← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

-صلوات الله عليه- وهو في طريقه إلى المدينة مهاجرا أقام بقباء بضعة أيام أسس فيها مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام ويقال إن فيه نزلت الآية الكريمة ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (١). ويروي البلاذري (٢) أن هذا المسجد أسسه الذين هاجروا إلى المدينة قبل رسول الله، ثم إن الرسول لما دخل المدينة بنى مسجده بالمربد، وعمل فيه بنفسه ليشجع المهاجرين والأنصار على النشاط في العمل (٣)، ويروي البلاذري وابن هشام روايات أخرى تفيد أن الآية السابقة نزلت في هذا المسجد لا في مسجد قباء، وكانت تعقد حلقات العلم في مسجد قباء (٤) كما كان من عادة الرسول أن يجلس في مسجده بالمدينة ليعلم أصحابه دينهم (٥). وكثرت بعد ذلك المساجد وزاد انتشارها بتوسع الإسلام، وأصبح من المتبع أن يبنى مسجد أو أكثر في كل مكان فتحه المسلمون أو في كل قرية أو مدينة أسسوها، فلقد روي أن عمر لما فتح البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدا للجماعة، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك (٦) وأسوة برسول الله -صلوات الله عليه- الذي كان يجلس بالمسجد معلما ارتبط تاريخ التربية الإسلامية بالمسجد ارتباطا وثيقا، وجلس بالمساجد خير العلماء يقدمون الفكر الإسلامي للمريدين ولطلاب المعرفة، ومما يدلنا على أن التدريس بالمسجد كان يحتل مكانة سامية في نفوس العلماء أن الخطيب البغدادي لما حج شرب من ماء زمزم وسأل الله أن يحقق له ثلاث حاجات، كان من بينها أن يتاح له أن يملي الحديث بجامع المنصور (٧). وفي مسجد المنصور أيضا أملى أبو عمر الزاهد كتابه الياقوت وقد بدأ يحاضر في موضوع ذلك الكتاب في شهر المحرم سنة ٣٢٦ هـ. ولما أتمه استعاد قراءته فهذبه وزاد عليه (٨). وكان للخطيب البغدادي في جامع دمشق حلقة كبيرة وكان الناس يجتمعون إليه في بكرة كل يوم فيقرأ لهم وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق سمع صوته في آخر الجامع.

стр. 1157

ولما وفد محمد بن جرير الطبري على مصر بان فضله في القرآن والفقه والحديث واللغة والنحو والشعر، فلقيه أبو الحسن بن سراج فوجده فاضلا في كل ما يذاكره به من العلم ويجيب في كل ما يسأل عنه، حتى سأله عن الشعر فرآه فاضلا بارعا فيه فسأله عن شعر الطرماح فإذا به يحفظه، فسئل أن يمليه فاستجاب وجلس بجامع عمرو لإملائه (١). ودرس في المساجد الطب والميقات، يروي السيوطي (٢) أن دروسا مختلفة رتبت في الجامع الطولوني وقد شملت التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات، ويقول عبد اللطيف البغدادي إن درسا في الطب كان يلقى في الأزهر في منتصف النهار من كل يوم (٣). ولم تكن المساجد مكانا للعبادة والعلم فحسب بل كان الرسول ﷺ يستقبل فيها السفراء، وكانت أمكنة تعقد فيها مجالس القضاء، وساحات تجتمع فيها الجيوش قبل أن تندفع نحو هدفها، وفي غزوة الأحزاب كان مسجد المدينة مستشفى يعالج فيه الجرحى والمصابون في المعارك فقد أمر الرسول ﷺ أن تقام بالمسجد خيمة تخصص لجرحى المعركة، وعين لعلاج الجرحى من لهم خبرة بالطب، ويقول ابن حجر: إن الرسول ﷺ فعل ذلك ليكون من السهل عليه أن يعود الجرحى من حين إلى آخر، وهو يدير المعركة (٤). من أجل هذا نريد أن نهتدي بمسجد الرسول ﷺ ونحن نفكر في مساجد العصر الحاضر نريد أن يكون مسجد اليوم " مجمعا " به مكان للعبادة، وبه مكتبة إسلامية وثقافية، وبه قاعة للمحاضرات والاجتماعات، وبه استعداد للإسعافات الصحية السريعة، وحوله مكان للشبان يمارسون به أحيانا بعض الرياضات المباحة حتى إذا أذن المؤذن للصلاة هرعوا إليها، ونريد أن يكون بكل مسجد مكان مخصص للنساء يصلين به ويتدارسن فيه شئونهن، ونحن بهذا نخلق مركزا دينيا سيكون واسع الأثر في خدمة الإسلام والمسلمين كما كان مسجد الصدر الأول للإسلام. ونريد كذلك أن نهتدي برسول الله ﷺ وبجماعات الصدر الإسلامي الأول فنجعل بناء

стр. 1158

المسجد جزءا رئيسيا في كل مدينة أو عمارة تمتد أو قرية تنشأ، وبلغة أخرى أن يوجد المسجد في أي تجمع يضم جماعة من المسلمين، ليكون بيت الله منارة بينهم، ومكانا يلتقون فيه للعبادة ولكل الأغراض التي أوردناها.

стр. 1159

إعداد الأئمة والدعاة نحب أن نقول بدقة أن العالم العربي والإسلامي به مئات المعاهد والكليات لأنواع من الدراسات الإسلامية وغيرها. . ولكن ليس به معهد واحد ذو بال لتخريج الدعاة والأئمة، ولو اتخذنا مصر مثالا لنا نجد أنه ليس بمصر معهد واحد للدعوة ضمن مئات المعاهد والكليات في جامعاتنا، حتى الأزهر الذي حمل عبء الثقافة الإسلامية طيلة ألف عام والذي يشمل عددا كبيرا من المعاهد النظرية والعملية لا يوجد به معهد للدعوة اللهم إلا قسم صغير بكلية أصول الدين يعرض الطلاب عنه، أو يكرهون على الالتحاق به، وعندما يتخرجون يفرون من الاشتغال بنشر الدعوة الإسلامية، لأنهم في الحقيقة غير مؤهلين لذلك أو غير راغبين فيه. ونحب أن نوضح أن هناك فرقا كبيرا بين المدرس والداعية، وأن المسجد في حاجة إلى داعية، والبلاد الأجنبية في قلب أفريقية وفي جنوب شرقي آسيا تحتاج للدعاة أكثر من حاجتها للمدرسين. فالمدرسون يبدأ عملهم بعد نجاح الدعاة، فإذا قدم الداعية الإسلام للضال واستطاع أن يجذبه لحوزة الإسلام، بدأ بعد ذلك عمل المدرسين ليعلموا هذا المسلم كيف يصلي، وكيف يصوم وكيف يؤدي مبادئ الإسلام ويلتزم بتوجيهاته. أما الداعية فيعرف علوم المدرس معرفة تامة من فقه وتفسير وحديث وغيرها من العلوم الإسلامية ولكن ينبغي أن يضيف لها الدعوة وهي بالإجمال: إجادة لغة من اللغات العالمية على الأقل، ثم معرفة لغة القوم الذين سيقدم لهم الإسلام ويدعوهم إليه، ويمكن أن تكون معرفة الداعي بهذه اللغة معرفة محدودة؛ لأن حياة الداعية بين القوم ستجعله يطور معرفته بهذه اللغة بسرعة. هناك صفات شخصية يتحتم أن تكون بارزة في الداعية وفي قمتها: الإيمان العميق بالعمل الذي يزاوله، وإحساس أنه يريد أن يعطي من فكره وجهده لخدمة دينه ووطنه، ثم وضوح الفكرة وطلاقة اللسان وإجادة الحوار والمناظرة، ثم سماحة النفس واتساع الأفق وحسن العشرة، ثم الكرم وسمو الخلق والتطور الفكري وسعة الاطلاع، وقبل هذا وبعده: أن يكون قدوة حسنة للناس، وأن يجعل الآية الكريمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١) نبراسا له وضوءا يهتدي به.

стр. 1160

الدراسة العميقة لعلم مقارنة الأديان ودراسة مقارنة الأديان، ستضع أيدينا على جمال الإسلام وعلى الدور الذي يحمله ليكمل به محاولات الأديان لهداية البشر، وسيستفيد الداعية من مقارنة الأديان في مواجهة المبشرين بالمسيحية أو البوذية، فهؤلاء يعرفون الإسلام ويتلمسون ما يعتقدونه نقاط ضعف فيه ليهاجموه عن طريقها، كتعدد الزوجات والطلاق وانتشار الإسلام بالقوة، ولا يجوز أن يقف الداعية موقف المدافع فقط بل يجب أن يعرف كيف يهاجم أحيانا، ولن يكون ذلك إلا إذا تعرف على هذه الأديان ودرسها وأدرك ما حدث بها من تحريف على مر السنين. الدراسة العميقة للحضارة الإسلامية بنوعيها، أي دراسة الحضارة التجريبية وهي إبراز دور الإسلام في العلوم التي كانت موجودة قبل الإسلام. . كترقية العمران وتطوير ما عرفه الناس في جوانب الفكر البشري من طب ورياضة وفلك وغيرها، ثم دراسة الحضارة الإسلامية الأصيلة التي جاء بها الإسلام ولم تكن معروفة قبل الإسلام، كاتجاهات الإسلام في السياسة والاقتصاد وفي المجال التربوي والاجتماعي والعسكري. تلك الجوانب الحضارية التي تعد منحة الإسلام لهداية البشرية. التعرف التام على تاريخ المسلمين منذ مطلع الإسلام حتى الآن في كل البلاد الإسلامية مع تصحيح ما ازدحم به التاريخ الإسلامي من أخطاء. وعندما نؤسس معهدا للدعوة ستكون مهمته أن يخرج الأئمة لمساجد العالم الإسلامي، ويخرج الدعاة الذين يحملون الإسلام إلى مختلف المناطق، ويقدمونه للملايين التي تتطلع إليه في مختلف الأرجاء. وهناك سؤال مهم هو: كيف نختار طلاب هذا المعهد؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، تختلف الاتجاهات، ولكن أقربها للصواب فيما أرى: أن نختار لهذا المعهد طلابه من بين الحاصلين على درجات جامعية بتقدير جيد على الأقل من كليات تعنى بالدراسات الإسلامية، ويكون اختيارهم من بين هؤلاء بامتحان يثبت فيه الطالب طلاقة اللسان، وإجادة الحوار، وعمق الإيمان بالفكرة، ومعرفة لغة أجنبية واحدة على الأقل، وتقدم للطلاب منح مجزية طيلة دراستهم التي تستمر سنتين، ويمنح الناجح في الامتحان بعد هاتين السنتين شهادة تعادل درجة الماجستير، بعد أن يدرس منهاجا يشمل الدراسات التي قدمناها وسواها مما يراه الخبراء والمتخصصون ضروريا لمثل هذه الحالة. إن كل جهد يبذل لخدمة المسجد ورفع شأنه وتطويره، وكل جهد يبذل لتقديم الداعية الناجح. . . سيكون جهدا نافعا في الدنيا والآخرة. والله ولي التوفيق. . .

