← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، (١). المسألة الأولى (٢): هل يجوز للمسلم (٣) أن يسافر إلى بلد الكفار (٤) لأجل التجارة أم لا؟ الجواب: (٥): الحمد لله (٦). إن كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد «سافر بعض الصحابة - كأبي بكر ﵁ وغيره (٧) من (٨) الصحابة - إلى بلدان المشركين لأجل التجارة (٩). ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ». كما رواه أحمد في مسنده وغيره (١٠) (١١). وإن كان لا يقدر على إظهار دينه (١٢) ولا على عدم (١٣) موالاتهم (١٤)، لم يجز له السفر (١٥) إلى ديارهم، كما (١٦) نص على ذلك العلماء. وعليه تحمل

стр. 10992

الأحاديث التي تدل على النهي عن ذلك (١). ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد (٢)، وفرض عليه عداوة المشركين. فما كان ذريعة وسببا إلى إسقاط ذلك لم يجز (٣). وأيضا (٤) فقد (٥) يجره ذلك (٦) إلى موافقتهم (٧) (٨) وإرضائهم، كما هو الواقع كثيرا (٩) ممن يسافر إلى (١٠) بلدان المشركين (١١) من فساق المسلمين (١٢).

стр. 10993

المسألة الثانية (١): هل يجوز للإنسان (٢) أن يجلس (٣) في بلد الكفار (٤) وشعائر الشرك (٥) ظاهرة لأجل التجارة أم لا (٦)؟ الجواب (٧) عن هذه المسألة: هو (٨) الجواب عن التي قبلها سواء. ولا فرق في ذلك (٩) بين دار الحرب و (١٠) دار (١١) الصلح. فكل بلد (١٢) لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها. لا يجوز له (١٣) السفر إليها. المسألة الثالثة (١٤): هل يفرق بين المدة [١٤١ / أ] القريبة مثل: شهر أو شهرين (١٥) وبين (١٦) المدة البعيدة؟ الجواب (١٧): أنه (١٨) لا فرق بين المدة القريبة ولا (١٩) البعيدة (٢٠). فكل بلد (٢١) لا يقدر [المسلم] (٢٢) على إظهار دينه فيها، ولا على (٢٣)

стр. 10994

عدم موالاة المشركين (١). لا يجوز له المقام فيها ولا يوما واحدا إذا كان يقدر على الخروج منها (٢). المسألة الرابعة (٣): في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٤). وقوله (٥) في الحديث: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله (٦)». الجواب (٧): أن معنى (٨) الآية على ظاهرها. [وهو] (٩) أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها، فجلس (١٠) عند (١١) الكافرين المستهزئين (١٢) من غير إكراه ولا إنكار، ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره؛ فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم؛ لأن ذلك يتضمن الرضا بالكفر، والرضا بالكفر كفر (١٣). وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله. فإن (١٤) ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه؛ لأن الحكم بالظاهر (١٥). وهو (١٦) قد أظهر الكفر فيكون كافرا.

стр. 10995

ولهذا لما وقعت الردة (١) وادعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبل منهم الصحابة ذلك، بل جعلوهم كلهم مرتدين إلا من أنكر بلسانه (٢). وكذلك (٣) قوله (٤) في الحديث (٥): «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله (٦)» على ظاهره. وهو أن الذي [١٤١ / ب] يدعي الإسلام ويكون (٧) مع المشركين في الاجتماع والنصرة، والمنزل (٨) معهم (٩). بحيث يعده المشركون منهم (١٠)، فهو كافر مثلهم وإن ادعى الإسلام إلا إن كان يظهر دينه ولا يتولى (١١) المشركين. ولهذا لما ادعى بعض الناس الذين (١٢) أقاموا بمكة بعد مهاجر (١٣) النبي ﷺ (١٤)، فادعوا الإسلام إلا أنهم أقاموا بمكة (١٥) يعدهم المشركون منهم، وخرجوا معهم يوم بدر كارهين للخروج فقتلوا فظن بعض (١٦) الصحابة أنهم مسلمون وقالوا: قتلنا إخواننا.

