← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

بعضها لمقابله قال ما نصه: (وبالاختصار فإن التمييز بين الشيك والكمبيالة قد يغدو في بعض الصور عسيرا (١). اهـ. وبمزيد من التأمل يمكن القول أن الكمبيالة قد تكون على حال من الإجراء بحيث يصعب التمييز بينها وبين الشيك كأن يكون سحبها على مدين بها وأن تكون واجبة الدفع عند الاطلاع وأن يكون سحبها على مصرف وقد تختلف عن خصائص الشيك بالنسبة لنوع المسحوب عليه ووجود أجل معين لوجوب دفعها وانتفاء مديونية المسحوبة عليه بقيمتها وحينئذ يبدو الفرق بينهما واضحا جليا. ونظرا إلى أن الشيك قد تعترضه بعض المخاطر من ضياع أو سرقة أو نحوهما فقد ابتدع النظام المصرفي ما يسمى بالشيك المسطر. وذلك بوضع خطين متوازيين على وجهه إشارة إلى تعيين أن يكون الوفاء بهذا الشيك لأحد البنوك لا لفرد أو شخص آخر فيكون على المستفيد منه أن يظهره لأحد البنوك ليتولى تحصيله لحسابه. ويكون الشيك المسطر عاما إذا لم يرد بين الخطين إشارة أو وردت عبارة صاحب مصرف أو ما يعادلها. ويكون خاصا إذا كتب بين الخطين اسم صاحب مصرف بالذات وفي ذلك تقول المادة (١١٢) من نظام الأوراق التجارية السعودي ما نصه: (لا يجوز للمسحوب عليه أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا عاما إلا إلى أحد عملائه أو إلى بنك ولا يجوز أن يوفي شيكا مسطرا تسطيرا خاصا إلا إلى البنك المكتوب اسمه فيما بين الخطين وإلى عميل هذا البنك إذا كان هذا الأخير هو المسحوب عليه ومع ذلك يجوز للبنك المكتوب

стр. 11342

اسمه بين الخطين أن يعهد إلى بنك آخر قبض قيمة الشيك). اهـ. وهناك وسيلة أخرى لاتقاء مخاطر ضياع الشيك أو سرقته أو تزويره وهي اشتراط قيد قيمته في الحساب الجاري بدلا من دفعها بالنقود ويفترض لهذه الطريقة وجود حساب جاري لحامل الشيك لدى المسحوب عليه. وفي هذا تقول المادة (١١٣) من نظام الأوراق التجارية السعودي ما نصه: (يجوز لساحب الشيك أو لحامله أن يشترط عدم وفائه نقدا بأن يضع عبارة للقيد في الحساب أو أية عبارة أخرى تفيد نفس المعنى. وفي هذه الحالة لا يكون للمسحوب عليه إلا تسوية قيمة الشيك بطريق قيود كتابية كالقيد في الحساب أو النقل المصرفي أو المقاصة وتقوم هذه القيود مقام الوفاء ولا يعتد بشطب بيان " للقيد في الحساب "). وهناك ما يسمى بالشيك السياحي ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن أول نشأته كانت عام ١٨٩١ م بسبب رحلة قام بها رئيس شركة أمريكان إكسبريس للسياحة إلى أوروبا فصادفته فيها متاعب راجعة إلى كيفية حصوله على مال يقوم بشئون حياته في هذه الرحلة فابتكر نظام الشيكات السياحية حتى ذاع استعمالها فأصبحت البنوك تصدر شيكات سياحية قابلة للصرف لدى جميع البنوك الأخرى. ويذكر الأستاذ علي جمال الدين عوض أن الصورة الغالبة للشيك هو أن يصدر الشيك بفئات نقدية معينة وعلى الصك مكان يوقع فيه العميل عند استلام الشيك ومكان آخر يوقع فيه عند قبض قيمته أمام البنك الذي يدفع هذه القيمة ليتحقق من تطابق التوقيعين ومن أن الذي يستوفي القيمة هو ذات المستفيد الذي استلم الشيك ممن أصدره وبعد الوفاء بقيمة الشيك السياحي تسوى العملية بين البنوك المشتركة في إصداره وتنفيذه بطريق المقاصة. ويذكر الأستاذ علي عوض: أن كثيرا من الشراح يستبعد

стр. 11343

الشيك السياحي من تعريف الشيك إذا تخلف بيان من البيانات اللازمة للشيك وهو أمر غالب حيث لا يتضمن تاريخ السحب ومكان الإصدار واسم المسحوب عليه كما ينكر عليه وصف السند الإذني أو السند لحامله كما يعرفه القانون التجاري إذ هو لا يتضمن تعهد البنك بالدفع حتى ولو تضمن أمرا للمسحوب عليه. لأن تعهد الساحب ضمنا بالوفاء عند تخلف المسحوب عليه لا يكفي لاعتبار الورقة سندا تجاريا صرفيا كما أن وظيفة الشيك السياحي تختلف عن وظيفة السند الإذني أو السند للحامل لأن الشيك السياحي يستهدف مجرد نقل النقود ولا يستخدم أداة للائتمان وهي الوظيفة الأساسية للسندات التجارية ومن هذا ندرك أن الشيك السياحي ورقة ابتكرها العرف وأقر حكمها بعيدا عن الأحكام التي وضعها التشريع للأوراق التي قد تشتبه بها) (١) اهـ.

стр. 11344

الوصف الفقهي الإسلامي: مر بنا أن من خصائص الشيك أنه ليس ورقة نقدية وإنما هو وثيقة بدين تقضي بإحالته من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه مع بقاء مسئولية ساحبه حتى سداده. وأنه ينبغي ألا يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه وأنه لا يلزم لاعتباره شيكا قبول المسحوب عليه وهذه الخصائص هي خصائص الحوالة فإذا قيل بأن الشيك حوالة كان لهذا القول وجاهته ولم يرد عليه إلا مسألة ضمان الساحب قيمة الشيك حتى يتم سداده لأن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة بمعنى براءة ذمة المحيل من الدين إذا كانت الإحالة على مليء وقد أجابت الموسوعة الفقهية الكويتية عن هذا الاعتراض بأن الساحب يعتبر محيلا بمبلغ الشيك وضامنا سداده (١).

стр. 11345

وقد يقال بأن الشيك يعتبر في حكم ورقة نقدية وفي ذلك تقول الموسوعة الفقهية الكويتية في معرض توجيه القول بأن تسلم الشيك من المصرف بمثابة تسليم قيمته ما نصه: (فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنه يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيرا وتحويلا وأنها محمية في قوانين جميع الدول من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعا، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكا بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس) (١) اهـ. بعد استعراض ما مر إيراده عن الشيك ووضعه ووصفه وخصائصه وأحكامه وما بينه وبين الكمبيالة من فروق يطيب لي إيراد ما ذكرته اللجنة الدائمة في بحثها موضوع التحويلات المصرفية والبريدية حيث إن التحويلات المصرفية تتناول تحويل النقد نفسه أو صرفه بنقد آخر ثم تحويله كما يتناول حالات ما إذا كان لطالب التحويل حساب جار في البنك يأمر بالسحب منه لعملية التحويل أم لا فقد جاء في بحث اللجنة في الموضوع نفسه ما يلي:

стр. 11346

التحويلات المصرفية والبريدية: من المعاملات المصرفية التحويلات وتتم بأحد طريقتين: أحدهما: أن يدفع شخص إلى مصرف ما مبلغا من المال ليحوله إلى شخص يعينه في بلد آخر فيحرر المصرف حوالة بذلك المبلغ إلى مصرف آخر أو فرع له في البلد المطلوب تحويل المبلغ إليه يأمره بدفع

стр. 11347

المبلغ إلى الشخص الذي عينه طالب التحويل فيتسلم دافع المبلغ سند التحويل ليقوم بتسليمه محتواه أو يرسله إلى الشخص الذي يريد تسليمه المبلغ ليقبض قيمته وهذا ما يسمى بالتحويل المصرفي. الثاني: أن يقوم المصرف بناء على رغبة دافع المبلغ بالكتابة أو الإبراق إلى المصرف الآخر بتسليم المبلغ على الشخص المعين دون أن يتسلم العميل حوالة محررة بذلك ويسمى هذا النوع بالتحويل البريدي. وكما يقع التحويل من بلد إلى بلد فقد يكون في البلد نفسه بين مصرف وفروعه وبين حساب شخص في مصرف آخر. والغالب أن التحويل المصرفي والبريدي لا يتم إلا بعمولة يأخذها البنك في مقابل قيامه بهذه المهمة (١).

