← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

والذي يدلك على أن الترمذي أخذ هذا الاصطلاح عن الإمام البخاري: أنه نقل عنه في جامعه تحسين بعض الأحاديث، ومنها حديث: «من زرع في أرض قوم بغير إذنه، فليس له من الزرع شيء وله نفقته (١)» قال البخاري: هذا حديث حسن. وكذلك جاء ذكر الحديث الحسن عند الحافظ: أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى (٢). وبهذا يتبين: أن الإمام الترمذي مسبوق في هذا الاصطلاح. ولكن لا شك بأن الإمام الترمذي هو الذي نشر هذا التقسيم ونوه به، قال الحافظ ابن الصلاح: " كتاب أبي عيسى الترمذي ﵀ أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام مشايخه والطبقة التي قبله. كأحمد بن حنبل والبخاري " (٣). الوقفة الثانية: هل كان الإمام أحمد بن حنبل يقصد بالحديث الضعيف: الحديث الحسن؟! هذا أمر لا يسلم به؛ لأن الإمام أحمد يحتج بالحديث المرسل كما نص على ذلك ابن القيم، والمرسل كما هو معلوم: نوع من أنواع الحديث الضعيف! ثم لو كان الإمام أحمد يقصد بالحديث الضعيف: "الحديث الحسن" للزم من كلام ابن القيم أن الإمام أحمد يقدم قول الصحابي على الحديث الحسن - على حسب ما قرره ابن القيم في ترتيب الأصول التي اعتمد عليها أحمد - وهذا مما لم يقله أحد من أهل العلم. لكن مع هذا لا شك في أن الإمام أحمد بن حنبل لا يقصد بالحديث

стр. 11027

الضعيف - الذي يقدمه على القياس - هو الباطل أو المنكر أو ما في روايته متهم، بل كان يقدم الحديث الضعيف ضعفا محتملا على القياس، كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والله أعلم. بعد هذا العرض الموجز في أصول مذهب الإمام أحمد أقول: إن الإمام أحمد بن حنبل أحد المحدثين البارزين، جمع من علمه بالحديث ورجاله فقها استطاع به أن يعرف دلائل النصوص ومراميها. فقد قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: "كنت أجالس بالعراق: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا، وكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة. فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا. فأقول: أليس هذا صح بإجماع منا؟ فيقولون: نعم. فأقول: ما مراده، ما تفسيره، ما فقهه؟! فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل ". وقد أثنى كثير من العلماء على فقه الإمام أحمد بن حنبل ثناء عظيما، ومن ذلك ما قاله شيخه عبد الرزاق بن همام: "ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني وهو أعلمهم به، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له". وهذه شهادة جليلة من أبي عبيد الذي قال عنه إبراهيم الحربي: "رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما مثله إلا بجبل نفخ فيه روح" (١)،

стр. 11028

وقال عنه ابن القيم: "كان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا" (١). كان الإمام الفقيه أبو ثور رحمه الله تعالى يفضل أحمد بن حنبل على سفيان الثوري في الفقه والعلم، حيث قال: " أحمد بن حنبل أعلم من الثوري وأفقه". لذلك كان أبو ثور يحترم آراء الإمام أحمد ويفتي بها. قال المروذي: "حضرت أبا ثور وقد سئل عن مسألة. فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا". وقال ابن ماكولا: "كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين" (٢). وقال ابن الجوزي يصف فقه أحمد: "قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ، وشاركهم وربما زاد على كبارهم " (٣).

стр. 11029

الإمام أحمد والجرح والتعديل: كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من أئمة الجرح والتعديل، عارفا بالرجال وعلل الحديث، نقادا بارعا يعتمد عليه. قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: "أنتم أعلم بالحديث والرجال - يعني: الإمام أحمد - فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني، إن شاء يكون كوفيا، أو شاء شاميا حتى أذهب إليه إن كان صحيحا" (١).

стр. 11030

وقال أبو حاتم: "كان أحمد بن حنبل بارع الفهم لمعرفة الحديث، لصحيحه وسقيمه، وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه. وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم. جعله أصلا وبني عليه" (١). وقال الحسن بن محمد الخلال: قال عبد الرزاق الصنعاني: "رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث: الشاذكوني وكان أحفظهم للحديث، وابن المديني وكان أعرفهم باختلافه، ويحيى بن معين وكان أعلمهم بالرجال، وأحمد بن حنبل وكان أجمعهم لذلك كله" (٢). وقال أبو يعلى: "هو إمام في الجرح والتعديل، والمعرفة والتعليل، والبيان والتأويل" (٣). وقد قسم الإمام الذهبي المتكلمين في الرجال إلى ثلاثة أقسام، جعل الإمام أحمد في القسم الثالث حيث وصف أصحاب هذا القسم بأنهم: "معتدلون منصفون" (٤). كما قال عنه الحافظ الذهبي: "سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف، واعتدال، وورع في المقال". قلت: وكتابيه: "العلل والرجال" و"الأسماء والكنى" يشهدان بتضلع الإمام أحمد في هذا العلم الجليل، وأنه وصل إلى منزلة ليست لكثير من الأئمة.

стр. 11031

محنة الإمام أحمد بن حنبل: ذكرت في بداية حديثي عن الإمام أحمد أنه - رحمه الله تعالى -