стр. 10996

أنزل (١) الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية. قال السدي (٣) وغيره من المفسرين: إنهم كانوا كفارا. ولم يعذر الله منهم (٤) إلا المستضعفين (٥). المسألة الخامسة (٦): هل يقال لمن (٧) أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام: إنه (٨) منافق (٩) أم لا؟ الجواب (١٠): أن (١١) من ظهرت (١٢) منه علامات النفاق الدالة عليه: كارتداده عند التحزيب على المؤمنين، وخذلانهم عند اجتماع العدو كالذين قالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ (١٣) (١٤). وكونه إذا غلب المشركون صار (١٥) معهم، وإن (١٦) غلب المسلمون التجأ إليهم.

стр. 10997

ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين. وأشباه هذه العلامات التي ذكرها (١) الله أنها علامات للنفاق وصفات للمنافقين. فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه وتسميته منافقا. وقد كان (٢) الصحابة يفعلون [١٤٢ / أ] ذلك كثيرا كما قال حذيفة ﵁: إن الرجل [لـ] (٣) يتكلم بالكلمة في (٤) عهد رسول الله ﷺ فيكون بها منافقا. وكما قال عوف بن مالك (٥) ﵁ لذلك المتكلم بذلك (٦) الكلام (٧) القبيح: كذبت، ولكنك منافق (٨). وكذلك (٩) قال عمر في قصة حاطب (١٠): يا رسول الله، دعني

стр. 10998

أضرب عنق هذا المنافق. وفي رواية (١): دعني أضرب عنقه فإنه منافق، وأشباه (٢) ذلك (٣) كثير (٤). وكذلك قال أسيد بن الحضير لسعد (٥) بن عبادة لما قال ذلك الكلام: كذبت ولكنك منافق (٦)، تجادل عن المنافقين. ولكن ينبغي أن يعرف (٧): أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهرا وبين كونه منافقا باطنا (٨). فإذا فعل علامات النفاق جاز تسميته منافقا، لمن أراد أن يسميه (٩) بذلك وإن لم يكن منافقا (١٠) في نفس الأمر؛ لأن بعض هذه الأمور قد يفعلها الإنسان مخطئا لا علم عنده، أو لمقصد يخرج به (١١) عن كونه منافقا. فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر [عليه] (١٢) كما لم ينكر النبي ﷺ على أسيد بن الحضير (١٣) تسمية سعد (١٤) منافقا مع أنه ليس بمنافق.

стр. 10999

ومن سكت، لم ينكر عليه. بخلاف المذبذب (١) الذي ليس مع المس لمين ولا مع المشركين. فإنه لا يكون إلا منافقا. واعلم أنه لا يجوز إطلاق (٢) النفاق على المسلم بالهوى والعصبية أو لكونه يشاحن رجلا [١٤٢ / ب] في أمر دنيا، أو يبغضه لذلك أو (٣) لكونه يخالف (٤) في بعض (٥) الأمور التي لا يزال الناس فيها مختلفين. فليحذر (٦) الإنسان من ذلك (٧) أشد الحذر؛ فإنه قد (٨) صح في الحديث (٩) عن النبي ﷺ : «من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله (١٢)». وإنما يجوز من ذلك ما كانت العلامات مطردة (١٣) في النفاق: كالعلامات التي ذكرنا، وأشباهها. بخلاف مثل الكذبة والفجرة ونحو ذلك، وكان قصد الإنسان ونيته إعلاء كلمة الله ونصر دينه. المسألة السادسة (١٤): [ما قولكم] (١٥) في الموالاة والمعاداة: هل هي من معنى لا إله إلا الله أو من لوازمها؟

стр. 11000

الجواب (١) أن يقال: الله (٢) أعلم. حسب (٣) (٤) المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم. وأوجب عليه (٥) محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان. ونفى الإيمان عمن يواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله، أو من (٦) لوازمها: فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك. وإنما كلفنا: بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به. فهذا الفرض (٧) والحتم الذي لا شك فيه. ومن عرف أن ذلك من معناها، أو من لوازمها (٨) فهو حسن وزيادة خير. ومن لم يعرف (٩)، فلم يكلف بمعرفته. لا سيما إذا كان الجدال في ذلك (١٠) والمنازعة فيه، مما يفضي إلى شر واختلاف، ووقوع فرقة بين

стр. 11001

المؤمنين [١٤٣ / أ] الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله (١)، وعادوا المشركين ووالوا المسلمين. فالسكوت عن (٢) ذلك متعين. وهذا ما ظهر لي. على أن الاختلاف قريب من جهة المعنى. والله أعلم (٣). آخره (٤) (٥). وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (٦) (٧).

