- خططت مرافقه لأداء الخدمات التربوية والتعليمية.
أصبح المنبر منطلقا للنظر والبحث بروح " الشورى " في كل ما يهم المسلمين.
ولا يكون هذا الإحياء حقيقيا إلا: -
- إذا تجددت بشمول ثقافة القائمين على المسجد.
إذا أصبح القائمون عليه " فريقا " يتكامل في العمل.
إذا أصبحوا " وسيلة " أهل الحل والعقد من المسلمين.
ثم اقترح على المؤتمر أن يتبنى:
تكوين مركز للأبحاث يلحق بإحدى الجامعات أو المؤسسات الإسلامية ذات الصلة.
أن يسخر المركز لتطوير المرافق والخدمات الإسلامية بتوفير الكفاءات الفنية وفقا للغايات الإسلامية.
وأن يكون مصدرا للمشورة والعون لكل مؤسسة خدمة إسلامية للارتفاع بمستوى خدماتها.
***
стр. 1087
رئيس اتحاد مسلمي كوريا الحاج صبري سوح
دخل الإسلام كوريا مع الجيش التركي أثناء صد الغزو الشيوعي
تبرعت الحكومة الكورية بخمسة آلاف لبناء مسجد في سيول
...
وقد أشار الحاج صبري سوح في كلمته إلى أن دخول الكوريين في الإسلام - الذين وصفهم بأنهم جنود الإسلام الشجعان - قد جاء عن طريق قوات الجيش التركي التي جاءت لصد الغزو الشيوعي.
وقال: " إن أهالي جمهورية كوريا يتمتعون بالحق المطلق والحرية في ممارسة الدين تحت ظل القانون ".
وتساءل عما يجري في كوريا الشمالية الشيوعية: حيث يجبر الناس على عبادة " كيم إيل سونج " وحيث يسخر البشر " كجزء من الآلة الميكانيكية ". . . يهيئونهم للحرب. . .!
كما أشار إلى عقد إنشاء أول مسجد في كوريا الذي جرى توقيعه في ١٦ أكتوبر ١٩٧٤ الموافق لعيد الفطر.
***
стр. 1088
عبد الله بن عبد الله الزائد (١)
رسالة المسجد (٢)
إن المؤذن ينادي في كل يوم وليلة خمس مرات في شتى بقاع الدنيا في وقت معين: " الله أكبر " يرددها أكثر من أي جملة أخرى ويعيدها عند نهاية الآذان.
ليذكر كل كبير أنه صغير بين يدي الله، عبد له فيتخلص من نزوة النفس. ونشوة الحياة. وسكر النفوذ.
وكما يتذكر الكبراء هذا المعنى يتذكر الضعفاء كبرياء الله، وأنه أكبر من كل كبير، فتحيا آمالهم، وتقوى نفوسهم، وتهتز قلوبهم.
إذ الأكبر ليس هذا المتسلط ولا ذاك الغاشم. وإنما هو الرحمن الرحيم.
ثم يتبع هذا، الإقرار والخضوع بشهادة التوحيد وشهادة أن محمدا رسول الله، وأصوات المؤذنين في القرى والمدن تغطي ما بين المساجد. والمشروع لسامع المؤذن أن يقول مثله في ذلك، فيكون المسلمون في جميع الدنيا يجددون إسلامهم كل يوم وليلة خمس مرات بنداء واحد ودعاء واحد، تنبع منه عقيدة واحدة.
...
стр. 1089
رسالة المسجد
إذا أردنا للمسجد أن يؤدي رسالته فلننظر إلى المثل الكامل والأسوة الحسنة، إن مسجد رسول الله ﷺ هو المثال الذي ينبغي أن نطمح إليه لكي يؤدي المسجد رسالته على الوجه المرضي، فرسول الله ﷺ كان إمامه وهو المثال الكامل والأسوة الحسنة للمؤمنين. وحتى تمكن المحاكاة ليتم الإقتداء، لا بد من إبراز الصورة من جميع جوانبها عن بنائه المتواضع وموقعه المناسب وإمامه.
ومن إمامه؟ إنه الرجل الأول في المجتمع والإنسان الكامل.
وأين كان يسكن؟ إنه بجوار المسجد. ثم التعليم للخير الذي كان مستمرا في أكثر الأوقات. ومن المسجد كان يعلن الجهاد وتدبر السرايا والغزوات، وكان ﷺ يتفقد أصحابه فيسأل عن المتخلف فإن كان مصابا عزاه. وإن كان فقيرا واساه. وإن كان مريضا عاده. كان المسجد في الصدر الأول مركز القيادة ومجمع الأخيار والكبراء تجتمع فيه القلوب على الإيمان، والأبدان على العبادة، والعمل لصالح الفرد والجماعة، ولمنزلته هذه كان أول ما يقدم رسول الله ﷺ من سفر يبدأ بالمسجد فيصلي فيه.
وما زال المسجد يحتفظ بالصدارة حتى تخلى عن تولي الإمامة والخطابة فيه الحكام والأمراء ووكل ذلك إلى من يستطيع القول ولا يستطيع الفعل. فقلت أهميته في قيادة الأمة وضعف تأثيره إذ صار مكان عبادة ودراسة وفتيا.
стр. 1090
واليوم وقد استيقظ بعض المسلمين من سبات عميق فبهت كثير منهم بما رأى حوله. والبعض الآخر وهم القليل أدركوا أن دليل الطريق إلى النجاة من كل عثرة هو كتاب الله وسنة رسوله فأقبلوا عليهما حفظا وفهما وعملا وتعليما، فاستبان لهم الحق ووجب عليهم رد الحائرين إليه.
إن المؤذن ينادي في كل يوم وليلة خمس مرات في شتى بقاع الدنيا في وقت معين " الله أكبر " يرددها أكثر من أي جملة أخرى ويعيدها عند نهاية الآذان ليذكر كل كبير أنه صغير بين يدي الله، عبد له فيتخلص من نزوة النفس. ونشوة الحياة. وسكرة النفوذ. وكما يتذكر الكبراء هذا المعنى يتذكر الضعفاء كبرياء الله وأنه أكبر من كل كبير، فتحيا آمالهم، وتقوى نفوسهم، وتهتز قلوبهم. إذ الأكبر ليس هذا المتسلط ولا ذاك الغاشم. وإنما هو الرحمن الرحيم. ثم يتبع هذا، الإقرار والخضوع بشهادة التوحيد وشهادة أن محمدا رسول الله. وأصوات المؤذنين في القرى والمدن تغطي ما بين المساجد. والمشروع لسامع المؤذن أن يقول مثله في ذلك، فيكون المسلمون في جميع الدنيا يجددون إسلامهم كل يوم وليلة خمس مرات، بنداء واحد ودعاء واحد تنبع منه عقيدة واحدة.
...
ثم إنهم في صلاتهم يستقبلون قبلة واحدة، كل أهل حي يضمهم بناء واحد يتبعون إماما واحدا لا يختلفون عليه ويسبقونه، يسددونه بالتنبيه والفتح عليه متى احتاج إلى ذلك. ومتى خالف الإمام في أمر أساسي في الصلاة وتيقن المأموم ذلك ونبهه ولم يستجب لزم المأموم اتباع الحق ومتابعة الإمام حينما يمكنه ذلك. هذا المنهج في العبادة هو المنهج في الحياة للمسلمين «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي (١)» ويقول ﵊: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٢)».