стр. 1161

رسالة المسجد في الماضي والحاضر ضياء الدين بابا خانوف (١) " أقدم لكم. . تحيات عشرات الملايين من المسلمين في الاتحاد السوفييتي. .! الذين يكنون مشاعر الحب والإخاء نحو إخوتهم في الدين ونحو إخوتهم في الأراضي المقدسة. . . ". وأقول " إن العلماء الفطاحل والمحدثين العظام من أمثال أبي عبد الله محمد بن إسماعيل " البخاري "، وأحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن، والإمام أبي بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال " الشاشي ". . . وأبي عبد الرحمن الدارمي " السمرقندي " صاحب المسند، وأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، والعالم الموسوعي أبو الريحان البيروني " الخوارزمي ". . قد تلقوا دروسهم الأولية في المساجد. . ". . . . " وقد كانت المساجد بسمرقند مثل: طلا كاري، المدرسة الرئيسية في تعليم القرآن. . والمسجد الجامع في طشقند. . وقد كان المركز الرئيسي في تدريس علوم الحديث. . ".

стр. 1162

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الهدى محمد وآله وصحبه أجمعين. أيها الرئيس المحترم وأيها الوفود العظام. . . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) وحينما نقف في رحاب هذا البيت العتيق المقدس علينا أن نكرر شكرنا الوافر لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس وقال الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٣) وقال أيضا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٤) الآية، وقال الرسول الأكرم ﷺ : «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (٥)» (رواه البخاري ومسلم). وإننا لنشعر بسعادة عظيمة حيث نحضر هذا المؤتمر العظيم المبارك في هذه البقعة المباركة التي تولى إليها وجوه الأمة الإسلامية في كل أنحاء العالم. وأنتهز هذه الفرصة فأقدم لكم، أيها السادة، تحيات عشرات الملايين من المسلمين في الاتحاد السوفييتي، الذين يكنون مشاعر الحب والإخاء نحو إخوتهم في الدين عامة، ونحو إخوتهم في الأراضي المقدسة خاصة. وبودي كذلك أن نبتهل إلى الله العلي القدير أن يؤيد جلالة الملك المعظم خالد بن عبد العزيز -حفظه الله تعالى-، وأشكر جلالته على إقامة هذا المؤتمر المبجل الشأن، وأشكر كذلك السادة رؤساء رابطة العالم الإسلامي الموقرين، الذين أعدوا المؤتمر على أحسن حال وأعظم مكان، وحققوا أعمالا واسعة النطاق في إجراءاته اللازمة. ونحن قد اجتمعنا هنا في البقعة المقدسة، كي نناقش المشاكل الملحة المتعلقة بحياة وأعمال المسلمين في الأقطار المختلفة، قال الله في القرآن المبين: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٦) (١ - ١٤٤) وإن المسلمين في المعمورة يولون وجوههم شطر المسجد الحرام الذي ارتضى به الرسول الأكرم ﵌ قبلة. أيها العلماء العظام: إننا نعرف جيدا أن المساجد هي في الواقع مراكز للحياة الدينية وهي مواقع إشعاع الفكر الإسلامي

стр. 1163

والدعوة الإلهية، وهي بيت الله تعالى الذي تنفرد العبادة إليه ونبتهل إلى ذاته العلية، ونعرف أيضا أن المساجد لعبت دور بيوت التعليم والتدريس، وأن جميع مراحل التعليم كانت تجري بين جدران المساجد، ومدة قرون أدت المساجد رسالتها في حقل نشر نور العلم والمعرفة وتركت آثارا عميقة في الثقافة الإسلامية. وإن العلماء الفطاحل والمحدثين العظام من أمثال أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن، والإمام أبي بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي الفقيه، وأبي عيسى الترمذي صاحب الجامع الصحيح، وأبي عبد الرحمن الدارمي السمرقندي صاحب المسند، وأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، والعالم الموسوعي أبو الريحان البيروني الخوارزمي، وكثيرين غيرهم قد تلقوا دروسهم الأولية في المساجد وتخرجت من المساجد أجيال كثيرة من العلماء في العلوم الإسلامية الذين يعتز بأسمائهم الكريمة العالم الإسلامي وتنير آثارهم العلمية الطريق أمام المسلمين في كل بقعة من الأرض. إن التاريخ حافل بالأحداث حيث كانت مساجد ما وراء النهر بمثابة مدارس للعلماء العظام، وإن الإمام البخاري بعد عودته إلى مسقط رأسه بخارى ألقى دروسه في الحديث في الجامع الذي بناه بمال الإسلام، وكانت المساجد بسمرقند مثل: طلا كاري، المدرسة الرئيسية في تعليم القرآن الكريم. وأما المسجد الجامع في طشقند الذي بناه عبيد الله خواجه أمراء خليفة بهاء الدين نقشبندي كان المركز الرئيسي في تدريس علوم الحديث، على صاحبه أفضل الصلوات والتسليم. وأما الآن في ظروف بلاد الاتحاد السوفييتي حيث ألقيت الأمور الدينية كلية على كاهل العلماء أنفسهم والدين انفصل عن الحكومة زادت مهمات المساجد وعظمت رسالتها واشتدت المسئولية على أهلها، وصارت المساجد ليست معابد فحسب، بل أصبحت مراكز دينية ثقافية حيث ينهل المسلم الغذاء الروحي من مناهلها ويتلقى الشبان التهذيب الديني ويجدون جوابات مقنعة على أسئلتهم الدينية اليومية في المساجد ما عدا معهدي بخارى وطشقند. أيها العلماء الكرام: قال الله في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) وقال الرسول الأكرم ﷺ : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» نعم في الحقيقة أن المسلمين في بلاد الاتحاد السوفييتي، يعظمون المساجد في نفوسهم أيما تعظيم، وأن كل فرد

стр. 1164

من المؤمنين يجتهد بكل جهده لكي يعمر المساجد ويهتم في نظافتها وطهارتها. والمسلمون في ما وراء النهر لا يزالون يتبعون تقاليد طيبة في هذا الباب، وهم يقدمون كل ما لديهم من البر والإحسان، حتى الزكاة وصدقة الفطر إلى مساجدهم، ومهتمون في اختيار العلماء الصالحين والأتقياء لوظائف الإمامة، ففي معظم الحالات يعينون لوظائف الإمامة والخطابة العلماء الشبان الذين يزدادون في المساجد خبرة وحنكة ويعدون أنفسهم للوظائف الدينية الرفيعة، وإن كثيرين من موظفي الإدارات الدينية بعد تخرجهم من المعهد والمدرسة كانوا قد عينوا أئمة في المساجد، واجتازوا فيها فترة التمرين ومزاولة الأعمال الدينية، هكذا صارت المساجد كما كانت مدارس لإعداد جيل جديد من العلماء والفقهاء. وقال الله في القرآن الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) (٧ - ٣١) وإني أعتقد أن علينا أن نفهم معنى هذه الآية الكريمة، ليس معناها الواضح فحسب وبل معناها الخفي أيضا. فاتخاذ الزينة عند كل مسجد فحواه أن يكون الإنسان جميلا بقلبه وخالصا في نيته ومخلصا في عقيدته للإسلام، والمودة والأخوة بين المسلمين. ففي ذلك تتجلى بكل وضوح الحكمة الإلهية النيرة التي ظهرت في الآية الأخرى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢) (٧ - ٢٩). أيها الإخوة الكرام: يسرني أن أبشركم أن في كل جمعة وكل صلوات العيدين في بلادنا مرشدين من الإدارة: يرشدون الناس بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلى مكارم الأخلاق وسبل التقوى، ويوجهونهم إلى طاعة الله تعالى، والمودة والإخاء مع الناس والعمل الجاد المثمر لخير الأمة الإسلامية والإنسانية. وإن الآلاف المؤلفة من المسلمين في الأيام المباركة في رمضان الشريف يتلهفون إلى سماع كلمة العلماء الدينية، والمعرفة التي يحصلون عليها في المساجد ينقلونها إلى بيوتهم وإلى قلوب الجيل الصاعد بكل عزم وصدق. ومن المؤكد أن المسلم يهمه في هذا العصر أمور كثيرة: ومن بينها: الأمور التي لا تتعلق به ومسلمي بلادنا فقط، فإنه ترقى في سلم العلوم وتثقف ثقافة ملحوظة ويعيش في رفاهية ولديه الإمكانيات الواسعة لمطالعة الكتب والجرائد والمجلات بلغته الأم، وهو مطلع على الأحداث الجارية في البلد وفي العالم، ويهمه كذلك مشاكل التطور الاجتماعي والعلمي والتكنيكي في العالم ومعضلات الحفاظ على السلام وأمن الشعوب، وهو يهتم في أمر ازدهار شعوب البلاد النامية لكي يضمن لها إمكانيات التطور الذاتي، ويقلق باله ويثير غضبه الأعمال الإجرامية التي تتبعها الصهاينة والإمبريالية تجاه إخوته العرب، والشعوب الأخرى المتحررة. وهذه الأمور كلها تلقي المسئولية على المساجد وعلى الدعاة المسلمين والوعاظ.

