← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

ثانيا: أن الرجل يتأخر نضجه الجنسي والاجتماعي واستعداده للزواج ، فقل أن يكون مهيئا للزواج قبل الخامسة والعشرين من عمره، بينما المرأة يبدأ نضجها واستعدادها للزواج في سن مبكرة قبل الرجل بما لا يقل عن خمس سنوات. فكمال نضارة المرأة وبهجتها في سن العشرين من عمرها، وهذا يجعل الجاهزات للزواج أكثر من نسبة الرجال الجاهزين للزواج، فلو تأخرت المرأة في الزواج كما يتأخر الرجل لذهبت نضارتها وزهرة حياتها وأنوثتها، وهذا ما نشاهده في واقع الحياة، وبخاصة مع البنات اللاتي شغلت الدراسة أفكارهن، فيردن التخرج من الجامعات وإكمال الدراسات العليا، وفي النهاية يفاجأن بفوات قطار الزواج، ورغبة الرجال عنهن، فيجلسن عانسات في بيوتهن.

стр. 10957

ثالثا: أن رغبة المرأة إلى الجماع أقل من رغبة الرجل ، وهي أكثر حياء منه، فقلما تجد رجلا يستغني بامرأة واحدة، بينما كثير من النساء

стр. 10958

لا تتحمل كثرة الجماع وتتأفف منه، فلا تستطيع امتصاص طاقة الرجل، وبخاصة عند بلوغها الخمسين من عمرها. والذين ينتقدون الإسلام في إباحته للتعدد هم يعددون النساء ولكن بطرق غير مشروعة، فلهم الخليلات والصديقات والسكرتيرات، وغير ذلك من طرق الاتصال المشبوه الذي يهدد البيوت ويفسد العلاقات الأسرية، كما أن القسوة والوحشية تتمثل في هذا الاتصال المحرم، فالمرأة يعبث بها الرجل ثم تنوء بأعباء هذا العبث من إفساد سمعتها وتدنيس شرفها وعفتها، وتركها للخزي والعار، وربما تحمل من هذا الاتصال والرجل ليس عليه تبعات هذا الحمل، ولا نفقة للمرأة ولا مهر يدفعه لها، والأولاد يتركون للحرمان والتشرد والفقر، فالصلات المحرمة آلام على المرأة وعلى أولادها، لذا عاقب عليها الإسلام بالجلد والرجم بالحجارة حتى الموت، وقد أغمضت القوانين الوضعية عينيها وكأنها لا ترى الفساد والإفساد الذي ينخر كالسوس في جسم المجتمع، حتى ليكاد يبليه، فهؤلاء الأولاد الذي يرمون في الشوارع، أو يسلمون لدور الملاجئ، وهذه الأمراض الجنسية التي تهدد من كل صوب وناحية سببها - والله أعلم - هو الاتصال الجنسي غير الشرعي وبسبب البعد عن التمسك بأوامر الإسلام. وبهذا ندرك أهداف الذين ينتقدون الإسلام في عدم إعطائه الحرية الشخصية للناس يعملون كما يشاءون، ندرك أنهم يريدون العبث بالمرأة وإرواء رغباتهم ونزواتهم، بينما الإسلام يريد مجتمعا نظيفا تقوم العلاقة فيه بين الرجل والمرأة عن طريق واحد هو الزواج، وهذا يكفل للمرأة سعادتها وكرامتها وعفتها، وللأولاد الحنان والنفقة والتربية، ويكفل للرجل قضاء الوطر والعيش الهنيء، الذي تسوده المحبة والراحة والاطمئنان والأنس والرحمة.

стр. 10959

رابعا: المرأة معرضة للعقم والإياس، والمرض الذي يفوت على الرجل الاستمتاع بها ، كما أن المرأة بعد كبرها وإياسها لا تثير الرجل لذهاب بهجتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). فالمرأة لا تحمل ولا تحيض بعد سن الخمسين من عمرها، أما الرجل فتبقى لديه القوة والحيوية والرغبة إلى النساء ولو بعد كبر السن، بل حتى الموت. فإذا كانت المرأة عقيما هل من العدل أن يصبح الرجل معها عقيما ونفسه تشرئب للأطفال والأنس بهم، ومن هنا ليس هناك حل إلا أن يبقى محروما من الأولاد مع بقائه مع هذه العقيم، أو أن يطلقها ليتزوج غيرها، أو أن يتزوج بأخرى تنجب مع بقائها، ولا شك أن بقاءه بدون ذرية يتنافى مع فطرة الإنسان وغريزته التي تحب الأولاد، وطلاقه للعقيم يشردها؛ إذ المرأة إذا طلقت لا يتزوجها في الغالب إلا من هو أقل من زوجها السابق شأنا، أو أكبر سنا وله زوجة وأولاد، وقد يكون عاجزا عن الزواج على الأبكار، أو أن تبقى بدون زوج طيلة بقية حياتها، فكونها ترضى بنصف رجل أو ثلثه أو ربعه هو خير لها من عدمه. وإن كانت مريضة وهو يحبها ومرضها لا شفاء بعده وهو يمنع زوجها من أن يستمتع بها، أو يحرم زوجها من خدمتها، فهل يطلقها وهي مريضة ومحتاجة إلى الرعاية والحنان؟ أم يتزوج غيرها مع بقائها في عصمته ولها النفقة والسكنى والكرامة والمساواة؟.

