لا يمكن أن يخليه الله عند سماع اللفظ العام من إيراد دليل الخصوص إن كان العام مخصوصا؛ لأن إسماع المكلف اللفظ العام المخصوص دون دليل الخصوص تجهيل وتضليل، وهما ممتنعان عن الله جل وعلا. وأما إن لم يكن السامع من أهل النظر والاجتهاد كالعامي فليس له أن يعمل بالعام قبل سؤال العلماء المجتهدين، فإن سأل من يلزمه قبول قوله فأفتاه بجواب عام لزمه إمضاؤه على عمومه، كمن سأل النبي ﷺ (١). ب- أنه يجوز لمن سمع اللفظ العام من النبي ﷺ التمسك به قبل البحث عن المخصص، ولا يجوز لغيره ذلك. ونسب هذا القول إلى أبي عبد الله الجرجاني من الحنفية (٢). ووجه هذا القول أن النبي ﷺ لا يجوز عليه تأخير المخصص عن العام، فإذا سمع الدليل العام من النبي ﷺ من غير ذكر المخصص علم أن عمومه مراد، أما آحاد أمته فلا يمتنع عليهم أن ينقلوا العام المخصوص من غير نقل المخصص، فلا يجوز المبادرة بالعمل العام إلا لمن سمعه من النبي ﵇ (٣). وقد أجاب المجيزون للعمل بالعام من غير بحث عن ذلك من وجوه: ١ - أن تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب جائز عندنا (٤).

стр. 10931

٢ - أن المبلغ عن النبي ﷺ لا يجوز له أن يؤدي بعضا من كلام النبي ﷺ دون بعض، ولا يجوز له أن يكتم ماله أثر في الحكم، وإلا لكان ملبسا. فوجب أن يكون من سمعه من غير النبي ﷺ كمن سمعه منه؛ لأنه سمع لفظ النبي بنصه من غير زيادة ولا نقصان. ٣ - أن صيغ العموم موضوعة للدلالة عليه، فلا يختلف مدلولها باختلاف الناطقين بها، فيستوي في ذلك من سمع الدليل العام من النبي، ومن سمعه من غيره بنقل العدول الثقات (١) ج - أنه يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص لمن في عهد النبي ﷺ دون من بعده، وقد ذكر المحلي في شرحه على جمع الجوامع أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني نقل الإجماع على ذلك (٢)، ولكن سبق أن عرفنا أن هذا النقل ليس بدقيق. وهذا القول أوسع من الذي قبله؛ لأن ما قبله لا يجيز العمل إلا لمن سمعه من النبي ﷺ ، أما هذا القول فيجوزه لمن في عهد النبي سواء سمعه منه مباشرة أم بواسطة. ولعل أصحاب هذا القول احتجوا بأن من في عهد النبي ﷺ لا يخفى عليهم المخصص إن وجد، بخلاف من بعدهم فربما خفي عليهم. وهذا الاستدلال ليس بسديد؛ لأن من في عهد النبي ﵇ قد تخفى عليهم بعض المخصصات كما خفي على فاطمة ﵂ تخصيص آية الميراث بحديث «لا نورث، ما تركناه صدقة (٣)». وأيضا فإن التابعين، ومن بعدهم فيهم من هو أعلم بكثير ممن في عهد

стр. 10932

النبي ﵇ إذا لم يكن الصحابي ملازما للنبي ملازمة طويلة مع زيادة الفطنة والانتباه؛ إذ ليس كل من في عهد النبي عالما.

стр. 10933

المطلب الرابع الموازنة والترجيح الذي يظهر لي بعد استعراض أهم الآراء وأدلتها أن الراجح هو التفريق بين العلماء المجتهدين الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وعرفوا مواطن الإجماع والاختلاف، والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يؤهلهم للفتيا وتولي القضاء. فالقسم الأول لا ينبغي الخلاف في أن أحدهم إذا بلغته آية عامة أو حديث عام ولم يبلغه ما يخصصه، مع تمرسه بالأدلة المنقولة والمعقولة، أنه يجب عليه العمل به إذا حان وقت العمل من غير توقف، ولا يجب عليه البحث عما عساه أن يجده من مخصص أو ناسخ. أما العوام ومن في حكمهم فليس لأحد منهم أن يفتي أو يحكم بالعموم على ظاهره؛ لأنهم ليسوا من أهل الفتيا والحكم، وليسوا مخاطبين بهما. ولكن إذا ابتلي بعض طلاب العلم بمنصب قضاء أو فتوى نظرا لانعدام المجتهد المطلق أو لندرة وجوده فلا يجوز له أن يحكم ولا أن يفتي قبل أن يتدبر أدلة الشرع، ويعرف ما قاله أهل العلم الذين سبقوه في هذه المسألة، وما استدل به كل منهم؛ حتى يتضح له وجه الصواب فيقدم على ما يراه حقا حينذاك، ولو أجزنا لهؤلاء أن يكتفوا بعمومات الأدلة