стр. 11348

الوصف الإسلامي للتحويلات المصرفية: حاولت الموسوعة الفقهية الكويتية التعرف على الوصف الإسلامي للتحويلات المصرفية فكتبت في ذلك بحثا مطولا ناقشت فيه القول بتخريجها على السفتجة المعروفة لدى فقهاء الشريعة فذكرت ما بينهما من تشابه وفروق كما ناقشت القول بتخريجها على القرض أو الوكالة ثم انتهت إلى القول بأن التحويلات المصرفية عملية مركبة من معاملتين أو أكثر وهو عقد حديث بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة ولم يدل دليل على منعه فهو صحيح جائز شرعا من حيث أصله (١). اهـ. ونظرا لنفاسة البحث وما فيه من مناقشة لتخريج التحويلات المصرفية على بعض العقود المشابهة لها في الفقه الإسلامي فإن اللجنة ترى إيراده تحقيقا للفائدة وفيما يلي نصه:

стр. 11349

الوصف (التكييف) الفقهي الإسلامي: سبق أن أشرنا في بحث (السفتجة) إلى وجه الشبه إجمالا بين السفتجة القديمة والتحويلات المصرفية الحديثة. ولبيان ذلك تفصيلا ينبغي التنبيه إلى أن السفتجة القديمة قد أجازها بعض الفقهاء (على الرغم من الشرط الذي يستفيد به المقرض المان من خطر الطريق، وهو شرط التوفية في بلد آخر) فهي وسيلة أجيزت لشدة الحاجة إليها ولم يحل دون جوازها اشتراط الوفاء في بلد آخر. تلك وجوه الشبه أشرنا إليها إجمالا هناك، لكن الناظر إلى هذه التحويلات الحديثة وإلى السفتجة القديمة يرى بينهما فرقا من جهات أربع: الجهة الأولى: أن السفتجة القديمة لا بد أن تكون بين بلدين والتحويل المصرفي تارة يكون كذلك وتارة يكون بين مصرفين في بلد واحد. الجهة الثانية: أن السفتجة القديمة قد يكون المقترض فيها مسافرا أو عازما على السفر، فيوفي هو نفسه أو نائبه إلى المقرض أو إلى مأذونه والتحويل المصرفي ليس فيه ذلك. فالمصرف الأول وهو المقترض لا يوفي بنفسه إلا إذا كان المصرف الثاني الدافع فرعا للأول. الجهة الثالثة: أن المفروض في السفتجة القديمة اتحاد جنس النقد المدفوع عند العقد والمؤدى عند الوفاء. فالآخذ في السفتجة إذا أخذ دنانير من نوع مخصص وفاها كذلك. وإذا أخذ دراهم من نوع مخصوص وفاها كذلك. فإنهم عرفوا السفتجة بأنها قرض (وقد تتوافر معه فيها عناصر الحوالة) فلو كانت التأدية بنوع آخر لما كانت قرضا، لأن القرض لا بد فيه من رد المثل. والتحويل المصرفي لا يقتصر على هذه الحالة، فإن المصرف في أغلب الأحيان يأخذ نقودا من نوع ويكتب للمصرف الآخر أن يوفي من نوع

стр. 11350

آخر، وهذه المعاملة ليست قرضا محضا، بل تشتمل أيضا على صرف أو شبهه على ما سيأتي. الجهة الرابعة: أن الآخذ بالسفتجة القديمة لا يتقاضى أجرا عادة اكتفاء بأنه سينتفع بالمال في سفره أو إقامته، فيربح ما يغنيه عن اشتراط أجر لعمله. أما المصرف في التحويل المصرفي فيتقاضى أجرا يسمى: (عمولة). وفيما يلي سنتناول بالبحث والتمحيص كل جهة من جهات الفروق الأربع هذه بين السفتجة الفقهية القديمة والتحويلات المصرفية الحديثة لنرى مقتضاها في الأحكام بالنظر الفقهي الإسلامي. الفرق الأول: كون السفتجة لا تتم إلا بين بلدين، والتحويل قد يتم بين مصرفين في بلد واحد. هذا الفرق لا تأثير له في الحكم الشرعي بالجواز. فإن الذين أجازوا السفتجة بين بلدين يجب أن يجيزوا ما يشبهها بين مكانين في بلد واحد. بل هذه أقرب إلى الجواز، لأن اشتراط الوفاء في بلد آخر كان هو العلة التي جعلت بعض الفقهاء يكرهون السفتجة أو يحرمونها فإذا أجازها المحققون مع وجود هذه الشبهة فإجازتها مع قرب المكانين أولى لأن المقترض حينئذ لا يستفيد سقوط خطر الطريق، فلا يتوهم أنه قرض جر نفعا. الفرق الثاني: كون السفتجة القديمة تشمل صورا مغايرة للتحويل المصرفي. هذا الفرق أيضا لا تأثير له لأن الذين أجازوا السفتجة لم يخصوا الجواز بهذه الصورة المغايرة، فيكفي أن يكون التحويل موافقا للصور الأخرى من السفتجة فالقائلون بجواز هذه الصور ينبغي أن يقولوا بجواز التحويل الموافق لها. الفرق الثالث: كون السفتجة تجرى بنقد واحد، أما التحويل المصرفي فقد يجرى بنقد واحد وقد يكون بين جنسين من النقود. هذه

стр. 11351

جهة فرق جديرة بعناية الباحث، لأن لها تأثيرا، وتحتاج إلى شيء من التحليل والتفصيل: فالتحويل بين مصرفين في بلد واحد أو دولة واحدة إنما يكون بنقد الدولة غالبا فيكون كالسفتجة القديمة بعد اعتبار أن المصرف شخصية اعتبارية فما قيل في تطبيق السفتجة على المعاملات الشرعية المعروفة يقال في تطبيق هذا النوع من التحويل فهو قرض وتوكيل. أو قرض وحوالة. والتحويل بين مصرفين في دولتين لا يمكن أن يكون بنوع واحد من النقد غالبا، فالذي يريد تحويل دنانير عن طريق مصرف في الكويت إلى مصرف في لبنان مثلا لا بد أن يطلب التحويل إلى ليرات لبنانية بسعر الصرف وقت التحويل وهذا يستدعي ثلاث خطوات ذات أحكام وسنشرحها فيما يلي مبينين وصفها الفقهي خطوة خطوة: أولا: أن يتقدم إنسان للمصرف ويطلب تحويل النقود إلى مصرف آخر وهذا تمهيد لعقد التحويل، ويبين فيه عادة مقدار النقود، وهل يقصد تحويلها إلى نقود من جنسها أم من غير جنسها؟ وبيان المصرف الذي يراد التحويل إليه وبيان الشخص الذي سيقبض البدل من المصرف الآخر أهو طالب التحويل أم غيره؟ ثانيا: قيام الطالب بدفع النقود إلى موظف المصرف: وهذا بعد سبق الطلب المبين يعتبر إيجابا للتحويل الذي يعد قرضا إن كان المقصود التوفية بمثله من جنسه: فالدافع مقرض والآخذ مقترض من المصرف والدفع إيجاب والأخذ مع ما بعده قبول والمال المدفوع هو محل العقد، وكذلك المثل الذي يلتزم به المقترض معطي الصك فإنه العوض. فهذا القرض المستوفي لمقوماته عقد صحيح جائز شرعا حيث خلا من الموانع الشرعية. وما يتخيل مانعا وهو العمولة سيأتي الكلام عليه. وأما إن كان المقصود التوفية بنقد من جنس آخر فهو صرف، ومن