стр. 10960

خامسا: الزواج المتعدد فيه نبل وتضحية من الرجل وتحمل للمشقات والتبعات ، فأحيانا يتزوج يتيمة أو أرملة، أو امرأة فاتها قطار الزواج وفرصه، ولو تركت لجلست بدون زوج العمر كله، وقد يفكرن في الاتصال المحرم، كما أن الزوج بتعداده لزوجاته إنما يخفف من أعباء المجتمع وأولياء النساء، حيث يتحمل رعاية وتبعات أناس آخرين، ويساهم في رفع المشقة والعنت عن أولياء أمور النساء، فيحفظ زوجته ويصونها، ويكون سببا في حصول الأولاد لها، وينفق عليها وعلى أولادها منه، ويشرف على تربيتهم. هذه بعض فوائد التعدد ومبرراته، ثم هو مباح، لا واجب، فهو بمثابة العلاج في الصيدلية يتناوله من يحتاج إليه ويجد القدرة على استعماله رغم ما فيه من مرارة ومعاناة، فالأمر متروك للرجل، فهو الذي يقرر التعدد من عدمه؛ لأن مسألة الزواج يترتب عليها تبعات أخرى من السكن والنفقة والعدل والمساواة في القسم، فهو لا يقدم على التعدد إلا إذا وجد الحاجة داعية إليه، والمرأة التي أقدمت على الزواج من رجل معه زوجة أخرى لو وجدت أحسن منه لمالت إليه، ولكن الظروف ألجأتها إلى ذلك، والمرأة الأولى إذا لم تستطع البقاء بعد زواج زوجها على غيرها، فإن لها مندوحة ومخرجا من هذا الزواج بطلب الطلاق والمخالعة. وبعد هذا ندرك أهمية تعدد الزوجات للمجتمعات البشرية كلها، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١). فشريعة الله وتنظيمه لا يدانيها أي تشريع أو نظام من نظم وتشريعات البشر. فالزواج المتعدد نعمة يحل كثيرا من المشكلات للزوجين، فتبقى زوجته الأولى مع أولادها، لها النفقة والرعاية والحب والعدل في القسم،

стр. 10961

وهو يسعد بزواجه من الأخرى، ولو لم يبح التعدد فماذا تعمل النساء الأخريات؛ إذ كل امرأة أخذت نصيبها من الرجال، وماذا يعمل الرجل في قضاء وطره وتتوق نفسه إلى النساء؟ وليس معنى هذا أن التعدد نعمة على الجميع - الرجل وزوجاته - ولكن عدم التعدد أشد ضررا، فيدفع التعدد - الذي هو ضرر - ما هو أعظم منه، إذ لوجدت المرأة رجلا ليس عنده زوجات أخر لم تفضل عليه غيره. وإذا كانت الزوجة الأولى ينالها ضرر من الزواج بالثانية، فإن الثانية ينالها ضرر أشد وأعظم بالحرمان؛ إذ تموت أنوثتها أو تنجرف فتكون ضياعا بين الرجال - والضرر الكبير يدفع الضرر اليسير - ثم إن الحياة الزوجية المتعددة فيها ما فيها من المنغصات والكبد والمشقة، شأنها شأن الحياة كلها؛ إذ الحياة كلها عنت ومشقة، والإنسان يعيش في داخل الكبد والمشقة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١). حتى الرجل مع زوجته الواحدة عنده من المشكلات الشيء الكثير. هذه بعض فوائد التعدد، وقد يكشف الزمن مستقبلا غير هذه الفوائد.

стр. 10962

شروط تعدد الزوجات لما شرع الله تعدد الزوجات لم يتركه بدون قيد ولا شرط، وإنما سن له حدودا واشترط له شروطا، فيما يلي أتحدث عن هذه الشروط فأقول: هناك ثلاثة شروط لجواز تعدد الزوجات، هي: ١ - أن لا يزيد عدد الزوجات عن أربع نساء. ٢ - أن يستطيع الإنفاق على الزوجات جميعا.