стр. 10934

التي بلغتهم لضلوا وأضلوا. ووجه هذا التفصيل أن العلماء المجتهدين قد أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وعرفوا الخاص والعام والناسخ والمنسوخ، وقد سبق لهم البحث في العمومات، وعرفوا ما دخله التخصيص منها، وما لم يدخله التخصيص، فالبحث قد حصل منهم سابقا، قبل أن يتصدروا للفتيا أو القضاء، فإذا ألزمناهم بمعاودة البحث فلا يخلو إما أن نقول: تكفيهم غلبة الظن أو لا بد من القطع بعدم المخصص. فإن قلنا: تكفيهم غلبة الظن، فغلبة الظن حاصلة لهم عند سماع العام الذي لم يعرفوا له مخصصا، وإن قلنا: يلزمهم القطع عطلنا العمل بنصوص الشريعة العامة، وآل بنا الأمر إلى مذهب الواقفية الذين لا يرون العمل بالعمومات؛ لأن القطع لا سبيل إليه في أكثر العمومات. ويبدو لي أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوه لأحد أمرين: الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه. وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: " وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى

стр. 10935

نقض ما أمضاه بتبين الخلاف " (١). ومثل هذا التوقف لا ينبغي الخلاف في أنه واجب. الثاني: أنهم إنما منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم، والحكم به، وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولا شك أنه لو أذن لغير المجتهدين في أن يعملوا بالعموم من غير بحث عن المخصص لتعطل كثير من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ترجيح قول المانعين: "وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره، فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه، فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه، وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض" (٢). فقوله: إن هذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين إلا بعد البحث عن المعارض. يدل على أنه إنما منع من ذلك خشية أن يتشبث بعض مدعيي العلم ببعض العمومات، ويتركوا البحث عن مخصصاتها. والذين نقلوا الإجماع على المنع ربما قصدوا المنع من الاعتقاد الجازم قبل البحث، لا المنع من العمل إذا حضر وقت العمل بالعام. وقد أشار إمام الحرمين إلى ذلك حيث قال: "إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم ولم يدخل وقت العمل بموجبها. فقد قال أبو بكر الصيرفي من أئمة الأصول: يجب على المتعبدين اعتقاد العموم فيها على جزم، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذلك وإن تبين الخصوص تغير العقد. وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء. ومضطرب العلماء، وإنما هو قول صدر

стр. 10936

من غباوة واستمرار في عناد. . (إلى أن قال): " والذي يكشف الغطاء في هذه المسألة أن المتعبد قبل أن يحين العمل يتردد، وقد يغلب على ظنه العموم لظهور اللفظ في اقتضائه، ثم إذا لم يرد مخصص ودخل وقت العمل فيقع ذلك على وجهين: أحدهما: القطع بالتعميم، فينتهض اللفظ العام مع ما يبدو من القرائن نصا، وقد يقع ذلك نصا في مسالك الظنون، فإن العمل لا ينحصر في مدارك القطع، فالمقطوع به وجوب العمل بالعموم، فأما أن يعتقد إرادة العموم فلا، وهذا يطرد في كل ما لا يكون قاطعا كأخبار الآحاد والأقيسة الظنية، فالمقطوع به في جميع هذه الأبواب وجوب العمل به " (١). فهذا الكلام يدل بوضوح على أن إمام الحرمين لم ينكر على الصيرفي القول بوجوب العمل بالعام إذا حضر وقت العمل من غير توقف، وإنما أنكر عليه القول بوجوب اعتقاد العموم الذي لم يحضر وقت العمل به، من غير بحث عن المخصص اعتقادا جازما، وقد اتهمه بالغباوة والعناد، وعد قوله مخالفا لمسالك العقلاء؛ وذلك لأن العام ظاهر لا يرتفع إلى درجة النص إلا بقرائن تدل على أنه أريد به العموم، فكيف يصح أن تقطع بأن مطلقه أراد التعميم من غير بحث عما قد يخصصه؟ ثم بين أن وجوب العمل به لا يدل على أنه ارتفع إلى درجة القطع، بل المقطوع به وجوب العمل، لا إرادة التعميم. والحنابلة وإن كان منهم من أوجب اعتقاد عمومه قبل البحث، لكن لا يقصدون بذلك الاعتقاد الجازم، بل اعتقاد موقوف على عدم تبين المخصوص، أو هو ظن غالب. وأما الذين أجازوا العمل بالعموم قبل البحث لمن سمعه من النبي

стр. 10937

صلى الله عليه وسلم أو لمن في عهد النبي فإنما أجازوه لهم؛ لأنه يبعد أن يوجد المخصص ولا يعلموه، بخلاف من بعدهم، أو لأن النبي ﷺ لا يجوز عليه أن يذكر العام المخصوص دون أن يذكر دليل الخصوص. وهذه مسألة أخرى ليس هذا مكان بحثها. وقولهم لم يعد ذا أثر بعد انقراض عصر الصحابة ﵃. وخلاصة القول أن المجتهد الذي قد سبر غور النصوص وعرف خاصها وعامها وناسخها ومنسوخها، يجوز له أن يتمسك بالعام ويعمل به، ولا يجب عليه أن يعاود البحث في كل مرة يريد فيها أن يعمل بموجب نص عام، بل يعرض النص العام على ما بلغه من النصوص، فإن رأى فيها ما يخصه وإلا عمل به. . والله أعلم.