стр. 1165

ومن إحدى شروط أداء المسجد رسالته بشكل أصح وأكمل: هو سعة معرفة الأئمة والخطباء والوعاظ الذين يقدمون خدماتهم للمسجد والمصلين، وإن نجاح المسجد في أداء رسالته يتعلق كلية بمستوى الإمام العلمي والخطيب اللذين يلقيان المواعظ الدينية في مختلف المواضيع والفروع الدينية. وعلى خدمة المساجد أن يكونوا على اتصال دائم مع الأحداث الجارية في كل بلدة على حدة، وكذلك في العالم الإسلامي، وعلى الأئمة والخطباء أن يعظوا بروح العصر ويوافق ما يقولون ومستوى المسلمين العلمي. ففي هذه الحالة فقط فإن المسلم الجالس في المسجد يفهم الإمام ويصدق كلامه وحينئذ يحق على الإمام أن يعتقد أنه ساعد في ترسيخ قواعد الدين الإسلامي في بلده، وبالتالي أداء رسالته بشكل أكمل. هذا وإن المراكز الإسلامية في بلادنا قد حققت في السنوات الأخيرة شوطا كبيرا من الأعمال المفيدة في خصوص توسيع مجال الدعوة، وقد حققنا نشر القرآن الكريم، كما طبعنا كتاب الأدب المفرد والجامع الصحيح للإمام البخاري، ونشرنا كتاب تاريخ المصحف العثماني المحفوظ في طشقند، وأصدرنا عشرات من الفتاوى الدينية حول حل المشاكل في الفروع التي أحدثتها طبيعة الحياة، وإن مجلة " المسلمون في الشرق السوفييتي " تنشر على صفحاتها بحوثا في توضيح المسائل الفقهية والاجتماعية، ويجد المسلم في المجلة كل الأعمال والتجارب المفيدة الجارية في مختلف مناطق البلاد. ومن دوافع سرورنا في هذه الأيام أننا الآن على وشك تحقيق نشر القرآن الكريم بحجمين: كبير وصغير بعدد كثير، وكذلك عدة كتب دينية أخرى توزع كلها مجانا. وتساعد في رفع مستوى النشاط الديني والعلمي والاجتماعي للمساجد وأهلها الاجتماعات والمؤتمرات العلمية الدينية، ففي بعض منها قد اشترك ضيوف من الدول الخارجية، ففي ظرف خمس سنوات أخيرة قد انعقد في طشقند وسمرقند ثلاثة اجتماعات دينية كبيرة، والعلماء الحاضرون في هذا الجمع الحافل المبارك سيتحدثون عن مقدار نجاح المؤتمر الذي جرى في سمرقند بمناسبة مرور اثني عشر قرنا من ميلاد إمام المحدثين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀. وإن البحوث والخطب التي ألقاها العلماء المسلمون في المؤتمر من ٢٦ بلد عربي وإسلامي، وكذلك من جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي قد ناقشوا بكل عمق وتفكير وحيوية مشاكل تاريخية وعصرية في ضوء تعاليم الدين الحنيف. ونحن إن شاء الله سوف ننشر بحوث هذا المؤتمر الجليل في مجموعة خاصة كي يستفيد بها الأئمة والخطباء ويستنبطوا منها ما يفيدهم من الأدلة والبراهين الساطعة في أداء رسالة المسجد بشكل أحسن. وقد ساعدنا في ذلك المجال أيضا المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في بغداد ومؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وكذلك تبادل الوفود مع الدول الإسلامية.

стр. 1166

وإن الطلبة في المعهدين الدينيين في بخارى وطشقند إلى جانب المواد الدينية يتلقون كذلك دروسا في المواد العصرية كي يكون المتخرجون علماء قديرين لمواجهة المشاكل الجديدة الاجتماعية. ولكن على الإدارة الدينية أن تحقق أشياء كثيرة لكي ترفع من مستوى المتخرجين العلمي في معهدينا، وعلى ذلك فإني أنتهز الفرصة الكريمة ومن على هذا المنبر أكرر شكري الأخوي الصادق وشكر مسلمي الاتحاد السوفييتي للمسئولين والعلماء الكرام في البلاد العربية والإسلامية الذين تصدوا لحاجاتنا وساعدونا لنكون في عداد كوادر العلماء المسلمين ذوي المؤهلات العالية. ودرس طلبتنا ولا يزالون يدرسون في الجامع الأزهر في القاهرة، وفي كلية الشريعة بجامعة القرويين في المغرب، وكلية الشريعة جامعة دمشق، وفي كلية الشريعة في بيضاء بليبيا، وإذ أكرر شكري مرة أخرى للمسئولين في هذه الجامعات الإسلامية أود أن أؤكد بأننا الآن نستعد لإرسال فوج من الطلبة إلى الجامعات الأخرى أيضا، كما يعلق المسلمون في بلادنا آمالا في أن أبناءهم سوف يتشرفون لتلقي علومهم في مهبط الوحي ومشعل النور في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة على صاحبها الصلاة والسلام. إن مساجدنا تحقق كثيرا من الأعمال في تهذيب المسلمين تهذيبا دينيا، ورفع مستواهم العلمي وفي زرع مبادئ التقوى في قلوبهم، وفي إنماء روح المحبة للوطن في صدورهم، وإذا كانت بلاد ما وراء النهر قد حققت منجزات واسعة النطاق في حقول الاقتصاد والعلوم والتكنيك وغيرها، وكذلك في إقامة صلات أخوية مع الشعوب، وفي الحفاظ على السلام وفي الكفاح ضد إسرائيل، ففي هذه كلها أودع بقسطهم الوافر إخوتكم المسلمون كما أودعت فيه نصيبها المساجد الواقعة في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي. إلا أن هذا كله لا يعني أننا لا نشعر بقصور في أعمالنا، بل إننا نحتاج إلى تقوية شئون المساجد، ونتوجه إلى هذا المؤتمر الكريم الذي سوف يرفع شئون المساجد إلى درجة أكبر ويخلق دوافع جديدة لتحسين أمورها. أيها الوفود الكرام من الدول الإسلامية: إن الهدف الرئيسي من هذا الاجتماع الحافل هو تحسين وتنشيط رسالة المسجد التي جمعتنا في هذا المكان المقدس. وإني لا أشك في أن المشتركين لا يدخرون شيئا ولا يألون جهدا في أن تكلل أعمال المؤتمر بالنجاح التام، وتحقق أهدافه جميعها برعاية الله تعالى. وإني آمل أن المؤتمر سوف يصدر قرارات وتوصيات هامة لخير المسلمين في العالم. وإن هذه القرارات سوف تستخدم لتقوية الصلات بين المسلمين في بلاد العالم وإقامة المودة والمحبة فيما بينهم. وفي الختام، أبتهل إلى الله العلي القدير أن يوفقنا في أعمالنا، وأن يمنح العناية والرعاية لهذا الجمع المبارك الساعي إلى الخير وشكرا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .

стр. 1167

سليمان دنيا (١) رسالة المسجد في الماضي والحاضر لقد تخرجت في الأزهر وعملت به أستاذا زمانا طويلا، وعاصرت أنواعا من التغيرات والنظم التي تواردت عليه، وعملت أستاذا بجامعة القرويين بالمغرب ثلاث سنوات ومثلها في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان. وقد تأكدت من خلال هذه التجربة الطويلة أن منشأ ضعف طلاب الجامعة الدينية الذي نشكو آثاره، داخل المسجد وخارج المسجد، هو البرامج الدراسية، التي هي خليط غير متسق من عناصر شتى، وما يتصل بها من دراسات في مذكرات موضوعة على عجل، استغني بها عن المراجع الأصلية، فانقطعت صلة الطلاب بهذه المراجع، وأصبحوا عاجزين عن الاستفادة منها، وامتحانات يعوزها الجدية والدقة والضبط.

стр. 1168

كان المسجد أيام السلف الصالح، مكان النشاط الديني والفكري، كانت تعقد فيه حلقات الدروس، وكان العلماء يلتقون فيه بطلابهم، وبالجمهور؛ ليعطوا كلا منهم ما هو بحاجة إليه. وكان العلماء يفعلون ذلك في الغالب، حسبة لوجه الله، فكان عملهم خالصا لوجهه، وكان الناس يمنحونهم ثقتهم التامة، فيأخذون عنهم ما يقولون، ويقتدون بهم فيما يفعلون، لذلك تبوأ المسلمون في هذا العهد مكانتهم اللائقة بهم كمسلمين عرفوا الطريق الصحيح إلى الله، فسلكوه فرضي الله عنهم وأيدهم بنصر من عنده. لكنا إذا نظرنا إلى المسجد الآن وجدنا به إماما ومأمومين، ولم نجد حلقات الدروس التي ما كانت تتوقف في وقت من ليل أو نهار. ومعنى ذلك أن المسجد لم يعد يصنع الإمام، بل تصنعه له الجامعة التي أريد لها أن تقوم بدور المسجد في التدريس والبحث والتأليف. ولكن الجامعة التي خلفت المسجد لم تلبث أن وجدت نفسها محاطة بجامعات أخرى، أوجدتها الرغبة في التعرف على أسرار الكون ونظامه. ولا شك أنه لا تعارض بين هذه الجامعات التي تقوم بدور التعمق في فهم أسرار الكون ونظامه للانتفاع بخيراته وتوقي أخطاره، وبين الجامعات الدينية التي تتعرف على خالق الكون وواضع نظامه، من خلال رسالاته إلى رسله وأنبيائه، التي تعلم في هذا المجال ما لا يستطيع العقل البشري أن يستقل بإدراكه بانفراده. نعم. . . لا تعارض بين هذه الجامعات وتلك، فلكل مهمتها، والمهمتان متآخيتان متعاونتان، ما دامت الوسائل سليمة والمقاصد مستقيمة. لكن هذا ليس يعني أن نخلط بينهما، أو في تعبير أدق، ذلك ليس يعني أن تطمع الجامعة الدينية أن تدخل في نطاق نشاطها موضوعات مما هو من اختصاص الجامعات الدنيوية، لا تقوى على الاضطلاع بها مع علوم الدين طاقة أبنائها. فإن نتيجة ذلك أن لا يحسن الطلاب العلم بهذا ولا العلم بذلك، كما هو الحال الآن. وفي مثل هذه الظروف القلقة غير المستقرة التي تعيشها الجامعات الدينية الآن، يتخرج الإمام، وكما فقدت الجامعات الدينية كثيرا من خصائص المسجد، فقد الإمام كثيرا من خصائص من كان يتخرج من المسجد. وكان من نتيجة ذلك أننا وجدنا أنفسنا بخصوص المسجد والإمام أمام مشكلة تتطلب الحل. وإذا قصرنا أنفسنا على النظر في المسجد والإمام، لم نجد الحل السريع ولا الحل الصحيح، لأن نظرتنا يجب أن تتسع فتشمل الجامعة التي فيها يتخرج الإمام.

