← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

٤ - منزلة المساجد في الإسلام: وإقامة المساجد ضرورة دينية ودنيوية، وهي مثوى عباد الله الصالحين، ولا بد لمن يغشاها أن يتطهر من الأحداث والأنجاس في الجسد والثوب والمكان. وهي منازل طهر، ونظافة وتجمل.

стр. 1122

وظيفة المسجد في صدر الإسلام ١ - المساجد أماكن عبادة: وهي الوظيفة الأولى. ولعمارتها معنيان: تشييدها، والعبادة فيها، ولا شك أن عمارتها بالمعنى الثاني أهم. واسمع قوله ﷺ : «ليأتين على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا» رواه أبو داود. ٢ - المساجد كانت تقوم مقام مجالس الشورى اليوم: وشتان ما بين جوهرها اليوم وفي عهد الرسول. وكثيرا ما عقدت هذه المجالس في المسجد، كما قبيل غزوة أحد والأحزاب وغيرهما. كما تشاور فيه الخلفاء الراشدون في شئون " الحرب " و " المعاهدات " والصلح. وكان لهم " مجلس شورى " من كبار المهاجرين والأنصار. ٣ - المساجد كانت تقوم مقام المعاهد: بما كان يلقيه ﷺ من حكمه، وكلمه، وإجاباته، فتربى فيها رعاة الإبل والشاء فصاروا علماء حكماء، وخلفاء وأمراء رحماء، " وقادة ساسة فتكوا بقواد الفرس والرومان ".

стр. 1123

٤ - المساجد كانت تقوم مقام الملاجئ والمبرات: فيأوي إليها " الغريب " و " ابن السبيل ". فيجد بها " المبيت " و " الطعام " و " الشراب " و " الكساء "!!! فقد كان بالمسجد " صفة " (١) يأوي إليها من لا دار له، ولا أهل، ولا مال. يسمون " أضياف الله ". . . وكان المسلمون يتبارون في إكرامهم. ولم يكونوا عالة. . .! فقد كانوا يحتطبون بالنهار، ويتعبدون بالليل، ويهبون للقتال إذا ما دعوا للجهاد. ٥ - المساجد كالجمعيات الخيرية في جمع الصدقات والزكوات: كانت تجمع فيه بعض " زكاة الفطر " والزكاة العامة، وبعض الأموال التي لا ترد من الأقاليم والغنائم وتوزع على مستحقيها. ٦ - المسجد النبوي كساحة للتدريب على فنون القتال وإعداد السلاح: فكان الحبشة يلعبون بالحراب والدراق يوم عيد، وأذن الرسول ﷺ لعائشة في رؤيتهم وهي خلفه. وكان بعض الصحابة يعد " القسي " ويثقف ويعدل الهام في المسجد النبوي. ٧ - المسجد النبوي كمستشفى عسكري: وقد كان به خيمة السيدة " رفيدة " الصحابية. . . التي كانت تقوم بتمريض الجرحى وتضميد جراحهم. وخيمة أخرى لبني غفار. وأمر ﷺ بضرب خيمة لسيدنا سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق ليتمكن من رعايته.

стр. 1124

٨ - المسجد كدار للقضاء ودار للصلح بين الناس: فقد جلس فيه الرسول ليقضي بين الخصوم، وليفض منازعاتهم، ويصلح بينهم. ٩ - المسجد كدار ضيافة للوفود: فقد أقام فيه وفد نصارى نجران بأمره ﷺ ، ووكل بهم من يرعاهم. ١٠ - المسجد ربط به الأسرى: فقد استخدم كمعسكر للأسرى كما في قصة ثمامة بن أثال الحنفي. وعرض عليه الرسول ثلاث مرات فأبى. . .!. ثم أمرهم بإطلاق سراحه. .!. فذهب واغتسل وأسلم. ١١ - المسجد النبوي مركز إعلام للدفاع عن الإسلام: فكان حسان بن ثابت ينشد الشعر مظهرا محاسن الإسلام وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس فلما زجره سيدنا عمر عن إنشاد الشعر في المسجد النبوي قال له: لقد كنت أنشد به، وفيه من هو خير منك (١)».

стр. 1125

أمر المساجد والقائمين عليها اليوم انحسرت رسالة المساجد وفقدت كثيرا من هذه الوظائف والخصائص وأصبح لا يغشاها إلا الضعفاء. وتحولت النظرة إلى أئمة المساجد على أنهم قوم في حاجة لأن يتعيشوا. كما أن بعضهم لا يعلمون من الدين إلا قليلا. . .! ومن العلم الديني إلا قشورا. . . ولا يعلم من العلم الدنيوي كثيرا ولا قليلا. . . والبعض المؤهل منهم بالإجازات والشهادات العلمية في حاجة إلى إحاطة شاملة بالعلوم الإسلامية وبالثقافة الإسلامية الأصيلة، وبالاطلاع على المذاهب الفكرية، والتيارات المعاصرة. . . التي أصبح لها دعاة مثقفون أذكياء، مرنوا على الجدال والمناقشة.

стр. 1126

الوسائل لتحقيق رسالة المسجد اليوم ١ - إعداد الإمام الصالح. . . دينيا ودنيويا فاهما للإسلام والشريعة وملما بالتيارات العلمية والمذاهب الفكرية، ويتأتى ذلك بما يأتي: (أ) إعداد معاهد علمية إسلامية خاصة بالدعاة إلى الله (ابتدائي - إعدادي - ثانوي) مع حفظ القرآن حفظا متقنا مجودا (شرط أساسي للنجاح) مع حفظ قدر كبير من السنة النبوية بحيث يصلح المتخرج للالتحاق بكليات الدعوة عربيا وإسلاميا. (ب) إعداد كليات الدعوة إلى الله في جميع البلاد الإسلامية والعربية على أن يكون القائمون بالتدريس من أهل العلم المتمعنين في الدراسات الإسلامية، والعلم بالأصلين الشريفين: القرآن والسنة، والمحيطين بالتيارات والمذاهب الفكرية في العالم كله. (جـ) إعداد أقسام للدراسات العليا في كل قطر وبلد إسلامي وعربي للحصول على درجة التخصص الأولى " الماجستير "، ثم درجة التخصص الأرقى، هو الحصول على العالمية " الدكتوراه " مع توحيد المناهج في هذه الأقسام التخصصية.

стр. 1127

وأن يشترك في وضع هذه البرامج أقطاب العلماء في العالم الإسلامي. (د) أن يكون القائمون بالتدريس من المعروفين بالتدين الصادق. ٢ - أن يمنح القائمون بوظائف الإمامة والدعوة إلى الله المرتبات السخية التي تؤهلهم للتفرغ الكامل. ٣ - أن يستغل العلماء المعروفون بالعلم والصلاح والاستقامة الذين يحالون إلى المعاش في وظائف الإمامة، ولو في المساجد الكبرى التي يغشاها الكثيرون من المثقفين ثقافة عالية مدنية، مع مراعاة الفروق المادية التي تعطى لأمثالهم من الأساتذة غير المتفرغين بالجامعات. ٤ - أن يكون للإمام دور مهم في تثقيف أهل الحي بعقد الندوات والمحاضرات بقاعة تعد لذلك ملحقة بالمسجد. ٥ - أن يعمل الإمام في الحي على تمتين الصلة بينه وبين أهل حيه. ٦ - أن يلحق بكل مدرسة دار تعد لإمام المسجد تسهل له مهمته في إمامة الناس. ٧ - أن يتولى إمام المسجد بكل حي رئاسة لجان المصالحات وإزالة الخصومات يخفف العبء عن المحاكم فيكتسب رضاء الله ورضاء الناس.

стр. 1128

٨ - أن يلزم الأئمة على أن يكونوا على هدي خاص، وصمت خاص، وزي خاص، يتسم بالوقار، فيكون له احترامه وتقديره، وهيبته في نفوس الجماهير.

стр. 1129

محمد المجذوب (١) رسالة المسجد قديما وحديثا على ضوء هذه الأحداث وجدتني وأنا أهم بكتابة هذا البحث، أتساءل: - ما الحصيلة التي سيرجع بها المجتمعون في هذا المؤتمر إلى بلادهم؟. - وإلى أي مدى يمكنهم أن يضعوا مقرراتهم في حيز التنفيذ؟. - وفي اعتقادي أن أعظم خدمة نقدمها لإحياء رسالة المسجد هو أن نبدأ هذا التصحيح في مساجد هذه المملكة أولا. - إن المملكة العربية السعودية هي البيئة الإسلامية المتميزة. . ونشاطها الإسلامي لا يكاد يفوته من أرض المسلمين. وفي إمكاناتها المادية ضمان لإنجاح أي مشروع إسلامي من هذا النوع. - " فلتكن هي المنطلق الأول لتحقيق النموذج الأفضل. . ".