стр. 10938

المطلب الخامس سبب الخلاف اختلف في سبب الخلاف في المسألة ما هو؟ فذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف مبني على أن التخصيص مانع أو عدمه شرط لإفادة العموم؟ فمن قال: إن التخصيص مانع أوجب العمل قبل البحث عن المخصص، فإذا وجد المخصص عمل بالعام فيما عداه، وإن لم يوجد بقي العام على عمومه. وأما من قال: إن عدم المخصص شرط لإفادة الصيغة العموم فقالوا: لا يعمل بالعام إلا بعد تحقيق هذا الشرط قطعا أو ظنا غالبا (١). ومن العلماء من جعل الخلاف في المسألة مبنيا على الخلاف في قوة دلالة العام، أهي قطعية أم ظنية؟ فمن قال: إنها قطعية أوجب العمل قبل

стр. 10939

البحث، ومن قال: إنها ظنية منع العمل قبل البحث (١). وهذا الكلام فيه نظر؛ لأننا وجدنا الذين قالوا: إنها ظنية منهم من يوجب العمل قبل البحث، ومنهم من يوجب التوقف حتى يبحث. وكذلك الذين قالوا: إنها قطعية، منهم من قال: يجب العمل مطلقا، ومنه من قال: لا يجوز العمل قبل البحث إلا لمن سمعه من النبي ﷺ على وجه التعليم، أو سمعه من النبي ﷺ مطلقا، سواء كان على سبيل التعليم أم لا.

стр. 10940

* المطلب السادس * ثمرة الخلاف الخلاف في هذه المسألة يترتب عليه خلاف في مسائل كثيرة، نشير فيما يلي إلى بعض منها باختصار: ١ - هل يجوز للقاضي أن يحكم للمدعي إذا قامت البينة بدون الإعذار إلى المدعي عليه؟ - قال الإسنوي (ت ٧٧٢): "جوزه الشافعي ومنعه أبو حنيفة، ولاشك أن حكم الحاكم بالبينة أو بالإقرار قبل الفحص عن المعارض كالعمل بالدليل قبل الفحص عن معارضه" (١). ٢ - إذا علق الزوج طلاق زوجته فقال: إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، فهل تطلق بإعطائه أي نقد؟ - قال الإسنوي: تطلق بإعطائه أي نقد، لكن إذا أعطته من غير الغالب كان له رده، والمطالبة بالغالب. فإن كان الغالب في البلد الدراهم الزائدة قبل تفسيره بها على المذهب، وإن كان الغالب المغشوشة فقيل: ينزل كلامه عليها، وقيل: لا.

стр. 10941

فعلى قول من قال: يقبل التفسير بالناقصة والمغشوشة، فهل يجب أن يراجع ويسأل عن مقصوده أو يؤخذ بالظاهر، إلا أن يعبر بما يخالفه؟ فيه احتمالان: ٣ - إذا لاعن الرجل زوجته وانتفى الولد ثم استلحقه فقال شخص للولد: لست ابن فلان فهل يعتبر هذا قذفا يحد به أو يسأل عن قصده؟ - قال النووي (ت ٦٤٦هـ): الراجح أنه يعتبر قذفا فيحد به، إلا إن ذكر تفسيرا معقولا فيقبل قوله بيمينه (١). ٤ - ذكر صاحب فواتح الرحموت أن الخلاف في تأخير المخصص عن الخطاب العام مبني على الخلاف في العام أيجب العمل بعمومه قبل البحث عن المخصص أم لا بد من البحث قبل العمل؟ فمن قال: يجب العمل قبل البحث قال: لا يجوز تأخير المخصص (٢).

стр. 10942

المطلب السابع مقدار البحث عن القائلين به الذين منعوا العمل بالعام قبل البحث عن المخصص اختلفوا في مقدار البحث على أقوال: القول الأول: أنه يكفي غلبة الظن. وبه قال أكثر من أوجب البحث عن المخصص، ومنهم ابن سريج. ووجه هذا القول: أن القطع واليقين لا سبيل إليه، وليس في وسع المكلف تحصيله، والظن الغالب كاف لوجوب العمل بالأدلة الشرعية فيقتصر عليه (١).