стр. 1169

لقد تخرجت في الأزهر وعملت به أستاذا زمانا طويلا، وعاصرت أنواعا من التغييرات والنظم التي تواردت عليه، وعرفت الفرق بين نظام ونظام، وعملت أستاذا بجامعة القرويين بالمغرب ثلاث سنوات، ومثلها في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان. وقد تأكدت من خلال هذه التجربة الطويلة، أن منشأ ضعف طلاب الجامعة الدينية الذي نشكو آثاره، داخل المسجد وخارج المسجد، هو البرامج الدراسية، التي هي خلط غير متسق من عناصر شتى، وما يتصل بها من دراسات في مذكرات موضوعة على عجل، استغني بها عن المراجع الأصلية، فانقطعت صلة الطلاب بهذه المراجع، وأصبحوا عاجزين عن الاستفادة منها، وامتحانات يعوزها الجدية والدقة والضبط. وأضرب هنا مثلا واحدا بسيطا من أمثلة عدة للخلط في البرامج، إنه قد أصبح من المتعارف عليه في الجامعات الدينية، أن يدرس الطلاب لغة أو أكثر من اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية، وتعطى هذه اللغة من الوقت بعض ما كان مخصصا للغة العربية من قبل، فيضيق الوقت والجهد عن استيعابها جميعا وتكون النتيجة أن لا يحسن الطالب لا هذه ولا تلك، فانحط مستوى الطلاب في اللغة العربية إلى حد يؤذن بقرب ضياعها، إن لم نتدارك الأمر بسرعة وحزم. إني أؤمن بأنه لا يضير طالب الجامعة الدينية أن يجهل اللغة الأجنبية ما دام سيعهد إليه بعمل لا يتوقف نجاحه فيه على العلم بها، ويضيره كل الضير أن يكون ضعيفا في اللغة العربية التي هي قوام حياته كطالب وعالم وباحث ومؤلف، في مجال القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وكتب الأئمة وعلماء هذه الأمة. إن نسبة ضئيلة من المتخرجين هي التي تباشر العمل في مجال يتطلب العلم بلغة أجنبية، فينبغي أن يقتصر تعليم اللغة الأجنبية على هذه النسبة. أما أن يفرض تعليمها على الجميع، من سيكون بحاجة إليها، ومن لا يكون، مع أداء ذلك إلى الجهل باللغة العربية، أداء إذا استمر أفضى إلى زوالها وطمس معالمها، وفي زوال اللغة العربية وطمس معالمها زوال الدين وطمس معالمه، وذلك هو الكارثة التي نسأل الله أن يقينا شرها. والمغزى الأساسي من هذه الكلمات هو الإشارة إلى علاقة المسجد بالجامعة، وأن محاولة إصلاحه منفصلا عنها محاولة صعبة قد لا تأتي بالنتيجة المرجوة. وما أظنني هنا بحاجة إلى أن أذكر ما قرره بعض ذوي البصر بالأحداث الجارية في العالم الإسلامي، مع أن الخلط في برامج الجامعات الدينية بهذه الصورة المشوهة، التي أدت إلى إضعاف ملكة الطلاب الدينية سياسة أجنبية، نجد لها أعوانا داخل البلاد الإسلامية، يهيئون الفرصة لتطبيقها وتنفيذها. لقد آن الأوان إلى أن يتواصى المسلمون بالعودة ببرامج الجامعات الدينية، إلى الأصل الذي تخرج عليه علماء يشار إليهم بالبنان، ملئوا الدنيا بآثارهم الطيبة، علما وعملا، وإنا في هذه الظروف الحرجة التي يحياها العالم الإسلامي، لفي أشد الحاجة إلى كثير من أمثالهم ليأخذوا بيد الأمة الإسلامية إلى طريق الفلاح والرشاد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .

стр. 1170

طفيل محمد (١) المسجد ومكانته في الإسلام " وأقول مع شديد الأسف إن بعض الدول الإسلامية في العصر الحاضر بدلت قوانين الأحوال الشخصية. الأمر الذي لم يستطع الاستعمار الغربي أن يتجاسر عليه في عهد الاحتلال. . وأضرب لكم مثلا من بلادي. فقد طبق فيها قانون من عام ١٩٦٨ لا يسمح بأن يعقد شاب عمره أقل من ثمانية عشر عاما زواجه بفتاة يقل عمرها عن ستة عشر عاما، وإنهما إن فعلا ذلك فإن القانون يعاقبهما ووالديهما وشهود النكاح أيضا أشد العقاب. . .!. نعم، إذا جاء ذلك الفتى وتلك الفتاة ينشئان العلاقات غير الشرعية بينهما على رضاهما فليس هناك قانون يمنعهما من ذلك، ثم إذا أحب الرجل المتزوج أن يتخذ إحدى النساء محظية له لا يمانعه قانون. .!؟.

стр. 1171

ولكن إذا أراد أن يتزوج بتلك المرأة فلا يستطيع بموجب القانون إلا بعد الحصول على الإذن من زوجته الأولى. . ". الحمد لله العلي العظيم. . . والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين، وبعد: سيدي الرئيس والسادة شركاء مؤتمر رسالة المسجد. . . إن الملك المؤمن خالد بن عبد العزيز -حفظه الله- وحكومته الموقرة والقائمين على رابطة العالم الإسلامي ليستحقون كل تقدير وشكر وامتنان على مبادرتهم العظيمة لعقد مؤتمر رسالة المسجد في مكة المكرمة ودعوة أهل العلم والدعوة والفكر من المسلمين لحضوره؛ ليتفكروا وهم في جوار بيت الله وفي ظل مهبط الوحي: ماذا عسى أن تكون التدابير الفعالة والخطوات الحسنة لتحسين أوضاع المساجد وتطوير إدارتها وإحياء رسالتها الحقيقية واستعادة مكانتها السامية، ورفع مستوى الأئمة والخطباء والمساعدين من النواحي العلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ لينالوا في المجتمعات الإسلامية نفس المكانة السامية التي أرادها لهم الإسلام، وليقدروا على أداء نفس الدور الفعال الذي كان يؤديه الخطباء والأئمة في القرن الأول في النهوض بالمسلمين وإصلاحهم إصلاحا شاملا يستوعب كل جوانب حياتهم الدينية والخلقية والثقافية والاجتماعية. وأدعو الله أن يجزي الملك الكريم خالد بن عبد العزيز -حفظه الله- خير الجزاء وأوفاه، ويوفقه للمزيد من خدمة ما فيه خير الإسلام وسعادة المسلمين، ويجعله يحذو حذو أخيه الكبير الشهيد العظيم فيصل بن عبد العزيز ﵀ رحمة واسعة، ويكتب له السبق في هذا المضمار كما قال الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) وكذلك أدعو للقائمين على رابطة العالم الإسلامي وعلى رأسهم الشيخ الموقر الكريم الصالح محمد صالح القزاز أن يكتب لهم جزاء حسنا ونجاحا باهرا في هذا الصدد. . . وأنا كلي دعاء وتضرع لجميع المؤتمرين الكرام لأن يخرجوا من هذا المؤتمر وهم على توفيق شامل وعزم أكيد وتخطيط مصمم وحماس عارم لأن يبذلوا ما في وسعهم من الجهود لإحياء رسالة المسجد بصورة يرتضيها الله ورسوله، ولا يخافون في ذلك لومة لائم. . . والله ولي التوفيق.

стр. 1172

المسجد لغة مكان السجود، واصطلاحا ذلك البيت الذي تقام فيه الصلاة ويعبد فيه الله. . . وكان المسجد في الإسلام مركزا لنشاطات المسلمين الاجتماعية والثقافية. . . وإلى جانب ذلك كان في عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة مدرسة يشع منها نور الحق. ولكنه من الأسف أن الانهيار الذي تغلغل في حياة المسلمين الاجتماعية بعد الخلافة الراشدة لم يستطع المسجد أيضا بسببه أن يحافظ على مكانته الحقيقية. . . بل أصبح مكانا لإقامة الصلاة والعبادة فقط، أو مركزا للتدريس والوعظ والإرشاد إلى آخر الحد. . أما أن يكون المسجد هو المقر الذي تتم فيه شئون المسلمين بالمشورة وبدافع خشية الله فقد انتزعت منه تلك المكانة العظيمة وحلت محله البلاطات الملكية، حيث كان الملوك المستبدون يقضون في شئون الناس حسب ما تمليهم أهواؤهم. . . اللهم إلا من رحم ربي. . . ولما تمت سيطرة الإنكليز على شبه القارة الهندية فإنهم لأجل القضاء على الشخصية الإسلامية فيها حاولوا السيطرة على المساجد ولكن المسلمين قاوموا هذه الفكرة باستماتة وإباء ونجحوا في إحباط تلك المؤامرة. . ولكن الإنكليز اختاروا أسلوبا آخر لتحقيق غايتهم وهو أنهم استخدموا الأفراد الذين ربوهم في أكنافهم وبذلوا لهم الألقاب العديدة وعن طريقهم كونوا جمعيات تشرف على المساجد، وهكذا استطاعوا أن يجعلوا طائفة من المساجد الرئيسية في البلاد تحت نفوذهم ورعايتهم، حتى لا يعلو منها على الأقل صوت يحارب الاستعمار الإنكليزي. . أما عامة المساجد في المدن والقرى فإن المسلمين على رغم الاحتلال الإنكليزي العنيف حافظوا على حريتها وقدسيتها. . . وبفضل تلك الحرية استطاعت مساجد المسلمين ومعاهدهم أن تجعل قناديل الإيمان والإسلام مستنيرة متلألئة في قلوب المسلمين، وبفضل تلك الحرية والقناديل الإيمانية برزت أخيرا إلى الوجود دولة باكستان الإسلامية في ربوع الهند الوثنية في عام ١٩٤٧ م. وصحيح مبدئيا أن رعاية المساجد والمعاهد هي مهمة الحكومة الإسلامية الأولى. . . ولكن هذه المهمة لا يستطيع أداءها على أحسن وجهها إلا حكومة تحذو حذو الخلافة الراشدة. . . بل إلى هذا النمط من الحكومة الرشيدة يمكن تفويض هذه المهمة. . . ولا تصلح للقيام بها حكومة لا تقر بحاكمية الله، ولا