стр. 11032

عاش في زمن استقرت فيه الأمور للدولة العباسية. ولكن ما لبث أن ظهر اعتماد المأمون على الجيش الفارسي لكي يستطيع التغلب على أخيه الأمين، وتم له ذلك فعلا، ومنذ ذلك الحين بدأ تسرب الأعاجم إلى دار الخلافة، حتى جاء المعتصم من بعده فاعتمد على الترك الذين قوي نفوذهم بمرور الزمن، حتى جاء اليوم الذي اعتدوا فيه على الخلفاء وعاثوا في الأرض الفساد. وانقسمت الدولة الأم بعد ذلك انقسامات عديدة، كل ذلك بسبب الجهل الشديد بمبدأ من أعظم المبادئ الإسلامية، هو: "مبدأ الولاء والبراء". وصدق الحق حينما قال في محكم التنزيل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (١) (سورة المجادلة آية ٢٢). وفي عصر المأمون، استطاع المعتزلة التسلل إلى قلب المأمون، وأقنعوه بمسلكهم الفلسفي في التفكير الذي نتج عنه: إنكار صفات الخالق ، ومن بينها صفة الكلام، ومن ثم دعوة المأمون العلماء إلى القول بخلق القرآن. وأراد المأمون أن يحمل الناس على ذلك، إلا أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أبى واستعصم وثبت على الحق، في الوقت الذي تراجع فيه كثير من أهل العلم عن قول الحق. ثبت الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الساحة وحده، وآثر الباقية على الفانية، وظل صابرا محتسبا، وأصبح بحق رجلا بأمة. فأمر المأمون بضربه وحبسه، وحتى مات المأمون، فأوصى المعتصم من بعده بأن يقول مقالته بخلق القرآن، ومن ثم بدأ المعتصم ينفذ هذه الوصية، فضرب الإمام أحمد بالسياط حتى أغمي عليه، وأهانه أشد الإهانة، واستمر حبسه نحوا

стр. 11033

من ثمانية وعشرين شهرا، وقيل: بضعة وثلاثين شهرا. وكان يصلي وينام والقيد في رجله. وفي كل يوم يرسل إليه الخليفة المعتصم من يناظره، وكان كلام الإمام أحمد واحدا لا يتغير. حتى غضب عليه المعتصم وهدده وشتمه، وأمر بالشدة في جلده، وزاد في قيده. والإمام أحمد صابر محتسب ثابت ثبوت الجبال الرواسي. قال أبو شعيب الحراني: "كنا مع أبي عبيد القاسم بن سلام بباب المعتصم، وأحمد بن حنبل يضرب. قال: فجعل أبو عبيد يقول: أيضرب سيدنا، لا صبر؟! أيضرب سيدنا، لا صبر؟! قال أبو شعيب: فقلت: ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم ... بغيا فثبت بالثبات الأنور قال الموفق حين مدد بينهم ... مد الأديم مع الصعيد القرر إني أموت ولا أبوء بفجرة ... تصلى بوائقها محل المفتري ". (١). ثم أطلق سراح الإمام أحمد، فعاد رحمه الله تعالى إلى التدريس بالمسجد بعد أن شفاه الله من جراحاته إلى أن مات المعتصم. ثم تولى الخلافة من بعده ابنه الواثق الذي أظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد - رأس المعتزلة - وأصحابه. واشتد الأمر على أهل بغداد، فمنع الإمام أحمد من الخروج للدرس والاجتماع للناس، فانقطع الإمام أحمد عن التدريس مدة تزيد على خمس سنوات، حتى توفي الواثق (٢٣٢هـ). ثم تولى الخلافة المتوكل رحمه الله تعالى، الذي أعاد الحق إلى نصابه،

стр. 11034

ونصر الله على يديه السنة وأعز الله به أهلها، حتى قيل: " أبو بكر في الردة، وعمر بن عبد العزيز في رده المظالم، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم" (١). وأمر المتوكل المحدثين بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية. وقال في ذلك أبو بكر بن الخبازة: وبعد فإن السنة اليوم أصبحت ... معززة حتى كأن لم تذلل تصول وتسطو إذا أقيم منارها ... وحط منار الإفك والزور من عل وولى أخو الإبداع في الدين هاربا ... إلى النار يهوي مدبرا غير مقبل شفى الله منهم بالخليفة جعفر ... خليفته ذي السنة المتوكل خليفة ربي وابن عم نبيه ... وخير بني العباس من منهم ولي وجامع شمل الدين بعد تشتت ... وفاري رؤوس المارقين بمنصل " (٢). هذا ملخص المحنة التي مر بها الإمام أحمد بن حنبل. وكما نرى فإن الإمام أحمد وقف موقفا عظيما لا يناله إلا أهل العزم من الرجال المخلصين. يقول الشيخ أحمد شاكر في موقف الإمام أحمد: "أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون،

стр. 11035

وفي سبيل الله ما يلقون. ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم يقتدون بهم ولا يعلمون أن هذه تقية، وقد أتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق. . لا يجاملون الملوك والحكام فقط! بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعا أو خافوا ضرا في الحقير والجليل من أمر الدنيا. ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين: كأن المسلمين لم يبلغهم من هداية كتابهم فيما يغشاهم من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (١). ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك. . . " (٢). وقف الإمام أحمد هذا الموقف في الوقت الذي أحجم فيه عامة العلماء عن الحق، وصدق رسول الله ﷺ حينما قال في حديث المغيرة بن شعبة ﵁: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون (٣)». وفي لفظ: «لا يزال ناس من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله (٤)». وبعد أن ثبت الله الإمام أحمد على الحق، نسب إليه مذهب أهل السنة؛ لأنه صبر على الذب عنها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة والصبر في المحنة، فليس ذلك لأنه انفرد بقول، أو ابتدع قولا، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة، فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المائة الثالثة - على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق - ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، وهو المذهب الذي ذهب إليه متأخرو الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمور، فلم

стр. 11036

يوافقهم أهل السنة حتى تهددوا بعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم، وعاقبوهم وأخذوهم بالرهبة والرغبة. وثبت الإمام أحمد على ذلك الأمر حتى حبسوه مرة، ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته، فانقطعوا معه في المناظرة يوما بعد يوم. . . (وذكر خبر المحنة). إلى أن قال ابن تيمية: ". . . ثم صارت هذه الأمور سببا في البحث عن مسائل الصفات وما فيها من النصوص والأدلة والشبهات من جانبي المثبتة والنفاة. وصنف الناس في ذلك مصنفات. وأحمد وغيره من علماء السنة والحديث، ما زالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة، ولكن بسبب المحنة كثر الكلام، ورفع الله قدر هذا الإمام، فصار إماما من أئمة السنة وعلما من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيا. ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد. يعني أن مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال" (١). وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: ". . . وأحمد إنما اشتهر أنه إمام أهل السنة، والصابر على المحنة، لما ظهرت محن الجهمية الذين ينفون صفات الله تعالى، ويقولون: إن الله لا يرى في الآخرة، وإن القرآن ليس هو كلام الله، بل هو مخلوق من المخلوقات، وإنه تعالى ليس فوق السماوات، وإن محمدا لم يعرج إلى الله، وأضلوا بعض ولاة الأمر، فامتحنوا الناس بالرغبة والرهبة، فمن الناس من أجابهم رغبة، ومن الناس من أجابهم رهبة، ومنهم من اختفى فلم يظهر لهم. وصار من لم يحبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته، وإن كان أسيرا لم يفكوه ولم يقبلوا شهادته، وربما قتلوه أو حبسوه.