هذا الاجتماع الأخوي لكل أهل حي، المتكرر في اليوم، المقتضي للألفة والتعاون والنصرة، به يعرف المختلف وسبب تخلفه فإن كان لعارض حضر في الوقت الآخر وإن استمر بحث عن السبب، فإن كان كسلا وتهاونا فلا يترك فريسة للشيطان يستحوذ عليه وينفرد به كما ينفرد الذئب بالقاصية من الغنم، بل يزار ويعالج أمره برفق ولين وحكمة حتى يرد إلى بيت الله مع عباد الله.
وإن كان المرض أقعده سعى له في العلاج بما يناسب حاله، وإن كان الفقر جمع له ما يعينه ونظر فيما يستطيعه من عمل وبذلت الأسباب لتشغيله، إن تحقيق معنى قوله ﷺ «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٣)». تحقيق هذا المعنى لا يتم على الوجه الأكمل إلا إذا أديت الصلاة في المسجد مع الجماعة. لأنك قد ترى جارك في الصباح ولا تراه في المساء، ولن تطرق عليه بابه كل يوم خمس مرات لتطمئن عليه،
стр. 1091
ولو فعلت ذلك لكنت عليه أثقل من حديث مكرور أو جاهل مغرور، ولو وقع ذلك فرضا لكنتما فردين من أمة. وحتى لا تنفصم عرى المودة والإخاء بين أهل البلدة شرع الله صلاة الجمعة، فقد يعرض لهم ما يستدعي جهودهم مجتمعين أو يحتاج إلى تحذيرهم وتنبيههم أجمعين من شبهة مضلة أو حادثة مطلة تحتاج في دفعها إلى تعاون الجماعة ليتم لهم تحقيق قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١)
وهكذا تكون اجتماعات المسلمين على العبادة إصلاحا للدنيا والآخرة بدءا بجماعة الحي وانتهاء بجماعة المسلمين في الحج الأكبر.
إن أداء المسجد رسالته أمنية لا بد لها من وسيلة فما الوسيلة لذلك؟
إن الوسيلة إلى تلكم الغاية هي الإمام المؤمن الذي يرى الإسلام عقيدة وعملا فيكون عنده الحماس للدعوة والحرص عليها. إن مثل هذا لا يقل نفعا عن الأستاذ في الجامعة، والقائد الحصيف في المعركة.
...
وحيث إن معرفة الداء أول الشفاء فإن مما يحول بين المسجد وأداء رسالته ما يلي:
١ - ما يقام في كثير من المساجد من البدع والشركيات كدعاء الموتى والتوسل بهم وخرافات الصوفية المنحرفة ومشائخ الطرق.
٢ - ضعف مستوى الأئمة والمؤذنين.
٣ - عزوف القادرين على تحمل المسئولية في المسجد عن الإمامة بحجة أنه يربطهم عن الكثير من حوائجهم وأشغالهم.
٤ - إقفار المساجد من حلق التعليم.
٥ - تباعد المساجد في الأحياء الأمر الذي يثبط البعض عن حضور الجماعة.
٦ - إقبال الناس على المادة وتسابقهم إليها واستكثارهم دقائق ينتظرون بها صلاة أو درسا.
стр. 1092
محمود شيت خطاب
الرسالة العسكرية للمسجد
الثكنة الأولى
" قبل معركة اليرموك الحاسمة بين المسلمين والروم التي دارت رحاها سنة ثلاث عشرة من الهجرة " ٦٣٤ م ".
قال رجل من المسلمين لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين.
فقال خالد: ما أقل الروم وأكثر المسلمين إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان ".
...
" لقد أحصيت عدد القادة الفاتحين، فكانوا " ٢٥٦ " قائدا عربيا مسلما منهم " ٢١٦ " من صحابة رسول الله ﷺ ، و " ٤٠ " من التابعين - عليهم رضوان الله -
стр. 1093
وكل القادة المنتصرين بعد الفتح الإسلامي كانوا متدينين غاية التدين. . . فمن أين جاء المستعمرون بفرية التناقض بين التدين والعسكرية؟! ".
...
لا حدود لسيرة النبي ﷺ دروسا وعبرا، فهو الأسوة الحسنة للمسلمين في كل زمان ومكان، يتعلم منها من يتعلم ما يفيده في حاضره ومستقبله، وقد صدرت كتب وبحوث ودراسات في العربية وغيرها، كتبها مسلمون وغير مسلمين في السيرة المطهرة لم تصدر عشر معشارها عن شخصية أخرى منذ خلق الله الإنسان حتى اليوم، وستصدر أضعافها في المستقبل القريب والبعيد بحول الله. وقد أجرت هيئة تابعة للأمم المتحدة خاصة بالعلوم والآداب والفنون إحصائية عن الكتب والبحوث والمؤلفات التي نشرت عن الشخصيات العالمية، فتفوق ما صدر عن النبي ﷺ على ما صدر عن الشخصيات الأخرى فواقا بعيدا.
وقد أمعنت النظر في حياته المباركة، فوجدتها تتلخص في التوحيد والجهاد.
لقد وجد النبي ﷺ في مكة منذ مبعثه حتى هجرته من أجل الجهاد، وحد الأفكار بالتوحيد، ووحد الصفوف بالتوحيد، ووحد الأهداف بالتوحيد.
وجاهد النبي ﷺ في المدينة منذ هجرته إليها حتى التحق بالرفيق الأعلى من أجل التوحيد. ففرض الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا.
كانت همته بناء الرجال، وكان سبيله التوحيد من أجل الجهاد، والجهاد من أجل التوحيد، وبالتوحيد أشاع الانسجام الفكري بين العرب، وهذا الانسجام جعل التعاون بينهم ممكنا، فوحد لأول مرة في التاريخ شبه الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام، توحيدا لم يستطعه أحد غيره قبل الإسلام وبعده، فكان فضل الله عليه وعلى أصحابه عظيما.
وحين هاجر - عليه أفضل الصلاة والسلام - إلى المدينة، شرع ببناء المسجد وعمل مع أصحابه في تشييده، فكان هذا المسجد الثكنة الأولى في الإسلام.
فقد كان ﵊، يحشد أصحابه في المسجد، ويحرضهم على الثبات في القتال، وتنطلق الغزوات والسرايا من المسجد، ويجتمع أصحابه حين يداهمهم الخطر في المسجد، ويعود المنتصرون من الغزوات والسرايا إلى المسجد، وتضمد جروح المصابين في المسجد.
والفرق بين الغزوات والسرايا معروف. . . الغزوات هي التي قادها النبي ﷺ بنفسه،
стр. 1094
والسرايا هي التي تولى قيادتها قادة النبي ﷺ .
أخرج الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة ﵁ يجري في عنقه السيف وهو يقول: " لم تراعوا لم تراعوا (١)».
سبق ﵊ جماعة الاستطلاع إلى الصوت، وكان الصحابة في المسجد ﵈ جاهزين لتنفيذ أوامر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.