стр. 1173

تؤمن بشريعة الله قانونا أساسيا للدولة. . . وتطبق قوانين الكفر بدلا من قانون الله، وتقمع صوت الخير والصلاح. . . وتروج السوء والفحشاء. . . وبدلا من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تأتي فتهدد دعاة الحق والخير وتروعهم، وتزج بهم في السجن، وتعلقهم على المشانق. وبالمناسبة أقول، مع شديد الأسف، إن بعض الدول المسلمة في العصر الحاضر بدلت قوانين الأحوال الشخصية. . الأمر الذي لم يستطع الاستعمار الغربي أن يتجاسر عليه في عهد الاحتلال. . . وأضرب لكم مثلا من بلادي. . . فقد طبق فيه قانون من عام ١٩٦٨م لا يسمح بأن يعقد شاب عمره أقل من ثمانية عشر عاما زواجه بفتاة أقل من ستة عشر عاما، وإنهما إن فعلا ذلك فإن القانون يعاقبهما ووالديهما وشهود النكاح أيضا أشد العقاب. . . أما إذا جاء ذلك الرجل وتلك الفتاة ينشئان العلاقات غير الشرعية بينهما على رضاهما فليس هناك من قانون يمنعهما من ذلك، ثم إذا أحب الرجل المتزوج أن يتخذ إحدى النساء محظية له لا يمانعه قانون، ولكنه إذا أراد أن يتزوج بتلك المرأة فلا يستطيع الرجل بموجب القانون إلا بعد الحصول على الإذن من زوجته الأولى. . . ولا ينقصكم في هذا العصر مثل للحكومة التي منعت الأذان والخطبة باللغة العربية. . . وهناك عدة دول مسلمة تحاول فرض الاشتراكية على أعناق المسلمين باسم الإسلام، ولا يخفى عليكم ما آل إليه أمر نظام الحياة الإسلامية والقيم الإسلامية في ظل بعض الحكومات المسلمة في بعض البلدان. ولذلك أرى، بدون ما ريب، أن نظام المساجد والمدارس يجب أن يبقى بعيدا عن تدخل الحكومات ونفوذها. . . وإلا سيكون مصيره مصير النظام الكنائسي، وبالتالي يتحول نظام المساجد في كل بلد إلى نظام قومي مثل الكنيسة القومية، يتبع المصالح القومية ويصير أداة بيد الحكام، ولا حاجة بعد ذلك إلى ذكر الأضرار التي تلحق بدين الله والوحدة الإسلامية بهذه الطريقة، ثم ليس من المستبعد أن يقع نظام المساجد والمدارس في متاعب ومحن لا تعد ولا تحصى إذا سيطر عليها الحكام في مختلف البلدان تتضارب أفكارهم وتتنازع مصالحهم، وأقترح أن تقام في مختلف أنحاء العالم الإسلامي معاهد لتربية الأئمة والخطباء وإعدادهم إعدادا صحيحا كاملا يتلقى فيها الأئمة والخطباء قدرا لازما من المعارف والعلوم التي تؤهلهم للقيام بواجب التوجيه والدعوة والإصلاح وفق مقتضيات العصر. وكذلك لأجل إحياء رسالة المسجد في الحياة القومية ولجعله مؤسسة فعالة لتطوير المستوى الديني والخلقي

стр. 1174

للمسلمين لا بد من أن تتبع كل مسجد مكتبة ودار للمطالعة تضم كتبا فكرية وعلمية وإسلامية هامة وجرائد ومجلات إسلامية عالمية. . وبصدد تنظيم المساجد وتحسينها وإعداد الأئمة والخطباء كذلك أقترح إنشاء مجلس إسلامي يتكون من عشرين أو خمسة وعشرين عضوا من أصحاب العلم والتقى وأرباب الفضل والبصيرة من مختلف أنحاء العالم. . . ويكون مقر ذلك المجلس مكة المكرمة أو المدينة المنورة، وتكون مهمته دراسة أوضاع المساجد والمعاهد ونظمها الراهنة في جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية عن طريق الممثلين، ثم وضع مشروع شامل فعال لجعل المساجد أنفع وسيلة وأقوى مركز لتحسين أحوال المسلمين الدينية والخلقية والقومية والقضاء على ما بينهم من الطائفية وضيق النظر والعصبيات والخلافات المذهبية غير الصحيحة، وربطهم بحبل الأمة الإسلامية الواحدة كما كانوا في عهد الرسول أمة واحدة وجماعة واحدة. وقد ورد في القرآن الكريم توجيه أساسي بشأن نظام المسجد وما يرجع إليه أمره قال : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١) التوبة: ١٨. ويتضح من هذه الآية بدون ما غموض أن الله تعالى لا يحب أن يسلم أمر المساجد إلى أشخاص لا يبالون بأحكام الله ورسوله واليوم الآخر، ولا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ويخشون الناس ولا يخشون الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. . .

стр. 1175

محمد حسين يوسف (١) رسالة المساجد في عصور ازدهارها " إن المسجد لا يمكن أن يكون منعزلا عن النشاط الإنساني الحيوي؛ لأن الانعزال عن تتبع التطورات يحدث جفوة وعدم فعالية المسجد في توجيه النشاط الإنساني حسب مبادئ الإسلام، وتقدم الأمم في هذا العصر من الأمور التي يجب مراعاتها في وضع المساجد، حتى تكون دائمة الصلة في توجيه الأمة حسب متطلباتها المتجددة من الثقافة والعلم والفن ونحوها، بإشباع الأمة بالمعلومات الإسلامية التي لا بد وأن تجري بواسطة الوسائل الحديثة المطبقة في أماكن التوعية والتثقيف التي منها المساجد. فالمدارس والجامعات مع ملحقاتها التي تقع حول المسجد من شأنها أن تقوم أيضا بدورها في إحياء رسالة المسجد.

стр. 1176

يقول : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١) ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٢) ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) تنطلق من المساجد أصوات الآذان خمس مرات كل يوم تدعو المسلمين إلى اللقاء الروحي بالله لذكره وشكره على نعمائه والاستزادة من فضله تعالى. إنه إذا أمعنا النظر نجد أن المسجد مكان لتجديد الصلة بالله تعالى هو مكان للسجود. لقد كان الرسول ﷺ يتلقى كثيرا عن ربه الوحي بعد الهجرة وهو في المسجد، وفي المسجد كان ﷺ يعلم المسلمين أحكام دينهم. فالمسجد بالنسبة للمسلمين هو كذلك مكان لتلقي تعاليم الدين وتعليمه، بل كانت الأمور الدنيوية كذلك تناقش طبق الإسلام في المسجد. ومن المسجد كانت تذاع الإعلانات والأخبار التي تهم أمور المسلمين وحياتهم المادية والمعنوية. هو مكان للتوعية والتربية للجيل الناشئ. إن التراث الإسلامي من المصادر والمراجع هو عنصر هام في مجال التربية والتوعية الإسلامية، وبما أن المسجد كذلك مكان لتلقي وتعليم الثقافة والتربية الإسلامية، فيجب أن تكون للمسجد مكتبة زاخرة بكل فروعها وملحقاتها ونظمها حتى يقوم المسجد تماما بدوره الإيجابي الذي كان عليه في عصوره الزاهرة. هذا كما يجب أن تقوم شئون الأوقاف بالمسجد بضمان ماديات حياة المتفرغين للعلم مدرسين ومتعلمين حتى لا تشغلهم مطالب الحياة عن اشتغالهم بالتدريس أو التعلم. وذلك في صورة منح دراسية أو في صورتها. وفي المسجد بيت المال يقوم بدور فعال في إنقاذ المجتمع الإسلامي من سؤال الأجانب. وهو عامل كبير في رفع الشخصية الإسلامية؛ وذلك لأن مشاكل الحياة المادية قد تكفلها المسلمون للمحتاجين إليها عن طريق هذه المؤسسة. وقد كان المسجد أيضا دارا للقضاء فكان الرسول ﷺ يتخذه مكانا للبت في قضايا المسلمين وشئون المجتمع والدولة. كذلك في عصور الخلفاء الراشدين، حتى أن وفود الملوك يجري استقبالهم في المسجد. بالجملة كانت النشاطات الدينية والمدنية نابعة من المسجد. وهذا كان له أثره في تلوين مجالات الحياة البشرية بالأخلاق الفاضلة، مما جعل حياة البشر عموما تشعر بالحياة الهادئة تحت ظل الحضارة الإسلامية. وهناك أمور أخرى كثيرة تقوم بها المساجد، مما يعود نفعه على المسلمين والحضارة الإسلامية، لا نوضحها هنا خوف الإطالة.