стр. 11002

الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومسنده دراسة وإعداد أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان الصويان أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ) أحد الأئمة الأعلام، ومن الأفذاذ الذين قلما يجود الزمان بمثلهم. أحاط بالمجد من جميع أطرافه، وبرز في كثير من العلوم، فهو عند المحدثين: إمامهم، وعند الفقهاء: سيدهم، وعند الحفاظ: أميرهم، وعند الشجعان: رائدهم، وعند الثابتين على الحق: قائدهم.

стр. 11003

الوضع القائم في عصره: عاش الإمام أحمد بن حنبل في عصر استقرت الأمور فيه للدولة العباسية، التي ظهر فيها بشكل جلي اعتماد الولاة على العناصر الأعجمية، لتثبيت حكمهم. فاعتمد المأمون على الفرس، والمعتصم على الترك. حتى بدأ الضعف يطغى شيئا فشيئا على الدولة العباسية. ومن الملامح العامة التي تميز المدة التي عاشها الإمام أحمد: ١ - البدء في ترجمة الكتب الفلسفية من يونانية، ورومانية، وفارسية، وهندية، بدعم من الولاة. ٢ - نتج من جراء هذا: انتشار البدع في عقائد الناس، وعباداتهم بشكل سريع. ٣ - انتشرت الرافضة والمعتزلة، ودعم الولاة المذهب الاعتزالي خاصة، والقول بخلق القرآن. وأصاب المسلمين محنة وبلاء.

стр. 11004

٤ - الطغيان المادي الجامح، ليس في قصور الولاة والأمراء فحسب، بل حتى عند عامة الناس. هذه بعض الملامح الرئيسية التي تميز البيئة التي عاش فيها الإمام أحمد بن حنبل. ويلخص لنا المقريزي رحمه الله تعالى الآثار الناتجة من ترجمة كتب الفلسفة فيقول: " وبتعريب المأمون لكتب الفلسفة انتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت مذاهب الفرق من: القدرية والجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية، حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فانجر بذلك على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين. اهـ. " (١). في هذه الفترة الحرجة ولد الإمام أحمد بن حنبل لينصر الله به الدين، ويعز به أهل السنة والجماعة، لينطبق عليه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».

стр. 11005

اسمه ونسبه: هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الذهلي الشيباني. يلتقي نسبه مع الرسول ﷺ في: نزار بن معد بن عدنان. قدم

стр. 11006

به والده من مرو وهو حمل، فوضعته أمه في بغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة. وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمه. وينسب إلى جده لشهرته.

стр. 11007

شيوخه: سمع الإمام أحمد من عدد كبير من العلماء يصعب حصرهم، ويطول ذكرهم؛ حيث أكثر الترحال إلى كثير من الأمصار؛ كـ: البصرة، والكوفة، والشام، والجزيرة، والحرمين، واليمن، وغيرها. وأذكر من شيوخه على سبيل المثال: محمد بن إدريس الشافعي، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن علية، وهشيم بن بشير، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وغيرهم. قال الحافظ الذهبي: " فعدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند: مئتان وثمانون ونيف " (١). وقال ابن الجزري: "مئتان وثمانون رجلا".

стр. 11008

تلاميذه: سمع من الإمام أحمد عدد كثير من العلماء، ورحل إليه الناس من أماكن بعيدة ليسمعوا منه. وممن سمع منه: ابناه عبد الله وصالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق، وأبو زرعة، والبخاري، ومسلم، وأبو داود صاحب السنن، والأثرم، وأبو يعلى الموصلي - صاحب المسند -، والميموني، وابن هانئ، وغيرهم.

стр. 11009

حفظه: يمتاز الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بالحفظ الواسع، والاطلاع الكثير، حيث شهد له بذلك حفاظ الأمة ومحدثوها. o قال أبو زرعة: " حزرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حملا وعدلا، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه على ظهر قلبه ". o وقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبو زرعة: "أبوك يحفظ ألف ألف حديث". فقيل له: وما يدريك؟ قال: "ذاكرته فأخذت عليه الأبواب". ويعلق الحافظ الذهبي على هذا القول فيقول: "وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك. وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك " (١). وقال علي بن المديني: " ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، إلا أنه لا يحدث إلا من كتابه، ولنا فيه أسوة حسنة ". قلت: وهذا من تمام ورعه رحمه الله تعالى. o وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث، لم يكتب سوادا في بياض إلا حفظه " (٢). قلت: ما وصل الإمام أحمد إلى هذه المنزلة الرفيعة إلا بحرصه الشديد ومثابرته على طلب العلم، فبقدر ما تعطى العلم من نفسك، فإنه يظهر لك من كنوزه ودرره. وإليك مصداق ذلك:

стр. 11010

o قال الخلال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، سمعت قتيبة بن سعيد يقول: "كان وكيع إذا كانت العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيذاكره، فأخذ وكيع ليلة بعضادتي الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله، أريد أن ألقي عليك حديث سفيان، قال: هات. قال: تحفظ عن سفيان عن سلمة بن كهيل كذا؟ قال: نعم حدثنا يحيى، فيقول: سلمة كذا وكذا؟ فيقول: حدثنا عبد الرحمن، فيقول: عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول: أنت حدثتنا، حتى يفرغ من سلمة، ثم يقول أحمد: فتحفظ عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا، ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، قال: فلم يزل قائما حتى جاءت الجارية فقالت: قد طلع الكوكب، أو قالت: الزهرة" (١). ولهذا نجد الإمام أحمد قد أتقن حديث وكيع إتقانا جيدا. o قال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: "خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت تسألني عن الكلام فأخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك عن الكلام". o وصدق ابن الجوزي حينما قال عن الإمام أحمد: " كان ﵁ شديد الإقبال على العلم، سافر في طلبه السفر البعيد ووفر على تحصيله الزمان الطويل، ولم يتشاغل بكسب ولا نكاح حتى بلغ منه ما أراد " (٢).

стр. 11011

ثناء الأئمة عليه: o قال الإمام الشافعي: " خرجت من بغداد، وما خلفت بها أحدا

стр. 11012

أتقى ولا أروع ولا أعلم من أحمد بن حنبل ". وكفى بهذه شهادة من شيخه وإمام عصره محمد بن إدريس رحمه الله تعالى. o وقال عبد الرزاق بن همام الصنعاني: " ما قدم علينا أحد كان يشبه أحمد بن حنبل " (١). o وقال أيضا: " ما رأيت مثل أحمد بن حنبل " (٢). قلت: قال عبد الرزاق ذلك، وقد رأى أئمة العلم مثل: معمر بن راشد، والإمام مالك، والسفياني، وابن جريج، وابن معين، وغيرهم. o وقال إبراهيم الحربي: " كأن الله قد جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى ويمسك ما شاء " (٣). o وقال شجاع بن مخلد: سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: "ما بالمصرين - يعني: الكوفة والبصرة - رجل أكرم علي من أحمد بن حنبل ". o وقال الهيثم بن جميل: "إن عاش هذا الفتى سيكون حجة على أهل زمانه" (٤). o وقال أبو جعفر النفيلي: "كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين".

стр. 11013

o وقال إسماعيل بن خليل: "لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان آية" (١). ولو تتبعت ثناء الأئمة عليه لطال بنا المقام، ولكن أختم بقول الإمام الذهبي: " كان أحمد عظيم الشأن، رأسا في الحديث، وفي الفقه، وفي التأله. أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟!! وكان مهيبا في ذات الله. حتى قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما هبت أحدا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل " (٢).

стр. 11014

احترام العلماء له: العلماء لهم منزلة عظيمة ومكانة رفيعة، فهم ورثة الأنبياء، والعلم تاج يرفع من ذكر الإنسان ويعلي قدره، وكم من أصيل النسب حطه الجهل، وكم من وضيع النسب رفعه العلم فوق جميع الناس، وصدق من قال: العلم يرفع بيتا لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف ويزداد فضل الإنسان ومكانته بزيادة علمه وعمله، والإمام أحمد رحمه الله تعالى جمع الأمرين معا، مما جعل شيوخه قبل تلاميذه يقدرونه، ويجلونه، ويحترمونه، حتى قال إدريس بن عبد الكريم المقرئ: " رأيت علماءنا مثل الهيثم بن جميل، ومصعب الزبيري - وذكر (٢٠) عالما من الحفاظ والفقهاء - فيمن لا أحصيهم من أهل العلم والفقه، يعظمون أحمد بن حنبل، ويجلونه، ويوقرونه، ويبجلونه، ويقصدونه للسلام عليه ". وقال أحمد بن شيبان: " ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيما منه لأحمد بن حنبل، وكان يقعده إلى جنبه إذا حدثنا، وكان يوقر أحمد بن