стр. 10943

القول الثاني: أنه يجب القطع بانتفاء المخصص، وقد نقله الغزالي عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وقد ذكر لتحصيل القطع طريقين: أ - أن المسألة إذا اشتهر الكلام فيها بين الصحابة والتابعين وسائر أهل العلم بعدهم، فيقال: إن هذه المسألة طال البحث فيها بين أهل العلم، وذكر كل منهم دليله، وليس فيها ما يخصص هذا العموم، فنقطع بانتفائه (١). وقد رد الغزالي ذلك من وجهين: الأول: أنه ليست كل المسائل قد طال البحث فيها بين أهل العلم، فهل يحجر على الصحابة التمسك بالعموم في المسائل التي لم يكثر البحث فيها؟ الثاني: أنه حتى لو طال الخوض في مسألة من المسائل لا يمكن أن نقطع بعدم وجود المخصص، وبخاصة أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه اطلع على كل ما قاله أهل العلم فيها؛ لأن منه ما لم يكتب، ومنه ما كتب، ولم يبلغنا، فيمكن أن يكون فيما لم يبلغنا دليل الخصوص. ب - الطريق الثاني: أن يقول: لو كان الحكم خاصا لنصب الله تعالى عليه دليلا للمكلفين، ولبلغهم ذلك، وما خفي عليهم. وقد رده الغزالي بأنه إذا تحقق إجماع الأمة على شيء أمكن القطع به، لكن إذا لم تجمع الأمة عليه فكيف يتصور القطع به؟ (٢).

стр. 10944

القول الثالث: وهو اختيار الغزالي، وقد توسط بين القولين السابقين فلم يقل بوجوب القطع، ولم يقل: تكفي غلبة الظن، بل قال: يجب على المجتهد أن يبحث حتى يتحقق من عجزه عن إدراك المخصص، بحيث يتيقن أن بحثه بعد ذلك بحث ضائع لا جدوى منه، ومثل هذا البحث يحصل به علم وظن، أما العلم فهو تيقن المجتهد بعجزه عن إدراك المخصص، وأما الظن فبانتفاء الدليل المخصص في واقع الأمر. ووجه هذا القول أن العام لا يكون دليلا إلا بانتفاء المعارض، فوجب بذل الجهد والطاقة لإدراك المخصص أو تحقق العجز عن إدراكه، وغلبة الظن بعدم وجوده في نفسه (١) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 10945

مصادر البحث ١ - الإحكام في أصول الأحكام لأبي محمد بن حزم - طبع مطبعة الإمام بمصر. ٢ - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر - الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨هـ - مطبعة السعادة بمصر. ٣ - أصول الجصاص: لأبي بكر أحمد بن علي الرازي (مخطوط) له صورة بدار الكتب. ٤ - الأعلام لخير الدين الزركلي - الطبعة الثالثة. ٥ - البرهان: لإمام الحرمين الجويني - تحقيق د. عبد العظيم الديب - الطبعة الأولى - قطر. ٦ - التمهيد لجمال الدين الإسنوي - تحقيق محمد حسن هيتو - طبعة سنة ١٤٠٠هـ. ٧ - تيسير التحرير لمحمد أمين - مطبعة البابي الحلبي سنة ١٣٥٠هـ. ٨ - جمع الجوامع لتاج الدين السبكي - الطبعة الثانية مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٥٦هـ ومعه شرح المحلي وحاشية البناني. ٩ - الجواهر المضيئة لابن نصر الله - الطبعة الأولى بمطبعة حيدر أباد الدكن. ١٠ - الرسالة للإمام الشافعي - تحقيق أحمد محمد شاكر - الطبعة الأولى. ١١ - روضة الناظر لأبي محمد بن قدامة - تحقيق د. عبد العزيز السعيد - الطبعة الأولى. ١٢ - السنن الكبرى للحافظ البيهقي - الطبعة الأولى سنة ١٣٤٤هـ - حيدر أباد الدكن. ١٣ - سنن الترمذي - تعليق عزت الدعاس - مطابع الفجر الحديثة بحمص. ١٤ - شذرات الذهب: لابن العماد الحنبلي - طبعة المكتب التجاري في بيروت. ١٥ - صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري - نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ١٦ - صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - نشر وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ١٧ - طبقات الحنابلة: للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى - دار المعرفة - بيروت. ١٨ - طبقات الشافعية لجمال الدين الإسنوي - طبع ديوان الأوقاف في بغداد - سنة ١٣٩١هـ تحقيق عبد الله الجبوري. ١٩ - طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي - الطبعة الأولى تحقيق عبد الفتاح الحلو ومحمد الطناحي. ٢٠ - العدة للقاضي أبي يعلى تحقيق د. أحمد سير المباركي - طبعة مؤسسة الرسالة. ٢١ - الفروق لشهاب الدين القرافي - تصوير دار المعرفة - بيروت. ٢٢ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - جمع عبد الرحمن بن قاسم. ٢٣ - المحصول - لفخر الدين الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني - الطبعة الأولى. ٢٤ - المستصفى لأبي حامد الغزالي - الطبعة الأميرية في بولاق سنة ١٣٢٢هـ - وبذيله مسلم الثبوت وشرحه. ٢٥ - مسلم الثبوت لابن عبد الشكور وشرحه فواتح الرحموت للأنصاري - المطبعة الأميرية - مطبوع بذيل المستصفى. ٢٦ - المسودة لابن تيمية - طبع مطبعة المدني بمصر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. ٢٧ - مفتاح السعادة ومصباح الريادة - لطاش كبري زادة - مطبعة الاستقلال بمصر تحقيق كمال بكري وعبد الوهاب أبو النور. ٢٨ - منهاج الوصول للبيضاوي - مطبعة محمد علي صبيح بمصر، ومعه نهاية السول للإسنوي وشرح البدخشي. ٢٩ - الموافقات للشاطبي تحقيق عبد الله دراز - طبعة دار المعرفة - بيروت. ٣٠ - نزهة المشتاق في شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي: لمحمد يحيى بن الشيخ أمان - طبعة ١٣٧٠هـ مطبعة حجازي بالقاهرة. ٣١ - الواضح لابن عقيل مخطوط بالظاهرية.