стр. 1177

أوضاع المساجد في العالم في العصر الحاضر إنه لا يختلف اثنان في أن المسجد كان عاملا قويا في قوة الأمة الإسلامية في مختلف مجالات الحياة البشرية، وذلك عندما كان المسلمون يعيشون تلك العصور الزاهرة النقية عصر الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃، ثم ما يليهما من عصر التابعين وأتباع التابعين ﵃. وإنه إذا أمعنا النظر في أوضاع المساجد في العالم بصفة عامة في عصرنا الحاضر لوجدناها على صورتين. الأولى: المساجد التي - جملة - تقوم برسالتها طبق ما رسمها لها الرسول ﷺ ، وطبق مفهوم لفظ المسجد. الثانية: هي المساجد التي لا تكون مطابقة برسالتها حق المطابقة، وكانت بعيدة عن الغرض الأسمى من الإسلام. وإن المعيار الصحيح لوظيفة المسجد هو أن يكون المسجد طبق روح الإسلام مركزا لتكوين فرد ومجتمع عارف لحقوق الله وحقوق عباده، الأمر الذي يجعل من حياة الفرد والمجتمع ميزانا.

стр. 1178

المسجد محور للنشاط ومركز للتوجيه الروحي والفكري للأمة تطوير خطب الجمعة بحيث تتمشى ومتطلبات العصر وتحدياته مع ضمان انتشارها وحفظها. لقد ثبت من التاريخ أن المسجد كان يلعب دورا فعالا في ترقية الأمة الإسلامية دينيا وفكريا وحضاريا. ويعرف ذلك من أمعن النظر في حياة الرسول ﷺ ، ومن جاء بعده من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين. وقد كان ذلك لعدة أسباب، منها: ١ - كان المسلمون تحت إشرافه وتوجيهاته ﷺ ، وهو مرجعهم عما خفي عنهم من أمور الدين. ٢ - وقد كان المسلمون في ظل الخلافة على منهاج النبوة الحارسة الأمينة على إحياء تعاليم القرآن وسنة الرسول ﷺ . ٣ - بفضل الخلافة بعد وفاة الرسول ﵊ تزول الخلافات المؤدية إلى افتراق وحدة الأمة.

стр. 1179

فهذه وتلك من الأسباب الرئيسية التي مكنت للمسجد القيام بأداء وظيفته، محورا للنشاط الإنساني والروحي ومركزا للتوجيه المعنوي والفكري للأمة. وأما الأمور الأخرى فتشكل أسبابا فرعية وعملية رغم أهميتها أيضا في بعث رسالة المسجد من جديد ومنها: تطوير خطب الجمعة التي في مقدورها أن تجيب على تحديات العصر. فخطبة الجمعة مثلا ذات أثر كبير في النفوس، إذا كانت صادرة من قلوب مخلصة طاهرة طيبة، وكان من صاحبها من طلاقة اللسان ما يحسن التعبير به عما يكنه الفؤاد. ثم يجب على الخطيب أن يراعي مقتضيات الأحوال، فيخطب في الحوادث النازلة، والوقائع الجديدة، ولا يسلك ما يسلكه أكثر خطبائنا في هذا العصر ينهون عن جرائم كانت في سالف الأيام. توسيع مجالات الخدمة التي يقوم بها المسجد فكريا وعلميا واجتماعيا مع تسخير كل الوسائل الإعلامية والتربوية الحديثة. إن التسهيلات في مجالات الحياة متوفرة في عصرنا هذا، فيجب تسخيرها واستغلالها لصالح الأمة وبناء مستقبلها الأفضل، وإلا تحولت إلى وسائل للتدمير في روحانية الأمة ومعنوياتها ودينها. ولذا أحبذ لو ألحق بالمسجد ما من شأنه أن يساعد على القيام بمهام المسجد وذلك مثل: دار الطباعة، ودور التعليم والتثقيف المزودة بالوسائل العصرية، وكذلك مؤسسات أخرى لكفالة الأيتام وذوي العاهات تؤهلهم بفنون العصر التي تعدهم للمستقبل، مع إعدادهم بالأخلاق الفاضلة عارفين دينهم وعاملين لأوامره وناهين عن زواجره.

стр. 1180

حسن إعداد الأئمة ومساعديهم ورفع كفاياتهم ومكانتهم وسائل إعداد الأئمة ومساعديهم ورفع كفاياتهم فكريا وعلميا وثقافيا. إن هذا العصر يتسم بالاكتشافات في العلوم والفنون والبحوث العلمية في مجالات الحياة الإنسانية من ثقافية واقتصادية وفكرية، فبمقتضى هذه التطورات في الحياة البشرية يجب أن يقوم المسئولون بشأن تسيير دفة رسالة المسجد من الأئمة ومساعديهم بما يضمن لهم في إنجاح واجباتهم من تبليغ رسالة الإسلام إلى المجتمع الذي سادت فيه مظاهر العصر، فيجب إعدادهم في أمور منها:

стр. 1181

١ - ترقية معلوماتهم الثقافية والاجتماعية. ٢ - تعميقهم بروح الشريعة الإسلامية للنظر في الأمور المتجددة. ٣ - عقد لقاءات دورية للنظر والتشاور حول الأمور التي لها صلة برسالة الأئمة حول البيئة المتطورة. ٤ - عقد مؤتمرات سنوية للنظر حول مشاكل المجتمع. هذا وبالنسبة للعنصر الثاني. (٢) النهوض بمكانة الأئمة ومساعديهم اجتماعيا واقتصاديا أمر لا مفر منه لإنجاح رسالة المسجد وإحيائه في هذا العصر من جديد. لقد كان من أزمة المساجد إهمالنا بشأن أئمة المساجد وإعدادهم في أداء واجباتهم اجتماعيا واقتصاديا، وذلك لعدم وجود الضمان المادي، مما يجعل الأئمة منشغلين بأمور حياتهم المادية، وهذا مما يقف في سبيل فعالية المساجد غالبا. فلا بد من مؤسسة خاصة تقوم برعاية أمور أئمة المساجد ومساعديهم. كما تقوم بتخريج الدعاة من الأئمة الأكفاء المزودين بالمعلومات الاجتماعية والثقافية. وبهذه الصورة ستنتهي إلى حد ما الأزمة التي تعيشها أكثر المساجد في العالم الإسلامي خاصة، ومن هذه الناحية يبدو دور بيت المال جليا.

стр. 1182

التخطيط لبناء المسجد ومرفقاته (١) التخطيط لتعمير المساجد بين أوساط تجمعات المسلمين في المدن والقرى ووسائل صيانتها. إن المسجد يمكن أن يكون معيارا للأمة في مدى تمسكها بالدين أو انحلالها عنه، ولكي نضمن صلاحية الأمة على أساس الإسلام، فكان من الواجب بناء المساجد في وسط تجمعات المسلمين مع مراعاة ظروف بيئتهم، لنضمن نجاح المسجد في أداء رسالته وسط كل تجمعات معينة. بحيث تلحق إلى المسجد ما من شأنه جذب الناس إليه والانسياق إلى هدف المسجد، فبناء المسجد في مدينة ما غير المسجد الذي يبنى في القرية، لاختلاف البيئة والظروف بينهما. ٢ - أما المرافق الضرورية الملحقة بالمساجد وطرق الاستفادة منها فهي على كثرتها متوقفة على الظروف والأحوال التي فيها المسجد. إن المسجد لا يمكن أن يكون منعزلا عن النشاط الإنساني الحيوي؛ لأن الانعزال عن تتبع التطورات يحدث

стр. 1183

جفوة وعدم فعالية المسجد في توجيه النشاط الإنساني حسب مبادئ الإسلام، وتقدم الأمم في هذا العصر من الأمور التي يجب مراعاتها في وضع المساجد، حتى تكون دائمة الصلة في توجيه الأمة حسب متطلباتها المتجددة من الثقافة والعلم والفن ونحوها، بإشباع الأمة بالمعلومات الإسلامية التي لا بد وأن تجرى بواسطة الوسائل الحديثة المطبقة في أماكن التوعية والتثقيف التي منها المساجد. فالمدارس والجامعات مع ملحقاتها التي تقع حول المسجد من شأنها أن تقوم أيضا بدورها في إحياء رسالة المسجد، عن طريق المنشورات والمطبوعات التي تعنى بترقية معلومات الأوساط الثقافية والطلابية في مجال الدين وصلته بالحياة الإنسانية وبالمجالات الأخرى. وأن يكون المسجد ملحقا به أيضا مساكن المؤهلين في المجالات المختلفة، حيث يمكن الاستفادة منهم في بث العلوم والمعارف التي تقوم بتنظيمها مؤسسة المسجد بتحويل خاص من بيت المال مثلا أو ما يشابهه من المؤسسات المشروعة في الإسلام.

стр. 1184

محمد حسين الذهبي (١) رسالة المسجد في العالم عبر التاريخ " إن أخص وظائف المسجد وهي " التوجيه الديني " بوجه عام يزاحمه فيها الآن مؤسسات اجتماعية كثيرة، يتوافر لها من الإمكانات المادية والبشرية والفنية ما لا يتوفر أقله للمسجد!. . فإذا أضفنا لهذا كله ما آل إليه المسجد " الآن " من كونه " مؤسسة رسمية " وأن ما يمارس فيها من دعوة وتوجيه إنما يتم على أنه عمل وظيفي تحدده دوافع الوظيفة وتحد منه أو تقيده مسئولياتها، بدت لنا الفوارق جلية وحادة. . بين " مسجد اليوم " و. . . " مسجد الأمس ". .! " لقد تطور المجتمع وتخلف المسجد، فحدث ما يعانيه الآن من انفصام بينه وبين الحياة.! "