стр. 11037

والمحنة مشهورة معروفة، كانت في إمارة المأمون، والمعتصم، والواثق. ثم رفعها المتوكل، فثبت الله الإمام أحمد فلم يوافقهم على تعطيل صفات الله تعالى، وناظرهم في العلم فقطعهم، وعذبوه فصبر على عذابهم، فجعله الله من الأئمة الذين يهدون بأمره. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١). فمن أعطي الصبر واليقين جعله الله إماما في الدين، وما تكلم به من السنة فإنما أضيف له لكونه أظهره وأبداه لا لكونه أنشأه وابتدأه، وإلا فالسنة سنة النبي ﷺ ، فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ ، وما قاله الإمام أحمد هو قول الأئمة قبله، كمالك والثوري، والأوزاعي، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وقول التابعين قبل هؤلاء، وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي ﷺ ، وأحاديث السنة معروفة في الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام. والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة متواتر بإثبات صفات الله تعالى، وهؤلاء متبعون في ذلك ما تواتر عن النبي ﷺ ، فأما أن المسلمين يثبتون عقيدتهم في أصول الدين بقوله - أي: بقول الإمام أحمد - أو بقول غيره من العلماء، فهذا لا يقوله إلا جاهل" (٢). هذا الثبات العظيم الذي ثبته الإمام أحمد رحمه الله تعالى، جعل علماء عصره يثنون عليه ثناء كثيرا لشدة إعجابهم به ولاعترافهم بشجاعته وقدرته. وإليك ثناء بعض منهم: قال إسحاق بن راهويه: "لولا أحمد وبذل نفسه لما بذلها لذهب الإسلام" (٣). وحينما عوتب يحيى بن معين في المحنة، قال: "أراد الناس منا أن

стр. 11038

نكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله لا نقدر على أحمد ولا على طريق أحمد ". وعندما قيل لبشر بن الحارث يوم ضرب الإمام أحمد: " قد وجب عليك أن تتكلم! قال: تريدون مني مقام الأنبياء؟! ليس هذا عندي. حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه ". وقال ﵀ بعدما ضرب أحمد: "لقد أدخل الكير فخرج ذهبة حمراء". وما أجمل ما قاله الإمام علي بن المديني واصفا ثبات أحمد: "أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة".

стр. 11039

آثار الإمام أحمد: كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى لشدة ورعه وتمسكه بالأثر، يكره تدوين الكتب؛ لأنه يريد من الناس أن يعتمدوا على ذلك المعين الصافي، والمنهل العذب الذي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) (سورة فصلت آية ٤٢). كما يعتمدوا على سنة المصطفى ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣) (سورة النجم آية ٣ و٤). وقد قال الرسول ﷺ : «إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به،

стр. 11040

فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ (١)». وكان الإمام أحمد يربي تلاميذه على هذا الاتجاه، فقد قال عثمان بن سعيد: قال لي أحمد بن حنبل: "لا تنظر في: كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع إسحاق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل" (٢). وقال ابن هانئ: سألت أحمد بن حنبل عن كتب أبي ثور؟ فقال: "كتاب ابتدع فهو بدعة". ولم يعجبه وضع الكتب، وقال: "عليكم بالحديث" (٣). ولكن الله حفظ لنا شيئا كثيرا من مسائل الإمام أحمد، قال ابن الجوزي ﵀: "وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله إلى حسن قصده فنقلت ألفاظه وحفظت. فقل أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا" (٤). وقال ابن القيم الجوزية: " وكان أحمد شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدا. فعلم الله حسن نيته وقصده، فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا، ومن الله علينا بأكثرها، فلم يفتنا منها إلا القليل. وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو: عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاواه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن، فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره، يعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من

стр. 11041

النصوص وفتاوى الصحابة " (١). ومن آثار الإمام أحمد:

стр. 11042

١ - المسند: وقد تساءل ابنه عبد الله بن أحمد: كيف يكره أبوه وضع الكتب وقد عمل المسند؟! فأجابه الإمام أحمد: "عملت هذا الكتاب إماما، إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله ﷺ رجع إليه". وصدق الإمام أحمد ﵀ فإن هذا الكتاب الجليل من أكبر كتب السنة التي وصلت إلينا، وأعظمها نفعا، وأغزرها مادة، وقد قال أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: "هذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث. انتقي من أحاديث كثيرة، ومسموعات وافرة، فجعل إماما ومعتمدا، وعند التنازع ملجأ ومستندا" (١). طريقة ترتيبه: المسانيد هي: الكتب التي جمع فيها مؤلفوها أحاديث كل صحابي على حدة، بدون النظر إلى موضوعات هذه الأحاديث. قال الصنعاني: " وشرط أهلها - أي: أهل المسانيد - أن يفردوا أحاديث كل صحابي على حدة - بكسر المهملة -. . . ". ثم قال: "من غير نظر إلى الأبواب التي تلائم الحديث، كما يصنعه غيرهم من المؤلفين على الكتب والأبواب، ويستقصون جميع حديث ذلك الصحابي كله " (٢). قلت: وهذا ما عمله الإمام أحمد في مسنده، حيث أفرد أحاديث كل