стр. 1130

في رأس الحقائق البديهية أن عبادة الله هي المهمة الأولى للثقلين الجن والإنس ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) فها هنا قصر الخلق على صفة العبادة وحدها، فكأنه لا غرض من وجود الجن والإنس سوى عبادة الخالق وحده، وبذلك يصبح مفهوم العبادة أوسع مدى من الشعائر الخاصة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وما إليها مما يدخل بداهة في هذا النطاق، حتى يتناول كل تحرك يأتيه الإنسان في حياته، فلا يستثنى من ذلك طعامه وشرابه ومختلف تصرفاته، إذ المفروض أن هذا الإنسان على وعي تام لسلطان الخالق ومراده من خلقه، فلا يأتي شيئا أو يذر شيئا إلا وفق الأفضل والأرضى له. . ومتى استوفى الإنسان هذه الصفة كان عبدا ربانيا، وكان كل تحرك له عبادة لله خالصة. والإسلام بناء متنام الأجزاء، أول أركانه بعد شهادة الحق الصلاة، التي عدها الرسول ﷺ عمود الدين، ومن هنا كان للمسجد أثره العظيم في تكوين المجتمع الإسلامي الأمثل، لهذا السبب رأينا أول عمل يقوم به الرسول ﷺ بعد استقراره في المدينة هو تأسيس مسجد قباء، ثم إنشاء مسجده المبارك، الذي شارك بنفسه في بنائه مع صحابته الأكرمين. لقد بدأ هذا المسجد مهامه في تنظيم المجتمع من أول يوم، فكان أشبه بمحطة كهرباء تمتد أسلاكها إلى كل ناحية، فتضيء وتحرك وتزود الجميع بكل نافع.

стр. 1131

جامعات شعبية وهكذا أخذ المسجد سبيله في ضبط المسيرة الإسلامية، حتى لقد كانت المساجد في صدر الإسلام تؤدي بجانب رسالتها الدينية عدة مهام، فمن على منابرها تذاع أوامر الدولة وتوجيهاتها وفيها تنعقد مجالس القضاء للحكم بين الناس. (وقد شاهد ناصر خسرو في جامع عمرو بن العاص ﵁ محرري الصكوك والعقود، كما رأى فيه مجلس قاضي القضاة ويقول: إنه كان في الزيادة الغربية من المسجد، كما كان فيها مجلس قاضي الحكم الشافعي، ومجلس القاضي المالكي. . .). وكذلك عاين ابن رستة، وهو من رجال القرن الثالث الهجري، بيت المال الخاص بحفظ أموال اليتامى في هذا المسجد نفسه، ووصفه بأنه كان أمام المنبر، وأنه شبه قبة عليها أبواب من حديد، ثم نقل إلى صحن المسجد، وحتى اليوم لا يزال البناء الخاص ببيت المال قائما في الجامع الأموي بدمشق، وفي الجامع الكبير بمدينة حماة وإن هو قد خلا من كل مال. . .

стр. 1132

أما الجانب التعليمي من حياة المسجد فلا يزال من أبرز مقوماته بعد الصلاة، على الرغم من كل العوائق التي اعترضت طريق الإسلام، وبخاصة في أيامنا هذه. وقلما ترى مسجدا في قرية أو مدينة لا يقوم فيه مدرس أو مدرسون، أو مقرئون يعلمون صغار المسلمين كتاب الله حتى الساعة. إنها بقية من ماض مجيد، كان المسجد فيه يتخذ صفة الجامعة الشعبية مفتحة الأبواب لكل راغب في المعرفة، لا تقيده بدوام، ولا تفرض عليه مادة دون أخرى، بل تفتح لمواهبه سبيل الانتخاب الطبيعي، فينتقل من حلقة إلى أخرى، حتى يستقر في الاتجاه الذي يتلاءم مع استعداده، وبهذه الطريقة أتيح للمسجد أن يخرج أكبر عباقرة الذين تسلموا مقاعد الإمامة في الدنيا والدين. يصف أحد المستشرقين اثنين من مساجد العاصمة فيقول: (في عهد العظمة التركية كان المسجد مركزا اجتماعيا. فمسجد محمد الفاتح مثلا كان على جانبيه كليات وفندق ومستشفى ومركز لتوزيع الطعام، وعلى رابية أخرى كان يربض أوسع المساجد إطلاقا وهو مسجد سليمان القانوني، الذي كان حوله عشر مؤسسات منها كليات أربع، والمدرسة لم تكن خاصة بالدين، بل كانت وحدة للسكن، وكان المسجد نفسه قاعة للدرس والمحاضرات وكان بوسعك أن ترى لعهد قريب أساتذة في صحن المسجد خلال الصيف، وفي المسجد نفسه أثناء الشتاء، يدرسون جماعات صغيرة من الطلاب.

стр. 1133

بين أمس واليوم أجل. . . إن المسجد لم يفقد حتى اليوم تأثيره في حياة المسلمين فهو لا يزال قائما لاستقبال المصلين، ولا يخلو في كثير من الأحيان والبلدان من مكتبة صغيرة تمد المصلين بنسخ من كتاب الله للتبرك ببعض التلاوة، وقد تحتوي على بعض الكتب الإسلامية الأخرى التي تبرع بها بعض المحسنين، دون تفريق بين النافع وغير النافع. على أن قليلا من التأمل في أوضاعها على ضوء الغاية العليا التي من أجلها وجد المسجد في الإسلام يؤكد لنا أن ثمة فجوة هائلة بين المسجد اليوم ومسجد الأمس. لقد جرد المسجد الحديث من الطاقات التي تمكنه من العمل من بناء الفكر والقلب وتصحيح المفهومات الخاطئة.

стр. 1134

لقد سيطر الرعب على خطيب المسجد ومدرسه وضاقت في عيونهما سبل الرزق، فلا يريان سبيلا للوصول إليه إلا بإرضاء المتسلطين على مرافق الحياة، ممن لا يقيم وزنا لدين الله ولا يعرف حقا لشريعة الله. . . ويكاد أن يكون هذا هو واقع المسجد في معظم ديار المسلمين إلا من رحم الله.

стр. 1135

التطور المدمر إن الإسلام في توكيده على عمران المساجد إنما يستهدف من ذلك توفير وسائل التوعية الدائمة التي لا مندوحة عنها لإقامة المجتمع الصالح. . . المجتمع الذي يعرف كل فرد منه ما له وما عليه، ذلك لأن الجماعة المسلمة هي المادة التي منها تتكون دولة الإسلام، وهي القاعدة التي عليها ترتكز، وإذا كانت وظيفة المجتمع المسلم - شعبا ودولة - هي تبليغ رسالة الله وإقامة الحكم الأفضل؛ فطبيعي أن يجد هذا المجتمع من الرعاية والحرية ما يمكنه من تحقيق واجبه في الاستعداد للنهوض بأعباء هذه الرسالة في نفسه أولا، ثم في أوساط الشعوب الأخرى. ولكن المسجد أوشك أن يفقد سلطانه على النفوس بعد هذا التطور التي سلخته من معظم مقوماته، وسلطت عليه من لا يؤمن برسالته، فهو اليوم في جل ديار المسلمين أداة شلاء لا يكاد يؤدي أي وظيفة اجتماعية هادفة، بل لا نغالي إذا قلنا إنه - بما يعتوره من المعوقات المختلفة - لا يزيد الواقع الاجتماعي إلا بلبلة واضطرابا.

стр. 1136

لنبدأ من هنا على ضوء هذه الأحداث وجدتني وأنا أهم بكتابة هذا البحث، أتساءل: ما الحصيلة التي سيرجع بها المجتمعون في هذا المؤتمر إلى بلادهم؟. . . وإلى أي مدى يمكنهم أن يضعوا مقرراتهم في حيز التنفيذ؟. . . لقد تكررت المؤتمرات التي عقدت لعرض أحوال المسلمين، ولدراسة أوضاعهم على مختلف المستويات، وإن من مقرراتها الكثير من العلم والخير. . . غير أني أتطلع في كل اتجاه لأرى آثارها العملية فلا أكاد ألمح شيئا. . . ولا جرم أن اجتماعا يعقد لتصحيح أوضاع المسجد جدير بكل تقدير واهتمام، إذا كان من شأنه تغيير هذا الواقع الذي انتهى إليه المسجد وأهله. . . ولكن ما السبيل إلى ذلك وهو الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الذين لا يريدون هذا التغيير.