لقد كان المسجد في أيام النبي ﷺ مثابة للمجاهدين والمثابة هي مكان اجتماع القائد بجنوده، وكان المنادي يهتف: الصلاة جامعة حين يتهدد المسلمين خطر من الأخطار، فيتقاطر المجاهدون زرافات ووحدانا إلى المسجد عليهم السلاح، ليقاوموا الخطر ويقضوا على مصدره تنفيذا لخطة قائد واحد، تحقيقا لهدف واحد، هو الدفاع عن الإسلام حتى تكون كلمة الله هي العليا.
ولست بحاجة أن أثبت قابلية النبي ﷺ القيادية: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) ولكن الفضل ما شهدت به الأعداء.
كتب المشير اللورد مونتكومري في آخر كتاب ألفه صدر سنة ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥م) بعنوان: السبيل إلى القيادة، ما نصه (محمد أعظم قائد في التاريخ).
ولست أعتز بهذه الشهادة ولا قيمة لها في نظري، ولكنني ذكرتها خاصة للذين لا تطربهم مغنية الحي، عبيد الاستعمار الفكري البغيض.
...
وبقي للمسجد مكانته السامية مثابة للمجاهدين في أيام الفتح الإسلامي منذ بدأ الفتح الإسلامي العظيم سنة إحدى عشرة من الهجرة حتى توقف سنة أربع وتسعين من الهجرة، فامتدت دولة الإسلام من حدود الصين شرقا إلى قلب فرنسا غربا، ومن سيبيريا شمالا إلى المحيط جنوبا، وكان سبب
стр. 1095
توقف الفتح: أن المسلمين في إحدى غزواتهم البحرية لجزيرة من جزر البحر الأبيض المتوسط غلوا، فنهاهم قائدهم وأنذرهم، إلا أنهم لم ينتهوا وأعرضوا عن النذر، فلما أبحرت بواخرهم عائدة بهم إلى قواعدهم في شمال أفريقية، بعث الله عليهم ريحا عاتية أغرقتهم مع ما حملوه من سحت حرام، لم ينج منهم غير قائدهم الذي سلم لأمانته، فأخبر عن مصير الذين يغلون في الغنائم، خلافا لتعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة وأصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يسلمون الغنائم كاملة لقادتهم، حتى الإبرة والمخيط.
ومنذ توقف الفتح الإسلامي العظيم، لأن المسلمين غيروا ما بأنفسهم، حتى اليوم، جرت معارك دفاعية انتصر فيها المسلمون؛ لأن قادتهم خافوا الله فوهبهم النصر، يكفي أن أذكر من القادة المنتصرين: قاضي القضاة أسديرة الفرات فاتح صقلية وصلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين، وقطز قاهر التتار ومحمد الفاتح فاتح القسطنطينية.
إن كل القادة الذين نجحوا في صد المعتدين أو أضافوا فتحا جديدا على الفتوحات الإسلامية، كانوا متدينين إلى أبعد الحدود، وكانوا أمثلة شخصية لرجالهم في التدين والاستقامة والعمل الصالح.
وخبا نور المسجد بعد تفسخ المسلمين، ولكن بقي شيء من نوره يشع قليلا، كالذي يعالج سكرات الموت، حتى غزا أعداء المسلمين بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، فأجهز الاستعمار على بقية النور في محاولة طمسه إلى الأبد.
ولكن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
***
стр. 1096
التربية الاستعمارية
كان هدف الاستعمار القضاء على القرآن الكريم عقيدة وشريعة ولغة، فقد خطط " لويس الثالث " ملك فرنسا الذي أسره المصريون (بالمنصورة) وهو أسير، وكان مجمل تخطيطه القضاء على القرآن الكريم عقيدة وتشريعا ولغة.
وكانت الأسباب الموجبة لتخطيطه: أن المسلمين لا يستعبدون أبدا، ما داموا متمسكين بهذا القرآن.
وشبت ثورات عارمة في الهند على الإمبراطورية البريطانية، وكان المؤجج الأول لأوار تلك الثورات
стр. 1097
هو التمسك بالدين الحنيف.
وضاق غلادستون رئيس وزراء بريطانيا حينذاك ذرعا، فوقف خطيبا يكاد يتميز من الغيظ حقدا على الإسلام والمسلمين، فقال: (لا يستقر للاستعمار قرار ما دام هذا القرآن يتلى صباح مساء بين المسلمين، فيجب أن نمزقه لنثبت أقدامنا في البلاد الإسلامية).
ومزق الله الإمبراطورية البريطانية، وحفظ الله القرآن الكريم، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)
ولكن، هل أخفق الاستعمار في تحقيق أهدافه كلها؟
الحق أنه لم يخفق كل الإخفاق، بل حقق بعض أهدافه في بذر الشكوك بجدوى القرآن عقيدة وشريعة ولغة.
لقد بذل قصارى جهده في بذر هذه الشكوك تمكينا للاستعمار في ديار المسلمين وتمهيدا لخلق دولة إسرائيل.
وبذلت الصهيونية العالمية قصارى جهدها دعما للاستعمار خدمة لمطامعها التوسعية الاستيطانية وتحقيقا لحلمها من النيل إلى الفرات.
...
في سنة ١٨٩٧ ميلادية، عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة (بازل) بسويسرا تحت رئاسة هرتزل نبي الصهيونية، كما يسميه الصهاينة ومن لف لفهم، وكان من مقررات هذا المؤتمر: إحياء التوراة عقيدة ولغة.
ورصدت الصهيونية العالمية لتحقيق هذا الهدف ملايين الجنيهات الذهبية كما ذكر هرتزل في مذكراته، لإحياء الدين اليهودي وغرسه في نفوس اليهود وعقولهم معا، ولإحياء اللغة العبرية الميتة.
في هذا الوقت بالذات وبتأثير المال الصهيوني، ظهرت أصوات ناشزة مريبة في الغرب، تشكك في القرآن لغة وعقيدة وتشريعا، ولكن هذه الأصوات قوبلت بالرفض المطلق من العرب والمسلمين.
وفي سنة ١٩١٧ الميلادية صدر وعد بلفور الذي عزز الأطماع الصهيونية وبعث آمالها، فاشتدت عزائم الصهيونية والاستعمار لتحقيق أهدافها في التشكيك بجدوى القرآن الكريم لغة وعقيدة وتشريعا.
стр. 1098
في هذا الوقت بالذات، ظهرت أصوات عربية ناشزة، تدعو إلى العامية تارة، وتدعو إلى كتابة العربية بالأحرف اللاتينية، ليصبح هذا القرآن مهجورا ولتصبح اللغة العربية التي تربط العرب من المحيط إلى الخليج بإخوانهم المسلمين من الخليج إلى المحيط، لغة المقابر والكهوف، كما عبر عنها أحد المريبين من العرب المسلمين ومن العرب غير المسلمين أيضا مع الأسف الشديد.
وأتساءل والأسى يذيب قلبي: هل كانت صدفة من الصدف، أن تطرح فكرة بعث التوراة لغة وعقيدة بإماتة القرآن لغة وعقيدة وتشريعا؟
الذين يدعون بأن الصدفة عملت عملها، لا بد أن يكونوا قد ألغوا عقولهم والذين يصدقون هذا الادعاء لا بد أن يكونوا من المغرر بهم كل التغرير، أو من الجهلاء كل الجهل أو من العملاء كل العمالة.