стр. 11043

صحابي على حدة، من غير نظر إلى موضوعاتها، فقد تجد حديثا في غسل الجمعة، ثم يتبعه بحديث في حكم لبس الحرير، ثم يتبعه بحديث في المواريث. . . وهكذا (١). وقد رتب الإمام أحمد مسنده بطريقة لم يسبق إليها، وهي: ١ - بدأ بمسانيد العشرة المبشرين بالجنة. في الجزء الأول من: (ص٢) إلى (ص١٩٦). ٢ - ثم مسانيد: عبد الرحمن بن أبي بكر، وزيد بن خارجة، والحارث بن خزمة، ثم سعد مولى أبي بكر. في الجزء الأول من: (ص١٩٧) إلى (ص١٩٩). ٣ - مسانيد أهل البيت ﵃. في الجزء الأول من: (ص١٩٩) إلى (ص٢٠٦). ٤ - مسانيد بني هاشم ﵃. في الجزء الأول من: (ص٢٠٦) إلى (ص٣٧٤). ٥ - مسانيد المشهورين من الصحابة. في الجزء الأول من: (ص٣٧٤) إلى نهايته، والجزء الثاني كله، والجزء الثالث إلى (ص٤٠٠). ٦ - مسند المكيين: في الجزء الثالث من: (ص٤٠٠) إلى نهاية الجزء. ٧ - مسند المدنيين: في الجزء الرابع من: (ص٢) إلى (ص٨٨). ٨ - مسند الشاميين: في الجزء الرابع من: (ص٨٨) إلى (ص٢٣٩). ٩ - مسند الكوفيين: في الجزء الرابع من: (ص٢٣٩) إلى

стр. 11044

(ص٤١٩). ١٠ - مسند البصريين: في الجزء الرابع من: (ص٤١٩) إلى نهايته، ومن بداية الجزء الخامس إلى (ص١١٣). ١١ - مسند الأنصار: في الجزء الخامس من: (ص١١٣) إلى نهايته، وفي الجزء السادس من: أوله إلى (ص٢٩). ١٢ - مسند النساء: في الجزء السادس من: (ص٢٩) إلى (ص٣٨٢). ومن: (ص٤٠٢) إلى آخر الجزء السادس. ١٣ - مسند القبائل: في الجزء السادس من: (ص٣٨٣) إلى (ص٤٠٣). هذا الأسلوب من الترتيب للمسند يكلف الباحث جهدا وعناء للبحث عن حديث واحد، لهذا قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: "ومع جلالة قدر هذا الكتاب، وحسن موقعه عند ذوي الألباب، فالوقوف على المقصود منه متعسر، والظفر بالمطلوب منه بغير تعب متعذر؛ لأنه غير مرتب على أبواب السنن، ولا مهذب على حروف المعجم لتقريب السنن، وإنما هو مجموع على مسانيد الرواة من الرجال والنساء، لا يسلم من طلب منه حديثا من نوع من الملل والعناء؛ إذ قد خلط فيه بين أحاديث الشاميين والمدنيين، ولم يحصل التمييز في جميعه بين روايات الكوفيين والبصريين، بل قد امتزج في بعضه أحاديث الرجال بأحاديث النسوان. . . " (١). عدد الصحابة في المسند: بين أبو موسى المديني في خصائص المسند أن عدد الصحابة في مسند الإمام أحمد: "سبعمائة رجل" (٢). بينما ذكر الجزري عن أبي موسى المديني أن عدد الصحابة نحو سبعمائة رجل، ومن النساء مائة

стр. 11045

ونيف، ثم قال: "قد عددتهم لما أفردتهم في كتابي المسند فبلغوا: ستمائة ونيفا وتسعين سوى النساء الصحابيات. وعددت النساء الصحابيات فبلغن: ستا وتسعين. واشتمل المسند على نحو: ثمانمائة من الصحابة، سوى ما فيه ممن لم يسم من الأبناء والمبهمات وغيرهم" (١). وبلغ عدد الصحابة في مسند أحمد بن حنبل على حسب فهرس الشيخ محمد ناصر الدين الألباني الذي وضعه المكتب الإسلامي في مقدمة الجزء الأول للمسند: "أربعة وتسعمائة صحابي، بمن فيهم من النساء أو الذين لم ترد تسميتهم" (٢). عدد أحاديث المسند: اختلف في عدد أحاديث مسند الإمام أحمد اختلافا كثيرا، فمن قائل بأنه ثلاثون ألف حديث (٣)، ومن قائل بأنه أربعون ألف حديث (٤). ويقول الحافظ ابن عساكر: "والكتاب كبير العدد والحجم، مشهور عند أرباب العلم، تبلغ عدد أحاديثه ثلاثين ألفا سوى المعاد، وغير ما ألحق به ابنه عبد الله من عالي الإسناد" (٥). ويقول الأستاذ أحمد شاكر: "هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفا، وقد لا يبلغ الأربعين ألفا" (٦). وقدرها جولد تسيهر بما يتراوح بين: (٢٨) إلى (٢٩) ألف حديث (٧). وتابعه على هذا التقدير: نالينو المستشرق الإيطالي.

стр. 11046

وقد قام أخي الفاضل: عادل عبد الشكور الزرقي بترقيم أحاديث المسند حديثا حديثا، وبلغ عدد الأحاديث على حسب ترقيمه: (٢٧٥١٧) حديثا، مع المكرر. وبلغ عدد زوائد عبد الله بن أحمد بن حنبل: (٦٤٢) حديثا. قلت: ويحتوي المسند على أحاديث متكررة في أماكن مختلفة، بل قد تجد أن الحديث الواحد يتكرر في الصفحة الواحدة. وينفي الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى أن يكون هذا التكرار من عمل الإمام أحمد بن حنبل، حيث قال: "ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله ﵀؛ فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى" (١). ثم يبرر ذلك بسببين: الأول: أن الإمام أحمد عاجلته المنية ولما يعمل على ترتيبه، لذلك لما أحس الإمام بدنو أجله أسرع بقراءته على أهل بيته. الثاني: أن هذا قد يكون ناتجا من رواة الكتاب كالقطيعي مثلا. قلت: ومن خلال التتبع والاستقراء لكثير من أحاديث مسند الإمام أحمد وجدت أن معظم الأحاديث المتكررة يكون فيها زيادة علم في الإسناد، أقله أن يختلف شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، أو يكون زيادة علم في المتن. ومثال ذلك: ١ - حديث: الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنه «أنه كان ردف النبي ﷺ من جمع - يعني: المزدلفة - فما زال يلبي حتى رمى الجمرة (٢)». هذا الحديث تكرر: (٢٠) مرة، أو يزيد، ومع ذلك لا يوجد حديث كالذي قبله. فإما أن يختلف شيخ الإمام أحمد - وهذا