стр. 1137

وفي اعتقادي أن أعظم خدمة نقدمها لإحياء رسالة المسجد هو أن نبدأ هذا التصحيح في مساجد هذه المملكة أولا، فإذا نجحت المحاولة هنا كانت الخطوة التالية إقناع باقي الأقطار الإسلامية الأخرى بنقل هذه التجربة إلى مساجدها. إن المملكة السعودية هي البيئة الإسلامية المتميزة، فقضاؤها إسلامي صرف، وتعليمها لا يزال مرتبطا بأهداف الإسلام، ونشاطها الإسلامي لا يكاد يفوته جانب من أرض المسلمين، وفي إمكاناتها المادية -ولله الحمد- ضمان لإنجاح أي مشروع إسلامي من هذا النوع. . . فلتكن هي المنطلق الأول لتحقيق الأنموذج الأفضل الذي تتطلع إليه أبصار المصلحين وبصائرهم. لقد كتب الكاتبون، وألف المؤلفون، وخطب المحاضرون، وتغنى الشعراء الإسلاميون بعظمات الإسلام وإمكاناته العجيبة لإصلاح الإنسان، وبناء الأوطان، وإقامة الحكم الصالح وإعطاء البشرية أفضل الأنظمة في السياسة والاقتصاد والعدالة. . . ولكن شيئا من ذلك لم يترجم على نطاق العمل المنظور خارج هذه البلاد حتى الآن. لذلك ستظل هذه الكنوز حديثا ماتعا يسلي القارئ والسامع، على حين أن المسلمين ومن ورائهم العالم كله يظلون أحوج ما يكونون إلى رؤية هذه الكنوز بارزة في متناول الأيدي والأبصار. فمتى يتاح لهذه الحقائق الإسلامية أن تحتل مكانها في عالم الواقع؟ ليقتنع العالم أن لدينا ما نقدمه لإنقاذه من هاوية الضياع!. إن الضمير الإنساني يطالب المسلمين بإقامة نموذج صحيح للمجتمع الذي يستطيع الإسلام أن يبنيه بإمكاناته الخاصة وحدها، فيكون مجتمعا ربانيا يحكمه نظام الإسلام في كل شيء، دون أن يسمح للتيارات الداخلية بأي تأثير في خصائصه العليا، حتى يكون حجة الإسلام على العالم، الذي مزقته التجارب البشرية المقطوعة عن طريق الوحي. وما لم يتفق المسلمون على هذه الحقيقة، وما لم يتقدم من الشعوب الإسلامية من يحقق هذا الأنموذج، فسيظل كماخض الماء، لا يتجاوز حدود الأحلام.

стр. 1138

المسجد الذي نريده أما المسجد الأنموذج الذي تتطلع إليه أبصار المفكرين فهو الذي توافرت فيه كل الوسائل المساعدة على استعادة منزلته وتحقيق رسالته التي أنشئ لها من أول يوم أول مسجد أسس على التقوى. ولن يكون المسجد كذلك إذا قصرنا فيه على الشكل دون المضمون. . . أو على المضمون دون الشكل.

стр. 1139

إن قاعة الصلاة جزء من هذه الوحدة، يفيء إليها روادها كلما دعا إليها الداعي في أوقاتها الخمسة، ثم مكتبة عامرة بأفضل المؤلفات الإسلامية في شتى العلوم والفنون، على أن يعنى فيها باختيار الطبعات الرائعة من كتاب الله، فلا تقع العين ولا اليد على تلك المصاحف التجارية، التي طبعت أردأ طبع، وجلدت أسوأ تجليد، فلا يتكرر لمسها حتى تتفتت، وتتحول إلى ركام من الأوراق الممزقة. ثم تلحق بهاتين القاعدتين ثالثة للجلوس يجتمع فيها أهل الفكر من أبناء المحلة أو زوار الوحدة حيث يتداولون الرأي في أمورها وأحوال روادها، وما ينبغي عمله لاستمرار تقدمها وازدهارها، على أن تكون من السعة بحيث تصلح لإلقاء المحاضرات، وإقامة الندوات الفكرية تحت إشراف المسئول عن الوحدة. وسيكون من الإحياء للسنة إجراء عقود النكاح في هذه القاعة، ليحضرها رواد المسجد والمكتبة والمجاورون؛ فيكون ذلك مدعاة لتقوية الروابط بين أهل المحلة، وأفضل وسيلة لمكافحة السرف الذي اعتاد الناس أن يتنافسوا به في مثل هذه المناسبات. ولن ننشد المستحيل عندما نتمنى أن تكتمل هذه الوحدة بإضافة مستوصف يتناسب مع حاجة البيئة، يقوم على طبيب أو أطباء، بصورة ثابتة أو بالتناوب بين أطباء يخصصون بعض وقتهم لخدمة المترددين على هذا المستوصف، على أن تصرف لهم الأدوية الأولية من الصيدلية الملحقة به. إن مركزا إسلاميا كهذا من شأنه أن يقدم لبيئته أجل الخدمات، ويهب للإسلام نماذج الدعاية، التي تعرف الناس قدرا غير قليل من جمال هذا الدين، الذي يهدي للتي هي أقوم، ويهيب بالمؤمنين أن يتعاونوا - دائما وأبدا - على البر والتقوى. على أن كل مجهود يبذل لتوفير هذه المصالح سيظل أبتر معرضا للخلل فالزوال، إذا لم توجه مثل هذه العناية إلى نوعية الرجال الذين سيشرفون عليها. ولهذا نرى أن أول الشروط التي على أساسها يختارون هو الكفاءة الخلقية ثم الكفاءة العلمية. وإني لأكتب هذه الكلمات وفي رأسي ذكرى يوم رافقت فيه أحد مديري الأوقاف في بلد مسلم إلى أحد المساجد التاريخية، وهناك أدركتنا صلاة العصر فإذا هو يستعجل بفراقنا لأنه لا يريد الصلاة، أو لا يعلم كيف يصلي، وما أكثر هؤلاء في معظم ديار المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لقد آن للمسئولين عن رعاية المساجد أن يحسنوا لها الاختيار، فلا يقل مؤهل الإمام والخطيب عن الشهادة الثانوية الشرعية في أوساط القرى والبوادي، وأما في المدن والحواضر فلا يصل إلى هذه الأعمال امرؤ يقل مؤهله الدراسي عن مستوى الإجازة من إحدى الكليات الإسلامية وذلك بعد الاستيثاق الكامل من مؤهله الخلقي. على أن هذا يقتضي أن يوفر للعاملين في خدمة المسجد كل ما يؤمن لهم الحياة الكريمة، سواء في

стр. 1140

الراتب أو المسكن، وقد درج بعض المحسنين على أن يلحقوا بالمسجد منزلا خاصا للإمام والخطيب، وإنها لسنة حسنة يجدر بالمؤتمر ألا يغفلها. وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة إلى كل مسجد في أي مكان، فهو أحق بالتحقيق في المسجد الأنموذج، الذي يراد له أن يكون منارا للهداية، ومنطلقا للدعوة إلى دين الله بين مختلف عباد الله.

стр. 1141

المراكز الإسلامية وبحث كهذا في شأن المسجد لا يستكمل عناصره ما لم نلق من خلاله نظرة إلى ما يسمى اليوم بالمراكز الإسلامية المنشآت خارج أقطار المسلمين. إن لبعض هذه المراكز نشاطا ملحوظا في خدمة المسلمين وفي الدعوة إلى الإسلام، وقد حقق هذا البعض بفضل الله غير قليل من النجاح في أوساط الجاليات الإسلامية، وطلاب الحق والخير من غيرها. بيد أن الملاحظ أن أكثر هذه المراكز نجاحا في خدمة الإسلام هي التي يقوم على خدمتها عناصر حرة من الشباب المؤمن، الذي لا تقيده وظيفة رسمية. . . ففي ظل هؤلاء الأحرار يحسن عرض الإسلام لجاهلية من الأجانب. وتنظم برامج تعليم لصغار المسلمين، ممن لا يتاح لهم معرفة شيء عن دينهم، إلا عن طريق هؤلاء المتطوعة. هذا على حين نرى المراكز الأخرى التي تتولى أمرها قيادات رسمية لا يهمها من أمرها إلا تحقيق الدعاية السياسية التي تفرضها الدولة. . . ومن هنا رأينا مراكز تنفق عليها الأموال الطائلة، ثم لا مردود لها سوى زيادة البلبلة في أوساط الجاليات الإسلامية. ولقد حدثني زميل فاضل تولى إمامة أحد هذه المراكز من قبل هيئة خاضعة للحكومة فلم يستطع أن يحقق فيه أي مهمة إسلامية، بل لم يستطع حمايته من المفاسد التي ينكرها أهل الإيمان، لأن الذي عهد إليه بإدارته كان أبعد الناس عن فضائل الإسلام. حتى أنه ليفطر رمضان دون عذر، ويأتي من المنكرات ما لا يكتمه زميلي الفاضل لو سئل عنه. وقد شكا أمره إلى المسئول الأعلى فلم يجد أي مردود سوى التهديد والوعيد. وهكذا تذهب آمال المسلمين ببعض هذه المراكز مع الريح، ولا جرم أن إخفاق أي مركز إسلامي في الغرب يجر معه إخفاقا أكبر للدعوة الإسلامية، إذ يكون سببا لتشويه الإسلام، وصرف الراغبين عنه إلى البحث عن علاج حيرتهم في غيره.