стр. 11015

حنبل ولا يمازحه ". ويزيد بن هارون من شيوخ أحمد، ويعتبر من الأئمة الحفاظ الأثبات، ومع ذلك نجده يحترم الإمام أحمد هذا الاحترام. ويزيد بن هارون صاحب نكتة وطرافة، لكنه يتحرز من ذلك عند الإمام أحمد. قال خلف بن سالم: " كنا في مجلس يزيد بن هارون، فمزح يزيد مع مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب يزيد بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد ههنا حتى لا أمزح!! " (١). وقال أبو بكر المروزي: أخبرني عبد الله بن المبارك - شيخ سمع منه قديما، وليس بالخراساني - قال: "كنت عند إسماعيل ابن علية، فتكلم إنسان فضحك بعضنا، وثم أحمد بن حنبل. فأتينا إسماعيل فوجدناه غضبان، فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟! " (٢). رحم الله الإمام أحمد بن حنبل، فقد كان رجلا جادا، متميزا، حريصا على وقته، وعلى طلبه للعلم. وهذه الصفات هي التي جعلت شوامخ العلماء يحترمونه ويقدرونه، حتى إن كثيرا من العلماء كان يسميه بـ: "الإمام" أو "إمامنا" سواء من شيوخه أو من أقرانه أو من تلاميذه، فمنهم: الإمام المبجل يحيى بن آدم (٣) وعلي بن المديني الذي قال: "اتخذت أحمد بن حنبل إماما فيما بيني وبين الله" (٤). كما كان يسميه أيضا بـ: "سيدنا". وممن يسميه بالإمام أيضا: بشر بن الحارث (٥)

стр. 11016

والذهلي (١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (٢)، وقتيبة بن أحمد (٣)، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (٤)، وغيرهم (٥).

стр. 11017

زهد الإمام أحمد: عندما تدبر الدنيا عن الإنسان، ويدعى الزهد فيها، فهو وإن كان صادقا في زهده هذا، إلا أن هذا الزهد سهل المنال. أما حينما تقبل الدنيا بخيلها ورجلها، وتقف بين يدي الإنسان ثم يزهد فيها، فلا شك أن هذا هو الزهد الحقيقي، الذي تتضاغر عنده النفوس، ولا يطيقه إلا القلة الصابرة المحتسبة، الناظرة لنعيم الآخرة، المعرضة عن نعيم الدنيا. والإمام أحمد رحمه الله تعالى من النوع الثاني، وصدق ابن النحاس حينما قال في الإمام أحمد بن حنبل: " ﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه. عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها " (١). قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى على قول ابن النحاس: " وهذه حال أئمة المتقين، الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) (سورة السجدة آية ٢٤). فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) (سورة العصر آية ٣). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٤) (سورة ص آية ٤٥) (٥).

стр. 11018

والحديث عن زهد الإمام أحمد ﵀ باب يطول، نقتصر على القليل منه: قال صالح بن أحمد: " ربما رأيت أبي يأخذ الكسر، ينفض الغبار عنها، ويصيرها في قصعة، ويصب عليها ماء، ثم يأكلها بالملح، وما رأيته اشترى رمانا ولا سفرجلا، ولا شيئا من الفاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز وعنبا وتمرا " (١). قلت: وهذا من شدة خوفه من الله ، فقد قال المروذي: " كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب " (٢). وقال صالح بن أحمد: " قال لي أبي: كانت والدتك في الظلام تغزل غزلا دقيقا، فتبيع الأستار بدرهمين أقل أو أكثر، فكان ذلك قوتنا. وكنا إذا اشترينا الشيء نستره عنه كيلا يراه فيوبخنا. وكان ربما خبز له، فيجعل في فخارة عدسا وشحما وتمرات ولهريز (٣)، فيجيء الصبيان فيصوت ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون ولا يأكلون. وكان يأتدم بالخل كثيرا " (٤). وأما عن بيته فيصفه لنا الميموني بقوله: " كان منزل أبي عبد الله ضيقا صغيرا، وينام في الحر في أسفله " (٥). لذلك لما دخل أحمد بن عيسى المصري ومعه قوم من المحدثين على أبي عبد الله أحمد بن حنبل بالعسكر، فقال له أحمد بن عيسى: "يا أبا عبد الله، ما هذا الغم؟ الإسلام حنيفية سمحة، وبيت واسع!! فنظر إليهم وكان مضطجعا، فلما خرجوا، قال أبو عبد الله: "ما أريد أن يدخل علي