стр. 10946

تعدد الزوجات وأهميته للمجتمع المسلم الدكتور ناصر بن عقيل الطريفي الحمد لله الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة، والصلاة والسلام على رسولنا وهادينا محمد بن عبد الله الذي أرسل رحمة للعالمين، فأمر بالتناكح والتزاوج للتناسل وتكثير هذه الأمة للمباهاة والمكاثرة بها الأمم يوم القيامة. وبعد: فإن الله تعالى جعل بقاء الإنسان وطريقة تكاثره وتناسله عن طريق التزاوج بين المرأة والرجل، وركب في الزوجين الرجل والمرأة غريزة الشهوة الجنسية؛ ليحصل المقصود من تناسل الإنسان لبقائه، ثم إنه نظم طريقة إرواء غرائز الإنسان تنظيما يكفل إرواءها ويحد من جماحها؛ إذ لو ترك للإنسان إرواء رغباته حسب ما يحلو له، لدبت الفوضى، ولجنح عن الصراط المستقيم، وتنكب الجادة كما هو مشاهد في عالم البشر الذين لا يؤمنون بالله تعالى، أو لا يطبقون شريعة الإسلام، فنجد أن ظاهرة الجنس تسيطر على حياتهم، وكأن الإنسان خلق من أجل التمتع الجنسي؛ لذا دبت الفوضى واستشرى الفساد، وأصبحت العلاقات البهيمية المحمومة هي المسيطرة بين الرجال والنساء، وأصبحت المرأة سلعة يتاجر بها الرجل ويلوح بها في كل حين، وظهرت الحياة عند بعض الشعوب حياة جنسية شبيهة بحياة الحيوانات الخالية من كل قيد وتنظيم. أما نظام إرواء الرغبة الجنسية في الإسلام فهو عن أحد طريقين:

стр. 10947

الزواج أو الاسترقاق. ولا ثالث لهما، وأي طريق غير هذين فهو اعتداء على حرمات الله وتشريعه، يعاقب عليه في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٣). وتشريع الله للعلاقة بين الرجل والمرأة هو التشريع السليم؛ لأنه من عند خالق البشر، العالم بما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم، فالزواج المشروع هو الذي ينتج العلاقة الصالحة التي تقوى فيها العاطفة والمحبة والألفة والحنان بين الزوجين، وتروى فيها الرغبة الجنسية والوطر، ويولد فيها الأولاد في جو من المحبة والسعادة، ويتربون في كنف هذه الحياة الزوجية أسوياء يشاركون بعد ذلك في بناء المجتمع. أما ترك الإنسان يجمح في إرواء رغبته كلما سنحت له الفرصة مع أي امرأة، وبأي طريقة، فهذا يولد القلق والأمراض، وينتج أولادا غير شرعيين يتربون في الملاجئ، ومن ثم يحرمون الحنان والعاطفة، فيشبون مجردين عن الحب، بل ربما يخرجون وهم يحملون الحقد على المجتمع. وتعدد الزوجات الذي أباحه الله تعالى بقوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤). يرعى تحقيق مصالح كثيرة تظهر لنا أحيانا، وتخفى علينا أحيانا أخرى، وهذا الشأن في تشريعات الله وأحكامه، فالله لم يسن أي أمر عبثا، وإنما سنه لحكمة يعلمها، ومصالح كثيرة تعود على الإنسان بالنفع العميم والخير الكثير. فهذا التعدد فيه إعفاف للرجال والنساء عن الحرام وقضاء على الفساد، ودفع للشرور والآثام، وتكثير

стр. 10948

للنسل، وطاقات المجتمع البشرية التي يحتاج إليها للبناء والتنمية، حتى إن بعض العلماء لا يرى أن تعدد الزوجات مجرد إباحة، وإنما هو مندوب إليه ومرغب فيه شرعا. قال ابن قدامة في معرض حديثه عن النكاح وأمر الله به وحث عليه: (ولأن النبي ﷺ تزوج وبالغ في العدد وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي ﷺ وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى) (١) اهـ. وأصدق دليل على فضل النكاح وتعدد الزوجات هو رسول الله ﷺ ، وهو خير هذه الأمة، وقد عدد زوجاته. روى البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا. قال: فتزوج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء (٢). قال ابن حجر في بيان معنى هذا الحديث: (قيل: المعنى: خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل. والذي يظهر: أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح؛ إذ لو كان راجحا ما آثر النبي ﷺ غيره، وكان مع كونه أخشى الناس ﷺ وأعلمهم به يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال) (٣) اهـ. وقد قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: (لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأنا أعلم أني أموت في آخرها يوما، ولي طول النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة) (٤).