стр. 11352

شرائط صحة الصرف التقابض ولا تقابض في هذا المصرف، فيلتحق بالربا لعدم التقابض، هذا إذا اعتبرنا الأوراق النقدية نقودا وضعية، وأما إذا اعتبرت سندات على الجهة التي أصدرتها بالقيمة المذكورة فيها من الذهب فإن معاملة التحويل المذكورة بين جنس منه وجنس آخر تعتبر بيع دين بدين دون قبض أصلا في مجلس العقد، لأن ما تم تسليمه من أحد الجانبين هو سند (صك) بمبلغه وليس نقدا، فهل من حل؟. فتقول جوابا عن ذلك: ١ - إننا نعتبر الأوراق النقدية المذكورة من قبيل النقود الوضعية لا من قبيل الأسناد المعترف فيها باستحقاق قيمتها على الجهة التي أصدرتها من دولة أو مصرف إصدار، وإن كانت هذه الصفة الأخيرة هي أصلها ومنطلق فكرة إحلال الأوراق النقدية المعروفة بين الناس باسم (بنكنوت) محل النقود الذهبية والفضية في التداول أخذا وعطاء ووفاء ذلك لأن الصفة السندية فيها قد تنوسيت بين الناس وفي عرفهم العام وأصبحوا لا يرون في هذه الأوراق إلا نقودا مكفولة حلت محل الذهب في التداول تماما، وانقطع نظر الناس إلى صفة السندية في أصلها انقطاعا مطلقا، تلك الصفة التي كانت في الأصل حين ابتكار هذه الأوراق لإحداث الثقة بها بين الناس لينتقلوا في التعامل عن الذهب إليها حيث يعلمون أن لها تغطية ذهبية في مركز الإصدار وأنها سند على ذلك المركز بقيمتها مستحق لحامله يستطيع قبضه ذهبا متى شاء. هذا أصلها، أما بعد أن ألفها الناس وسالت في الأسواق تداولا ووفاء من الدولة وعليها بين الناس ولمس المتعاملون بها مزيتها في الخفة وسهولة النقل، فقد تنوسي - كما ذكرنا - فيها هذا الأصل السندي واكتسبت في نظر الجميع واعتبارهم وعرفهم صفة النقد المعدني وسيولته بلا فرق فوجب لذلك اعتبارها بمثابة الفلوس الرائجة من المعادن غير الذهب والفضة، تلك الفلوس التي اكتسبت صفة النقدية بالوضع والعرف

стр. 11353

والاصطلاح حتى أنها وإن لم تكن ذهبا أو فضة لتعتبر حسب القيمة التي لها بمثابة أجزاء للوحدة النقدية الذهبية التي تسمى: دينارا أو ليرة أو جنيها ذهبيا، بحسب اختلاف التسمية العرفية بين البلاد للوحدة من النقود المسكوكة الذهبية. هذه حال الفلوس الرائجة من المعادن المختلفة غير الذهب والفضة بالنظر الشرعي، وهو الصفة التي يجب إعطاؤها في نظرنا للأوراق النقدية (البنكنوت) فتبديل جنس منها كالدينار الكويتي الورقي أو الليرة السورية أو اللبانية مثلا بجنس آخر كالجنيه المصري أو الإسترليني أو الدولار الأمريكي مثلا يعتبر مصارفة كالمصارفة بين الذهب والفضة والفلوس المعدنية الرائجة على السواء. والقاعدة الفقهية في هذه المصارفة إنه عند اختلاف الجنس يجوز التفاضل في المقدار بين العوضين ولكن يجب التقابض في المجلس من الجانبين، منعا للربا المنصوص عليه في الحديث النبوي. وبهذا التخريج يستبعد اعتبار عملية التحويل المصرفي بين جنسين من هذه الأوراق من قبيل بيع الدين بالدين وإنما هي مبادلة بين نقود ونقود فيها تحويل وصرف في وقت واحد. ٢ - بناء على ما سبق نقول: إن اعتبار الأوراق النقدية كما ذكرنا (نقودا وضعية اصطلاحية) يقتضي في التحويل من جنس إلى آخر منها أن يتم تقابض العوضين في مجلس التحويل نظرا لأن هذا التحويل بين جنسين من هذه النقود يتضمن مصارفة والصرف يشترط لصحته التقابض وهذا يقتضي أن يدفع طالب التحويل إلى المصرف الأوراق النقدية التي يحملها وأن يصرفها بالأوراق النقدية من الجنس الآخر المطلوب ويقبضها بالفعل من المصرف، ثم يسلمها قرضا ليوفيه في البلد الآخر من هذا الجنس الثاني، أي يجب حينئذ فك عملية التحويل بين جنسين مختلفين من هذه الأوراق إلى عمليتين: مصارفة أولا يقع فيها

стр. 11354

التقابض، وسفتجة ثانيا يدفع فيها مبلغ من جنس ويستوفى نظيره من الجنس نفسه في البلد الآخر. هذا ما يستوجبه في الأصل عنصر المصارفة في عملية التحويل المصرفي بين جنسين ولكن هذه التجزئة العملية لا تقع فعلا بين طالب التحويل والمصرف الوسيط وإنما يدفع طالب التحويل على المصرف المبلغ المطلوب تحويله من نقود البلد الذي هو فيه فيقوم المصرف بتسليمه إيصالا به مع صك (شيك) يتضمن حوالة على مصرف عميل في البلد الآخر بما يعادل هذا المبلغ من نقود البلد المطلوب التحويل إليه، فيرسل طالب التحويل هذا الشيك إلى الشخص المحول باسمه (والذي حرر الشيك لأمره) ليقبضه هناك من المصرف المحول عليه. فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وإنها يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيرا وتحويلا وإنها محمية في قوانين جميع الدول، من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعا. وإذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكا بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس أي أن قبض ورقة الشيك كقبض مضمونه فيكون الصرف قد استوفى شريطته الشرعية في التقابض).