стр. 11019

هؤلاء! " (١). قلت: لما قرأت هذا الخبر تذكرت قول المصطفى ﷺ في صفة الطائفة المنصورة: «لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم (٢)». . ". وكان الإمام أحمد بن حنبل يرفض التزلف تحت أعتاب السلطان، ويرفض عطايا الولاة بنفس أبية عزيزة، فقد قال إسحاق بن موسى الأنصاري: "دفع إلي المأمون مالا فقال: اقسمه على أصحاب الحديث فإن فيهم ضعفا. فما بقي أحد إلا أخذ، إلا أحمد بن حنبل فإنه أبى " (٣). بل كان ﵀ يغضب على أولاده حينما يقبلون جوائز الأمراء، فقد ذكر أحمد بن محمد التستري: " أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما طعم فيها، فبعث إلى صديق له، فاقترض منه دقيقا، فجهزوه بسرعة، فقال: كيف ذا؟! قالوا: تنور صالح مسجر فخبزنا فيه، فقال: ارفعوا، وأمر بسد باب بينه وبين صالح " (٤). قال الحافظ الذهبي: لكونه أخذ جائزة المتوكل. قلت: والأمثلة على رد الإمام أحمد جوائز الخلفاء كثيرة؛ وذلك لأنه آثر الباقية على الفانية، فقد قال صالح بن أحمد: "قلت لأبي: إن أحمد الدورقي أعطي ألف دينار، فقال: يا بني ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٥) (سورة طه: آية ١٣١).

стр. 11020

رحم الله الإمام أحمد فقد حفظ العلم، وحفظ كرامة العلماء، فلم يجعل العلم عبثا. رحم الله الإمام أحمد فقد قال: "إذا ذكر الموت هان علي كل شيء من أمر الدنيا، وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، ما أعدل بالفقر شيئا". ثم إن الإمام أحمد كان يرفض عطايا شيوخه، حتى لو كان محتاجا لها، فقد روى عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: " عرض علي يزيد بن هارون خمسمائة درهم أو أكثر أو أقل، فلم أقبل منه. وأعطى يحيى بن معين، وأبا مسلم المستملي فأخذا منه " (١). قال إسحاق بن راهويه: " كنت أنا وأحمد باليمن عند عبد الرزاق، وكنت أنا فوق الغرفة وهو أسفل، وكنت إذا جئت إلى موضع اشتريت جارية، قال: فاطلعت على أن نفقته فنيت، فعرضت عليه فقلت: إن شئت قرضا، وإن شئت صلة، فأبى. فنظرت فإذا هو ينسج التكك ويبيع وينفق " (٢). كما رفض ﵀ عطية شيخه عبد الرزاق بن همام الصنعاني لما كان عنده باليمن، مع أنه كان في أمس الحاجة إليها (٣).

стр. 11021

كما امتنع عن قبول هدية ابن الجروي ومقدارها ثلاثة آلاف دينار، مع الإلحاح الشديد (١). قلت: وهذا من تمام توكل الإمام أحمد ﵀ على الخالق الرازق ، حيث سئل الإمام أحمد عن التوكل فقال: "قطع الاستشراف بالإياس من الخلق". فقيل له: فما الحجة فيه؟ قال: "قول إبراهيم ﵇ لما وضع في المنجنيق ثم طرح في النار، اعترض له جبريل ﵇ فقال: هل من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل من لك إليه حاجة. فقال: أحب الأمرين إلي أحبهما إليه" (٢). وقد وصف زهد الإمام أحمد جمع من معاصريه، من شيوخه وأقرانه وتلاميذه. فمن ذلك: قال يحيى الشامي: " ما رأيت أحدا أجمع لكل خير من أحمد، وقد رأيت سفيان بن عيينة ووكيعا وعدة من العلماء. فما رأيت مثل أحمد في: علمه، وفقهه، وزهده، وورعه " (٣). وقال يحيى بن معين: " كان في أحمد خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدثا، وكان حافظا، وكان عالما، وكان ورعا، وكان زاهدا، وكان عاقلا " (٤). ومن أجمل ما رأيت في وصف زهد الإمام أحمد قول تلميذه: سليمان بن الأشعث السجستاني - صاحب السنن -: " لقيت مائتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا. فإذا ذكر العلم تكلم " (٥). وقال أبو داود أيضا: "كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة

стр. 11022

الآخرة. لا يذكر فيها شيء من الدنيا. ما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط" (١). قلت: وأعظم بها من شهادة، من رجل حافظ ثقة مصنف دقيق العبارة، أحد الذين تتلمذوا وأكثروا عن الإمام أحمد، وعرفه تمام المعرفة. وأختم حديثي عن زهد الإمام أحمد بقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: " وقد صنف أحمد في الزهد كتابا حافلا عظيما، لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحد فيه. والمظنون بل المقطوع به أنه إنما كان يأخذ بما أمكنه منه ﵀ " (٢).

стр. 11023

فقه الإمام أحمد: الحديث عن فقه الإمام أحمد وتضلعه في هذا الباب يطول، ومن المعلوم أن مذهب الإمام أحمد في الفقه أحد المذاهب المعتبرة، ويعتبر رابع المذاهب المشهورة. وقد أقام الإمام أحمد بن حنبل مذهبه الفقهي على خمسة أصول كما بينها ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهي: الأول: النصوص: فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا من خالفه كائنا من كان. الثاني: ما أفتى به الصحابة: فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها. الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج من أقوال الصحابة. فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال، حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول. الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس.

стр. 11024

وقد بين الإمام ابن القيم المراد بالحديث الضعيف الذي يأخذ به الإمام أحمد، حينما قال رحمه الله تعالى: "وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به. بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، بل إلى: صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماع على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس". اهـ. الخامس: إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول صحابة، أو أحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس وهو: القياس، فاستعمله للضرورة (١). ثم قال الإمام ابن القيم: " فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها. وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده. أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه ولا يسوغ العمل بفتواه. . . " (٢). قلت: ولي ها هنا مع الأصل الرابع وقفة قصيرة: فابن قيم الجوزية تبع في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى، وإليك قول

стр. 11025

شيخ الإسلام: " قولنا: إن الحديث الضعيف خير من الرأي، ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به: الحسن، كحديث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث: إبراهيم الهجري، وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه " (١). وقال ﵀ أيضا: "وأول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف: أبو عيسى الترمذي " (٢). ولي ههنا وقفتان: الأولى: لا يسلم بأن الترمذي رحمه الله تعالى هو أول من قسم الحديث التقسيم الثلاثي، بل عرفت هذه القسمة قبله، حيث ورد لفظ التحسين على لسان عدة من العلماء السابقين للإمام الترمذي، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره ابن القيم نفسه عن الإمام أحمد بن حنبل أنه حسن حديث ركانة في طلاقه امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فقال ابن القيم: "وقد صحح أحمد هذا الحديث وحسنه" (٣). وقد ذكر الإمام علي بن المديني حديث عمر بن الخطاب مرفوعا: «إني ممسك بحجزكم عن النار (٤)». وقال: "هذا حديث حسن الإسناد" (٥). لذلك قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في نكته على مقدمة ابن الصلاح: " قد أكثر علي بن المديني من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده وعلله، وكان الإمام السابق لهذا الاصطلاح. وعنه أخذ: البخاري، ويعقوب بن شيبة، وغير واحد. وعن البخاري أخذ الترمذي " (٦).