стр. 1142

طموح مشكور يرجى تحقيقه ومرة أخرى أسمح لنفسي بالقول: إن هذه المملكة أحق بلاد الإسلام في عهدنا هذا بإصلاح الوضع. وذلك لإحداث مراكز للإسلام في مختلف حواضر العالم الغربي، يقوم على رأسها رجال جمعوا بين قوة العلم وأمانة التبليغ، كبعض أولئك الذين خرجوا من هنا بدعوة الله قبل قليل إلى أوروبة والفاتيكان، فأحسنوا العرض والحوار، وعادوا مكللين بالأجر والفخار. وفي ظني أن أهم واجب يتحمل تبعته كل مركز إسلامي ينشأ خارج البلاد العربية هو لم شعث الجوالي الإسلامية تحت راية الصلاة، ثم تخصيص برامج أسبوعية لتعليم أبنائهم ما لا بد من علمه عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، إلى برامج أخرى خاصة لنشر العربية والإسلام بين الأجانب والأعاجم، ودعم كل من البرنامجين بمكتبة صالحة تيسر لطالب العلم سبيل الحصول على بغيته من أقرب سبيل على أن يراعى فيها مستوى كل من القسمين، مع الاهتمام الكبير بنوعية المنشورات والكتب، بحيث تكون مقصورة على عرض الإسلام وتيسير العربية دون انحراف نحو الدعايات السياسية الخاصة.

стр. 1143

رسالة المسجد عبر التاريخ أبو بكر القادري " وتأسست أول جامعة علمية في العالم. . وكانت هي جامعة القرويين بفاس من المملكة المغربية. المبتناة سنة ٢٤٥ هـ الموافق ٨٥٩ ميلادية. فكانت مركزا للعلوم على اختلاف أنواعها وبقيت مركزا للإشعاع الإسلامي لا بين المسلمين فحسب بل كان يقصدها حتى الأجانب المسيحيون، أمثال الراهب " جيربير " الذي تبوأ منصب البابوية وغدا اسمه " سيلفيستر الثاني " و " ملينار " من جامعة " لوفان " و " كيوليوس " من جامعة لندن. . ثم كانوا بعد أساتذة الاستشراق في أوروبا. . ".

стр. 1144

لقد كان المسجد منذ عهد الرسول ﵇، المنطلق الأول للدعوة الإسلامية والمركز الأساسي الذي شعت منه رسالة محمد ﵊. والمسجد لغة اسم لمكان السجود، ومنه قوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١)»، قال الزركشي: كل مكان يتعبد فيه فهو مسجد. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) قال المفسرون: المساجد واحدها مسجد، أي موضع السجود للصلاة والتعبد، ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين. وعن قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله معبودات أخرى، فأمرنا بهذه الآية أن نخلص لله تعالى الدعوة إذا دخلنا المسجد. وقال الزركشي: السبب في اختيار كلمة المسجد لمكان الصلاة، أنه لما كان السجود أشرف أعمال الصلاة لقرب العبد من ربه، اشتق اسم المكان منه فقيل مسجد، ولم يقولوا مركع، ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس. المسجد منذ أسسه سيدنا رسول الله ﷺ لم يكن مركزا للعبادة والتعبد، والصلاة والتهجد فحسب، وإنما كان بالإضافة إلى ذلك مكانا وناديا يلتقي فيه المسلمون لتدارس أحوالهم وقضايا مجتمعهم، وما يعرض لهم في حياتهم من مشاكل وقضايا. ولقد كان رسول الله ﷺ يجلس بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة لتعليم المسلمين دينهم، وتبصيرهم عاقبة أمرهم، حتى كان مجلسه تنافسيا بين الصحابة -رضوان الله عليهم- كلهم يبتغي السبق إلى حضور هذا المجلس النبوي،، والظفر بالإنصات إلى الذي لا ينطق عن الهوى. ولقد كان جلوسه ﵇ عند موضع الاسطوانة المسماة اليوم اسطوانة التوبة (٣)، وهي كائنة في الروضة الشريفة وهي اليوم الاسطوانة الرابعة فيما بين المنبر النبوي وبين الحجرة المشرفة، فكان ﷺ إذا صلى الصبح انصرف إلى ذلك الموضع فحلق أصحابه به حلقا بعضها دون بعض، أي بعضها أضيق من بعض، فيتلو عليهم ما أنزل من القرآن من ليلته، ويحدثهم إلى طلوع الشمس ويسألونه عما يعرض لهم، ففي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي موسى الأشعري «جاء رجل وهو قائم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فرفع رأسه إليه وقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (٤)». وفي الصحيح أيضا «أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان منهم إلى رسول الله، فوقفا، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكلام قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه (٥)». ولعله كان من المنافقين والعياذ بالله.

стр. 1145

ولقد كان الصحابة بنوا لرسول الله دكة من طين يجلس عليها، ليعرفه الغريب إذا دخل المسجد، وكان تعليمه الناس على طريقتين، أولاهما: وهي الأكثر، أن يعلن على حاضري مجلسه من القرآن والتربية الخلقية والمواعظ وأخبار الأنبياء السابقين. والثانية: جوابه عن أسئلة السائلين المسترشدين، وما يدور بينه وبين أصحابه من أطراف الحديث. وسار الصحابة الكرام سيرته ﵇ في بث العلم في المسجد، ونشر القرآن وإفتاء الناس في ما يقع لهم من أحداث، فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كنت أعلم القرآن رجلا من أهل الصفة، فأعطاني قوسا أجاهد بها، فسألت عنه رسول الله ﷺ فقال لي: إذا كنت تريد أن يطوقك الله بقوس من نار فاقبله»، ولعله ﷺ أراد لعبادة بن الصامت أن يكون تعليمه أخاه لله، دون أجر أو عوض دنيوي. وعن ابن عباس كنت أقري رجالا من المهاجرين، أي القرآن منهم عبد الرحمن بن عوف. ومن الذين قاموا بمهمة التعليم من أصحاب رسول الله: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعائشة أم المؤمنين، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، ﵃ أجمعين. وسار مسلكهم واتبع خطتهم في التعليم من التابعين أمثال: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم مولى عبد الله بن عمر، وابن جريج، ومجاهد، وسعيد بن جبير وكانت مجالسهم العلمية، تعقد بالمساجد. واستمر الحال على ذلك زمن التابعين، وتابعي التابعين، ففي الموطأ عن أبي بكر بن عبد الرحمن أحد فقهاء المدينة من كبار التابعين أنه كان يقول: من غدا إلى المسجد ليتعلم خيرا أو ليعلمه، ثم رجع إلى بيته كان كالمجاهد في سبيل الله، رجع غانما. ولقد كان الإمام مالك بن أنس يتتبع خطى رسول الله ﷺ ، فلقد ورد أنه كان يجلس في أول انتصابه للعلم بالمسجد، وكان موضعه في المسجد النبوي الاسطوانة التي أشرنا إليها سالفا، والمعروفة باسطوانة التوبة. وتتابعت الدروس بالمساجد في مختلف الأصقاع والأنحاء الإسلامية، قال القاضي عياض اليحصبي السبتي ﵀ في كتابه المدارك: قال القنازعي: دخلت مسجد عمرو بن العاص الفسطاط، وفيه من المجلس المالكية في الفقه والحديث نحو عشرين حلقة.