стр. 10963

٣ - أن يستطيع العدل بين زوجاته. أما الشرط الأول: وهو أن لا يزيد عدد النساء اللاتي يتزوج بهن عن أربع زوجات، فقد ذكره الله تعالى في كتابه الكريم حيث قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١). وقد روى الترمذي (٢). وابن ماجه (٣) وأبو داود (٤): «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : اختر منهم أربعا وفارق سائرهن». وهذا الشرط مجمع عليه بين المسلمين. قال ابن قدامة: (أجمع أهل العلم على هذا، ولا نعلم أحدا خالفه إلا شيئا يحكى عن ابن القاسم بن إبراهيم أنه أباح تسعا لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٥) والواو للجمع، ولأن النبي ﷺ مات عن تسع، وهذا ليس بشيء؛ لأنه خرق للإجماع وترك للسنة، فإن رسول الله ﷺ «قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: أمسك أربعا وفارق سائرهن (٦)» «وقال نوفل بن معاوية: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي ﷺ : فارق واحدة منهن». رواهما الشافعي في مسنده، وإذا منع من استدامة زيادة عن أربع فالابتداء أولى، فالآية أريد بها التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع كما قال: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٧) ولم يرد أن لكل ملك تسعة أجنحة، ولو أراد ذلك لقال: تسعة، ولم يكن للتطويل معنى، ومن قال غير هذا فقد جهل اللغة العربية. . وأما النبي ﷺ فمخصوص بذلك) (٨).

стр. 10964

الشرط الثاني لتعدد الزوجات: أن يستطيع الإنفاق على جميع زوجاته اللاتي في عصمته. قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١). فالنفقة على الزوجة واجبة بالإجماع، وكذلك الزوجات. قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٢). وقال ﷺ : «اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف (٣)». عوان: أي محبوسات. قال ابن قدامة: "وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن " (٤).

стр. 10965

الشرط الثالث لتعدد الزوجات: استطاعة العدل بين زوجاته في المبيت والسكن والنفقة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١). فاشترط العدل وعدم الجور في المعاملة. أما محبة القلب وميله فلا يستطيع الإنسان أن يعدل فيه.

стр. 10966

قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (١). فهذه الآية يخبر الله فيها عن فطرة الإنسان التي فطره عليها - وهو سبحانه أعلم بما ركب في النفس البشرية من فطرة، فيعلم سبحانه أن نفس الإنسان ذات ميول واتجاهات لا يملكها الإنسان، ومن ثم أعطاها لهذه الميول خطاما لينظم حركتها، لا ليعدمها ويقتلها. ومن هذه الميول أن يميل القلب إلى إحدى الزوجات دون سواها أو أكثر من غيرها لسبب من الأسباب، وهذا الميل لا حيلة له فيه، ولا قدرة له عليه، ولا يملك محوه ولا قتله وإزالته، فالقلوب ليست ملكا لأصحابها، إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. فبين الله سبحانه في هذه الآية أنه لا يحاسب الزوج عليه، ما دام في قلبه لم يتعد إلى معاملته وأفعاله وسلوكه، بل يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء في محبة القلب ليرفع عنهم الحرج؛ إذ الأمر خارج عن إرادتهم. ولكن عليهم أن لا يميلوا كل الميل فيؤثر على المعاملة الظاهرة ويحرم الأخرى حقوقها، فلا تكون زوجة ولا تكون مطلقة. وهذا رسول الله ﷺ في فعله يحقق الواقع البشري، فيقسم بين نسائه فيما يملك ويعدل في هذه القسمة، حتى إنه إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ليأخذ من تقع عليها القرعة معه لتصحبه في السفر. ولكن محبة القلب لا يملكها

стр. 10967

ولا يستطيع أن يعدل فيها فيقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (١)». وقد أخرج البيهقي بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ (٢) الآية. قال: "في الحب والجماع". ولا يخص بالقسم أحدا دون أحد، فيقسم بين نسائه الصحاح والمرضى، والطاهرات والحيض. قال ابن قدامة: (ويقسم للمريضة والرتقاء والحائض والنفساء والمحرمة والصغيرة الممكن وطؤها، وكلهن سواء في القسم، وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وكذلك التي ظاهر منها؛ لأن القصد الإيواء والسكن والأنس، وهو حاصل لهن. . وأما المجنونة فإن كانت لا يخاف منها فهي كالصحيحة، وإن خاف منها فلا قسم لها لأنه لا يأمنها على نفسه، ولا يحصل لها أنس ولا بها) (٣). وقال ابن حجر: " المراد بالعدل: التسوية بينهن بما يليق بكل منهن، فإذا وفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها، لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب، أو تبرع بتحفة " (٤). اهـ.