стр. 11026

والذي يدلك على أن الترمذي أخذ هذا الاصطلاح عن الإمام البخاري: أنه نقل عنه في جامعه تحسين بعض الأحاديث، ومنها حديث: «من زرع في أرض قوم بغير إذنه، فليس له من الزرع شيء وله نفقته (١)» قال البخاري: هذا حديث حسن. وكذلك جاء ذكر الحديث الحسن عند الحافظ: أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى (٢). وبهذا يتبين: أن الإمام الترمذي مسبوق في هذا الاصطلاح. ولكن لا شك بأن الإمام الترمذي هو الذي نشر هذا التقسيم ونوه به، قال الحافظ ابن الصلاح: " كتاب أبي عيسى الترمذي ﵀ أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام مشايخه والطبقة التي قبله. كأحمد بن حنبل والبخاري " (٣). الوقفة الثانية: هل كان الإمام أحمد بن حنبل يقصد بالحديث الضعيف: الحديث الحسن؟! هذا أمر لا يسلم به؛ لأن الإمام أحمد يحتج بالحديث المرسل كما نص على ذلك ابن القيم، والمرسل كما هو معلوم: نوع من أنواع الحديث الضعيف! ثم لو كان الإمام أحمد يقصد بالحديث الضعيف: "الحديث الحسن" للزم من كلام ابن القيم أن الإمام أحمد يقدم قول الصحابي على الحديث الحسن - على حسب ما قرره ابن القيم في ترتيب الأصول التي اعتمد عليها أحمد - وهذا مما لم يقله أحد من أهل العلم. لكن مع هذا لا شك في أن الإمام أحمد بن حنبل لا يقصد بالحديث

стр. 11027

الضعيف - الذي يقدمه على القياس - هو الباطل أو المنكر أو ما في روايته متهم، بل كان يقدم الحديث الضعيف ضعفا محتملا على القياس، كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والله أعلم. بعد هذا العرض الموجز في أصول مذهب الإمام أحمد أقول: إن الإمام أحمد بن حنبل أحد المحدثين البارزين، جمع من علمه بالحديث ورجاله فقها استطاع به أن يعرف دلائل النصوص ومراميها. فقد قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: "كنت أجالس بالعراق: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا، وكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة. فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا. فأقول: أليس هذا صح بإجماع منا؟ فيقولون: نعم. فأقول: ما مراده، ما تفسيره، ما فقهه؟! فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل ". وقد أثنى كثير من العلماء على فقه الإمام أحمد بن حنبل ثناء عظيما، ومن ذلك ما قاله شيخه عبد الرزاق بن همام: "ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له". وهذه شهادة جليلة من أبي عبيد الذي قال عنه إبراهيم الحربي: "رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما مثله إلا بجبل نفخ فيه روح" (١)،

стр. 11028

وقال عنه ابن القيم: "كان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا" (١). كان الإمام الفقيه أبو ثور رحمه الله تعالى يفضل أحمد بن حنبل على سفيان الثوري في الفقه والعلم، حيث قال: " أحمد بن حنبل أعلم من الثوري وأفقه". لذلك كان أبو ثور يحترم آراء الإمام أحمد ويفتي بها. قال المروذي: "حضرت أبا ثور وقد سئل عن مسألة. فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا". وقال ابن ماكولا: "كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين" (٢). وقال ابن الجوزي يصف فقه أحمد: "قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ، وشاركهم وربما زاد على كبارهم " (٣).

стр. 11029

الإمام أحمد والجرح والتعديل: كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من أئمة الجرح والتعديل، عارفا بالرجال وعلل الحديث، نقادا بارعا يعتمد عليه. قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: "أنتم أعلم بالحديث والرجال - يعني: الإمام أحمد - فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني، إن شاء يكون كوفيا، أو شاء شاميا حتى أذهب إليه إن كان صحيحا" (١).

стр. 11030

وقال أبو حاتم: "كان أحمد بن حنبل بارع الفهم لمعرفة الحديث، لصحيحه وسقيمه، وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه. وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم. جعله أصلا وبني عليه" (١). وقال الحسن بن محمد الخلال: قال عبد الرزاق الصنعاني: "رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث: الشاذكوني وكان أحفظهم للحديث، وابن المديني وكان أعرفهم باختلافه، ويحيى بن معين وكان أعلمهم بالرجال، وأحمد بن حنبل وكان أجمعهم لذلك كله" (٢). وقال أبو يعلى: "هو إمام في الجرح والتعديل، والمعرفة والتعليل، والبيان والتأويل" (٣). وقد قسم الإمام الذهبي المتكلمين في الرجال إلى ثلاثة أقسام، جعل الإمام أحمد في القسم الثالث حيث وصف أصحاب هذا القسم بأنهم: "معتدلون منصفون" (٤). كما قال عنه الحافظ الذهبي: "سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف، واعتدال، وورع في المقال". قلت: وكتابيه: "العلل والرجال" و"الأسماء والكنى" يشهدان بتضلع الإمام أحمد في هذا العلم الجليل، وأنه وصل إلى منزلة ليست لكثير من الأئمة.
следующие страницы →