إن وراء إماتة القرآن الكريم لغة وعقيدة وتشريعا، الاستعمار أولا، ووسيلتهم بذلك نفوذهم وعملاؤهم، والصهيونية العالمية ثانيا، ووسيلتها في ذلك الماسونية والمال الصهيوني والدعاية الصهيونية، فلا تعجبوا بعد ذلك أن يصبح " سلامة موسى " من قادة الفكر العربي، وأن يمسي الذي شارك في افتتاح الجامعة العبرية في القدس سنة ١٩٣٩ عميد الأدب العربي.
لقد اكتشفت أن الذين دعوا إلى اللغة العامية وإلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية من الماسون، وأن الذي رفع ذكرهم بين الناس هم الماسون والاستعمار.
ودليلي على ذلك هو وجود أسمائهم في معجم المحافل الماسونية في الشرق وهو كتاب مطبوع في بيروت.
إن أصابع الماسونية وراء هؤلاء الأمعات الخونة الذين لم يدخلوا في حياتهم مسجدا ولم يؤدوا صلاة فيه أبدا.
ولعل أطرف مناقشة جرت بين المرحوم الشيخ عبد العزيز البشري والأستاذ عبد العزيز فهمي الذي تولى كبر الدعوة إلى كتابة العربية بالأحرف اللاتينية، فخلد في مصر بإطلاق اسمه على أكبر شارع في مصر الجديدة بالقاهرة وبالمترو الذي ينطلق من ساحة التحرير في القاهرة إلى نهاية شارع المنتزه بمصر الجديدة.
قال الشيخ عبد العزيز البشري لعبد العزيز فهمي: لماذا تريد أن تكتب العربية بالأحرف اللاتينية؟ قال عبد العزيز فهمي: أريد أن أعممها، فقال البشري - عليه رحمة الله -: إنك تريد أن تبرنطها ولا تريد أن تعممها، هكذا يخلد العرب المريبين، أما المخلصون فلهم الله.
وأذكر بهذه المناسبة أنني شهدت جنازة المرحوم الشيخ محيي الدين عبد الحميد، ومن الأقدار العجيبة أن أحد الفنانين مات في نفس اليوم الذي مات فيه الشيخ محيي الدين. كان سرادق الميتين متجاورين، وكان في سرادق الشيخ عشرات، وفي سرادق الفنان آلاف.
стр. 1099
وشيع جنازة الشيخ إلى مثواه الأخير عدد قليل من الناس، وشيع جنازة الفنان أكثر من عشرة آلاف. ويومها سالت من عيني دمعات، وما خفي في نفسي كان أعظم. . . .
- قلت لنفسي: إن هذا الشيخ كان أكبر محقق للتراث العربي الإسلامي وخدم العربية والإسلام خدمة باقية، أما الفنان فقد عمل ثلاثين سنة على إفساد الأخلاق وتشجيع التخنث والانحلال.
أهكذا يجازي العرب بخاصة والمسلمون بعامة من يخدم العربية والإسلام ومن يحارب الأمة في أخلاقها.
وا أسفاه على العرب والمسلمين!!
- ولكن إلى متى يبقى العرب والمسلمون بهذه الحال؟ إلى متى يبقون في غفلتهم التي تجعل الحليم حيرانا؟
إن أكثر الذين تلقوا العلم في الغرب، أشرف عليهم مستشرقون يهود أو جواسيس.
وقد نزل أكثرهم إلى مستوى الخادمات أخلاقيا، ولا أزيد.
وكانت رسائل أكثرهم هدما لمبادئ الدين الحنيف وتاريخه.
وقد نال بعضهم شهاداتهم برسائل منها: التناقض في القرآن الكريم، وسفورزا اليهودي.
إني أتمنى أن يستيقظ العرب والمسلمون، وحينذاك ستتغير مفاهيمهم وإلا فاقرأ السلام على العرب والمسلمين.
- وعاد هؤلاء المستغربون من العرب والمسلمين، لينفثوا سمومهم في المعاهد والجامعات، كل مصادرهم وثقافتهم أجنبية، وكل عملهم ترجمة أفكار الأجانب من مصادرهم، لأنهم لا أسس ثقافية لديهم من المصادر العربية الإسلامية، فلا عجب أن يدعي أحدهم: أن الفتح الإسلامي كان لأسباب اقتصادية. . . كان العرب قبل الإسلام أغنياء، فأصبحوا بعد الإسلام فقراء.
هكذا تكون الثقافة وإلا فلا!
- لا عجب أن ينهار التعليم في المعاهد والجامعات، وأن يتنكر أكثر المتخرجين فيها لمبادئ الدين الحنيف، لاعتقادهم بأن هذا التنكر (تقدمية) وأن التمسك بالدين (رجعية).
ولا عجب أن يغمز أكثر المتخرجين العربية والإسلام بمناسبة وبغير مناسبة.
ولا عجب أن يدرس هؤلاء القضايا العربية والإسلامية، بأفكار معادية للعربية والإسلام.
إني أطالب بوضع حد حاسم لهذا الانهيار، بحيث أصبحنا نتقدم إلى الوراء.
стр. 1100
التربية العسكرية الاستعمارية
لست بحاجة إلى أن أنوه بأهمية العسكريين ضباط وضباط صف وجنود ومراتب أخرى، لأن بيدهم القوة الضاربة، وصلاحهم صلاح للأمة، وفسادهم فساد لبلادهم.
لذلك ركز الاستعمار وساعدت الأيدي الخفية من ماسونية وصهيونية على العسكريين بخاصة، وعملت على تربيتهم تربية فاسدة.
كانت الكليات العسكرية وكليات الأركان العربية الإسلامية تدرس تاريخ حرب المستعمرين، وتدرس تاريخ القادة الذين استعمروا بلاد العرب والمسلمين بأسلوب يجعل الطلاب يؤمنون بتفوق المستعمرين، وبضرورة الاقتداء بهم منهاجا وتصرفا.
وكان الطلاب العسكريون يتخرجون ضباطا وهم يعرفون عن (الجنرال مود) و (الجنرال اللنبي) أكثر مما يعرفونه عن الرسول القائد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وعن خالد بن الوليد.
وكان أكثرهم لا يعرفون عن قادة الفتح الإسلامي شيئا مذكورا، ومن المذهل أن نسأل الضابط العربي المسلم عن اسم القائد العربي المسلم الذي فتح مدينته ونشر فيها العربية لغة والإسلام دينا، فلا يعرف هذا الضابط لهذا السؤال جوابا.
كما يدرس في الكليات العسكرية وكليات الأركان، الفكر الغربي للسائرين بفلك الغرب، والفكر الشرقي للسائرين بالفلك الشرقي، من الناحيتين التعبوية (التكتيكية) والسوقية (الاستراتيجية)، وقد تكون الأفكار الشرقية الغربية هذه لا تلائم الطبيعة العربية والإسلامية، وقد تكون على طرفي نقيض من هذه الطبيعة.
أما الفكر العسكري العربي والإسلامي فغائب عن تلك الكليات.