стр. 11355

ثالثا: إعطاء المصرف لطالب التحويل صكا (شيكا) بالمبلغ المطلوب: فهذا الإعطاء إما أن يكون مسبوقا بإعطاء النقود أو غير مسبوق كما تقدم في الخطوة الثانية وأيا كان فهو من تتمة قبول التحويل الذي هو عملية مركبة، ولكن لو لاحظنا على انفراد لكان له وصف شرعي يختلف بحسب سبقه بدفع النقود وعدم سبقه بذلك: أ- فإن كان مسبوقا بإعطاء النقود التي اعتبرت مقترضة احتمل كونه حوالة أو وكالة: وتصوير الحوالة أن يقال: إن المصرف الذي أصبح مدينا بدين القرض قد أحال دائنه - الذي أعطى النقود وأصبح مقرضا - على المصرف الآخر ليدفع الدين الذي هو بدل القرض إلى ذلك الدائن، أو إلى الشخص الذي عينه وكتب اسمه في الصك. وتصوير الوكالة أن يقال: إن المصرف الآخذ قد وكل المصرف الثاني في دفع المبلغ المذكور في الصك إلى من ذكر اسمه فيه سواء أكان هو الطالب أم الشخص الآخر الذي عينه وهذا التوكيل مصرح في الصك بما يدل عليه، وإنما سلم هذا الصك لطالب التحويل تمكينا له من استيفاء حقه. وإن اعتبار ذلك وكالة بهذا التصوير الثاني هو الأقرب وعليه يكون وكالة جائزة شرعا وتكون عملية التحويلة مركبة من قرض ووكالة إذا استوفى المحول بنفسه أو من قرض ووكالتين إذا كان المستوفي هو الشخص الآخر الذي عينه المحول فهو وكيله في الاستيفاء. وإنما قلنا: إن تقدير الوكالة هنا أقرب من تقدير الحوالة لأن الحوالة الشرعية ثمرتها براءة ذمة المحيل من الدين، وليست للتحويل المصرفي هذه الثمرة لأن المصرف الآخذ يبقى مدينا بدين القرض ولا يبرأ منه إلا بتوفية المصرف الآخر. يضاف إلى ذلك أن المصرف الثاني قد يكون غير مدين للمصرف الأول فلا يصح أن يكون محالا عليه شرعا عند الجمهور (إلا

стр. 11356

على أساس الحوالة المطلقة عند الحنفية ومن معهم) وإن الوكالة خالية من هذين الإشكالين، فالتخريج عليها يكون أولى وأرجح غير أنه قد يقال: إن الوكالة يجوز فيها رجوع الموكل ورجوع الوكيل وهذان الأمران ليسا من صفات التحويل المصرفي. وجوابا على هذا الإيراد نقول: إن الوكالة هنا ليست عقدا منفردا معقودا بصورة مقصودة مباشرة وإنما حللنا إليها عقد التحويل الذي هو عقد مركب من إقراض وشرط، وهذا الشرط ينحل إلى وكالة فهي وكالة مشروطة من جانب طالب التحويل، فتكون وكالة تعلق بها حق الغير فلا يجوز رجوع الموكل فيها ولا الوكيل بعد القبول. ومن جهة أخرى يلحظ أيضا أن المصرف قد استوفى عمولة على هذه العملية فهي وكالة بأجر فلا يجوز الرجوع فيها. ب- وإن لم يكن إعطاء الصك مسبوقا بدفع المبلغ المطلوب تحويله فلذلك حالتان: الحالة الأولى: أن يكون للطالب في المصرف حساب جار دائن: ١ - فإن كان المطلوب تحويل النقود إلى نقود من جنسها، كدنانير كويتية إلى دنانير كويتية فحينئذ يكون إعطاء الصك توكيلا من المصرف للطالب بقبض المبلغ المبين في الصك ليستوفيه من الدين الذي له على المصرف. وقد استغنى عن تقدير القرض لأن الدين السابق قام مقامه. ٢ - وإن كان المطلوب التحويل إلى نقود من غير جنسها، كدنانير كويتية إلى ليرات لبنانية أو غيرها كان طلب التحويل إيجاب مصارفة بين بعض النقود التي للطالب في حسابه الدائن لدى المصرف والمبلغ المطلوب من النقود الأخرى وكان تسليم الصك (الشيك) للطالب قبولا للمصارفة وتوكيلا من المصرف بالقبض

стр. 11357

قام مقام التقابض الواجب شرعا في مجلس عقد الصرف لأن هذا الصك (الشيك) عرفا في حكم النقد. الحالة الثانية: ألا يكون للطالب في المصرف حساب دائن: فإن كان يريد تحويل النقود إلى نقود من جنسها كان الطلب التماسا للتوكيل في القرض كأنه يقول للمصرف: ألتمس منك أن توكل المصرف الثاني في دفع مبلغ كذا إلي أو إلى فلان ليحتسب لك قرضا علي. وحينئذ يكون إعطاء الصك توكيلا للمصرف الثاني أن يدفع للشخص المعين في الصك المبلغ المبين مقداره فيه. فإذا قام المصرف الثاني بالدفع إلى هذا الشخص صار هذا المصرف الثاني دائنا للمصرف الأول بالمبلغ ما لم يكن له - أي للمصرف الأول - عنده حساب دائن، ويصير المصرف الأول دائنا لطالب التحويل ما لم يكن قد قام بدفع المبلغ إليه قبل قيام المصرف الآخر بدفع ما في الصك. وإن كان يريد تحويل النقود إلى نقود من غير جنسها - والمفروض أن طالب التحويل ليس له في المصرف حساب دائن ولم يدفع النقود في المجلس - فحينئذ يعد طلب التحويل التماسا للتوكيل بالقرض (كما سبق بيانه) أي أن يقوم المصرف الأول بتوكيل المصرف الثاني في البلد الآخر بأن يدفع إلى الطالب (أو إلى من يعينه) المبلغ المطلوب من نقود ذلك البلد الآخر ليحتسب دينا على الطالب. ويعتبر تسليم الصك إلى الطالب قبولا وتنفيذا للتوكيل بالإقراض. فيصبح طالب التحويل مدينا للمصرف الأول بمبلغ الصك من نقود ذلك البلد متى تم قبضه هناك، ثم حين يوفي للمصرف قيمته من نقود الجنس الآخر (النقود المحلية) يعتبر ذلك الوفاء مصارفة بين ما للمصرف في ذمته من النقود الأجنبية وما يوفيه الآن من النقود المحلية. ويتحقق بذلك شرط التقابض في بدلي الصرف لأن أحدهما في الذمة مقبوض والآخر يدفع الآن في مجلس

стр. 11358

الصرف. الفرق الرابع والأخير: بين السفتجة القديمة والتحويل المصرفي اليوم: وهو أن المصرف يأخذ عمولة من طالب التحويل من المبلغ المطلوب تحويله ولا يوجد هذا في عملية السفتجة القديمة التي تكلم عنها الفقهاء. فنقول في هذا الفرق: إن في هذه العمولة إشكالا بحسب الظاهر، لا سيما إذا قلنا إن العملية من قبيل القرض وقد نص بعض الفقهاء على أنه لا يجوز في القرض اشتراط يجر نفعا للمقترض كما لا يجوز اشتراط يجر نفعا للمقرض. ولكن شرط جر النفع للمقرض يعتبر ربا وشرط جر النفع للمقترض يعتبر زيادة إرفاق من المقرض للمقترض فيكون وعدا حسنا ولا يلزمه تنفيذه اكتفاء بأصل الإرفاق. على أن بعض الحنابلة (١) أجازوا في القرض اشتراط دفع المقترض أقل مما أخذ. كما لو قال: أقرضك مائة دينار على أن تردها إلي تسعة وتسعين، فيجوز ذلك لأنه زيادة إرفاق بالمقترض، وقد التزمه المقرض فيلزمه. وليس للإرفاق حد يجب الوقوف عنده، ولا سيما أن هذا الشرط مضاد للربا ففي التزامه تأكيد التبري من الربا. فهذا القول عند الحنابلة جيدا جدا ويسعف في تخريج العمولة عليه. ثم إن بين المعاملات التي يقوم بها الأفراد والمعاملات التي تقوم بها المصارف فرقا شاسعا فالمقترض في السفتجة القديمة لا يقوم بعمل للمقرض ولا يحمل مئونة، لأنه إن كان مسافرا فهو مسافر لحاجة نفسه، وغالبا ما يتجر في بلده أو في البلد الذي يصل إليه وقد أصبح المال الذي اقترضه ملكا له، فأرباحه كلها تخصه، وما صنع شيئا للمقرض سوى كتابته الصك، ثم توفية الدين له أو لصديقه مثلا.