стр. 1185

أ. رسالة المسجد في عصور ازدهارها ب. أوضاع المساجد في العالم في العصر الحاضر المسجد هو نسبة إسلامية لمكان العبادة، وقد لوحظ في هذه التسمية معنى الأصل الذي اشتقت منه الكلمة، وهو السجود الذي يعني الخضوع الكامل لله سبحانه! ذلك الخضوع الذي يأخذ أسمى صورة في الصلاة، وفي ذلك الركن الخاص منها الذي نقل إليه لفظ " السجود " فكأن الصلاة أخص ما بني له المسجد! ولليهود والنصارى تسميات لأماكن عبادتهم ذكر منها القرآن الكريم " الصوامع " و " البيع " " والصلوات " وسلكها مع المساجد في سلك واحد ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١) وقد عمم القرآن استخدام لفظ " المسجد " فأطلقه على أماكن العبادة لدى اليهود والنصارى ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٢) فأطلق لفظ مسجد على ما أقام أولو الأمر والذين عاصروا معجزة أهل الكهف من بناء، وفي حديث النبي ﷺ في شأن اليهود والنصارى وتحذيرا من صنيعهم «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)». في عرف القرآن يسوغ إطلاق لفظ " مسجد " على كل مكان اتخذ لعبادة الله وذكره ولا تكاد توجد جماعة إنسانية ضربت بهم في الحضارة إلا وفي نسيج حضارتها ما يقابل " المسجد " عند المسلمين، أو البيعة عند النصارى، أو الصلوة عند اليهود، كما هو الحال عند قدماء المصريين والهنود والفرس والإغريق. . . ويطلق عادة على هذه الأماكن لفظ " معبد " أو ما يشبهه! وبغض النظر عن صحة العقيدة أو فسادها لدى هذه الجماعة أو تلك، فهذه المعابد تحتل مكانا له دلالته في سجل الحضارة الإنسانية وتاريخها الطويل، وهي تعبر في قوة وعمق عن تجربة مستمرة ومحاولة متصلة دائبة، لم تنقطع من جانب الإنسان بهدف التعرف والاتصال بتلك القوة التي أحسها رغم خفائها - تغمر عقله ووجدانه وهو مبعثر في الطرق قبل أن تأخذ هداية السماء بيده وتهديه إلى خالقه. إن اللحظة التي بنى فيها الإنسان لنفسه مسكنا يأوي إليه، يبني فيها كذلك لإلهه أو آلهته " معبدا " يفزع

стр. 1186

إليه، مدفوعا بإحساس غامر بالحاجة إلى الاتصال به أو بها، وإلى التعبير عن شعوره تجاهه أو تجاهها، وقد وجه الإنسان القديم من طاقاته وإمكاناته المادية وإبداعه الفني لهذه " المعابد " ما لم يوجه بعضه إلى مسكنه الذي يعيش فيه. " المعبد " إذن عنصر أصيل في حضارة الإنسان عبر التاريخ! وقد حدثنا القرآن عن البيت العتيق وأخبرنا أنه أول بيت وضع للناس: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وحين حدثنا عن هذا البيت جعله مرة " البيت " معرفا بلام التعريف ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢) ومرة بالإضافة إليه سبحانه ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣) ويصف ما قام به إبراهيم وإسماعيل فيقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (٤) يرفع القواعد وكأنما كانت موجودة من قبل، أرشد الله إبراهيم ﵇ إلى مكانها، كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٥) توحي إلينا الآيات الكريمة إيحاء خفيا أن هذا البيت قديم موغل في القدم وإن لم تسعفنا مصادر التاريخ المسجل بأوليته الأولى، وهذا هو المتسق مع قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون﴾ (٦) وإذا كان التدين - في صورة ما - ظاهرة عامة لازمت الإنسان في كل فترات تاريخه فقد قوي هذا الفهم وتأكد! مهما يكن من أمر فإن للمسجد في الإسلام وفي حضارته مكانا ساميا ومنزلة جد خطيرة حدد القرآن أمام المسلمين الغاية من خلق الإنسان بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧) وعلمهم أن يكون هذا أساس حضارتهم ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٨) ونبههم إلى انحرافات الحضارات التي قامت من قبل ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (٩) كان هذا توجيه القرآن للمسلمين وقد وعوه جيدا وطبقوه!

стр. 1187

لقد شاء الله أن تكون المدينة المنورة المهد الأول الذي مكن فيه للإسلام وللمسلمين، وجاء الإسلام إلى المدينة وافدا مهاجرا ليتخذ منها قاعدة لبناء دولته وحضارته ومجتمعه. فماذا حدث منذ اللحظة الأولى لهذا التمكين؟! إن " المسجد " هو أول ثمار تمكين الله للمسلمين في الأرض، وهو فاتحة تاريخهم الحضاري! لقد ألزمهم ربهم بإقامة الصلاة متى مكن لهم، فأصبحت إقامتها أول التزام من جانبهم - بعد توحيد خالقهم - وكان اختطاط المسجد ورفعه تعبيرا عمليا عن هذا الالتزام وإعلانا عن عزم على الوفاء به!

стр. 1188

رسالة المسجد في عصور ازدهارها بدأ النبي ﷺ حياة الإسلام في المدينة بإقامة المسجد، وفعله هذا سنة للمسلمين من بعده، وله دلالة بالغة الخطر لمن يريد أن يتفهم روح الإسلام ويتعرف على أساس حضارته، ولمن يريد أن يدرك مكان " المسجد " في مجتمع الإسلام! إنه يعني - في فهمنا - التزام المسلمين بتوجيه حضارتهم - كليا وجزئيا - إلى غايات ووسائل لتكون في خدمة دينهم، وغاية دينهم في النهاية إنما تتمثل في إعلاء كلمة الله في الأرض، والمسجد هو مركز هذا التوجيه. مكان المسجد في حياة المسلمين إذن جد خطير، والقرآن الكريم يضفي على أماكن العبادة عامة قيمة سامية ويمنحها جلالا وقدسية! وحسبك أن يقرر القرآن أن حمايتها والحفاظ عليها واجب تشرع من أجله الحرب ويجب الجهاد ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١) نستطيع أن نقول مطمئنين إن " المسجد " هو المؤسسة الحضارية الأولى في مجتمع الإسلام، ومعنى هذا أن للمسجد وعليه معا أن يقوم بدور يتكافأ مع مكانه من هذه الحضارة وهو دور يقوم به تجاه سائر ما يقيمه المجتمع من مؤسسات! ولا يفهم هذا الدور الأعلى أنه إعلام كامل شامل بهذا الدين. لقد كان " المسجد " في عهد النبوة - واستمر في عصور الإسلام الأولى - هو مركز التوجيه والإشعاع الفكري، والأخلاقي، والتربوي، والأدبي، والاجتماعي. وقد استطاع المسجد في تلك العصور أن يكون مجالا تحيا فيه القيم الإسلامية، وتمارس فيه أنماط السلوك العملي التي تجسد هذه القيم، مما أتاح للمسلمين حرية فكرية منقطعة النظير. ومن حول سواري المساجد قامت مذاهب ونشأت تيارات في الفقه والفلسفة والتوحيد والنحو والأدب والنقد، وقامت المحاورات والمناظرات، وكان " المسجد " بما له من قدسية ضمانا لهذه الحرية الفكرية التي يفخر بها تاريخ المسلمين!

стр. 1189

أوضاع المساجد في العالم في العصر الحاضر لم يستمر هذا الدور الخصب الذي نهض به المسجد في عصوره الأولى! وإنما أخذ يضيق وينكمش حتى جاءت فترة اقتصر فيها على أداء الصلوات وعلى إلقاء خطب الجمعة وبعض الدروس التي لا تسمن ولا تغني من جوع! وتاريخ الدواوين التي كانت تقرأ على المنابر، أو تحفظ وتلقى، مثل واضح! ومن الظواهر الغريبة أنه كلما زادت العناية بالمظهر الخارجي للمسجد لم نجد وراء هذا المظهر إلا ضحالة وعجزا وقصورا عن وفائه برسالته، وكأنها عملية تعويض يراد من خلالها ستر هذا الفراغ! إن أشد أبنية المساجد ضخامة وأعظمها فنا وزخرفة ينتمي لفترات من تاريخ المسلمين تخلفوا فيها دينا ودنيا على نحو يجعل هذه الأبنية ظاهرة في حاجة إلى تفسير!! ولو تساءلنا عن عوامل ازدهار المسجد ودوره في فترات سلفت من تاريخنا لوجدنا عاملين أساسين يقفان وراء هذا الازدهار: أولهما: يرجع إلى المسجد نفسه ويتمثل في اقتدار المسجد على أداء دوره في توجيه الحياة. وثانيهما: يرجع إلى المجتمع ويتمثل في الطابع الديني الذي كان يسيطر على حياة الناس ويصبغها بصبغة دينية شاملة. ويضاف لهذين العاملين عامل ثالث يكملهما: ذلك أن مجتمع تلك العصور لم تكن فيه مؤسسات اجتماعية تزاحم المسجد وتنافسه في دوره الذي كان يستقل به غير مشارك ولا مدافع. فقد قضى تطور المجتمع أن تقوم فيه مؤسسات متنامية أخذت لها أدوارا تضطلع بها فقامت المدرسة إلى جانب المسجد وأصبحت هي المسئولة عن مهمة تعليم النشء وتربيته! وتحولت مظاهر الحكم والسلطان من " المسجد " إلى مواقع أخرى في المجتمع تمارس فيها ومنها عمليات التشريع والتوجيه والتخطيط والتنفيذ الكبرى ذات الأثر البعيد في صياغة الحياة! بل إن أخص وظائف المسجد وهي " التوجيه الديني " بوجه عام يزاحمه فيها الآن مؤسسات اجتماعية كثيرة يتوافر لها من الإمكانات المادية والبشرية والفنية ما لا يتوافر أقله للمسجد!! وأخطر من هذا الأمر تجاوز المزاحمة والمنافسة إلى المناهضة والمقاومة، فجدت أشياء وحدثت أمور شديدة التأثير والجذب للناس، توجههم نحو غايات، وتدعوهم إلى مسالك، وتدفعهم في شعاب كثيرا ما تتناقض وتتصادم مع ما يدعو إليه المسجد وما يقدمه من توجيه!