أما التدريب العسكري فهو تدريب شرقي أو غربي، ولا دخل للتدريب النابع من فكرنا وطبيعتنا في تدريب الطلاب العرب والمسلمين.
وما يقال عن التنظيم والتسليح، يقال عن التدريب العسكري.
كل هذا التعليم والتدريب، يدرس بلغة عربية ركيكة، تشيع فيها المصطلحات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والتركية، وحتى الروسية أيضا، تأكيدا للاستعمار الفكري البغيض.
стр. 1101
تعريب المصطلحات
ولله الفضل وحده في توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية وذلك بصدور أربعة معجمات عسكرية موحدة، المعجم العسكري الموحد (إنكليزي - عربي) والمعجم العسكري الموحد (عربي - إنكليزي) والمعجم العسكري الموحد (فرنسي - عربي) والمعجم العسكري الموحد (عربي - فرنسي).
ولكن أفظع من كل ذلك - السلوك اللاأخلاقي الذي فرضه الاستعمار بكل أشكاله شرقيا أم غربيا، قديما أم حديثا.
***
стр. 1102
الدين والعسكرية هل هما على طرفي نقيض ؟
لقد أشاع هذا الاستعمار، أن الدين والعسكرية على طرفي نقيض، وأن المتمسك بدينه متخلف لا يمكن أن ينجح في مسلكه العسكري، فعليه إما أن يترك دينه، أو يتخلى عن عسكريته.
وأن من صفات العسكري الممتاز، أن يكون فاسقا فاجرا، يعاقر الخمر، ويلعب القمار، ويصادق الغيد الحسان.
وقد سألني آمر سريتي في أول لقاء به: هل تعاقر الخمر؟ هل تلعب القمار؟ هل تغازل الفتيات؟ فلما أجبته بالنفي قال لي: لماذا تعيش إذن؟ الأفضل أن تموت.
وقد تحمل العسكريون المتدينون - وهم قلة قليلة - ما تحملوا من عناء ليبقوا في مسلكهم العسكري، وأكثرهم تخلوا عن العسكرية، أو جرفهم التيار الوسخ، وأقلهم ثبتوا على عقيدتهم بعد جهد جهيد.
وكان من يمارس الصلاة والصوم من العسكريين ويطبق تعاليم الدين الحنيف ثقيل الظل غير مريح.
стр. 1103
- وكان في كل وحدة من الوحدات مقصف للخمور، وكان في كل ناد للضباط مقصف للخمور، وكانت الحفلات تقام لأتفه الأسباب، وهي حفلات داعرة خليعة يراق فيها الخمر وتقترف فيها المحرمات.
- وقد توليت في يوم من الأيام رئاسة نادي الضباط في الموصل الحدباء بالانتخاب، فتذمر من رئاستي أكثر الضباط، لأن المقصف أقفر، واشتد ساعد الضباط الذين يؤدون الصلاة.
- وكان في النادي سجل للاقتراحات، فكتب أحد الضباط اقتراحا يقول فيه: اقترح استقدام مقرئ للقرآن الكريم ليقرأ الذكر الحكيم في النادي، لأنه لم يبق فيه ما يسر الضباط.
- وجاءنا قائد همام، شعر أن كل شيء في قيادته كامل وتمام، ولم يبق غير تعلم الرقص، فأصدر أوامره الصارمة الحازمة بتدريب الضباط على الرقص.
- تلك هي لمحات عن السلوك اللاأخلاقي الذي فرضه الاستعمار على الضباط العرب المسلمين.
- فهل يستغرب أحد بعد ذلك لانتصار مليونين ونصف المليون من اليهود على مائة وعشرين مليونا من العرب وستمائة مليون من المسلمين؟
- إن الضابط المتدين غريب بين أقرانه بكل ما في الكلمة من معنى.
- وكان الضباط حين يجدون ضابطا لامعا لا يشق له غبار في عسكريته، ولكنه متمسك في خلقه ودينه، يتساءلون فيما بينهم: كيف يمكن أن يكون الضابط لامعا ومتدينا؟ كيف استطاع أن يجمع بين النقيضين؟ أذلك ممكن؟ أذلك يصير؟
- وتسأل هؤلاء: هل يحارب الدين العلم؟ هل يدعو الإسلام إلى الجهل؟ ماذا تعيبون على العقيدة الإسلامية منهجا للحياة وسبيلا للفضيلة والخير؟
- لماذا إذن التنكر للدين؟ ولمصلحة من هذا التنكر؟
стр. 1104
إن هذا التنكر لمصلحة الاستعمار وإسرائيل ما في ذلك أدنى شك.
- وفي يوم من الأيام سألت أحد هؤلاء: ماذا تعرف عن العسكرية الإسلامية؟ فأجاب بكل بساطة: لم أدرس هذا الموضوع في الكلية العسكرية ولا في كلية الأركان.
- إن الأيدي الخفية التي لا تريد الخير للعرب والمسلمين هي التي عملت وتعمل على إشاعة المفاهيم الخاطئة الهدامة عن الدين والمتدينين من العسكريين، حتى لا تقوم قائمة للعرب والمسلمين، وحتى ترسخ إسرائيل أقدامها في الأراضي المقدسة. . . فلسطين.
- إني أتحدى كل من يستطيع أن يذكر قائدا عربيا واحدا منتصرا، لم يكن يتحلى بالتدين العميق، ولم يكن يؤمن بالمثل العليا النابعة من صميم تعاليم الدين الحنيف.
- لن يستطيع أحد أن يذكر قائدا عربيا واحدا، كان له في ميدان النصر تاريخ إلا وهو متدين إلى أبعد الحدود.
- سيد القادات، وقائد السادات، الرسول القائد - عليه أفضل الصلاة والسلام - هو نبي الإسلام وسيد المنتصرين.
- وقادة الفتح الإسلامي العظيم كلهم من صحابة رسول الله ﷺ ومن التابعين - عليهم رضوان الله -.
- لقد أحصيت عدد القادة الفاتحين، فكانوا " ٢٥٦ " قائدا عربيا مسلما منهم " ٢١٦ " من صحابة رسول الله ﷺ ، و " ٤٠ " من التابعين - عليهم رضوان الله -.
- وكل القادة المنتصرين بعد الفتح الإسلامي كانوا متدينين غاية التدين كما ذكرت سابقا.
- فمن أين جاء المستعمرون بفرية التناقض بين التدين والعسكرية، وإذا كان من حق الاستعمار والصهاينة أن يفتروا خدمة لمصالحهم، فلماذا يصدقها العرب والمسلمون، ولماذا يرددونها باقتناع؟
- أمن أجل خراب بيوتهم؟ إني لأعلم علم اليقين أن المتحوب جنسيا أو المتحوب جيبيا لا يمكن أن يقاتل كما يقاتل الرجال، ولا ينتصر أبدا.
стр. 1105
أثر المسجد في العسكريين
قبل معركة اليرموك الحاسمة بين المسلمين والروم التي دارت رحاها سنة ثلاث عشرة من الهجرة (٦٣٤م) قال رجل من المسلمين لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فقال خالد: ما أقل الروم وأكثر المسلمين إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان.