стр. 11047

أكثره - وإما أن يختلف أكثر الإسناد أو المتن. ٢ - قال الإمام أحمد: ثنا سفيان عن عمرو، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (١)». قلت: وهذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مكان آخر بزيادة في متنه، وإليك لفظه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، الضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه (٢)». ورواه الإمام أحمد في مكان آخر بلفظ: «الضيافة ثلاث، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لأحد أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله، ما يؤثمه؟! قال: يقيم عنده ولا يجد شيئا يقوته (٣)». قلت: فكما ترى تكرر الحديث في أماكن متعددة، ولكن في كل مكان نحصل على فائدة جديدة. والأمثلة من هذا النوع في المسند كثيرة أكتفي بما ذكر. انتقاء المسند: انتقى الإمام أحمد مسنده من عدد كبير من الأحاديث النبوية التي وقف عليها. وجاء نتيجة عمل شاق، ورحلات طويلة وبعيدة، لاقى فيها

стр. 11048

ما لاقى من التعب والإجهاد والتنقل، والسهر ليال طوال: نسأل الله أن يرفعه بكل حرف من حروف مسنده درجات. قال عبد الله بن الإمام أحمد: "خرج أبي المسند من سبعمائة ألف حديث" (١). وقال حنبل بن إسحاق: " جمعنا عمي - يعني الإمام أحمد - لي ولصالح ولعبد الله، وقرأ علينا المسند وما سمعه منه - يعني تاما - غيرنا. وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا ليس بحجة ". قال الإمام ابن قيم الجوزية: "هذه الحكاية قد ذكرها حنبل في تاريخه، وهي صحيحة بلا شك" (٢). مناقشة العبارة السابقة: تأمل قول الإمام أحمد بن حنبل السابق: "فإن كان فيه وإلا ليس بحجة". فماذا يقصد الإمام أحمد بقوله هذا؟! يجيب على هذا التساؤل ابن الجزري ﵀ فيقول: "يريد أصول الأحاديث، وهو صحيح فإنه ما من حديث غالبا إلا وله أصل في هذا المسند، والله أعلم" (٣). وقال ابن قيم الجوزية: "وقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد وقال: في الصحيحين أحاديث ليست في المسند. وأجيب عن هذا بأن تلك الألفاظ بعينها وإن خلا المسند عنها فلها فيه أصول، ونظائر،

стр. 11049

وشواهد. وأما أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في المسند أصل ولا نظير، فلا يكاد يوجد البتة" (١). وهناك إشكال آخر ألا وهو: أن هناك أحاديث صحاح ليست في مسند الإمام أحمد كحديث عائشة الطويل المعروف بحديث: أم زرع. فأجيب عن ذلك: "أن الإمام أحمد شرع في جمع المسند فكتبه في أوراق مفردة ومفرقة في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسودة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه فبقي على حاله. ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله، فسمع القطيعي من كتبه تلك النسخة على ما يظفر به منها فوقع الاختلاط من المسانيد، والتكرار من هذا الوجه قديم، فبقي كثير من الأحاديث في الأوراق والأجزاء لم يظفر بها، فما لم يوجد فيه من الأحاديث الصحاح من هذا القبيل (٢). قلت: وبهذا يتبين أن المسند مشتمل على أصول الأحاديث النبوية الشريفة، ولذلك عندما سئل أبو الحسين اليونيني: "أنت تحفظ الكتب الستة؟! فقال: أحفظها وما أحفظها!! فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ مسند أحمد وما يفوت المسند من الكتب الستة إلا قليل. أو قال: وما في الكتب هو في المسند - يعني إلا قليل - وأصله في المسند، فأنا أحفظها بهذا الوجه، أو كما قال ﵀ " (٣). شرط الإمام أحمد في المسند: قبل أن أبدأ بشرط الإمام أحمد في مسنده، أود أن أذكر شرط أهل

стр. 11050

المسانيد عموما، لكي تتضح لنا الصورة. يقول الحافظ ابن الصلاح: "فهذه عادتهم - أي: أصحاب المسانيد - أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه، غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به" (١). ويقول النووي: "وأما مسند أحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي، وغيرهما من المسانيد، فلا تلتحق بالأصول الخمسة، وما أشبهها في الاحتجاج بها، والركون إلى ما فيها" (٢). ويعلل السيوطي ذلك بقوله: "لأن المصنف على الأبواب إنما يورد أصح ما فيه ليصلح للاحتجاج" (٣). وقال العراقي في ألفيته: " ودونها في رتبة ما جعلا ... على المسانيد فيدعى الجفلا كمسند الطيالسي وأحمدا ... وعده الدارمي انتقدا " (٤). ويقول السخاوي في شرحه لهذه الأبيات: "ودونها في رتبة، أي: رتبة الاحتجاج الذي هو أصل بقية المبوبين، ما جعلا على المسانيد التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة، من غير تقييد بالمحتج به" (٥). والخلاصة في ذلك: أن أهل المسانيد عموما لا يشترطون الرواية عن من يحتج به فقط، بل يروون حديث من لا يحتج به أيضا. والآن أعود لمسند الإمام أحمد فأقول: هل هذا هو شرط الإمام أحمد في مسنده؟ وللإجابة على هذا السؤال أقول: إن هذا ليس على إطلاقه، بل ثبت لدينا أن الإمام أحمد قام بتنقيح المسند من كثير من الرجال الذين

стр. 11051

يرى عدم الاحتجاج بحديثهم، وإليك بعض الأمثلة على ذلك: روى أبو موسى المديني بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: "سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان فقال: لم أخرج عنه في المسند شيئا، قد أخرجت عنه على غير وجه الحديث لما حدث بحديث المواقيت تركته" (١). وقال ابن المديني: "أخبرنا ابن الحصين بإسناده: حدثنا عبد الله،، حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن محمد بن سالم، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فيما سقت السماء العشر، وما يسقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر (٢)». قال أبو عبد الرحمن - يعني: عبد الله بن أحمد -: فحدثت أبي بحديث عثمان عن جرير فأنكره جدا، وكان أبي لا يحدثنا عن محمد بن سالم لضعفه عنده، وإنكاره حديثه" (٣). كما ضرب الإمام أحمد رحمه الله تعالى على حديث عمرو بن خالد وغيره (٤). نتيجة لهذه الأمثلة وما يشبهها ظن أبو موسى المديني أن الإمام أحمد لم يورد في مسنده إلا ما صح عنده، لذلك قال ﵀: "ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته" (٥). وقال أيضا: "ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتنا ولم يورد فيه إلا ما صح عنده" (٦) ثم ساق بعض الأدلة التي ذكرت آنفا.