стр. 10968

وقال ابن قدامة: "وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن. قال أحمد في الرجل له امرأتان: له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والكسى، إذا كانت الأخرى في كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه، وتكون تلك في كفاية. وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء " (١). وإذا تنازلت الزوجة عن حقها في القسم سقط حقها، وصار لمن وهبت له. روى البخاري بسنده «عن عائشة ﵂ أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة (٢)». قال ابن حجر: " وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت، لكن فيما يستقبل، لا فيما مضى " (٣). وقد أذن نساء النبي ﷺ لرسول الله ﷺ في مرض موته أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها صلوات الله وسلامه عليه. كما أن القسم لا يلزم في الدخول على النساء، والحديث معهن والأكل عندهن. روى البخاري بسنده «عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو

стр. 10969

من إحداهن، فدخل على حفصة فاحتبس أكثر مما كان يحتبس (١)». «وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا (٢)». رواه البخاري. «وكان ﷺ يطوف على نسائه في الليلة الواحدة في غسل واحد (٣)» - رواه البخاري. وعماد القسم بين الزوجات في الحضر هو الليل لمن معاشه وعمله بالنهار، أما في السفر فعماد القسم فيه النزول والمبيت، وأما حالة السير فليس فيه قسما لا ليلا ولا نهارا، وقد كان رسول الله ﷺ يسير مع عائشة ويتحدث معها في السفر دون حفصة.

стр. 10970

حكمة تعدد زوجات الرسول ﷺ لقد عدد رسول الله ﷺ نساءه بعد أن هاجر إلى المدينة، ولم يكن بهذا التعداد بدعا من الناس. فأمم الأرض وكل الناس يعددون نساءهم. بل كانوا يبالغون في التعداد حتى وصل ببعضهم إلى أكثر من سبعمائة زوجة دون الإماء. فالعرب يتزوجون بأكثر من عشر نساء، فهذا غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، وقال له ﷺ : «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن (١)».

стр. 10971

وقد كان الأثنيون والصينيون والبابليون والأشوريون والمصريون وغيرهم يعددون الزوجات. كما أن اليهود يعددون النساء، فهذا نبي الله سليمان لديه سبعمائة من الحرائر وثلاثمائة من الإماء، وقد روى البخاري في صحيحه «أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي. فأطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان. فقال النبي ﷺ : لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته (١)»، وكانت الكنيسة النصرانية تأذن في التعدد ولا تعارض فيه. ورسول الله ﷺ حينما عدد نساءه وتزوج بتسع، فكن في عصمته في آن واحد إنما فعل هذا بأمر الله تعالى وحكمته: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٢) ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). وقال تعالى مبينا أن الله هو الذي أحل لرسوله تعدد الزوجات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ (٤). ثم بعد عدد التسع منع الله تعالى رسوله من أن يزيد عليهن، أو أن يطلقهن، فقال جل وعلا: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (٥).

стр. 10972

فزواج الرسول ﷺ إنما هو زواج بأمر الله تعالى. فالأمر رباني لا يجوز القياس عليه، فهو خاص برسول الله ﷺ لا يجوز لأحد من أمته ﷺ أن يزيد على أربع نساء، مدعيا أن رسول الله ﷺ تزوج تسعا. والذين ينتقدون نبي الإسلام ويصفون المسلمين بأنهم شهوانيون هؤلاء مخطئون كل الخطأ، والأفظع من ذلك أننا نجد من بين أبناء المسلمين من يحمل أفكار الكفر ويتندر بزواج رسول الله ﷺ . ولو عمر الإيمان قلبه وكان مسلما حقا لما سمح لنفسه بأن يخوض في مثل هذا الأمر. ثم إنه لو ألقى نظرة على من تزوج بهن ﷺ لوجد أن لكل زواج ظروفه. إما ليؤوي أرملة، أو ليجبر قلبا تحطم بقتل ذويه، وإما ليتألف قلوب أهلهن، وإما ليكرم امرأة نفذت أمر الله فخالفت ما كان عليه المجتمع مبتغية رضوان الله تعالى عليها من الزواج بالسادة دون العبيد والموالي. ولو كان ﷺ شهوانيا لتزوج وهو في عز شبابه، حينما كانت الرغبة إلى النساء قوية، ولكنه لم يعدد إلا بعد أن كبر وضعفت فيه الرغبة إلى النساء، وقد كان في شبابه مكتفيا بخديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - التي تكبره بخمس عشرة سنة. فقد كان عمرها أربعين سنة، بينما كان عمره ﷺ خمسا وعشرين سنة، وظل معها حتى ماتت رضي الله تعالى عنها. ثم إن النساء اللاتي تزوج بهن كلهن ثيبات عدا عائشة. وزوجات الرسول ﷺ هن: ١ - سودة بنت زمعة بن قيس القرشية. تزوج عليها رسول الله ﷺ بعد موت زوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس، وبعد موت زوجته خديجة بنت خويلد في مكة قبل الهجرة إلى المدينة، وبعد