стр. 10949

كما أن الآية أمرت بالنكاح اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فإن خاف الإنسان عدم العدل بين الزوجات فيلجأ إلى عدم التعدد، فيقتصر على واحدة أو على ملك اليمين من الإماء، والأمر أقل درجاته الندب والاستحباب، روى البخاري بسنده «عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن قوله تعالى:. فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن. قالت: واستفتى الناس رسول الله ﷺ بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: إلى. . فأنزل الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ونسبها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها وأخذوا غيرها من النساء. قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق (٤)». ومع هذه الفوائد الجمة لتعدد الزوجات من تكثير أفراد الأمة، وإعفاف الرجال والنساء عن الحرام والزنا والعلاقات المشبوهة، نجد أعداء الإسلام يهاجمون الإسلام ويطعنون فيه بإباحته للتعدد، ويصفونه بأنه يهضم المرأة حقها، ويعطي الرجل فرصا أفضل من الفرص التي يعطيها للمرأة في إشباع مطالبه ورغباته، بينما يقيد دائما دور المرأة، ويجعلها

стр. 10950

مغلوبة على أمرها، كما أن إباحة التعدد لا يستفيد منه جميع طبقات المجتمع، وإنما يستفيد منه ذوو الثراء والجاه وحدهم؛ إذ هم القادرون على التعدد والإنفاق، ودفع تكلفة الزواج، وهم القادرون على تحقيق مطالب الزوجات والأولاد. وللأسف نجد بعض المسلمين يزهد في التعدد ويحاول تصويره بأنه كله مشكلات وأعباء، وما ذلك إلا لعدم ثقته بالله تعالى المشرع والمنظم، ولضعف إيمانه بأحكام دينه. بل إن بعضهم يحاول أن يجعل من النصوص الشرعية ما يؤيد رأيه ووجهته في منع التعدد، فيجعل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (١). وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٢). دليلا له على منع التعدد في الظروف العادية؛ إذ شرط التعدد هو العدل، وهو متعذر وغير مستطاع؛ لذا يمنع التعدد، لأنه إذا امتنع الشرط الذي هو العدل امتنع المشروط الذي هو التعدد، وليس الأمر كذلك؛ لأن العدل المنفي في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (٣) هو المحبة القلبية؛ لأن القلوب ليست ملكا لأصحابها، فلا يملك المرء التحكم في قلبه، فهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقد كان النبي ﷺ يعدل بين زوجاته في القسم والنفقة والمبيت والسكنى ويقول:

стр. 10951

«اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (١)».

стр. 10952

فوائد تعدد الزوجات وأهميته للمجتمع إن تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية، ورحمة بالمرأة ورعاية لها قبل أن يكون مغنما للرجل، وهذه حقيقة مشاهدة مدركة بالعيان، يشاهدها كل ذي بصيرة. . أما من أغفل قلبه وأعمى عينيه وسار وراء الذين يشوهون التعدد ويصورونه بأنه مشكلات وأعباء ومتاعب وقسوة وحيوانية وظلم للمرأة، ويضربون أمثلة من الوقائع اليومية التي يعيشها الناس، فهم ناسون بأن الحياة كلها مشكلات، وأن الإنسان يعيش في داخل المشكلات والمتاعب؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١). إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه (٢) فهل صاحب الزوجة الواحدة يخلو من المشكلات والمنغصات؟! وهل الأولاد إذا كانوا من زوجة واحدة وأب واحد لا يوجد بينهم منافسات ومشكلات؟! وهل من عنده أولاد سعيد كل السعادة؟! وهل من حرم الأولاد سعيد كذلك؟! فالحياة الدنيا حياة ملؤها المشكلات والمنغصات والهموم والكبد، ولكن على الإنسان أن يصبر ويرضى بحكمة ربنا وقدره، ويستشعر أن هذه الحياة ما هي إلا وسيلة إلى الحياة الحقيقية، الحياة الآخرة التي لا فناء بعدها، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).