стр. 1190

فإذا أضفنا لهذا كله ما آل إليه " المسجد " الآن من كونه مؤسسة رسمية، وأن ما يمارس فيه من دعوة وتوجيه إنما يتم على أنه عمل وظيفي تحدده دوافع الوظيفة وتحد منه أو تقيده مسئولياتها، بدت لنا الفوارق جلية وحادة بين مسجد اليوم ومسجد الأمس! إن صورة " المسجد " المعاصر لا تبدو غريبة إذا وضعناه في الإطار العام لحياة المجتمع المعاصر، فهو جزء منه يتأثر به إيجابا وسلبا، ويتحدد دوره بحسب وضعه في هذا المجتمع ومكانه منه! اقتصار المسجد الآن على كونه مكانا لأداء الصلوات وما يتبعها من خطابة دينية وعظات أو دروس يبدو وكأنه نتيجة طبيعية بل حتمية لما آل إليه المجتمع من تطور! ويخيل إلينا أنه لو سارت الأمور في اتجاهها الذي نراه فالاحتمال القريب أن يزداد " المسجد " انفصالا عن الحياة ويزداد دوره في توجيهها تقلصا وانكماشا!! كان " المسجد " قاعدة الحضارة الإسلامية وكل ما يشعه المسجد مفتاح هذه الحضارة وكان ما يصدر عنه يطبع الحياة بطابعه، فهل هو الآن كذلك؟ إنه لا يزيد في أحسن الأحوال - فوق وظيفته التقليدية كمكان للصلاة - عن كونه مصدرا لمعرفة دينية هزيلة لا تستطيع أن تصمد في معركة توجيه الحياة مع أمواج التيارات الفكرية السابحة في كل اتجاه، متذرعة بكل الوسائل والأساليب. تطور المجتمع وتخلف المسجد، فحدث ما يعانيه الآن من انفصام بينه وبين الحياة! إن الحياة المعاصرة قد تبدو - في ظاهرها - مستغنية أو معرضة عن توجيه المسجد، لكن حقيقتها أنها أشد ما تكون حاجة إلى هذا التوجيه بشرط أن يرتفع هذا التوجيه إلى مستوى يجعله أهلا لأن يستمع إليه، قادرا على الصمود عند مقارنته بسواه، متجاوزا هذا المدى لينتزع التسليم بحقه في الهيمنة على كل ما عداه ثقة فيه واطمئنانا إليه واستشرافا للمنفعة الحقيقية فيه!! * * *

стр. 1191

عبد الرءوف حامد التكينة (١) رسالة المسجد " إن الوثنيات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي صنعها اليهود لتمزيق شمل المسلمين وإبعادهم عن دينهم ممثلة في الشيوعية والاشتراكية والقومية والبعثية والوجودية والفرعونية والقاديانية المندحرة تلعب دورا مرعبا في أوساط الشباب. " والمسجد والساجدون " في إغفاءة تشبه الموت أو هي الموت عينه ". . . . . وثمة تساؤلات، كم نسبة الساجدين في المسجد من مجموع أهل القبلة؟ بل كم نسبة الذين يسجدون فقط بغض النظر عن صلتهم وارتباطهم بالمسجد؟ وإذا افترضنا أن نسبة الساجدين فعلا ٥٠ %. ونسبة الذين يرتادون المسجد تساوي ٥ %.

стр. 1192

فما هو موقف المؤتمر من الذين لا يسجدون ونسبتهم ٤٥ %؟ إذن فنسبة الذين يرتادون المسجد ضئيلة جدا ٥ %. . فهل يمكن أن تستقطب كل اهتمامات المؤتمر علما بأنها هي الأحسن حالا ومآلا؟ ". * * * الحمد لله الذي نزل على عبده الكتاب هدى للناس وبينات من الهدى، ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢) ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (٣) وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبعد: فإنه لمما تقر له عين المؤمن وتطيب له نفسه، أن ينعقد هذا المؤتمر في الظروف التي تشتد فيها الحاجة إليه ويشتد مساسها، ومما يزيد في أهميته ويجعل الآمال الكبار تنعقد عليه، اجتماع الناس له في أم القرى، مهبط الوحي، ومنبت الدعوة، ومهوى أفئدة المؤمنين، وقبلة وجوههم، وفي شهر رمضان المعظم. ويضاعف من أهميته أنه جاء بعد تجمعات إسلامية عدة أثارت انتباه المسلمين، وأرهفت إحساسهم لما عساه يحدث من تغيير وتجديد في واقع حياتهم التي لازمها الجمود عدة قرون، وإنه لعمل جليل وسعي مبارك تشكر عليه رابطة العالم الإسلامي، يضاف إلى صنائعها وأمجادها وعملها الدءوب في سبيل بعث إسلامي شامل، كانت المملكة العربية -وما تزال- هي الرائد والقائد في هذا المضمار. ويسعدني أن أساهم في أعمال هذا المؤتمر بهذا البحث الموجز باسم مؤتمر القرآن الكريم بالسودان. إن أهمية المسجد والدور الذي قام به في حياة المسلمين أمر بالغ الأهمية وذو أبعاد لا يمكن استيعابها في مثل هذا البحث الموجز، وما تزال أهمية المسجد وستظل باقية ما بقي في الأرض مسجد، وإذا كان المسجد الأول من أهم المرتكزات التي صنعت الشخصية الإسلامية وصاغتها على ضوء الوحي وظلت تؤدي هذا الدور قرونا متتالية فإننا الآن في حالة من الضرورة القصوى التي تدعو وبإلحاح إلى إعدادها إعدادا متكاملا لتؤدي واجبها على أحسن الوجوه وأفضلها. وإذا كان المسجد الأول قد قام بدوره في صناعة الرجال وتخريج الأبطال

стр. 1193

وصاغ بالقرآن من رعاة الإبل وعباد الأصنام أئمة الهدى عليهم الرضوان، فكانوا دعاته وقضاته وحماته (رهبان الليل فرسان النهار)، وساحوا في الأرض ينشرون الإسلام والسلام، ويبعثون الحياة في رفات الوجود، ويمدون الإنسانية بقيم لم تألفها ومثل لم تعرفها. أيها الإخوة: مضى المسجد الأول وكان صلة الأرض بالسماء، يصنع من تلك الفلول المتناحرة أمة سماوية لم يعرف لها التاريخ البشري مثيلا؛ لأنها صياغة المسجد على ضوء الوحي، وتمضي الأيام تباعا وهو يخرج كتائب المؤمنين وأفواج الصالحين، ونترك الوحي يتلو خصائصهم ويوضح سماتهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (١) وينزل القرآن كذلك يأمر الرسول الكريم ﷺ ، ليبلغ أصحابه بحدود مسئوليتهم في الدعوة وحصتهم في البلاء، عزيمة من عزائم الإيمان، وفريضة من فرائض الإسلام، ومشاركة فعلية في مسئولية البلاغ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) الآية، ومن تلك اللحظة وقعت المسئولية تماما وتأكدت على المسجد والساجد معا، ومضى المسجد يؤدي رسالته، ومضى الساجد يؤدي دوره دون تخاذل أو تردد أو إبطاء؛ حتى دوت كلمة التوحيد ما بين سيبيريا شرقا ومشارف أوروبا غربا. أيها الإخوة المؤمنون: هنا يبرز عدد من الأسئلة غير مفترضة ولكنها قائمة فعلا، منها: ١ - أن المؤمن في صدر الإسلام قد صيغ صياغة قرآنية، وأن القرآن باق كما نزل، فهل يمكن أن يقوم بدوره الآن في صياغة المؤمن؟ ٢ - وسؤال آخر: إن المسجد موجود وهو يشغل مساحة كبيرة في الوطن الإسلامي العريض، فلماذا عجز عن القيام بدوره؟ ٣ - وسؤال ثالث: إذا كان القرآن محفوظا والمسجد موجودا فهل الأمل قائم في أن " نجد الرائد الذي يصنع الحنفاء!؟ سأترك هذه الأسئلة معلقة لأجيب عليها فيما بعد. . .

стр. 1194

لقد مضى المسجد والساجد كل يؤدي دوره في نشر الخير وحماية الحق حتى أطلت الدنيا بمفاتنها ومباهجها، وظهر خلاف واضح بين السلطان والقرآن، وبدأ المسجد يفتقد الساجد والرائد، ورويدا رويدا تحولت المنابر إلى غير وجهتها تبعا للسلطان، وبدأت الشقة تزداد اتساعا بين المسجد والساجد حتى انحازت المنابر للسلطة والسلطان، ورويدا رويدا أصبحت المنابر واحدة من أجهزة الدولة، وظل الحال هكذا إلى يومنا هذا؛ حيث اندثرت ملامح الهدى ومعالمه في المسجد أو كادت في كثير من بلاد المسلمين. إن تلك الوثنيات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي صنعها اليهود لتمزيق شمل المسلمين وإبعادهم عن دينهم ممثلة في الشيوعية والاشتراكية والقومية والبعثية والوجودية والفرعونية والقاديانية المندحرة المنتحرة تلعب دورا مرعبا في أوساط الشباب. والمسجد والساجدون في إغفاءة تشبه الموت أو هي الموت عينه.

стр. 1195

إحياء رسالة المسجد إن قضية المسجد هي فرع قضية الساجد: ونعني بالساجد المسلم، فآل الأمر إلى أن هذا الجمع الحاشد المبارك يبعث قضيتين: أولاهما: تتسع فتشمل الساجد عقيدة وسلوكا حاضرا ومستقبلا. والثانية: قضية المسجد: وهي تعني البحث عن أحسن الوسائل وأفضلها لكي يقوم بدور فعال في صياغة المؤمن وفق عقيدته وشرائعه. ولنقصر الحديث الآن على الساجد؛ لأنه محور القضية وموضوع المؤتمرين. الساجد: إن الحديث عن الساجد لا بد أن يثير عددا من التساؤلات: كم نسبة الساجدين في المسجد من مجموع أهل القبلة؟ بل كم نسبة الذين يسجدون فقط؟ بغض النظر عن صلتهم وارتباطهم بالمسجد. ثم إن افترضنا أن نسبة الساجدين فعلا ٥٠ %، ونسبة الذين يرتادون المسجد تساوي ٥ %، فإن أسئلة أخرى تبرز من جديد: ما هو موقف المؤتمر من الذين لا يسجدون ونسبتهم ٤٥ %؟ وسؤال آخر ما موقف المؤتمر من الذين يسجدون خارج المسجد؟ هل ننقل المسجد إليهم في مدارسهم
следующие страницы →