ومعنى ذلك أن الجيش ليس بعدده وعدده بقدر ما هو بمعنوياته. . . والجيش الذي لا يتحلى بالمعنويات العالية لا قيمة له في الحرب، والفئة القليلة ذات المعنويات العالية، تغلب الفئة الكثيرة ذات المعنويات المنهارة.
وقد كان نابليون بونابارت يقول: قيمة المعنويات بالنسبة للقوى المادية تساوي ثلاثة على واحد، أي أن تكون ٧٥% في الناحية المعنوية و ٢٥% في الناحية المادية.
وقد أيد نابليون في رأيه هذا كبار القادة العسكريين في الماضي والكثير من القادة العسكريين في الوقت الحاضر.
غير أن اللواء (فولر) في كتابه (الأسلحة والتاريخ) خالف نابليون نظرا لابتكار الأسلحة النووية والهيدروجينية، وللتحسينات الهائلة التي طرأت على القذائف الموجهة وعلى وسائل قذف هذه الأسلحة وعلى أساليب استعمالها.
وليس هناك شك، في أن الأسلحة الحديثة، ذات تأثير في الناحية المادية للجيوش الحديثة، إذ جعلت نسبة هذه الناحية بالنسبة للناحية المعنوية ٥٠% لكل منهما.
أي أن الناحية المعنوية لا تزال ذات قيمة عظيمة، حتى ظهور الأسلحة الجهنمية الحديثة، وأن المعنويات كانت ولا تزال وستبقى عاملا حاسما من عوامل النصر.
وفي الحروب القديمة، أي الحروب التي خاضتها الدول قبل الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ - ١٩٤٥) كان الجيش في كل دولة هو المسئول الأول والأخير عن إحراز النصر.
***
стр. 1106
النصر مسئولية الشعب كله لا الجيش وحده
أما في الحروب الحديثة ابتداء من الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت الحرب إجماعية (وهي الحرب الشاملة أو الحرب الاعتصابية) تحشد لها الأمم طاقاتها المادية والمعنوية، لذلك أصبح الشعب كله - لا الجيش وحده - مسئولا عن إحراز النصر.
إن الحرب الإجماعية، تقتضي زج كل قادر على حمل السلاح في الحرب ودعم المحاربين بكل طاقات الشعب المادية والمعنوية، لذلك كان إعلان الحرب معناه: أن يكون الشعب كله - لا قواته المسلحة وحدها - في الصفوف الأمامية خاصة بعد تطور القوة الجوية، واختراع الأسلحة النووية، فقد أصبح كل مكان في البلاد المحاربة ساحة حرب لا تقل أهمية وخطرا عن الجبهة الأمامية في ميدان القتال.
لذلك أصبحت أهمية المعنويات في الشعب كأهميتها في الجيش سواء بسواء، كما أن الجيش من الشعب، فإذا كانت معنويات الشعب عالية، كانت معنويات الجيش عالية، والعكس صحيح.
من هنا تأتي أهمية المعنويات للشعب كله، وتبرز ضرورة إدانة هذه المعنويات في الشعب والجيش على حد سواء. فما هي المعنويات؟
كان تعريف المعنويات قبل الحرب العالمية الثانية، بأنها الصفات التي تميز الجيش المدرب المنقاد إلى أسس الضبط (الانضباط) عن العصابات المسلحة، وتتجلى بهذه الصفات الطاعة القائمة على الحب، وتنمي الشجاعة وتظهر الصبر على المشاق، وتبدي كل المزايا التي تجعل الجندي مطيعا باسلا صبورا.
وهذا التعريف يشمل الجيش وحده كما ترى، لأن الحروب كانت حروب جيوش لا حروب أمم، كما أصبحت في الوقت الحاضر.
أما تعريف المعنويات اليوم، فهو القوى الكامنة في صلب الإنسان، التي تكسبه القابلية على الاستمرار في العمل، والتفكير بعزم وشجاعة، مهما اختلفت الظروف المحيطة به.
وهذا التعريف يشمل الشعب كله، لا الجيش وحده.
وإذا أردنا إيضاح هذا التعريف وتبسيطه، فيمكن القول بأن الفرد في الشعب، يجب أن يكون شجاعا لا يجبن، عزيزا لا يهون، ثابتا لا يتراجع، صابرا لا ينهار، متفائلا لا يقنط، مستعدا للتضحية بماله وروحه من أجل المثل العليا.
стр. 1107
إن المعنويات العالية هي العقيدة الراسخة، والدين الإسلامي لا يقتصر على رفع المعنويات فقط، بل أمر بالإعداد المادي أيضا.
***
стр. 1108
المسجد والعسكرية
في المسجد يتلقى المؤمنون تعاليم الدين الحنيف، وفي المسجد يقوى الإيمان ويشتد، فما هو أثر المسجد في العسكرية؟
إن أثر المسجد في العسكرية هو أثر الإسلام فيها، إذ المسجد ليس بأحجاره وجدرانه، بل بالعلماء العاملين الذين يحافظون على كرامة العلماء. وحث الإسلام على الطاعة، والطاعة هي الضبط والنظام: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١).
وأشاع الإسلام معاني الخلق الكريم، ومنه الصبر الجميل ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣).
وغرس الإسلام روح الشجاعة، والإقدام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥).
والتولي يوم الزحف من الكبائر، كما نص على ذلك حديث رسول الله - عليه أفضل الصلاة والسلام -. وأمر الإسلام بالثبات في ساحة القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٦).
ودعا الإسلام إلى الجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٧).
стр. 1109
- وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
- وانظر تفسير هذه الآية الكريمة في (الكشاف) للزمخشري، لتجد أن المسلمين سبقوا العالم إلى مفهوم الحرب الإجماعية التي تنص على: إعداد الأمة بكل طاقاتها المادية والمعنوية للحرب، بينما زعم المشير لورندروف بعد الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) في كتابه (الأمة في الحرب) بأنه أول من فكر في الحرب الإجماعية.
- وبين الإسلام أن المصلحة العليا للمسلمين، لا بد أن تكون لها الأسبقة على كل شيء في الدنيا ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).
- وجعل الإسلام مقام الشهداء من أعظم القمامات ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥).
- كما أن الإسلام يصاول الحرب النفسية التي تستهدف القضاء على الطاقات المعنوية للإنسان ليستسلم للأعداء.
- ولعل أهم أهداف الحرب النفسية هي التخويف من الموت والفقر ومن القوة الضاربة للمنتصر، ومحاولة جعل النصر حاسما، والدعوة إلى الاستسلام وبث الإشاعات والأراجيف، وإشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري، وإشاعة اليأس والقنوط.
- المؤمن حقا لا يخشى الموت ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٨).
стр. 1110
وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ (٢).
وما أصدق قولة خالد بن الوليد ﵁: ما في جسمي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
- والمؤمن حقا لا يخاف الفقر، لأنه يعتقد اعتقادا جازما بأن الأرزاق بيد الله : ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦).
- والمؤمن حقا لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون في أيام الرسول القائد - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم بعدة أو عدد، بل كان انتصارهم انتصار عقيدة لا مراء، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٨).
- والمؤمن حقا لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته، لذلك فإن انتصار العدو في معركة ما قد يدوم ساعة، ولكنه لا يدوم إلى قيام الساعة ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٩).