стр. 10973

كبر سنها وهبت يومها وليلتها لعائشة رضي الله تعالى عنها. ٢ - عائشة بنت الصديق. عقد عليها قبل سودة، ولكنه دخل عليها بعد أن دخل على سودة، وهي الزوجة الوحيدة التي تزوجها رسول الله ﷺ وهي بكر، وتزوجها ليزيد قربه من أبي بكر الصديق - أول من أسلم من الرجال وآزر دعوة الرسول وصدقه في كل ما يقول، وبذل ما يملك في سبيل الله. ٣ - حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وهذه تزوجها رسول الله ﷺ وهي ثيب، وليست ذات جمال؛ لمكانة أبيها منه ﷺ . ٤ - أم سلمة هند بنت سهيل المخزومية. تزوجها ﷺ بعد موت زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد، ليؤوي أولادها، وقد قالت له حين خطبها: ما مثلي ينكح. أما أنا فلا يولد لي، وأنا غيور، ذات عيال. فقال لها رسول الله ﷺ : «أنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله ورسوله (١)». فتزوجها (٢). ٥ - زينب بنت جحش، تزوجها رسول الله ﷺ بعد طلاق زوجها زيد بن حارثة - مولى رسول الله ﷺ ليكافئها على امتثال أمر الله تعالى، وليقرر الله حكما يصعب على المجتمع تنفيذه في ذلك الزمن، وهو زواج زوجة المتبنى. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣). ٦ - أم حبيبة بنت أبي سفيان، تزوجها رسول الله ﷺ بعد أن ارتد زوجها عبيد الله بن جحش، وأعرضت عنه إلى أن مات، ولها من

стр. 10974

العمر بضع وثلاثون سنة. تزوجها رسول الله وهي في أرض الحبشة مهاجرة، وقد عهد للنجاشي بعقد نكاحه عليها، ووكلت هي خالد بن سعيد بن العاص، فأصدقها النجاشي من عنده أربعمائة دينار، وذلك سنة سبع من الهجرة. ٧ - جويرية بنت الحارث، تزوجها رسول الله ﷺ بعد زوجها مسانع بن صفوان الذي قتل يوم المريسيع، وذلك ليشرف قومها بمصاهرته لهم، وبخاصة بعد سبيه لهم في غزوة بني المصطلق. ٨ - صفية بنت حيي بن أخطب، تزوجها رسول الله ﷺ ليجبر قلبها بعد قتل أبيها وعمها وزوجها. ٩ - ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله ﷺ بعد موت زوجها أبي رهم بن عبد العزى العامري. وذلك سنة سبع من الهجرة، وعمرها يقرب من الأربعين سنة. ﵂.

стр. 10975

وقد التمس العلماء - رحمهم الله تعالى - عدة حكم من استكثار رسول الله ﷺ من النساء، فقال ابن حجر: والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه: أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك. ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. ثالثها: للزيادة في تأليفهم لذلك. رابعها: للزيادة في التكليف، حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ للرسالة. خامسها: لتكثير عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يحاربه. سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.

стр. 10976

سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن. ثامنها: خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال. وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . تاسعها: تحصينهن وقصر طرفهن عليه، فلا يتطلعن إلى غيره، بخلاف العزبة، فإن العفيفة تتطلع بالطبع البشري إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهن. عاشرها: القيام بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن (١). نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يجنبنا الشبهات، وأن يرزقنا العدل في الغضب والرضا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 10977

صفحة فارغة

стр. 10978

فتيا في حكم السفر إلى بلاد الشرك تأليف سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ١٢٠٠ - ١٢٣٣هـ بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان تمهيد جبل الله تعالى النفس البشرية على الشغف بكل مظهر يعبر عن المحبة والارتياح إلى كل تصرف ينبض بالود. وما من إنسان سوى إلا وهو بطبعه ينشد ذلك في قسمات الوجوه ويتلمسه في طوايا الحديث وبين الكلمات ويتلهف إليه في كل حين. ومن أجل هذا كانت المحبة قمة العلاقات الإنسانية. فمنها ينبثق التسامح، ومن معينها تفيض جميع الصفات النبيلة، وعن طريقها تتفجر الأحاسيس وتسمو العواطف. والإسلام حين أشرق نوره، فاكتسح بأشعته ظلام الجهل والشرك، كانت الحياة اللاهثة تتقطع بضوضائها في ظل تفكك أخلاقي، وطغيان عارم لمبدأ القوة والعنف. فبسط جناحه الحاني، وامتد إلى الناس يزرع الحب والود. وأعاد روح الأخوة والتضامن التي افتقدوها سنين طويلة، فأبدل الله العداوة المستحكمة إلى محبة وتآلف مثالي. قال تعالى:

стр. 10979

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١). ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢). وهكذا تحول المجتمع الإسلامي إلى خلية واحدة: يسودها الوئام، ويشع في جنباتها الانسجام والتجانس. بعد أن صبغهم الإسلام بالتوحيد، وشكلهم كأحسن ما تكون المجتمعات. ورغبة في بقاء هذه السمة بمظرها الخلاق وتأثيرها العميق على النفوس: اتخذ الإسلام بعض الاحتياطات الكفيلة، للمحافظة عليها، وتمثلت في سبيلين اثنين: أحدهما: التأكد على وجوب محبة المؤمنين بعضهم لبعض، قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا (٣)» ووجوب تولي بعضهم لبعض، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ (٦). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (٧).

стр. 10980

وتحريم موادة الكفار أو محبتهم. ولم يستثن قرابة أو ذا رحم شفيق، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). وبلغ الأمر أن حكم على المتعدي لوصاياه بالكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣). ولم يقف النهي عن موالاة المشركين عند حدود الموالاة فقط، بل جاوره إلى النهي عن المشابهة، حتى استقرت كقاعدة عامة، وغدت من الأركان الأساسية التي امتدت إلى الكثير من تفاصيل الأحكام، لوفرة ما دل عليها من الكتاب والسنة. والسبب كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن المشاركة في الهدي الظاهر، تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وتدفع إلى المشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدرج الخفي. فينتج عنه نوع مودة ومحبة (٤)، مصداقا لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم (٥)» ولا تقتصر المعاداة لأهل الشرك فحسب، وإنما تتخطاه أيضا إلى كل

стр. 10981

صاحب بدعة وإن لم تخرج عن إطار الإسلام، وذلك لأمرين: الأول: غلط البدعة في الدين في نفسها. الثاني: أن البدع تجر إلى الردة الصريحة، كما وجد من كثير من أهل البدع (١). ولما فرط المسلمون في هذا الأصل الأصيل، اشتدت غربة الإسلام، وتفشت الكثير من البدع والخرافات. فانقلبت المحبة إلى عداء ونفور وتقاطع، وحل الخصام محل التفاهم والتراحم، وتشتت المسلمون إلى فرق وطوائف. وما زالوا مع الأسف يعيشون تحت وطأة هذا الانحراف الشديد، ولم يعدموا من بائس يرفع عقيرته بالدعوة إلى تقديس القبور وعبادتها، وإلى إحياء المواد والعادات البالية، ويسعى في انقسام الأمة وتفتيتها، والعودة إلى الجاهلية الأولى. والمؤلم أنه يجاهر بدعوته إلى البدعة في كل محفل بين ظهراني المسلمين، وفي عقر دار التوحيد دون خوف ولا حياء.

стр. 10982

موضوع الفتيا: الأصل أن الإقامة في بلاد المشركين والسفر إليها لا يجوز بأي حال من الأحوال؛ لوجوب معاداتهم ومقاطعتهم وفريضة البراءة منهم، ولكن إذا حتمت الضرورة ذلك، كأن يرغمه جور حاكم إلى النزوح عن بلاده خوفا من بطشه وظلمه، أو يسافر للعلاج مثلا، أو يحتاج إلى جلب بضاعة أو تخليص حق - بناء على أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة (١) - فإنه يرخص فيه بقدر الحاجة. لأن الرخصة: ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلى يقتضي

стр. 10983

المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه (١). فمتى زالت الضرورة عاد التحريم إلى الجريان. وهذه خاصة من خواص الرخصة، وهو الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكلية وما شرع من الرخص (٢). غير أنه لا بد من التنبه إلى قضية في غاية الأهمية تتوقف عليها هذه الرخصة، وترتبط بها وجودا وعدما، وهي الأمن من الفتنة في الدين، والتمكن من إقامته والمجاهرة به بحرية تامة. وواضح أن المراد لا ينحصر في مجرد القدرة على النطق بالشهادتين والصلاة والعبادات البدنية الأخرى، وإلا لما استثنى الله المستضعفين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٤). ولو حمل على مجرد العبادة لتساوى المستثنى والمستثنى منه - لأنه لا يتصور في المستضعف أنه يترك عبادة ربه - وبالتالي سوف يؤدي إلى بطلان فائدة تعلق الوعيد بالقادر على الهجرة دون من لم يقدر (٥) وهذا عبث ينزه القرآن الكريم عنه. ومما يزيد المقام بيانا سبب النزول. فقد روى ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم

стр. 10984

فنزلت الآية. ولما قام النبي ﷺ بالنذارة لكفار قريش عن الشرك وأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم فيه. . إلى أن صرح بسبب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة. . فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض (١).