стр. 1146

وتأسست أول جامعة علمية في العالم، وكانت هي جامعة القرويين بفاس من المملكة المغربية، المبتناة سنة ٢٤٥ هجرية الموافق ٨٥٩ ميلادية، فكانت مركزا للعلوم على اختلاف أنواعها، وتخرج منها العدد العديد من العلماء الأفذاذ، والشيوخ الأجلاء، وبقيت مركزا للإشعاع الإسلامي، ونشر جميع أنواع المعرفة الإنسانية، لا بين المسلمين فحسب، بل كان يقصدها حتى الأجانب المسيحيون، أمثال الراهب " جيربير " الذي تبوأ منصب البابوية وغدا اسمه " سيلفيستر الثاني " و " ملينار " من جامعة " لوفان " " وكيوليوس " من جامعة لندن. . ثم كانوا بعد أساتذة الاستشراق في أوروبا. فجامعة " القرويين " قامت بدورها في نشر الثقافة الإسلامية وغير الإسلامية من أنواع الثقافات وكانت أساسا مسجدا يقصده المصلون والمتعبدون، والتالون لكتاب الله العظيم، ومن الطريف أن نذكر أن الذي بنى هذه الجامعة القروية أو مسجد القرويين، امرأة صالحة تدعى بأم البنين فاطمة الفهرية، وأنها تحرت كل التحري عندما اشترت أرضه، حتى لا يشوب شراءها حرام، وأنها منذ شرع في بنائه وهي صائمة تقربا إلى الله إلى أن انتهى من بنائه. لقد ذكرت أن جامعة القرويين أول جامعة علمية في العالم، ودليل على ذلك ما أكده العلامة (دلفان) في كتابه " فاس وجامعتها " (١) فلقد قال: " إن جامعة القرويين تعتبر أول مدرسة في الدنيا. ويقول " بندلي " إن أقدم جامعة في العالم ليست في أوروبا كما كان يظن بل في أفريقيا وفي مدينة (فاس) بالذات عاصمة بلاد المغرب (العلمية)، وأثبت التاريخ أنه تخرج من هذه الجامعة عشرات ومئات من الطلبة الأجانب من غير المسلمين وعلى رأسهم الراهب " جربيرت " الذي صار فيما بعد البابا " سيلفيستر ". الثاني انتهى ما قاله " بندلي ". يقول الأستاذ المرحوم علال الفاسي في بحث له عن مهمة علماء المسلمين (٢) ولقد لعب المعهد القروي والمعاهد الدينية الأخرى في المغرب والأندلس دورا هاما في تنقيح المنقول وابتكار المعقول، وفي ذلك الجو نشأ أبطال في المعرفة والفلسفة، أمثال ابن رشد، وابن الطفيل، وابن باجة، وابن حزم، وابن البنا، وابن العربي، وغيرهم من مختلف رجال الفكر الذين نشروا المعرفة وضحوا في سبيلها، وكانوا القناة التي سقت الغرب الأوروبي فأثمر حضارته الحالية. وقد استخرج صديقنا الدكتور عمر فروخ في رسالته عن ابن باجة بعض المعطيات التي قدمها المفكرون المغاربة للثقافة العربية، وفي مقدمتها سيطرة العقل عند المغاربة، وحسن الإنتاج والابتكار، إلى جودة التنسيق والاختصار ونضيف إلى ذلك أن المغاربة عملوا على توحيد مجتمعهم لا من جهة العقائد ولا من جهة الفروع. . . فتخلصوا

стр. 1147

من الطائفيات، وانصرفوا لدراسة الإنسان وعلاقته بالطبيعة، متجنبين بقدر الإمكان كل الأبحاث، الميتافيزيقية التي لا يمكن للإنسان إدراكها إلا عن طريق النقل، واتجهوا في فلسفتهم الاجتماعية نحو مجتمع واقعي، يقوم على التعاون، ويتأثر بقوانين الكون، عوامل الاقتصاد، ويتطور بحسب البداوة، والغزو، أو الحضارة والاتجار. ومقدمة ابن خلدون خير مثال لذلك. على أن الاتجاه الاجتماعي كان بارزا عند الفلاسفة والفقهاء المغاربة فقط بل حتى عند متصوفة المغرب أمثال ابن العباس السبتي، وابن محمد صالح من الذين بحثوا في تجربتهم الروحية، سبيل خدمة المجتمع، والتعاون على سد حاجاته، وبذلك قدر المغاربة مهمة للعالم الديني، على أنها ليست في مجرد البحث والتدريس ولكن في نقل معرفته، وبذل جهوده لخدمة الإنسان، وتحسين حالته المادية والخلقية، ولكن المسلمين لم يسيروا على وتيرة واحدة دائما. وليست " القرويين " وحدها هي التي قامت بهذا الدور العلمي الثقافي الحضاري، فجامع الأزهر الذي تم بناؤه سنة ٣٦١ - ٩٧٢ م كان مركزا لنشر المعرفة ومقصدا للطلبة من جميع الآفاق، ويحدثنا التاريخ أن أول درس ألقي فيه كان أواخر عهد المعز لدين الله (٣٦٥ - ٩٧٥) حيث جلس قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان يدرس فيه مختصر أبيه في فقه الشيعة في جمع حافل من العلماء والكبراء (١)، وفي ذلك الوقت بالذات برزت دار الحكمة التي أنشأها الخليفة الحاكم، وقد أمضى المقدسي (٢) في المسجد الجامع بالقاهرة وقت العشاء مائة وعشر مجالس من مجالس العلم، وكان جامع المنصور ببغداد، وهو أقدم مسجد جامع بها، أشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية، ويحكى أن الخطيب البغدادي لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، سأل الله ثلاث حاجات، أخذا بقول النبي ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له (٣)»، فالحاجة الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي (٤). وقد جلس إبراهيم بن محمد نفطويه المتوفى عام ٣٢٣ هـ ٩٣٥ م وكان من أكبر العلماء بمذهب داود الأصبهاني إلى اسطوانة بجامع المنصور خمسين سنة لم يتغير محله منها (٥)، وكان أبو حامد أحمد بن محمد الإسفراييني المتوفى عام (٤٠٦ هـ - ١٠١٥ م) إمام أصحاب الشافعي يدرس بمسجد عبد الله بن المبارك ببغداد، وكان يحضر مجلسه من الفقهاء والعلماء ما بين ٣٠٠ و ٧٠٠ فقيه (٦)، وكان أبو الطيب الصعلوكي مفتي نيسابور مركز علماء خراسان، يحضر مجلسه أكثر من خمسمائة طالب، ونفس الشيء بالنسبة لمدينة (كشغر)

стр. 1148

حيث يحضر دروس مسجدها أكثر من خمسمائة طالب، ويروي التاريخ أن الصاحب بن عباد لما عزم على إملاء الحديث وهو وزير خرج يوما متطلسا متحنكا بزي أهل العلم، فقال: قد علمتم، قدمي في العلم، فأقروا له بذلك، وأنا متلبس بهذا الأمر، وجميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدي، ومع هذا لا أخلو من تبعات، أشهد الله وأشهدكم أني تائب إلى الله من ذنب أذنبته، واتخذ لنفسه بيتا أسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته ثم خرج وقعد للإملاء، وحضر الخلق الكثير وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة، كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار (١). وفي سنة ٣٤٦ هـ ٩٥٧ م توفي أبو العباس الأصم، وكان من أكبر علماء خراسان ومحدثيهم، وقد ظهر به الصمم وهو ابن ثلاثين سنة وكان إذا ذهب إلى المسجد للتحديث، وجد السكة قد امتلأت بالناس، وكانوا يقومون له ويحملونه على عواتقهم إلى مسجده، وكان لا يأخذ شيئا على التحديث وإنما كان يورق ويأكل من كسب يده (٢). لقد كانت المساجد مركزا للتعليم والتثقيف في جميع ميادين المعرفة، كما كانت مجالس للوعظ والإرشاد والتوجيه، وقد ذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن جعفر بن الحسن أول من اتخذ حلقة في مسجد البصرة لإقراء القرآن وللقصص، ويقول المرحوم العلامة الظاهر ابن عاشور: " وأحسب أنه ما نشأت فكرة وضع المدارس لدراسة العلوم في الإسلام، إلا من أثر امتزاج التمدن في عصر الدولة الإسلامية العباسية بين مدينة الإسلام ومدينة اليونان "، ثم يقول: وما ظهرت المدارس في الإسلام لمزاولة العلوم إلا في بغداد، لما وضع أبو جعفر المنصور حلقة الطب التي فوض أمرها إلى (فرات بن سحتاثا) الفارس الطبيب في حدود سنة ١٤٠ هـ، وما كانت تلك الحلقة معهد تعليم للعلم، ولكنها كانت مجمعا لعلماء الطب ليتذاكروا علمهم وتجاربهم (٣). ولقد بقي أهل السنة بمصر يدرسون العلم بجامع الفسطاط إلى أن بنى صلاح الدين مدرستين: الأولى للمالكية سنة ٥٦٦ هـ، والثانية للشافعية، وبنى الملك الكامل بالقاهرة دار الحديث المعروفة بالكاكلية سنة ٦٢٢ هـ وجعلها للمذاهب الأربعة، وأقام الملك العادل في دمشق المدرسة العادلية والملك الظاهر في دمشق أيضا المدرسة الظاهرية (٤) وأشير بالمناسبة إلى أن مركز مصر العلمي ابتداء منذ الفتح الإسلامي سنة ١٦ هـ حيث سكن أرض الكنانة جمهور من الصحابة، مثل عمرو بن العاص، وابنه عبد الله، وقيس بن عبادة وعبيد الله بن محمد

стр. 1149

(وهو أول من أقرأ القرآن بمصر)، وإن الدراسات في المسجد، كانت أولا مقتصرة على القرآن، وما يلقيه القصاصون والواعظون، إلى أن ورد يزيد بن أبي حبيب، في زمن عمر بن عبد العزيز، فأظهر الفقه، وأخذ عنه الليث بن سعد، ولقد ازداد مركز مصر العلمي بظهور الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأصحابه أواخر القرن الثاني الهجري، وتضاعفت قيمتها العلمية بل أصبحت المركز العلمي الأساسي في الشرق العربي بعد خراب بغداد على أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ، فلقد هاجر إليها العلماء الأعلام، ومن جميع البلاد الإسلامية التي حل بها الغزو التتاري، فوجدوا بها من حسن الاستقبال والإكرام، ما رغبهم فيها وما جعلهم يختارونها دار إقامتهم، ومأوى فرارهم، وهكذا قطنها فطاحل العلماء أمثال: عز الدين بن عبد السلام، والإمام ابن الحاجب، والعلامة ابن منظور صاحب لسان العرب، والفيروز أبادي صاحب القاموس، والتيفاشي صاحب كتاب (خواص الأحجار)، وظهر فيها أمثال شهاب الدين القرافي، وتقي الدين ابن دقيق العيد، فأصبح الأزهر مركز الإشعاع العلمي، وقصده الطلبة من جميع بلاد الإسلام، فبنيت المدارس المجاورة له لإيواء الطلبة الواردين وعززت ببناء الأروقة في رحاب الأزهر الشريف.