стр. 11359

أما المصرف الذي اعتبر مقترضا في عملية التحويل فيختلف عن المقترض في السفتجة، فهو شخصية اعتبارية تجمع موظفين وعمالا يتقاضون رواتب شهرية غير مرتبطة بالعمل قلة وكثرة، ويتخذ مقرا مجهزا بأثاث وأدوات وآلات كثيرة لاستقبال العملاء وقضاء حاجاتهم، ثم إن العملية ليست كتابة ورقة فحسب وإنما هي إجراءات كثيرة ذات كلفة مالية فلو لم يأخذ عمولة لما استطاع تغطية النفقات الطائلة التي ينفقها فاشتراط العمولة محقق للعدالة ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نص أو إجماع على منع مثل ذلك.

стр. 11360

النتيجة: والنتيجة التي تستخلص من كل ما سبق من كلام عن التحويلات المصرفية اليوم هي أن التحويل المصرفي أو البريدي عملية مركبة من معاملتين أو أكثر، وهو عقد حديث بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة، ولم يدل دليل على منعه، فهو صحيح جائز شرعا من حيث أصله بقطع النظر عما يحيط به من مواد قانونية يجب لمعرفة حكمها استقصاؤها تفصيلا ودراستها للحكم فيها (١) اهـ. وقد بحث مسألة قبض الشيك هل هو قبض لمحتواه مجموعة من علماء الشريعة والاقتصاد منهم الدكتور علي السالوسي والدكتور سامي حمود والأستاذ سفر الجعيد وغيرهم وكلهم اتفوقا على أن قبض الشيك قبض لمحتواه وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بذلك وفيما يلي ذكر أقوالهم: فقد جاء في كتاب الدكتور علي السالوسي (استبدال النقود والعملات في معرض رده على الشيخ حسن أيوب حيث كان حسن أيوب يرى

стр. 11361

أن الأوراق النقدية عروض تجارة فرد عليه جزاه الله خيرا وذكر في رده أن الشيك ينقل الملكية في الحال وأنه قبض لمحتواه. وذكر رأي بعض علماء الاقتصاد ومنهم الدكتور يوسف إبراهيم فقال: الشيك والقبض: قال الشيخ (كان الأولى أن تطلب التوبة بشجاعة من نفسك ومن القائلين بأن الشيك يكفي عن قبض الأوراق المالية. إلخ). وأقول: * عاد الشيخ للحديث عن الشيك والقبض وأحب أن أسأله: لو أن الشيك لا يكفي عن القبض فما النتيجة؟ أنبحث عن حل آخر أم نقول: إن هذه النقود ليست من الأموال الربوية؟ * عندما كان يذهب المسلم إلى عبد الله بن الزبير في مكة، ويعطيه نقودا، ويأخذ سفتجة يتسلم بها ما يقابل هذه النقود من أخيه مصعب في العراق، فأين القبض هنا؟ أليست السفتجة قد قامت مقام القبض؟ ألا يقوم الشيك بما قامت به السفتجة؟ ألا يعني الشيك نقل الملكية في الحال؟ فالشيك إذن قام بدور السفتجة أو أكثر ولا يمكن أن يكون أقل منها في أداء وظيفة القبض. * قال صاحب المغني (الحوالة بمنزلة القبض) ٥/ ٥٦. وقال أيضا: (الحوالة كالتسليم) (٦٧). ونص على هذا أيضا صاحب الشرح الكبير (انظر ٥/ ٥٨ / ٦٩). فما رأيك في هذا؟ هل نطلب منهما التوبة؟ * قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة، والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق).

стр. 11362

(مجموع الفتاوى ٢٩/ ٤٤٨). فإذا كان القبض مرده إلى العرف فإن الشيك هو الأداة الرئيسية التي تنتقل بها ملكية النقود المودعة في الحسابات الجارية بالمصارف، وإذا تعارف الناس على نقل هذه الملكية بالتلكس مثلا ألا يكون هذا قبضا في عرفهم؟ ويمكن أن يتوصل الناس إلى وسائل أخرى تنتقل بها مليكة النقود فتقوم هذه الوسائل مقام قبض النقود ذاتها. * الشيك يقوم مقام قبض النقود ولكن لو سلمنا جدلا بأنه لا يقوم بهذا فهنا تأتي الضرورة التي تبيح المحظورة، إلى أن نجد حلا آخر. * يسأل الشيخ: هل قيل لك إنه لا حل عند الاقتصاديين إلا هذا؟ والجواب: لقد عرضت هذا الأمر على عدد من الاقتصاديين، ورجعت إلى كتب آخرين، فما وجدت ما يمنع جعل الشيك يقوم مقام القبض، بل وجدت من يعتبر الشيك نقودا بالفعل ووجدت بعد هذا من يقول للشيخ حسن بأن اعتبار الشيك ليس قبضا عاجلا قول يرد عليه الاقتصاديون. وممن طلبت رأيهم في هذا الموضوع بعض الأساتذة من كلية التجارة بجامعة الكويت وأذكر أنهم قالوا بأن بعض البنوك الأجنبية تقوم بصرف قيمة الشيك قبل تحصيله مما يدل على أن الشيك أصبح له قوة مشابهة لقوة النقود. وقالوا كذلك أنه في بعض البلاد - كإنجلترا مثلا - هناك من يتعامل في المعاملات اليومية السائدة بالشيكات بدل النقود. وما أذكره أيضا أني عرضت هذا الأمر قبل نشر البحث الثاني على أحد هؤلاء الإخوة وهو الأستاذ الدكتور عبد العزيز رجب فأيد ما قلته ولم يعارضه بل عارض كلام الشيخ. وفي الفصل الدراسي الأول من العام (١٤٠٢ - ١٤٠٣) جاءنا من

стр. 11363

تجارة الأزهر أستاذ زائر لتدريس الاقتصاد الإسلامي بجامعة قطر وهو الدكتور يوسف إبراهيم فطلبت رأيه في هذا الموضوع فكتب يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن النقود في اصطلاح الاقتصاديين هي كل ما يستخدم وسيطا في تبادل السلع والخدمات ويلقى القبول العام من الناس، دون نظر إلى الشكل الذي تكون عليه فقد تتخذ النقود الشكل المعدني مثل النقود الذهبية والنقود الفضية التي عرفتها البشرية منذ فترة ليست بالقصيرة ولا زالت تعرف بعضها حتى اليوم في صورة ضيقة، وقد تتخذ النقود الشكل الورقي، مثل النقود الورقية الإلزامية التي تصدرها البنوك المركزية وقد تتخذ شكل النقود الائتمانية (المصرفية) التي تقدمها البنوك التجارية وبالشكل الأخير من أشكال النقود (النقود الائتمانية) تجرى معظم المعاملات في الاقتصاديات الحديثة والتي يقتصر دور النقود المعدنية فيها على استخدامها نقودا مساعدة فقط، بينما تستخدم النقود الورقية في الصفقات ذات القيم الصغيرة أما الصفقات والمعاملات الأساسية في هذه الاقتصاديات فإنها تتم بواسطة النقود الائتمانية أو المصرفية والتي ليس لها أداة غير الشيك. وتتمتع الأنواع الثلاثة بالخاصيتين الجوهريتين للنقود وهما كونهما وسيطي التبادل وكونها تلقى القبول العام، فلا فرق في ذلك بين النقود المعدنية والنقود الورقية والنقود المصرفية والذي يأخذ (الشيك) في معاملة من المعاملات فإنه يأخذ نوعا من النقود ما في ذلك شك. وإذا كان بعض الناس في بعض المجتمعات لا يثقون في النقود الائتمانية ثقتهم في النقود الورقية فإن ذلك راجع إلى إلفهم التعامل بهذه النقود وعدم إلفهم التعامل بالنقود الائتمانية، ذلك أن النقود الورقية تحمل من المخاطر أكثر مما تحمله النقود الائتمانية بل والنقود المعدنية التي ربما تكون زيوفا فليس هناك نوع