стр. 10985

المؤلف: هو الحافظ المفسر المحدث الفقيه: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي الوهيبي التميمي، ولد في بلدة الدرعية سنة ١٢٠٠هـ. وقد هيأ الله له أسرة علمية وبيتا من أشهر البيوتات الضاربة في صميم نجد. فوالده الأدنى الشيخ عبد الله بن محمد من جلة العلماء صنف ودرس وولي القضاء في الدرعية (١) منذ عهد الإمام الراشد، عبد العزيز بن محمد بن سعود (٢). وجده الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رائد الدعوة السلفية (٣) مما دفعه إلى طلب العلم والحرص عليه. واستطاع بما حباه الله من ذهن

стр. 10986

وقاد وصبر على القراءة أن يدرك علما جما مكنه من التدريس والقضاء، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأليف الكتب والرسائل النافعة. وهكذا أمضى حياته القصيرة، في الجهاد والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بشجاعة وقوة وبصيرة إلى أن أدركه الأجل، وفاضت روحه الطاهرة على يد الظالم الغشوم إبراهيم بن محمد علي في الدرعية سنة ١٢٣٣ هـ فذهب شهيدا. . بعد أن قام بواجبه تجاه ربه وتجاه إخوانه المسلمين. . ﵀ رحمة واسعة وبلغه منازل الصديقين (١).

стр. 10987

النسخ الأصول اعتمدت في التحقيق على خمس نسخ، وهي كما يلي: الأولى: وتقع في نحو أربع ورقات ومسطرتها ١٦ سطرا، كتب في أولها: (قال سليمان بن عبد الله بن الشيخ) عثرت عليها في مجموع صغير مخطوط في مكتبة الرياض السعودية بدون رقم، وليس له اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ لفقدان أوله وآخره. وقد كتب بخط جميل تغلب عليه الصحة والقدم، ولذلك اتخذتها أصلا. الثانية: وسجل في مستهلها ما نصه: (ست مسائل في حكم التجارة إلى أرض المشركين هل هي جائزة أم لا. للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏. تقع في نحو ثلاث ورقات ومسطرتها ٢٣ سطرا، كتبت بقلم نسخي متوسط، وسقط منها أكثر المسألة السادسة، ورمزت لها بحرف (م).

стр. 10988

الثالثة: ذكر في بدايتها ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أجوبة ستة لسليمان بن عبد الله ﵀ وعفى عنه). وتقع في أربع ورقات تقريبا ومسطرتها ١٦ سطرا، ضمن مجموع مكتوب بقلم نسخي جيد، خال من اسم الناسخ وتاريخ نسخه، وهي محفوظة في خزانة المكتبة السعودية بدون رقم، وفيها بعض البياضات، ورمزت لها بحرف (ض). الرابعة: مطبوعة في كتاب الجامع الفريد سنة ١٣٨٧هـ كتب في أولها (هذه ست مسائل سئل عنها الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأجاب). وتقع في نحو ورقتين ومسطرتها ٢٨ سطرا، وفيها بعض التحريف والنقص، ورمزت لها بحرف (ط). الخامسة: ما نقله كل من الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن عن هذه الفتيا، وهي كما يلي: نقل الشيخ حمد بن عتيق في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك (ط الإفتاء) المسائل الأولى والثانية والثالثة (١) على التوالي والسادسة (٢) وجزءا من المسألة الرابعة (٣) ولم ينسب أيا منها صراحة إلى الشيخ سليمان، وإنما قال: وفي أجوبة آل الشيخ، ثم ساقها. ونقل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في جوابه عن حكم السفر إلى بلاد المشركين (الدرر السنية ٩/ ٣٧٧ - ٤٠٦) المسألة الأولى (٤) والمسألتين الثانية والثالثة (٥) على التوالي. ونسب الأولى فقط إلى سليمان صراحة، حيث قال: ولما سئل العلامة سليمان بن عبد الله عن السفر إلى

стр. 10989

بلاد المشركين أجاب. وقد استفدت من هذه النقول وأشرت إلى اختلافها في الهامش، ورمزت لما نقله ابن عتيق بحرف (س) وما نقله إسحاق بحرف (د).