стр. 11052

قلت: وهذا غير مسلم به لأبي موسى المديني، حيث إن مسند الإمام أحمد يحتوي على عدد لا بأس به من الأحاديث الضعيفة، وقد عمل الشيخ أحمد شاكر إحصاء لعدد الأحاديث الصحيحة والضعيفة، بلغت في نهاية تحقيقه للمجلد الخامس عشر: (٧٢٤٦) حديثا صحيحا وحسنا، و (٨٥٣) حديثا ضعيفا (١). وقد ناقش الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى رأي المديني بشيء من التفصيل، في معرض الرد على من قال بأن كل ما سكت عنه أحمد في المسند فهو صحيح عنده، فقال رحمه الله تعالى: "فإن هذه المقدمة لا مستند لها البتة، بل أهل الحديث كلهم على خلافها. والإمام أحمد لم يشترط في مسنده الصحيح ولا التزمه. وفي مسنده عدة أحاديث سئل هو عنها فضعفها بعينها وأنكرها كما روى حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه: «إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان (٢)». وقال حرب: سمعت أحمد يقول: هذا حديث منكر، ولم يحدث العلاء بحديث أنكر من هذا. وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به" ثم ساق ابن القيم أمثلة كثيرة من هذا النوع، إلى أن قال: "وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء كتابا كبيرا، والمقصود أنه ليس كل ما رواه وسكت عنه يكون صحيحا عنده، حتى لو كان صحيحا عنده وخالفه غيره في تصحيحه لم يكن قوله حجة على نظيره. وبهذا يعرف وهم الحافظ أبي موسى المديني في قوله: إن ما خرجه الإمام أحمد في مسنده فهو صحيح عنده. فإن أحمد لم يقل ذلك قط ولا قال ما يدل عليه، بل قال ما يدل على خلاف ذلك" (٣).

стр. 11053

درجة أحاديث المسند: انطلاقا من المبحث السابق اختلف بعض العلماء في درجة أحاديث المسند، فمنهم من قال: إن فيه أحاديث ضعيفة وموضوعة، ومنهم من قال بأنه صحيح، وتوسط أناس منهم فقالوا بأن فيه أحاديث ضعيفة، ولكنها قليلة مقارنة بعدد أحاديث الكتاب، وينفون وجود الأحاديث الموضوعة فيه. فمن العلماء الذين قالوا بأنه صحيح: أبو موسى المديني كما تقدم، وقد رد عليه الحافظ ابن كثير فقال: "وأما قول الحافظ أبي موسى عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح فقول ضعيف؛ فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مرو (١)، وعسقلان (٢)، والبرث الأحمر عند حمص (٣)، وغير ذلك، كما بينه عليه طائفة من الحفاظ" (٤). وقد ذكر الحافظ العراقي أيضا أن في المسند أحاديث موضوعة (٥). فألف الحافظ ابن حجر العسقلاني كتابا أسماه: "القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ". ذكر فيه الأحاديث التي ذكرها العراقي ورد عليه وهي تسعة أحاديث. وأضاف إليه خمسة عشر حديثا أوردها ابن الجوزي في كتابه: "الموضوعات". ورد عليها. ثم جاء السيوطي وألف كتابا أسماه: "الذيل الممهد" ذكر فيه أحاديث فاتت الحافظ ابن حجر في القول المسدد، وهي في موضوعات ابن الجوزي، وذب عنها رحمه الله تعالى، وعدتها أربعة عشر حديثا (٦). فيكون مجموع ما انتقد بالوضع في المسند: (٣٨) حديثا.

стр. 11054

وقد رد أبو العلاء الهمداني ﵀ على ابن الجوزي حينما علم أن ابن الجوزي حكم على بعض أحاديث المسند بالوضع (١). وقد حقق هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيقا علميا طيبا، حيث قال بعد أن ذكر أن الإمام أحمد لا يروي عمن يتعمد الكذب: "ولهذا تنازع أبو العلاء الهمداني والشيخ أبو الفرج بن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟ فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع. وأثبت ذلك أبو الفرج. وبين أن فيه أحاديث قد قام دليل على أنه باطل، وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب، بل غلط فيه، ولهذا روى في كتابه الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع. وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره، وقالوا: إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل، بل بينوا ثبوت بعض ذلك. لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء. وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله، فإنما يريدون بالموضوع: المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب، والكذب كان قليلا في السلف" (٢). كما بين شيخ الإسلام في موضع آخر: أنه لا يروي عن المعروفين بالكذب فقال: "وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره، يكون حجة عنده، بل يورد ما رواه أهل العلم. وشرطه في المسند: أن لا يروى عن المعروفين بالكذب، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف. وشرطه في المسند أمثل من شرط أبي داود في سننه" (٣). وقد بين الذهبي أن في المسند أحاديث موضوعة قليلة فقال: "ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها. وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر. وفي غضون