стр. 11364

من النقود يخلو من المخاطر، بل ربما تكون النقود الائتمانية من أقلها مخاطر، الأمر الذي جعلها تغطي الجزء الأكبر من المعاملات في المجتمعات المتقدمة اقتصاديا وستحتل نفس المكانة في بقية المجتمعات في المستقبل، بل لعل القبول بها لقي استجابة أكثر من الاستجابة التي قوبلت بها النقود الورقية عند نشأتها. فالنقود الائتمانية والشيك أداتها هي أهم أنواع النقود في العصر الحديث ما في ذلك شك. يوسف إبراهيم هذا ما كتبه الدكتور يوسف إبراهيم. ومن قبله كثيرون كتبوا عن الشيك، ونقله للملكية، وبينوا أن معظم المدفوعات النقدية تسوى بواسطة الشيكات التي أصبحت أهم أدوات الائتمان في العصر الحديث وما ذكروا لنا حلولا أخرى أو التفكير في حلول أخرى، بل تحدثوا عن ميزات التعامل بالشيكات من حيث الملاءمة واليسر والأمان وحماية القانون. حتى لا نطيل هنا انظر على سبيل المثال: مقدمة في النقود والبنوك للدكتور شافعي، ص٥١: ٥٥، والمبسوط في الأوراق التجارية للدكتور صلاح الدين الناهي ص٥٦٠ - ٥٧٣. ومن الاعتراضات التي تذكر هنا: - أن الشيك قد يكون بدون رصيد، فلا يتم قبض. - وقد يتعلق صرف الشيك على شرط وصول إخطار للبنك من صاحب الرصيد، وبهذا يتأخر القبض. - وقد يعارض صاحب الرصيد في صرف الشيك، فلا يتم القبض أو يتأخر. وهذه الاعتراضات لا تمنع ما انتهينا إليه. فمخاطر الشيك بدون رصيد قد لا تقل عن مخاطر الأوراق النقدية المزيفة وغالبا لا يعرف من قام بالتزييف.

стр. 11365

ومما يذكر في هذا المجال أن عمر بن الخطاب ﵁ عندما فكر في جعل الدراهم من الجلود كان مرد هذا إلى التزييف الذي لحق بالدراهم آنذاك. وإن كان حامل النقود المزيفة لا يحميه القانون ما دام المزيف غير معروف فإن حامل الشيك يحميه القانون حيث ينص قانون العقوبات على توقيع عقوبة النصب على كل من أعطى بسوء نية شيكا لا يقابله رصيد قائم أو قابل للسحب أو كان أقل من قيمة الشيك أو سحب بعد إعطاء الشيك كل الرصيد أو بعضه بحيث لا يفي الباقي بقيمة الشيك أو أمر المسحوب عليه بعدم الدفع. وهذه الحماية القانونية كان لها أثرها في تعامل الناس بالشيكات في العصر الحديث. اهـ. كما بحث المسألة الدكتور سامي حمود في كتابه الذي نال به الدكتوراة وأسماه " تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية " حيث عقد فصلا تحت عنوان (القبض في مصارفة البنك) قال فيه ما نصه: " تتفق الآراء الفقهية على فساد الصرف إذا لم يكن فيه قبض فقد نقل السبكي في المجموع عن ابن المنذر أنه قال (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد) (١). ولكن الآراء الفقهية تختلف في المراد بالقبض فالقبض على ما يرى الحنفية مراد به التعيين باعتبار أن اليد في قوله ﷺ «يدا بيد (٢)» ليس مرادا بها اليد الجارحة - كما يقول الكاساني في معرض رده على أخذ الشافعي بظاهر اللفظ في هذا الحديث - بل يمكن حمل اليد على التعيين لأنها آلته ولأن الإشارة باليد سبب التعيين (٣)، ولذلك فإنه إذا وقع البيع

стр. 11366

على مال ربوي بمال ربوي آخر (قمح بشعير مثلا) فإن تعيينهما يقوم - عند الحنفية - مقام القبض ولكن الأمر يختلف عندهم بالنسبة للنقود، وذلك لأن الدراهم والدنانير لا تتعين عند الحنفية بالتعيين ولذلك كان لا بد من التقابض (١). فإذا انتقلنا من حالة الكلام في البيع الذي يجري فيه الصرف بالمناولة (خذ وهات) إلى حالة وقوع الصرف في الذمة فإن الصورة تتضح بأن المراد من القبض هو التعيين الذي تثبت به الحقوق وليس المراد شكله بالأخذ والإعطاء فلنستمع إلى ما يرويه ابن عمر ﵄ بقوله: «كنت أبيع الإبل في البقيع (أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فوقع في نفسي من ذلك، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة - أو قال حين خرج من بيت حفصة - فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير فقال الرسول ﵊: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفرقا وبينكما شيء (٢)». ومن الواضح أن هذا التصارف الجاري على ما في الذمة ليس فيه تقابض بمظهره الشكلي بأن يبرز كل طرف ما يريد مصارفته بل كان يتم على أساس أن الحق القائم بهيئة دنانير في الذمة يسدد بما يؤدى في مقابلها من دراهم بسعر اليوم. وقد أشكلت هذه النقطة على بعض من نظر إلى أن هذا الحديث المروي عن ابن عمر معارض بحديث أبي سعيد بالنسبة لما جاء فيه «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز (٣)» فقال ابن عبد البر موضحا ذلك الإشكال على ما جاء في تكملة المجموع. (وليس الحديثان بمتعارضين عند أكثر

стр. 11367

الفقهاء، لأنه يمكن استعمال كل واحد منهما، فحديث ابن عمر مفسر، وحديث أبي سعيد الخدري مجمل فصار معناه لا تبيعوا غائبا - ليس في ذمة - بناجز. وإذا حملا على هذا لم يتعارضا (١). اهـ. ومن ذلك يؤخذ أن غاية القبض هي إثبات اليد، فإذا كان ذلك حاصلا فلا ينظر للشكل في المبادلة، ولذا كان الصرف في الذمة جائزا، سواء كان أحدهما دينا والآخر نقدا أو كان المبلغان عبارة عن دينين في ذمة كل من من المتصارفين. فقد جاء في المدونة ما يلي: قلت: أرأيت لو أن لرجل علي مائة دينار، فقلت: بعني المائة دينار التي لك علي بألف درهم أدفعها إليك ففعل، فدفعت إليه تسعمائة، ثم فارقته قبل أن دفع إليه المائة الباقية. قال: قال مالك: لا يصلح ذلك ويرد الدراهم، وتكون الدنانير التي عليه على حالها. قال مالك - ولو قبضها كلها كان ذلك جائزا (٢). وأورد ابن رشد الخلاف في مسألة الصرف بين دينين في ذمة المتصارفين فقال:. المسألة السادسة: واختلفوا في الرجلين يكون لأحدهما على صاحبه دنانير وللآخر عليه دراهم هل يجوز أن يتصارفاها وهي في الذمة؟. فقال مالك: ذلك جائز - إذا كانا قد حلا معا. وقال أبو حنيفة - يجوز في الحال وفي غير الحال. وقال الشافعي والليث - لا يجوز ذلك حلا أو لم يحلا (٣). وحجة من لم يجز العملية (الشافعي والليث) أنه غائب بغائب وقد