- والمؤمن حقا لا يستسلم بعد هزيمته، لأنه يعلم بأن بعد العسر يسرا وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١).
стр. 1111
- والمؤمن حقا لا يصدق الإشاعات والأراجيف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٣).
- والمؤمن حقا يقاوم الاستعمار الفكري ويصاول الغزو الحضاري، لأن له من مقومات دينه وتراث حضارته، ما يصونه من تيارات المبادئ الوافدة التي تذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود.
- والمؤمن حقا لا يقنط أبدا ولا ييأس من نصر الله ورحمته ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (٧).
ولكن القول بأن الإسلام يؤجج الحوافز المعنوية في المقاتل لا يغني عن كل قول.
- والواقع هو أن في الإسلام حوافز (مادية) لا تقل أهمية عن الحوافز المعنوية تعمل عملها جنبا لجنب لترصين الحوافز (المعنوية)، فالإسلام دائما (مادة) و (معنويات).
ومن أهم الحوافز المادية، عدم الاستهانة بالعدو أولا، والإعداد الحربي تدريبا وتسليحا وتنظيما وتجهيزا وقيادة ثانيا.
- لا يخاف الموت، ولا يخشى الفقر، ولا يهاب قوة في الأرض، يسالم ولا يستسلم، ولا تضعف عزيمته الأراجيف والإشاعات، لا يستكين للاستعمار الفكري، ويقاوم الغزو الحضاري، ولا يقنط أبدا ولا ييأس من رحمة الله.
- هذا المسلم الحق، يقظ أشد ما تكون اليقظة، حذر أعظم ما يكون الحذر، يتأهب لعدوه ويعد العدة للقائه، ولا يستهين به في السلم والحرب.
стр. 1112
وهذا ما يفسر سر انتصار المسلمين الأولين؛ لأن شعارهم كان ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (١) النصر أو الشهادة.
- ولأن المسلمين كانوا يحرصون على الموت حرص غيرهم على الحياة الذين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٣).
وأشهد أنني لم أقرأ، حتى في كتب التعبية وسوق الجيش، الصادرة في القرن العشرين، أوضح تعبيرا وأدق تعريفا وأكثر شمولا، مما جاء في القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة تعريفا للمجاهد الصلب المقاتل الرهيب.
بل لا يقتصر معناها على المجاهد المثالي وحده، بل يشمل تعريف المعنويات العالية أيضا، تلك هي عظمة القرآن الكريم حتى في المجالات العسكرية ولكن يا ليت قومي يعلمون.
إن دور المسجد لا يقتصر على غرس هذه المثل العليا العسكرية في عقل المسلم الحق ونفسه، بل إن روح المسجد الذي يتسم بذكر الله يجعل القلوب تطمئن والنفوس تهدأ اتجاها إلى العمل الصالح خدمة للإسلام.
كما أن صلاة الجماعة تدريب عملي على الضبط والربط والنظام.
لقد بدأت منذ ظهور الإسلام الصلاة العامة، ثم قامت صلاة الجماعة التي أداها المسلمون وراء إمام واحد. وهذه الإمامة يقوم بها رجل واحد يؤم المصلين جميعا، ينفذون ما ينفذ تماما، يقوم بها رجل مطهر يؤمن أصحابه بصدقه، هي تطبيق للقيادة في إصدار أوامرها وتنفيذها من الجنود.
ومن يرى المسلمين وهم مجتمعون صفوفا للصلاة يؤدون ركعاتها وسجداتها في تناسق مدهش وفي نظام ووقار لا يمكن أن يغفل ما لهذه الصلاة المنظمة من قيمة تربوية عسكرية في نفوس المسلمين.
...
- إن العرب والأعراب أباة لا يخضعون لمشيئة خارجية، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الشعور التام بالطاعة والنظام، فكانت لهذه الصلاة أهمية بالغة في (إيقاظ) روح
стр. 1113
النظام في نفوس العرب والأعراب المسلمين، لذلك غدا المسجد أول ميدان حقيقي للتدريب العسكري عند المسلمين.
- لقد كان النبي ﷺ يؤم ألفين في عمرة القضاء ومائة ألف في حجة الوداع، يسيرون كلهم في نظام أدق نظام: هرولة ومشيا واستلاما للركن أو الحجر الأسود، هذا النظام المتصل بروح الإسلام سبب من أسباب القوة، بل هو مصدرها وملاكها.
- إن الإسلام دين نظام. . . والنظام روح العسكرية. . . وعمودها الفقري، والمسجد هو المكان الأول لفرض النظام والتدريب العملي على تعاليم الإسلام، فما أحرانا أن نعود إلى المسجد، مقرا للقيادة، ومكانا لرفع المعنويات وموضعا للتدريب وموقعا للسمو الروحي.
***
стр. 1114
مقترحات
يجب إقامة المساجد في كل وحدة عسكرية وكل معكسر وفي كل مدرسة ومعهد وكلية، وحث التلاميذ والطلاب والعسكريين على أداء فريضة الصلاة.
ولقد أقام العسكريون الأجانب كنيسة في كل بارجة ومدرعة وفي كل وحدة وكتيبة ومعسكر، كما أقام المسئولون الأجانب عن التربية مسجدا في كل مدرسة ومعهد وكلية، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
اختيار العلماء العاملين الأعزاء ليؤدوا واجب الإمامة في كل وحدة وكتيبة ومدرسة ومعهد وكلية عسكرية وغير عسكرية. . واختيار أمثال هؤلاء ليكونوا أئمة المساجد العامة.
إعادة النظر في تربية النشء الإسلامي ووضع مناهج تربيتهم على أسس مستمدة من تعاليم الدين الحنيف. . إن مناهج التعليم في كثير من المدارس والمعاهد والجامعات تناقض تعاليم الدين الحنيف نصا وروحا.
стр. 1115
على الدول العربية والإسلامية أن تختار العلماء العاملين المخلصين من رجال الدين للنهوض بواجب التوعية الدينية في الإذاعة والصحافة وأجهزة الإعلام والمساجد والنوادي وقاعات المحاضرات.
لكن أين هم العلماء العاملون المخلصون؟. هنا تسكب العبرات. . .
- من الضروري إجراء مسابقات دينية بين العسكريين وغيرهم: كإتقان قراءة القرآن وحفظ الكتاب العزيز، وتفسير الذكر الحكيم، وإعداد المحاضرات الدينية وإلقائها.
- إن المسجد بالعالم الديني الذي فيه لا بأحجاره وأركانه، فلا بد من التفكير العميق في إعداد الدعاة الصالحين الذين يتكلمون من قلوبهم ليؤثروا في قلوب الناس، وفي إعداد العلماء العاملين المخلصين لينشروا الإسلام على هدى وبصيرة.
- إننا لسنا بحاجة إلى تخريج علماء موظفين. . بل نحن بحاجة إلى تخريج علماء حقيقيين.
- أدعو الله في هذا اليوم المبارك. . في هذا الشهر المبارك. . من هذا البلد المبارك. . في هذا المكان المبارك. . أن يفيد العرب والمسلمين بما قدمته، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وحسبي الله ونعم الوكيل
***
стр. 1116
محمد محمد أبو شهبة (١)
رسالة المساجد في صدر الإسلام
" وقد كان بالمسجد " صفة ". . "
" يأوي إليها من لا " دار " له، ولا " أهل "، ولا " مال ".