стр. 1150

أما في إفريقية (تونس) فلقد أصبحت القيروان ومسجدها، مركزا علميا قصد جماعة منها أرض المشرق العربي، رغبة في طلب العلم، والتزود بالمعرفة، فحصلوا على مبتغاهم، وقفلوا راجعين إلى بلادهم، مزودين بثقافة واسعة في علم الشريعة، أمثال علي بن زياد التونسي (توفي سنة ١٨٣ هـ) صاحب الإمام مالك بن أنس، والذي يعتبر أول من أدخل الموطأ إلى المغرب، ومثل ابن أشرس والبهلول القيرواني، وعبد الله بن غانم القيرواني، من كبار أصحاب مالك، فجاءوا بعلم الحديث والفقه والعربية، ويقول العلامة ابن عاشور (١): إنه من العجب أن تقدم العلوم بإفريقية والقيروان كان من تلقاء طلبة العلم، لولعهم به، ولم يكن من همة الأمراء في شيء كما كان الأمر بالمشرق والأندلس، ولقد كانت القيروان اشتغال آهلة بأئمة العلوم، فكانت فيها العلوم الشرعية والعربية والأدبية والتاريخية والطب ولا يعرف لأهل القيروان اشتغال بعلوم الفلسفة، وكانت بقية العلوم الرياضية ضعيفة في القيروان، وأشهر عناوينهم كانت بعلوم الشريعة، ناهيكم بالإمام سحنون سنة ١٩١ هـ وما قام به من أعمال، وما نشر من علم وما صحح من أوضاع، فلقد عرض عليه محمد بن الأغلب خطة القضاء وحلف عليه إلا قبل، فاشترط أن يبدأ بأهل بيت الأمير ابن الأغلب وقرابته وأعوانه قائلا: فإن قبلهم ظلامات للناس، وأموالا منذ زمن طويل، إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي فقال له: نعم، لا تبدأ إلا بهم وأجر الحق على مفرق رأسي، والإمام سحنون اهتم الاهتمام الزائد بإصلاح مناهج التعليم،

стр. 1151

وعزل الشيوخ الذين كان لا يطمئن إليهم من تعليم الأطفال، ونظم خطة القضاء وأصول المرافعة على الوجه الضامن للحقوق (١). وأما في المغرب فبعد استقرار الحكم الإسلامي فيه خصوصا بعد سنة ١٣٥ وبعد وصول المولى إدريس سنة ١٧٢ وبناء حديقة فاس (١٩٣) حل بفاس جماعة من العلماء أتوا من قرطبة إثر واقعة الربض المشهورة سنة ١٩٧ فكانوا نواة نشر العلوم الإسلامية، ثم ظهر العلامة عمران بن عبد الله العمري من أهل بصرة المغرب، القريب من مدينة فاس (اندثرت) ومعاصراه أحمد بن حذاقة، وبشار بن بركانة من بصرة المغرب أيضا، وهؤلاء الثلاثة قصدوا الديار المقدسة، وتزودوا بالعلم العزيز، ثم قفلوا إلى بلادهم ينشرون العلم بين الناس، ثم ظهر (بوميمونة) دارس بن إسماعيل الفاس، وكان من الفقهاء الأعلام المطلعين على أسرار الفقه المالكي، وأخذ عن ابن اللباد القيرواني معاصر الشيخ ابن أبي زيد القيرواني، وتوفي سنة ٣٥٠ هـ وبدارس هذا صار المغرب مركزا أساسيا للفقه المالكي، كما ظهر العلم في لمتونة من قبائل المغرب. ولقد كانت المراكز التي تدرس فيها العلوم، هي المساجد، وأحيانا بيوت العلم نفسها. ونفس الشيء كان بفارس أي ما وراء النهر، والأندلس وغيرهما من الأقطار التي عمتها الدعوة الإسلامية، والتي يطول بنا الحال لو استمررنا في تعدادها. فلقد ذكر، أن الحكم المستنقي خليفة قرطبة اتخذ المؤدبين يعلمون أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حول المسجد الجامع، وبكل ربض من أرباض قرطبة، ولم يكن إذ ذاك بالأندلس مدارس للتعليم وتلقين العلوم، وإنما كانت المساجد هي مكان تعليمهم. فلقد ورد في نسخة عتيقة لشرح ابن رشد على العتبية أنها نسخت من نسخة قرئت على ابن رشد بمسجده بقرطبة، وذكر ابن حزم في " طوق الحمامة " أنه أخذ الحديث في جامع قرطبة وفي المسجد القمري بها (٢) ولم تتخذ المدارس بالمغرب إلا في زمن الدولة الموحدية، أما قبل ذلك فكانت الدروس تلقى بالمساجد، وكان المسجد الجامع الذي بناه المولى إدريس قبل أن يبنى جامع القرويين مكانا للدراسة أيضا.

стр. 1152

وفي البصرة والكوفة من أرض العراق، كان مسجداهما عامرين بالدروس لغاية القرن الرابع الهجري، فكثرت الحلقات الدراسية، وبرز العلماء الأعلام في مختلف الفنون، ويعد أبو الأسود الدؤلي أول من اشتغل بعلم النحو في عهد الأمويين، كما كان أول من وضع أساس مدرسة البصرة، التي تعتبر أقدم من مدرسة الكوفة، ومن أشهر علماء البصرة وأدبائها أبو عمرو بن العلاء، الذي اشتغل بالتفسير، والخليل بن أحمد، واضع علم العروض، وصاحب كتاب العين، الذي يعد أول معجم وضع في اللغة العربية، وعمرو بن بحر الجاحظ وغيرهم كثير، كما يعد علي بن حمزة الكسائي والفراء وغيرهما من أشهر علماء الكوفة. ولقد درست بالبصرة كثير من العلوم بما فيها علم الفلسفة، وتعتبر المركز الأساسي، الذي اتخذته جماعة إخوان الصفا لنشاطها، ولم نتكلم عن بغداد ونشاطها العلمي العديم المثال، واشتغال علمائها بترجمة العلوم الأجنبية إلى العربية، واعتنائهم بالعلوم الدينية واللغوية، ويكفي أن نذكر من جملة أمثال محمد بن جرير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ، وكتاب القراءات وتنزيل القرآن، وأبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن حماد المتوفى سنة ٢٨٢ هـ وعلي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي المتوفى سنة ٤٥٠ هـ صاحب التآليف المشهورة، وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٩٠ هـ وأبا بكر عبد الله بن داود الأزدي من أكابر حفاظ الحديث والذي تقلد رئاسة الحنابلة، وكذلك الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني، والسرافي وغيرهم كثير، ويجب أن أشير هنا إلى أن العلوم التي كانت تدرس إذ ذاك وخصوصا بالأندلس، كانت متنوعة فكانت فيها علوم العربية، وعلوم الفلسفة، والرياضيات، والطب، والفلك، والعلوم الطبيعية، وعلم الجراحة، زيادة على العلوم الشرعية والأدبية واللغوية. وهكذا ندرك ما أسداه المسجد في مختلف أنحاء العالم الإسلامي للثقافة والحضارة والتوجيه والتكوين من معروف، وهكذا ندرك لماذا كان المسلمون لا يحلون بأية ناحية من النواحي، ولا بقطر من الأقطار، إلا ويبادرون بتأسيس المساجد، فلقد ذكر المقريزي: أن سيدنا عمر بن الخطاب لما افتتح البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدا للجماعة، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا على مسجد الجماعة، وكتب إلى سعد ابن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك أيضا، فكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده، وكانت صلاة الجماعة تؤدى في المسجد الجامع يقول (شارل سينوبوس) في كتاب تاريخ الحضارة، عن علماء الإسلام: لقد جروا على أصول إسقاء الأرضين بفتح الترع، فحفروا الآبار، وجازوا بالمال الكثير من عثروا على ينابيع جديدة، ورفعوا المصطلحات لتوزيع المياه بين الجيران، ونقلوا إلى أسبانيا أسلوب النواعير، التي ترفع المياه والسواقي التي توزعها، ثم يقول: ومن الأقوال الحكيمة التي قالها المؤرخون عن المسلمين: إنهم