стр. 11368

بينا أن قابلية الدين حال المطالبة لا تبقي في المسألة إلا الشكل الذي يجري فيه إبراز كل طرف ما عليه من دين للآخر، وهذا الإبراز وسيلة إبراء لا أكثر فإذا توصلنا إليه بالمصارفة فما المانع؟ ومع ذلك فإن المراد هو بيان مدى الرحمة في اختلاف الأئمة - أثابهم الله جميعا بما قدموا وما خدموا هذا الفقه العظيم. فإذا انتقلنا لتطبيق المسألة على واقع العمل المصرفي فإننا نجد أن الصرف إما أن يكون على الصندوق أو بالحساب. فإذا كان الصرف نقدا على الصندوق فلا إشكال في المسألة حيث يسلم المتصارف نقوده (من الجنيهات الإسترلينية - مثلا) ليستلم من صندوق المصرف العملة المطلوبة من الجنس الآخر. فهنا تقابض حال منجز. أما إذا كان الصرف بالحساب فإن المودع يتسلم إيصال الإيداع الذي يحمل تاريخ اليوم الذي فيه الإيداع، ويقوم المصرف بقيد القيمة المعادلة للعملة الوطنية. وهذا قبض، لأن فيه تعيينا لحق العميل تجاه المصرف. ولو كان للعميل حسابان أحدهما بالجنيه الإسترليني مثلا - والآخر بالدولار، وأراد أن يصارف من أحدهما ليضيفه للآخر فإنه يأمر المصرف بإجراء القيود بالمصارفة بسعر يوم التنفيذ فتكون العملية تبديل دين بدين بما يشبه مصارفة الدين بالدين، وهي العملية الجائزة عند مالك (إذا كان الدينان حالين) والجائزة أيضا عند أبي حنيفة (حل الدينان أم لم يحلا). هذا ومن الجدير بالإشارة إلى أن سير المصارف على نظام القيد المزدوج في إجراء القيود لا يسمح للمصرف إلا أن يجري العملية بشقها في كل حال لأن كل قيد دائن لا بد أن يقابله قيد مدين وهذا أمر معروف ومتفق عليه في علم المحاسبة.

стр. 11369

وتقوم المصارف العالمية بالإضافة إلى أعمال الصرف العادي مع العملاء بيعا وشراء بإجراء عمليات يطلق عليها اصطلاح الترجيح وهي - في نطاق الصرف - تنطوي على شراء عملات أجنبية من سوق (لندن مثلا) لبيعها في سوق آخر (نيويورك) بهدف ربح فرق السعر بين المركزين - إذا وجد ذلك الفرق. وتتم العملية على أساس السعر الحاضر وتقيد الحقوق في دفتر كما لو كانت عملية صرف لعميل له لدى المصرف حسابان أو أكثر بأنواع مختلفة من العملات وفي ضوء ذلك فإن أعمال الترجيح للاستفادة من فروق الأسعار بين مراكز العملات الأجنبية في الأسواق العالمية مقبولة في موازين النظر الفقهي الإسلامي باعتبار أنها أعمال صرف حاضر مع التقابض الحسابي المتبادل. وهكذا يتبين أن القبض في بيوع الصرف - على أساس السعر الحاضر - لا يمثل مشكلة بالنسبة للعمل المصرفي المراعى فيه الخضوع لضوابط الشريعة الغراء وذلك لأن التقابض سواء كان يدويا (بالمناولة) أو حسابيا (بالقيود الدفترية) مبني على إثبات الحق المنجز بالنسبة للطرفين المتبايعين. اهـ. وتحدث الأستاذ بجامعة أم القرى ستر بن ثواب الجعيد في رسالة تقدم بها لنيل الماجستير بعنوان " أحكام الأوراق النقدية والتجارية في الفقه الإسلامي " وقد اشتركت في نقاش هذه الرسالة في جامعة أم القرى فقال: الفرع السادس حكم اقتران الصرف بالإجارة في التحويل بالشيكات: ذكرنا فيما سبق حكم الشيك في التحويل إذا كان النقد من جنس

стр. 11370

واحد والآن نبين ما لو أراد المستأجر - طالب التحويل - أن يستلم المبلغ في البلد الآخر بنقد يخالف النقد الذي تقدم به إلى المصرف أو هو موجود في حسابه مع الصرف. وإذا فرضنا أن زيدا من الناس تقدم إلى المصرف بمبلغ عشرة آلاف ريال سعودي مثلا ويريد أن يحرر له المصرف شيكا بهذا المبلغ على أن يتسلمه في مصر مثلا بالجنيهات المصرية أو الدولار الأمريكي أو أي عملة أخرى مخالفة للعملة التي جاء بها. والمسألة ذات جوانب: الأول: إذا كان طالب الشيك جاء بنقده معه ثم سلمه إلى المصرف وطلب منه أن يحرر له شيكا إلى مصر يتسلمه بالجنيهات. فهنا المسألة صرف يتلوه إجارة ووكالة. أما الصرف فبين الريالات السعودية المفروضة في المثال وبين الجنيهات المصرية تم بسعر اليوم الذي يتقدم فيه الطالب. والإجارة فهي تمكين المستأجر (الطالب للتحويل) من أخذ المقدار المساوي لنقده في المكان الذي يرغبه في مصر في مثالنا. والوكالة فإنها ذات جانبين وكالة من المصرف للطالب ووكالة من المصرف القابض إلى المصرف الدافع والإشكال الوارد على العملية هو التقابض هل يتم باستلام الشيك أم لا؟ لقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين إلى أن استلام الشيك قبض لمحتواه وبالتالي يعتبر الصرف صحيحا لتوفر شرطه. وإنما يعتبر قبض الشيك قبضا لمحتواه لأنه يحاط بضمانات وضوابط تجعل القابض له مالكا لمحتواه ويستطيع أن يتصرف فيه فيبيع به ويشتري