" يسمون " أضياف الله ". . وكان المسلمون يتبارون في إكرامهم ولم يكونوا عالة. .! "
" فقد كانوا يحتطبون بالنهار، ويتعبدون بالليل، ويهبون للقتال إذا ما دعوا للجهاد. . ".
стр. 1117
١ - بناء مسجد قباء:
لما هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة ونزل " بقباء (١) حيث كان يسكن بنو عمرو بن
стр. 1118
عوف من الأنصار.
كان أول عمل قام به هو بناء مسجد " قباء " وهو المسجد الذي ذكر في قوله سبحانه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١).
ويستعرض الكاتب الأغراض التي بني من أجلها فهو للصلاة، لقراءة القرآن، لذكر الله، للتشاور في أمور الدين والدنيا، مظهر للوحدة. وبذلك وضعت أول لبنة في بناء صرح المساجد في الإسلام.
стр. 1119
٢ - بناء المسجد النبوي:
وبعد أن أقام النبي ﷺ " بقباء " أربعة أيام توجه هو وصاحبه الصديق أبو بكر إلى المدينة. فخرج إليهم المسلمون شاكي السلاح مع النساء والغلمان والجواري مكبرين، ونزل النبي في دار الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري وبعد أن استراح قليلا فكر في بناء المسجد حيث بركت الناقة " القصواء " في مربد لغلامين يتيمين بالمدينة وأراد أولياؤهما التصدق بها - عن صدق - وأباها الرسول إلا بالثمن.
وحينما شرعوا في البناء حمل النبي في مقدمتهم " اللبن "، و " الحجارة " و " التراب " وهم يرددون الأشعار.
وهذا المسجد الذي قال فيه ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه من المساجد إلا المسجد الحرام (١)».
стр. 1120
٣ - بناء المساجد في الأسفار والغزو:
وقد بنى ﷺ مسجدا أثناء حصار " خيبر ".
وعقد البخاري بابا في كتاب الصلاة للمساجد على طريق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ .
стр. 1121
٤ - منزلة المساجد في الإسلام:
وإقامة المساجد ضرورة دينية ودنيوية، وهي مثوى عباد الله الصالحين، ولا بد لمن يغشاها أن يتطهر من الأحداث والأنجاس في الجسد والثوب والمكان. وهي منازل طهر، ونظافة وتجمل.
стр. 1122
وظيفة المسجد في صدر الإسلام
١ - المساجد أماكن عبادة:
وهي الوظيفة الأولى. ولعمارتها معنيان: تشييدها، والعبادة فيها، ولا شك أن عمارتها بالمعنى الثاني أهم. واسمع قوله ﷺ : «ليأتين على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا» رواه أبو داود.
٢ - المساجد كانت تقوم مقام مجالس الشورى اليوم:
وشتان ما بين جوهرها اليوم وفي عهد الرسول.
وكثيرا ما عقدت هذه المجالس في المسجد، كما قبيل غزوة أحد والأحزاب وغيرهما.
كما تشاور فيه الخلفاء الراشدون في شئون " الحرب " و " المعاهدات " والصلح. وكان لهم " مجلس شورى " من كبار المهاجرين والأنصار.
٣ - المساجد كانت تقوم مقام المعاهد:
بما كان يلقيه ﷺ من حكمه، وكلمه، وإجاباته، فتربى فيها رعاة الإبل والشاء فصاروا علماء حكماء، وخلفاء وأمراء رحماء، " وقادة ساسة فتكوا بقواد الفرس والرومان ".
стр. 1123
٤ - المساجد كانت تقوم مقام الملاجئ والمبرات:
فيأوي إليها " الغريب " و " ابن السبيل ".
فيجد بها " المبيت " و " الطعام " و " الشراب " و " الكساء "!!!
فقد كان بالمسجد " صفة " (١) يأوي إليها من لا دار له، ولا أهل، ولا مال.
يسمون " أضياف الله ". . . وكان المسلمون يتبارون في إكرامهم.
ولم يكونوا عالة. . .!
فقد كانوا يحتطبون بالنهار، ويتعبدون بالليل، ويهبون للقتال إذا ما دعوا للجهاد.
٥ - المساجد كالجمعيات الخيرية في جمع الصدقات والزكوات:
كانت تجمع فيه بعض " زكاة الفطر " والزكاة العامة، وبعض الأموال التي لا ترد من الأقاليم والغنائم وتوزع على مستحقيها.
٦ - المسجد النبوي كساحة للتدريب على فنون القتال وإعداد السلاح:
فكان الحبشة يلعبون بالحراب والدراق يوم عيد، وأذن الرسول ﷺ لعائشة في رؤيتهم وهي خلفه.
وكان بعض الصحابة يعد " القسي " ويثقف ويعدل الهام في المسجد النبوي.
٧ - المسجد النبوي كمستشفى عسكري:
وقد كان به خيمة السيدة " رفيدة " الصحابية. . . التي كانت تقوم بتمريض الجرحى وتضميد جراحهم. وخيمة أخرى لبني غفار. وأمر ﷺ بضرب خيمة لسيدنا سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق ليتمكن من رعايته.
стр. 1124
٨ - المسجد كدار للقضاء ودار للصلح بين الناس:
فقد جلس فيه الرسول ليقضي بين الخصوم، وليفض منازعاتهم، ويصلح بينهم.
٩ - المسجد كدار ضيافة للوفود:
فقد أقام فيه وفد نصارى نجران بأمره ﷺ ، ووكل بهم من يرعاهم.
١٠ - المسجد ربط به الأسرى:
فقد استخدم كمعسكر للأسرى كما في قصة ثمامة بن أثال الحنفي. وعرض عليه الرسول ثلاث مرات فأبى. . .!.
ثم أمرهم بإطلاق سراحه. .!.
فذهب واغتسل وأسلم.
١١ - المسجد النبوي مركز إعلام للدفاع عن الإسلام:
فكان حسان بن ثابت ينشد الشعر مظهرا محاسن الإسلام وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس فلما زجره سيدنا عمر عن إنشاد الشعر في المسجد النبوي قال له: لقد كنت أنشد به، وفيه من هو خير منك (١)».
стр. 1125
أمر المساجد والقائمين عليها اليوم
انحسرت رسالة المساجد وفقدت كثيرا من هذه الوظائف والخصائص وأصبح لا يغشاها إلا الضعفاء.
وتحولت النظرة إلى أئمة المساجد على أنهم قوم في حاجة لأن يتعيشوا.
كما أن بعضهم لا يعلمون من الدين إلا قليلا. . .!
ومن العلم الديني إلا قشورا. . .
ولا يعلم من العلم الدنيوي كثيرا ولا قليلا. . .
والبعض المؤهل منهم بالإجازات والشهادات العلمية في حاجة إلى إحاطة شاملة بالعلوم الإسلامية وبالثقافة الإسلامية الأصيلة، وبالاطلاع على المذاهب الفكرية، والتيارات المعاصرة. . . التي أصبح لها دعاة مثقفون أذكياء، مرنوا على الجدال والمناقشة.