стр. 11055

المسند زيادات جمة لعبد الله بن أحمد " (١). وقال ابن حجر: "ومسند أحمد ادعى قوم فيه الصحة، كذا في شيوخه، وصنف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفا. والحق أن أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد، أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئا فشيئا وبقي منها بعده بقية" (٢). وقال أيضا: "ليس في المسند حديث لا أصل له إلا: ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث: عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفا. قال: والاعتذار عنه: أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا، أو ضرب وكتب من تحت الضرب". كما قال السخاوي: "والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرا منها في موضوعاته، ولكن قد تعقبه في بعضها الشارح - يعني: نفسه - وفي سائرها شيخنا - يعني: ابن حجر العسقلاني - وحقق كما سمعته منه نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. وقال: ليست الأحاديث الزائدة فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما" (٣). ومن جهة أخرى بين الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: أن بعض هذه

стр. 11056

الموضوعات من زيادات عبد الله بن أحمد بن حنبل فقال: " ولعبد الله بن أحمد في المسند أيضا زيادات فيها الضعيف والموضوع. فمن الموضوع: حديث سعد بن مالك، وحديث ابن عمر في: سد الأبواب إلا باب علي. ذكرهما ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: إنهما من وضع الرافضة" (١). الخلاصة: الخلاصة التي تترجح بعد هذا العرض: أن في المسند أحاديث ضعيفة، وما كان فيه من حديث موضوع فهو مما أمر الإمام أحمد بالضرب عليه، ولكن غفل عنه أو كتب بعد الضرب، أو من زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد. أما الحديث الضعيف فغالبه من الحديث الذي ينجبر بغيره، والله تعالى أعلم (٢). ومن الأمثلة على أن الإمام أحمد بن حنبل أمر بالضرب على بعض الأحاديث، لكن ابنه عبد الله كتبها بعد الضرب: ١ - ذكر عبد الله بن أحمد أنه وجد عند أبيه حديثين من طريق: فائد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ ثم ذكر الحديثين - ثم قال عبد الله: "لم يحدثنا أبي بهذين الحديثين، ضرب عليهما من كتابه لأنه لم يرض حديث: فائد بن عبد الرحمن،

стр. 11057

أو كان عنده، متروك الحديث" (١). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم (٢)». قال عبد الله: قال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث؛ فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ ، يعني قوله: «اسمعوا وأطيعوا واصبروا (٣)». ٣ - وقال الإمام أحمد: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق وهوذة بن خليفة، قالا: ثنا عوف عن ميمون بن أستاذ، قال هوذة الهزاني قال: قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الذهب من أمتي فمات وهو يلبسه لم يلبس من ذهب الجنة (٤)». وقال هوذة: «حرم الله عليه ذهب الجنة، ومن لبس الحرير من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه حرير الجنة (٥)». قال عبد الله: ضرب أبي على هذا الحديث فظننت أنه ضرب عليه لأنه خطأ، وإنما هو: ميمون بن أستاذ، عن عبد الله بن عمرو ليس فيه عن

стр. 11058

الصدفي، ويقال: إن ميمون هذا هو الصدفي لأن سماع يزيد بن هارون من الحريري آخر عمره، والله أعلم. ثم قال عبد الله: حدثني أبي، ثنا يزيد بن هارون، (أنا الجريري، عن ميمون بن أستاذ، عن الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من مات من أمتي وهو يشرب الخمر (١)». . . ". ترجمة رواة المسند: قد تقدم قبل قليل أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لم يسمع المسند كاملا إلا لثلاثة رجال وهم: ١ - صالح بن أحمد بن حنبل. ٢ - عبد الله بن أحمد بن حنبل. ٣ - حنبل بن إسحاق. ولم ينقل المسند إلينا كاملا إلا: عبد الله بن أحمد بن حنبل: ورواه عن عبد الله بن أحمد مجموعة، منهم: ١ - أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، وهو أشهر رواة المسند عن عبد الله. ٢ - أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر بن أبان العبدي اللنباني، سمع المسند كاملا من ابن الإمام أحمد (٢). ٣ - أبو علي بن الصواف. وسمع منه كثيرا من المسند: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٣). قال الدارقطني: "ما رأت عيني مثل أبي علي بن الصواف "، وقال

стр. 11059

ابن أبي الفوارس: "كان أبو علي ثقة مأمونا" (١). ورواه عن أبي بكر مجموعة من الرواة، منهم: ١ - أبو عبد الله الحاكم (٢). ٢ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، وعنه يرويه حافظ المغرب: ابن عبد البر القرطبي (٣). ٣ - أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الوهراني، وعنه يرويه: ابن عبد البر، وأبو القاسم الطرابلسي (٤). ٤ - أبو علي الحسن بن علي بن المذهب التميمي. وهو: "آخر من روى المسند كاملا عن القطيعي - سوى نزر قليل منه أسقط من النسخ" (٥). وهو أشهر الرواة عن القطيعي. ٥ - أبو محمد الجوهري، وهو خاتمة أصحاب القطيعي. حدث عن القطيعي بمسند العشرة، ومسند أهل البيت من المسند (٦). قال الخطيب البغدادي: "كان ثقة أمينا، كتبنا عنه" (٧). قلت: ولقد وصل إلينا المسند برواية: " هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، عن الحسن بن علي التميمي، عن أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه أحمد بن حنبل ". وهذه هي أشهر روايات المسند، وسوف أترجم لرواتها:

стр. 11060

أولا: عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: ولد سنة: ثلاث عشرة ومئتين، وتوفي سنة: تسعين ومئتين. سمع: أباه، ويحيى بن معين، وأبا بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وأبا خيثمة زهير بن حرب، وسلمة بن شبيب، وعبيد الله القواريري، وغيرهم. حدث عنه: النسائي، والبغوي، وأبو عوانة، وأحمد القطيعي، وسليمان الطبراني، وقاسم بن أصبغ، والنجاد، وابن الصواف، وغيرهم. قال عباس الدوري: "كنت يوما عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فدخل علينا عبد الله ابنه، فقال لي أحمد: يا عباس، إن أبا عبد الرحمن - يعني عبد الله - قد وعى علما كثيرا". وقال أبو الحسين بن المنادي: "وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث، والأسماء والكنى، والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار بذلك، حتى إن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة وزيادة السماع للحديث على أبيه". وقال ابن أبي حاتم: "وكتب إلي بمسائل أبيه وبعلل الحديث، وكان صدوقا ثقة" (١). وقال ابن الصواف: قال عبد الله بن أحمد: "كل شيء أقول: قال أبي، فقد سمعته مرتين وثلاثة، وأقله مرة" (٢).