стр. 10953

وتعدد الزوجات الذي نحن بصدد الحديث عنه رغم ما فيه من أعباء وتكاليف كثيرة على الزوج، وما فيه من إثارة لغيرة المرأة من ضراتها - الزوجات الأخر - فهو يعالج شرا بأخف ضرر ممكن، فعلى المرأة أن تضحي من أجل بنات جنسها، وعلى الرجل أن يتحمل ليشارك في بناء المجتمع، فإننا ندرك مبررات كثيرة للتعدد، وضرورات اجتماعية تلجئ إليه، مع إيماننا بأن المسلم عليه أن يطبق حكم الله، سواء أظهرت له الحكمة والمصلحة من الحكم، أم لم يظهر له شيء: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١). ولكننا نذكر هذه الفوائد والمبررات لتطمئن قلوب الذين ضعف إيمانهم، أو يريدوا إقناع غيرهم، واتقاء شر هجوم الكفار على الإسلام، فمن هذه المبررات:

стр. 10954

أولا: أن نسبة النساء في أي مجتمع من المجتمعات البشرية تفوق نسبة الرجال وتزيد عليها ، وذلك مشاهد من عدة وجوه: الوجه الأول: كثرة ولادة البنات دون الذكور، فنجد عدد النساء في البيت الواحد أكثر من عدد الرجال، وليتحقق كل واحد من هذه الحقيقة بالنظر إلى بيته وأقاربه وجيرانه، وليعمل إحصائية يعدد فيها الرجال، وإحصائية أخرى يعدد فيها النساء في معارفه، فإنه ولا شك سيخرج بنتيجة زيادة عدد النساء على الرجال. الوجه الثاني: يتعرض الرجال للموت والفناء أكثر من النساء؛ إذ لديهم قابلية للمرض أكثر من النساء، كما أن الرجال يتعرضون للحوادث من جراء تعرضهم للمخاطر أكثر من النساء، فالرجال في الغالب تقع

стр. 10955

عليهم حوادث الطائرات والسيارات والقطارات والسفن، وشتى حوادث الطرق؛ لأنهم يخرجون للكسب والمعاش، بينما النساء يقبعن في بيوتهن، والرجال قوامون عليهن، فالمرأة لا تتعرض للأخطار كثيرا، وإن كنت شاكا في هذا فاجلس عند باب المقبرة، واعمل إحصائية بمن يموت خلال شهر، فستجد نسبة وفيات الرجال تزيد على نسبة وفيات النساء بنسبة ٣ - ١. كما أن الحروب تلتهم الرجال، وهم وقود المعارك، وبنظرة سريعة إلى البلاد التي تستعر فيها الحروب، فستجد آلاف النساء بلا عائل، تخطفت الحروب والاغتيالات آباءهن وأزواجهن ومن يعولهن. وقد دلت الإحصائيات بعد الحرب العالمية الثانية أن أكثر بلاد أوروبا أصبحت النساء يشكلن نسبة ٧ - ١ من الرجال، فإذا تزوجت واحدة برجل فأين الأزواج للبواقي إذا لم يكن التعدد؟

стр. 10956

ثانيا: أن الرجل يتأخر نضجه الجنسي والاجتماعي واستعداده للزواج ، فقل أن يكون مهيئا للزواج قبل الخامسة والعشرين من عمره، بينما المرأة يبدأ نضجها واستعدادها للزواج في سن مبكرة قبل الرجل بما لا يقل عن خمس سنوات. فكمال نضارة المرأة وبهجتها في سن العشرين من عمرها، وهذا يجعل الجاهزات للزواج أكثر من نسبة الرجال الجاهزين للزواج، فلو تأخرت المرأة في الزواج كما يتأخر الرجل لذهبت نضارتها وزهرة حياتها وأنوثتها، وهذا ما نشاهده في واقع الحياة، وبخاصة مع البنات اللاتي شغلت الدراسة أفكارهن، فيردن التخرج من الجامعات وإكمال الدراسات العليا، وفي النهاية يفاجأن بفوات قطار الزواج، ورغبة الرجال عنهن، فيجلسن عانسات في بيوتهن.

стр. 10957

ثالثا: أن رغبة المرأة إلى الجماع أقل من رغبة الرجل ، وهي أكثر حياء منه، فقلما تجد رجلا يستغني بامرأة واحدة، بينما كثير من النساء

стр. 10958

لا تتحمل كثرة الجماع وتتأفف منه، فلا تستطيع امتصاص طاقة الرجل، وبخاصة عند بلوغها الخمسين من عمرها. والذين ينتقدون الإسلام في إباحته للتعدد هم يعددون النساء ولكن بطرق غير مشروعة، فلهم الخليلات والصديقات والسكرتيرات، وغير ذلك من طرق الاتصال المشبوه الذي يهدد البيوت ويفسد العلاقات الأسرية، كما أن القسوة والوحشية تتمثل في هذا الاتصال المحرم، فالمرأة يعبث بها الرجل ثم تنوء بأعباء هذا العبث من إفساد سمعتها وتدنيس شرفها وعفتها، وتركها للخزي والعار، وربما تحمل من هذا الاتصال والرجل ليس عليه تبعات هذا الحمل، ولا نفقة للمرأة ولا مهر يدفعه لها، والأولاد يتركون للحرمان والتشرد والفقر، فالصلات المحرمة آلام على المرأة وعلى أولادها، لذا عاقب عليها الإسلام بالجلد والرجم بالحجارة حتى الموت، وقد أغمضت القوانين الوضعية عينيها وكأنها لا ترى الفساد والإفساد الذي ينخر كالسوس في جسم المجتمع، حتى ليكاد يبليه، فهؤلاء الأولاد الذي يرمون في الشوارع، أو يسلمون لدور الملاجئ، وهذه الأمراض الجنسية التي تهدد من كل صوب وناحية سببها - والله أعلم - هو الاتصال الجنسي غير الشرعي وبسبب البعد عن التمسك بأوامر الإسلام. وبهذا ندرك أهداف الذين ينتقدون الإسلام في عدم إعطائه الحرية الشخصية للناس يعملون كما يشاءون، ندرك أنهم يريدون العبث بالمرأة وإرواء رغباتهم ونزواتهم، بينما الإسلام يريد مجتمعا نظيفا تقوم العلاقة فيه بين الرجل والمرأة عن طريق واحد هو الزواج، وهذا يكفل للمرأة سعادتها وكرامتها وعفتها، وللأولاد الحنان والنفقة والتربية، ويكفل للرجل قضاء الوطر والعيش الهنيء، الذي تسوده المحبة والراحة والاطمئنان والأنس والرحمة.