стр. 1153

يهتمون عند فتح البلاد بشيئين في وقت واحد هما: تنظيم الحقل وبناء المسجد. وأداء الصلاة جماعة بالمساجد، والمظهر الذي يعطيه تنظيم الصفوف والمساواة التي يحققها بين مختلف طبقات المسلمين، فليس في المسجد مكان خاص للوزير، وآخر للعامل أو الخادم، وإنما الجميع سواء أمام الكبير المتعالي، هذا المظهر من المساواة الذي يقضي على جميع الفوارق وقف أمامه كثير من الأجانب والمستشرقين مشدوهين، فهذا الفيلسوف الفرنسي (رينان) يقول: إنني لم أدخل مسجدا من مساجد المسلمين، من غير أن أهتز خاشعا، وأن أشعر بشيء من الحسرة على أنني لست مسلما. ويقول السير توماس أرنولد عن الصلاة في المسجد: هذا الفرض المنظم من عبادة الله هو من أعظم الأمارات المميزة للمسلمين عن غيرهم في حياتهم الدينية، فكثيرا ما لاحظ السائحون وغيرهم في بلاد الشرق ما لكيفية أدائه من التأثير على النفوس، ثم قال: ولننتقل من صلاة الفرد إلى صلاة الجماعة فنقول: إنه لا يتأتى لأحد أن يكون قد رأى مرة في حياته ما يقرب من خمسة عشر ألف مصل، في وسط المسجد الجامع بمدينة (دلهي) بالهند، يوم الجمعة الأخيرة من شهر الصيام، (رمضان) وكلهم مستغرقون في صلاتهم وقد بدت عليهم أكبر شعائر التعظيم والخشية في كل حركة من حركاتهم، نقول: إنه لا يتأتى لأحد ويكون قد رأى ذلك المشهد، إلا ويبلغ تأثره به أعماق قلبه، وإلا يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها (١). لقد لعب المسجد في الإسلام، دورا خطيرا في التوجيه، والدعوة وإصلاح العباد، وتربيتهم، وتقوية الشعور الديني، وتدريب المصلين من المؤمنين على الأعمال الجماعية، التي يدعو إليها الإسلام، والحفاظ على الوحدة الإسلامية حقيقة ومظهرا، ويكفي أن أشير إلى صلاة الجماعة وما ترمي إليه من أهداف بعيدة المدى، وأؤكد أن الإسلام لم يفرض الجماعة وخصوصا في الجمعة والأعياد إلا ليشعر المسلم أنه واحد من كل، وعضو في جماعة، يجب أن يهتم بشئونها ويرعاها، فالإسلام يطلب من المسلم أن لا يعيش لنفسه فقط، متعبدا منعزلا، وإنما يطلب منه حتى في صلاته أن يعيش بجانب إخوانه يستمد منهم ويستمدون منه، والرسول ﵇ هم أن يحرق على قوم بيوتهم، لأنهم يتخلفون عن الجماعة، هذه الجماعة التي تتحقق على عدة مستويات، فتكون كل يوم في المسجد القريب، من مسكن المسلم، وتفرض في المسجد الجامع بمناسبة صلاة الجمعة التي لا يسوغ لمسلم أن يتخلف عنها إلا إذا كان عذره قاهرا، حيث إن الرسول ﵇ يقول: «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه (٢)»، ويقول: «لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين (٣)».

стр. 1154

ويتضاعف تجمع المسلمين بمناسبة العيدين حتى يسع المصلى جميع سكان البلد، بما فيهم العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فعن أم عطية قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين (١)» إلى آخر الحديث. وبعد: فما هي رسالة المسجد بعد كل ما ذكرت؟ أستطيع أن ألخص فأقول: بأن رسالة المسجد تستمد جوهرها من رسالة سيد الأنام ﵇، ورسالة الرسول العظيم كانت رسالة عامة شاملة تهدف إلى إصلاح العبد فيما بينه وبين ربه، وإصلاحه فيما بينه وبين نفسه، كما تهدف إلى إصلاح كل طبقات المجتمع، والرفع من شأنها، والدفع بها في ميدان العمل الصالح، ليصبح المجتمع الإسلامي مجتمعا مثاليا، حتى يتحقق فيه، وينطبق عليه، ما أراده الله لهذه الأمة من أن تكون خير أمة أخرجت للناس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) فداخل المسجد يتربى المسلم على تطهير نفسه، وتصحيح عقيدته، والقرب من ربه، ومراقبته في سره وعلانيته، وفي داخل المسجد وبين صفوفه، يتربى المؤمن على الاتصال بإخوانه المؤمنين، وتقوية صفوفهم، والشعور بآلامهم، والاهتمام بجميع شئونهم، وفي داخل المسجد يشعر المؤمن بقوته جانب إخوانه، ويحس بالرسالة التي طوق بأدائها، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله بالحسنى والحكمة. وداخل المسجد تتربى روح الأخوة والألفة والمحبة بين المؤمنين، فيعيشون عالمهم المثالي الخالي من التنافسات، والتطاحنات، وحروب الطبقات. وفي المسجد يشعر المؤمن بكرامته التي كرمه الله بها، وأنه متساو في الحقوق والواجبات، مع جميع الذين يجلسون بجانبه، سواء كانوا حكاما أو محكومين، أغنياء أو فقراء، جهالا أو علماء، فهو واحد من كل، ولا ميزة لأي واحد إلا بالتقوى. وفي المسجد يجتمع المسلمون للتداول في شئونهم، والنهوض بحياتهم والاستماع إلى التوجيهات والتخطيطات التي يخططونها، للذود عن حوضهم، وصيانة عقيدتهم، والحفاظ على مقدساتهم. ومن المسجد تنطلق الدعوة إلى الله صارخة هادفة موضحة مبينة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧) وفقنا الله للعمل الصالح وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، آمين.

стр. 1155

أحمد شلبي (١) رسالة المسجد في العالم عبر التاريخ " وعندما نؤسس معهدا للدعوة. . هناك سؤال مهم: كيف نختار طلاب هذا المعهد؟ أرى أن نختار طلابه من بين الحاصلين على درجات جامعية بتقدير جيد على الأقل من كليات تعنى بالدراسات الإسلامية، وبامتحان يثبت فيه الطالب طلاقة لسانه، وإجادة الحوار، وعمق الإيمان بالفكرة، ومعرفة لغة أجنبية واحدة على الأقل، وتقدم للطالب منح مجزية طيلة دراسته التي تستمر سنتين ويمنح الناجح شهادة تعادل الماجستير ". كان المسجد أول المنشآت التي عني بها المسلمون، فإن المسلمين بعد أن أبعدوا عن مكة وحرموا الالتقاء والعبادة في البيت الحرام فكروا سريعا في أن يعتاضوا به مكانا آخر ولذلك نجد الرسول

стр. 1156

-صلوات الله عليه- وهو في طريقه إلى المدينة مهاجرا أقام بقباء بضعة أيام أسس فيها مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام ويقال إن فيه نزلت الآية الكريمة ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (١). ويروي البلاذري (٢) أن هذا المسجد أسسه الذين هاجروا إلى المدينة قبل رسول الله، ثم إن الرسول لما دخل المدينة بنى مسجده بالمربد، وعمل فيه بنفسه ليشجع المهاجرين والأنصار على النشاط في العمل (٣)، ويروي البلاذري وابن هشام روايات أخرى تفيد أن الآية السابقة نزلت في هذا المسجد لا في مسجد قباء، وكانت تعقد حلقات العلم في مسجد قباء (٤) كما كان من عادة الرسول أن يجلس في مسجده بالمدينة ليعلم أصحابه دينهم (٥). وكثرت بعد ذلك المساجد وزاد انتشارها بتوسع الإسلام، وأصبح من المتبع أن يبنى مسجد أو أكثر في كل مكان فتحه المسلمون أو في كل قرية أو مدينة أسسوها، فلقد روي أن عمر لما فتح البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدا للجماعة، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك (٦) وأسوة برسول الله -صلوات الله عليه- الذي كان يجلس بالمسجد معلما ارتبط تاريخ التربية الإسلامية بالمسجد ارتباطا وثيقا، وجلس بالمساجد خير العلماء يقدمون الفكر الإسلامي للمريدين ولطلاب المعرفة، ومما يدلنا على أن التدريس بالمسجد كان يحتل مكانة سامية في نفوس العلماء أن الخطيب البغدادي لما حج شرب من ماء زمزم وسأل الله أن يحقق له ثلاث حاجات، كان من بينها أن يتاح له أن يملي الحديث بجامع المنصور (٧). وفي مسجد المنصور أيضا أملى أبو عمر الزاهد كتابه الياقوت وقد بدأ يحاضر في موضوع ذلك الكتاب في شهر المحرم سنة ٣٢٦ هـ. ولما أتمه استعاد قراءته فهذبه وزاد عليه (٨). وكان للخطيب البغدادي في جامع دمشق حلقة كبيرة وكان الناس يجتمعون إليه في بكرة كل يوم فيقرأ لهم وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق سمع صوته في آخر الجامع.