стр. 11061

وقال الإمام النسائي: "ثقة" (١). وقال بدر بن أبي بدر البغدادي: " عبد الله بن أحمد جهبذ بن جهبذ" (٢). وقال أبو بكر الخلال: "كان عبد الله رجلا صالحا صادق اللهجة كثير الحياء" (٣). وقال السلمي: سألت الدارقطني عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وحنبل بن إسحاق فقال: "ثقتان نبيلان" (٤). وقال الخطيب البغدادي: "وكان ثقة ثبتا فهما" (٥). وقال الذهبي: "كان صينا دينا، صاحب حديث واتباع وبصر بالرجال، لم يدخل في غير الحديث" (٦). ثانيا: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي: سمع من: عبد الله بن أحمد بن حنبل، وبشر بن موسى، وأحمد بن علي الأبار، وإبراهيم الحربي، وإدريس الحداد، وعبد الله الطيالسي، وجعفر الفريابي، وغيرهم. وروى عنه: الدارقطني، وابن شاهين، وأبو نعيم الأصبهاني، وابن رزقويه، والحاكم، والبرقاني، والحسن الخلال، وابن المذهب، وبشرى الفاتني، وغيرهم. ولد سنة: أربع وسبعين ومائتين، ومات سنة: ثمان وستين وثلاثمائة. قال القطيعي: "كان عبد الله بن أحمد يجيئنا، فيقرأ عليه أبو

стр. 11062

عبد الله بن الجصاص، عم أمي، فيقعدني في حجره، حتى يقال له: يؤلمك؟ فيقول: إني أحبه". وقال الحاكم: "ثقة مأمون" (١). وقال السلمي: "سألت الدارقطني عنه، فقال: ثقة زاهد قديم، سمعت أنه مجاب الدعوة" (٢). جرحه: جرح القطيعي بأمرين: الأول: غرق كتبه: قال أبو بكر البرقاني: "كان شيخا صالحا، وكان لأبيه اتصال ببعض السلاطين، فقرئ لابن ذلك السلطان على عبد الله بن أحمد المسند، وحضر ابن مالك - يعني القطيعي - سماعه. ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة" (٣). وقال البرقاني أيضا: "كنت شديد التنقير على حال ابن مالك! حتى ثبت عندي أنه: صدوق لا يشك في سماعه، وإنما كان فيه بله فلما غرقت القطيعة بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه. ولما اجتمعت مع الحاكم بن عبد الله بن البيع بنيسابور، ذكرت ابن مالك ولينته!! فأنكر علي وقال: ذاك شيخي، وحسن حاله".

стр. 11063

وقال محمد بن أبي الفوارس: " أبو بكر بن مالك كان مستورا صاحب سنة، ولم يكن في الحديث بذاك، له في بعض المسند أصول فيها نظر، ذكر أنه كتبها بعد الغرق" (١). قلت: وغرق كتبه، ثم نسخها من أصول ليس له عليها سماع لا يوجب تركه على الإطلاق، ولهذا قال الخطيب البغدادي: "وكان بعض كتبه غرق فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماع، فغمزه الناس. إلا أنا لم نر أحدا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به". الثاني: الاختلاط: قال الخطيب البغدادي: حدثت عن أبي الحسن بن الفرات: "كان ابن مالك القطيعي مستورا، صاحب سنة كثير السماع، سمع من عبد الله بن أحمد وغيره، إلا أنه خلط في آخر عمره، وكف بصره وخرف حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرأ عليه" (٢). ولعل ابن الصلاح قد اعتمد على هذه الرواية حينما قال في: "فصل معرفة من خلط في آخر عمره من الثقات": " وأبو بكر بن مالك القطيعي راوي مسند أحمد وغيره، اختل في آخر عمره وخرف، حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرأ عليه" (٣). ولكن الحافظ الذهبي تعقب ابن الصلاح بقوله: "فهذا غلو وإسراف، وقد كان أبو بكر أسند أهل زمانه" (٤). كما تعقبه الحافظ العراقي بقوله: "وفي ثبوت هذا عن القطيعي نظر، وهذا القول تبع فيه المصنف - يعني ابن الصلاح - مقالة حكيت عن

стр. 11064

أبي الحسن بن الفرات لم يثبت إسنادها إليه، ذكرها الخطيب في التاريخ فقال: حدثت عن أبي الحسن بن الفرات. . " (١). ولكن الحافظ ابن حجر العسقلاني تعقب الذهبي وأثبت اختلاط القطيعي حيث قال: "وإنكار الذهبي على ابن الفرات عجيب، فإنه لم ينفرد بذلك؛ فقد حكى الخطيب في ترجمة أحمد بن أحمد المسيبي يقول: قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حي، وكان مقصودنا درس الفقه والفرائض. فقال لنا ابن اللبان الفرضي (٢): لا تذهبوا إلى ابن مالك فإنه قد ضعف واختل، ومنعت ابني السماع منه. قال: فلم نذهب إليه" (٣). قلت: والرواية التي ذكرها ابن حجر عن ابن اللبان الفرضي صحيحة الإسناد إليه، ولهذا لما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء الرواية عن ابن الفرات واتبعها برواية ابن اللبان الفرضي سكت ولم يرد ذلك. ولكن يجب أن يعلم أن: القطيعي روى مسند الإمام أحمد قبل اختلاطه، حيث قال الحافظ ابن حجر: "كان سماع أبي علي بن المذهب منه لمسند الإمام أحمد قبل اختلاطه، أفاده شيخنا أبو الفضل بن الحسن " (٤). وقال الحافظ العراقي: "وعلى تقدير ثبوت ما ذكره أبو الحسن بن الفرات من التغير، وتبعه المصنف - أي ابن الصلاح - فممن سمع منه في الصحة: أبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو بكر البرقاني، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو علي بن المذهب روى المسند

стр. 11065

عنه فإنه سمعه عليه في سنة ست وستين. والله أعلم".
следующие страницы →