стр. 10959

رابعا: المرأة معرضة للعقم والإياس، والمرض الذي يفوت على الرجل الاستمتاع بها ، كما أن المرأة بعد كبرها وإياسها لا تثير الرجل لذهاب بهجتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). فالمرأة لا تحمل ولا تحيض بعد سن الخمسين من عمرها، أما الرجل فتبقى لديه القوة والحيوية والرغبة إلى النساء ولو بعد كبر السن، بل حتى الموت. فإذا كانت المرأة عقيما هل من العدل أن يصبح الرجل معها عقيما ونفسه تشرئب للأطفال والأنس بهم، ومن هنا ليس هناك حل إلا أن يبقى محروما من الأولاد مع بقائه مع هذه العقيم، أو أن يطلقها ليتزوج غيرها، أو أن يتزوج بأخرى تنجب مع بقائها، ولا شك أن بقاءه بدون ذرية يتنافى مع فطرة الإنسان وغريزته التي تحب الأولاد، وطلاقه للعقيم يشردها؛ إذ المرأة إذا طلقت لا يتزوجها في الغالب إلا من هو أقل من زوجها السابق شأنا، أو أكبر سنا وله زوجة وأولاد، وقد يكون عاجزا عن الزواج على الأبكار، أو أن تبقى بدون زوج طيلة بقية حياتها، فكونها ترضى بنصف رجل أو ثلثه أو ربعه هو خير لها من عدمه. وإن كانت مريضة وهو يحبها ومرضها لا شفاء بعده وهو يمنع زوجها من أن يستمتع بها، أو يحرم زوجها من خدمتها، فهل يطلقها وهي مريضة ومحتاجة إلى الرعاية والحنان؟ أم يتزوج غيرها مع بقائها في عصمته ولها النفقة والسكنى والكرامة والمساواة؟.

стр. 10960

خامسا: الزواج المتعدد فيه نبل وتضحية من الرجل وتحمل للمشقات والتبعات ، فأحيانا يتزوج يتيمة أو أرملة، أو امرأة فاتها قطار الزواج وفرصه، ولو تركت لجلست بدون زوج العمر كله، وقد يفكرن في الاتصال المحرم، كما أن الزوج بتعداده لزوجاته إنما يخفف من أعباء المجتمع وأولياء النساء، حيث يتحمل رعاية وتبعات أناس آخرين، ويساهم في رفع المشقة والعنت عن أولياء أمور النساء، فيحفظ زوجته ويصونها، ويكون سببا في حصول الأولاد لها، وينفق عليها وعلى أولادها منه، ويشرف على تربيتهم. هذه بعض فوائد التعدد ومبرراته، ثم هو مباح، لا واجب، فهو بمثابة العلاج في الصيدلية يتناوله من يحتاج إليه ويجد القدرة على استعماله رغم ما فيه من مرارة ومعاناة، فالأمر متروك للرجل، فهو الذي يقرر التعدد من عدمه؛ لأن مسألة الزواج يترتب عليها تبعات أخرى من السكن والنفقة والعدل والمساواة في القسم، فهو لا يقدم على التعدد إلا إذا وجد الحاجة داعية إليه، والمرأة التي أقدمت على الزواج من رجل معه زوجة أخرى لو وجدت أحسن منه لمالت إليه، ولكن الظروف ألجأتها إلى ذلك، والمرأة الأولى إذا لم تستطع البقاء بعد زواج زوجها على غيرها، فإن لها مندوحة ومخرجا من هذا الزواج بطلب الطلاق والمخالعة. وبعد هذا ندرك أهمية تعدد الزوجات للمجتمعات البشرية كلها، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١). فشريعة الله وتنظيمه لا يدانيها أي تشريع أو نظام من نظم وتشريعات البشر. فالزواج المتعدد نعمة يحل كثيرا من المشكلات للزوجين، فتبقى زوجته الأولى مع أولادها، لها النفقة والرعاية والحب والعدل في القسم،
следующие страницы →