стр. 1157

ولما وفد محمد بن جرير الطبري على مصر بان فضله في القرآن والفقه والحديث واللغة والنحو والشعر، فلقيه أبو الحسن بن سراج فوجده فاضلا في كل ما يذاكره به من العلم ويجيب في كل ما يسأل عنه، حتى سأله عن الشعر فرآه فاضلا بارعا فيه فسأله عن شعر الطرماح فإذا به يحفظه، فسئل أن يمليه فاستجاب وجلس بجامع عمرو لإملائه (١). ودرس في المساجد الطب والميقات، يروي السيوطي (٢) أن دروسا مختلفة رتبت في الجامع الطولوني وقد شملت التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات، ويقول عبد اللطيف البغدادي إن درسا في الطب كان يلقى في الأزهر في منتصف النهار من كل يوم (٣). ولم تكن المساجد مكانا للعبادة والعلم فحسب بل كان الرسول ﷺ يستقبل فيها السفراء، وكانت أمكنة تعقد فيها مجالس القضاء، وساحات تجتمع فيها الجيوش قبل أن تندفع نحو هدفها، وفي غزوة الأحزاب كان مسجد المدينة مستشفى يعالج فيه الجرحى والمصابون في المعارك فقد أمر الرسول ﷺ أن تقام بالمسجد خيمة تخصص لجرحى المعركة، وعين لعلاج الجرحى من لهم خبرة بالطب، ويقول ابن حجر: إن الرسول ﷺ فعل ذلك ليكون من السهل عليه أن يعود الجرحى من حين إلى آخر، وهو يدير المعركة (٤). من أجل هذا نريد أن نهتدي بمسجد الرسول ﷺ ونحن نفكر في مساجد العصر الحاضر نريد أن يكون مسجد اليوم " مجمعا " به مكان للعبادة، وبه مكتبة إسلامية وثقافية، وبه قاعة للمحاضرات والاجتماعات، وبه استعداد للإسعافات الصحية السريعة، وحوله مكان للشبان يمارسون به أحيانا بعض الرياضات المباحة حتى إذا أذن المؤذن للصلاة هرعوا إليها، ونريد أن يكون بكل مسجد مكان مخصص للنساء يصلين به ويتدارسن فيه شئونهن، ونحن بهذا نخلق مركزا دينيا سيكون واسع الأثر في خدمة الإسلام والمسلمين كما كان مسجد الصدر الأول للإسلام. ونريد كذلك أن نهتدي برسول الله ﷺ وبجماعات الصدر الإسلامي الأول فنجعل بناء

стр. 1158

المسجد جزءا رئيسيا في كل مدينة أو عمارة تمتد أو قرية تنشأ، وبلغة أخرى أن يوجد المسجد في أي تجمع يضم جماعة من المسلمين، ليكون بيت الله منارة بينهم، ومكانا يلتقون فيه للعبادة ولكل الأغراض التي أوردناها.

стр. 1159

إعداد الأئمة والدعاة نحب أن نقول بدقة أن العالم العربي والإسلامي به مئات المعاهد والكليات لأنواع من الدراسات الإسلامية وغيرها. . ولكن ليس به معهد واحد ذو بال لتخريج الدعاة والأئمة، ولو اتخذنا مصر مثالا لنا نجد أنه ليس بمصر معهد واحد للدعوة ضمن مئات المعاهد والكليات في جامعاتنا، حتى الأزهر الذي حمل عبء الثقافة الإسلامية طيلة ألف عام والذي يشمل عددا كبيرا من المعاهد النظرية والعملية لا يوجد به معهد للدعوة اللهم إلا قسم صغير بكلية أصول الدين يعرض الطلاب عنه، أو يكرهون على الالتحاق به، وعندما يتخرجون يفرون من الاشتغال بنشر الدعوة الإسلامية، لأنهم في الحقيقة غير مؤهلين لذلك أو غير راغبين فيه. ونحب أن نوضح أن هناك فرقا كبيرا بين المدرس والداعية، وأن المسجد في حاجة إلى داعية، والبلاد الأجنبية في قلب أفريقية وفي جنوب شرقي آسيا تحتاج للدعاة أكثر من حاجتها للمدرسين. فالمدرسون يبدأ عملهم بعد نجاح الدعاة، فإذا قدم الداعية الإسلام للضال واستطاع أن يجذبه لحوزة الإسلام، بدأ بعد ذلك عمل المدرسين ليعلموا هذا المسلم كيف يصلي، وكيف يصوم وكيف يؤدي مبادئ الإسلام ويلتزم بتوجيهاته. أما الداعية فيعرف علوم المدرس معرفة تامة من فقه وتفسير وحديث وغيرها من العلوم الإسلامية ولكن ينبغي أن يضيف لها الدعوة وهي بالإجمال: إجادة لغة من اللغات العالمية على الأقل، ثم معرفة لغة القوم الذين سيقدم لهم الإسلام ويدعوهم إليه، ويمكن أن تكون معرفة الداعي بهذه اللغة معرفة محدودة؛ لأن حياة الداعية بين القوم ستجعله يطور معرفته بهذه اللغة بسرعة. هناك صفات شخصية يتحتم أن تكون بارزة في الداعية وفي قمتها: الإيمان العميق بالعمل الذي يزاوله، وإحساس أنه يريد أن يعطي من فكره وجهده لخدمة دينه ووطنه، ثم وضوح الفكرة وطلاقة اللسان وإجادة الحوار والمناظرة، ثم سماحة النفس واتساع الأفق وحسن العشرة، ثم الكرم وسمو الخلق والتطور الفكري وسعة الاطلاع، وقبل هذا وبعده: أن يكون قدوة حسنة للناس، وأن يجعل الآية الكريمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١) نبراسا له وضوءا يهتدي به.

стр. 1160

الدراسة العميقة لعلم مقارنة الأديان ودراسة مقارنة الأديان، ستضع أيدينا على جمال الإسلام وعلى الدور الذي يحمله ليكمل به محاولات الأديان لهداية البشر، وسيستفيد الداعية من مقارنة الأديان في مواجهة المبشرين بالمسيحية أو البوذية، فهؤلاء يعرفون الإسلام ويتلمسون ما يعتقدونه نقاط ضعف فيه ليهاجموه عن طريقها، كتعدد الزوجات والطلاق وانتشار الإسلام بالقوة، ولا يجوز أن يقف الداعية موقف المدافع فقط بل يجب أن يعرف كيف يهاجم أحيانا، ولن يكون ذلك إلا إذا تعرف على هذه الأديان ودرسها وأدرك ما حدث بها من تحريف على مر السنين. الدراسة العميقة للحضارة الإسلامية بنوعيها، أي دراسة الحضارة التجريبية وهي إبراز دور الإسلام في العلوم التي كانت موجودة قبل الإسلام. . كترقية العمران وتطوير ما عرفه الناس في جوانب الفكر البشري من طب ورياضة وفلك وغيرها، ثم دراسة الحضارة الإسلامية الأصيلة التي جاء بها الإسلام ولم تكن معروفة قبل الإسلام، كاتجاهات الإسلام في السياسة والاقتصاد وفي المجال التربوي والاجتماعي والعسكري. تلك الجوانب الحضارية التي تعد منحة الإسلام لهداية البشرية. التعرف التام على تاريخ المسلمين منذ مطلع الإسلام حتى الآن في كل البلاد الإسلامية مع تصحيح ما ازدحم به التاريخ الإسلامي من أخطاء. وعندما نؤسس معهدا للدعوة ستكون مهمته أن يخرج الأئمة لمساجد العالم الإسلامي، ويخرج الدعاة الذين يحملون الإسلام إلى مختلف المناطق، ويقدمونه للملايين التي تتطلع إليه في مختلف الأرجاء. وهناك سؤال مهم هو: كيف نختار طلاب هذا المعهد؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، تختلف الاتجاهات، ولكن أقربها للصواب فيما أرى: أن نختار لهذا المعهد طلابه من بين الحاصلين على درجات جامعية بتقدير جيد على الأقل من كليات تعنى بالدراسات الإسلامية، ويكون اختيارهم من بين هؤلاء بامتحان يثبت فيه الطالب طلاقة اللسان، وإجادة الحوار، وعمق الإيمان بالفكرة، ومعرفة لغة أجنبية واحدة على الأقل، وتقدم للطلاب منح مجزية طيلة دراستهم التي تستمر سنتين، ويمنح الناجح في الامتحان بعد هاتين السنتين شهادة تعادل درجة الماجستير، بعد أن يدرس منهاجا يشمل الدراسات التي قدمناها وسواها مما يراه الخبراء والمتخصصون ضروريا لمثل هذه الحالة. إن كل جهد يبذل لخدمة المسجد ورفع شأنه وتطويره، وكل جهد يبذل لتقديم الداعية الناجح. . . سيكون جهدا نافعا في الدنيا والآخرة. والله ولي التوفيق. . .
следующие страницы →