стр. 10990

منهج التحقيق: اتخذت النسخة الأولى أصلا لقدمها وصحتها في الغالب، أما بقية النسخ فعارضتها بالأصل، وأثبت الفروق وأضفت في الصلب - من النسخ الأخرى - ما رأيت الضرورة تدعو إليه وجعلته بين حاصرتين، كما قمت بترقيم الآيات الكريمة وتخريج الأحاديث والآثار وترجمت لمن يحتاج إلى ذلك من الأعلام. وبعد: أرجو الله مخلصا أن يصلح قلوبنا ويبصرنا بأمور ديننا، ويحفظ لنا عقيدتنا النقية، وان يجعلنا هداة مهتدين إنه ولي ذلك. . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الرياض ٢٧/ ٥ / ١٤٠٨هـ

стр. 10991

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، (١). المسألة الأولى (٢): هل يجوز للمسلم (٣) أن يسافر إلى بلد الكفار (٤) لأجل التجارة أم لا؟ الجواب: (٥): الحمد لله (٦). إن كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد «سافر بعض الصحابة - كأبي بكر ﵁ وغيره (٧) من (٨) الصحابة - إلى بلدان المشركين لأجل التجارة (٩). ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ». كما رواه أحمد في مسنده وغيره (١٠) (١١). وإن كان لا يقدر على إظهار دينه (١٢) ولا على عدم (١٣) موالاتهم (١٤)، لم يجز له السفر (١٥) إلى ديارهم، كما (١٦) نص على ذلك العلماء. وعليه تحمل

стр. 10992

الأحاديث التي تدل على النهي عن ذلك (١). ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد (٢)، وفرض عليه عداوة المشركين. فما كان ذريعة وسببا إلى إسقاط ذلك لم يجز (٣). وأيضا (٤) فقد (٥) يجره ذلك (٦) إلى موافقتهم (٧) (٨) وإرضائهم، كما هو الواقع كثيرا (٩) ممن يسافر إلى (١٠) بلدان المشركين (١١) من فساق المسلمين (١٢).

стр. 10993

المسألة الثانية (١): هل يجوز للإنسان (٢) أن يجلس (٣) في بلد الكفار (٤) وشعائر الشرك (٥) ظاهرة لأجل التجارة أم لا (٦)؟ الجواب (٧) عن هذه المسألة: هو (٨) الجواب عن التي قبلها سواء. ولا فرق في ذلك (٩) بين دار الحرب و (١٠) دار (١١) الصلح. فكل بلد (١٢) لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها. لا يجوز له (١٣) السفر إليها. المسألة الثالثة (١٤): هل يفرق بين المدة [١٤١ / أ] القريبة مثل: شهر أو شهرين (١٥) وبين (١٦) المدة البعيدة؟ الجواب (١٧): أنه (١٨) لا فرق بين المدة القريبة ولا (١٩) البعيدة (٢٠). فكل بلد (٢١) لا يقدر [المسلم] (٢٢) على إظهار دينه فيها، ولا على (٢٣)

стр. 10994

عدم موالاة المشركين (١). لا يجوز له المقام فيها ولا يوما واحدا إذا كان يقدر على الخروج منها (٢). المسألة الرابعة (٣): في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٤). وقوله (٥) في الحديث: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله (٦)». الجواب (٧): أن معنى (٨) الآية على ظاهرها. [وهو] (٩) أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها، فجلس (١٠) عند (١١) الكافرين المستهزئين (١٢) من غير إكراه ولا إنكار، ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره؛ فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم؛ لأن ذلك يتضمن الرضا بالكفر، والرضا بالكفر كفر (١٣). وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله. فإن (١٤) ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه؛ لأن الحكم بالظاهر (١٥). وهو (١٦) قد أظهر الكفر فيكون كافرا.

стр. 10995

ولهذا لما وقعت الردة (١) وادعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبل منهم الصحابة ذلك، بل جعلوهم كلهم مرتدين إلا من أنكر بلسانه (٢). وكذلك (٣) قوله (٤) في الحديث (٥): «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله (٦)» على ظاهره. وهو أن الذي [١٤١ / ب] يدعي الإسلام ويكون (٧) مع المشركين في الاجتماع والنصرة، والمنزل (٨) معهم (٩). بحيث يعده المشركون منهم (١٠)، فهو كافر مثلهم وإن ادعى الإسلام إلا إن كان يظهر دينه ولا يتولى (١١) المشركين. ولهذا لما ادعى بعض الناس الذين (١٢) أقاموا بمكة بعد مهاجر (١٣) النبي ﷺ (١٤)، فادعوا الإسلام إلا أنهم أقاموا بمكة (١٥) يعدهم المشركون منهم، وخرجوا معهم يوم بدر كارهين للخروج فقتلوا فظن بعض (١٦) الصحابة أنهم مسلمون وقالوا: قتلنا إخواننا.
следующие страницы →