стр. 11371

ويهب ويستطيع أن يظهر الشيك إلى آخر إذا مارس أي عملية من بيع أو شراء ونحوها. كما أن من الضوابط التي تدعم الثقة بالشيك ما يلي: أ-اعتبار إصداره من غير رصيد جريمة يعاقب عليها. ب-كون الشيك غير مؤجل بل يتم صرفه بمجرد تقديمه بخلاف الأوراق التجارية الأخرى فإن الأجل لازم لها ومن طبيعتها غالبا. وذلك لا يمنع من دخول الأجل في الشيك أو انتقائه في الأوراق التجارية الأخرى ولكن يجب أن لا يدخل الأجل في الشيك - إلا الأجل الذي لا بد منه لانتقال المستفيد إلى البلد الذي يرغب تحويل النقد إليه - إذا ترجح هذا الحكم لأن الأجل يدخل العملية في ربا النسيئة. ويدعي ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون أن الأوراق النقدية كانت في بداية نشأتها سندات لحاملها حتى شاعت بين الناس وكان يدفع للراغب في استبدالها ذهبا أو فضة حسب الغطاء ولكن ذلك تلاشى شيئا فشيئا مع انتشارها ورواجها وثقة الناس بها. وبذلك تقترب الأوراق التجارية من الأوراق النقدية خاصة الشيكات - والسياحية منها خاصة - إذ هي تحرر على شكل فئات معينة ومتساوية أما بقية الأوراق التجارية فتحرر على أرقام متفاوتة حسب ما تقتضيه المعاملة التي استدعت تحريرها. وقد اشترط بعض العلماء في اقتران الصرف بالحوالة ثبوت الدين قبل الحوالة واعتبروه شرط صحة لها قال بعض الفقهاء في تبريره: (احترز به بثبوت دين لازم - في صرف دينار بدراهم وأحال غريمه عليها فلا تصح لعدم المناجزة في الصرف وهو يوجب فسخه فالدراهم لم تلزم المحال عليه وهذه تشبه الصورة الجارية في البنوك ولكن هذا الفريق من

стр. 11372

العلماء فسروا ثبوت الدين بما يستفاد منه أن المصرف المستقبل للشيك لا يضره عدم مديونيته المباشرة عن طريق وجود حساب للمصرف المرسل بالشيك بل يكفي في ذلك ثبوت الدين ببينة أو إقرار. ما يرد على هذا التخريج ومناقشته: وما سبق من القول بأن الشيك يكفي قبضه عن قبض محتواه لصحة عقد الصرف يرد عليه بعض الإيرادات أهمها: ١ - أن قبض الشيك في قوة قبض محتواه وذلك لأن المتصرف الذي يملكه من قبض محتوى الشيك هو نهائي بينما يمارس من قبض الشيك بعض التصرفات وهي موقوفة على الوفاء الفعلي إذ قد يكون الشيك لا رصيد له وبذلك صار هذا وجه فرق بين المسألتين ولكن يمكن الرد عليه بأن هذا الفرق لا يؤثر في الإلحاق لأن قبض المحتوى هو الآخر ليس نهائيا إذا نظرنا إليه من جهة أخرى وهو كون النقد مزورا أو معيبا ونحو ذلك من العيوب لكن النقد المزور لا يمكن معرفة أول من زوره لأنه يتداول بالمناولة بينما الشيكات تتداول بطريق يمكن معرفة من انتقلت إليه وبالتالي يسهل ضبط العيب إذا ظهر قريبا، هو من هذه الناحية أسهل ولكن يعوض هذا في الأوراق النقدية مراقبة ولي الأمر ومعاقبته لمن زور النقد فهذا يحد من التزوير في النقود كما يحد من التزوير في الشيكات الضوابط الكثيرة - كالرصيد ومعاقبته من يصدر الشيك بدون رصيد - والتضامن ونحوها ويمكن القول بأن مسئولية مصدر الشيك عن صدق محتواه مع ما يحتف به من ضوابط أخرى تعزز الثقة في الشيك فتشبه ضمان الدولة عن الأوراق النقدية التي تصدرها غاية ما هناك أن الأوراق النقدية شيكات لحاملها والأوراق التجارية - الشيك - اسمية وما بينهما من

стр. 11373

فروق لا تؤثر في عدم الإلحاق إذ لا بد أن يكون الفرق مقصودا. ٢ - إن قابض الشيك قد يتأخر عن تقديمه إلى المصرف الوكيل وقد يزيد السعر أو ينقص في هذه الفترة فيتضرر أحدهما فلا يتحقق الوصف الذي بينه الرسول ﷺ في حديث ابن عمر «أن لا تفترقا وبينكما بأس أو شيء (١)». ويجاب عن ذلك بأن الأجير وموكله أو فرعه مستعدان للوفاء الفعلي للشيك في أي وقت يتقدم به حامله فإذا تأخر فهو خطؤه ويتحمل نتيجته لو نقص السعر فضلا عن أن هذا المتأخر لا يتأخر إلا لمصلحة أو عذر وهو ممكن من نقل هذا الشيك والتصرف به في أنواع التصرفات. وهذا يجعل من النادر أن يتأخر أحد بشيكه يترصد زيادة السعر أو نقصه). اهـ. لكن الممنوع حقا أن يوضع للشيك تاريخ متأخر لا يتم صرفه إلا بعده كما هو الحال في الأوراق التجارية الأخرى - ومن هنا كان لا وجه لترجيح أن قبضها قبض لمحتواها إذ الأجل لازم لها.

стр. 11374

رأي الباحث: ويمكن القول في ضوء ما تقدم أن قبض الشيك قبض لمحتواه إذا لم يدون فيه تاريخ وأجل فيه الاستلام والأحوط أن يكون في المصرف الإسلامي مكتبان أحدهما يتلقى النقود ثم يعرف سعر الصرف ويتم تحديد النقد بعد ذلك تتم الإجارة على نقل النقد إلى البلد المقصود، أو تؤخر عملية الصرف إلى الفرع أو الوكيل ويتم النقل بالنقد الذي جاء به الطالب بذلك نخرج من المحظور الشرعي فمن تقدم بالنقد أو اقتطع من حسابه بالمصرف يحرر له شيك إلى المصرف الفرع أو الوكيل بنقده الذي جاء به وبعد ذلك حينما يصل

стр. 11375

إلى الفرع أو الوكيل تتم عملية الصرف وليس في ذلك تحيل وإنما الهدف القضاء على احتمال زيادة السعر بين موعد تحرير الشيك والاستلام الفعلي لا سيما إذا لاحظنا أن البعض أيضا يفضل أن يجري الصرف في البلد الذي يتم فيه الوفاء لكون سعر الصرف أقل أو قد يتذبذب وهذا ما يقوي علاقة الربا بالمسألة. كما أن الأنظمة التجارية تجعل الزمن الذي يسمح بتقديم الشيك زمنا طويلا مما ساعد على الترصد لزيادة السعر أو نقصه. فالنظام التجاري السعودي يجعل للشيكات المسحوبة خارج المملكة ثلاثة أشهر وبشيكات الداخلية شهر وهذه الفترة كافية لزيادة سعر الصرف أو نقصه وهو أمر يوصل إلى الربا. ويتعضد قول من قال بأن قبض الشيك قبض لمحتواه - وهو الرأي الأرجح في نظري - بما اعتبره العلماء في باب الزكاة من أن الدين المرجوء الذي على مليء في حكم المقبوض ولذلك أوجبوا الزكاة فيه. قال في الإنصاف بصدد الكلام عن زكاة الدين الذي على مليء (الحوالة به والإبراء منه كالقبض على الصحيح من المذهب وقيل إن جعل وفاء كالقبض وإلا فلا) (١). وعن عثمان ﵁ أنه كان يقول (إن الصدقة تجب في الدين الذي لو شئت تقاضيته من صاحبه والذي على مليء تدعه حياء أو مصانعة ففيه صدقة) (٢). وكذلك ورد عن ابن عمر ﵄. (وما كان من دين ثقة فزكه) (٣).

стр. 11376

قال الزيلعي (ولو كان الدين على مقر تجب - أي الزكاة - لأنه يمكنه الوصول إليه ابتداء أو بواسطة التحصيل (١). ويعضد ما ذكرنا من الترجيح ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أن بعض الأمور لم يرد شيء بتحديدها فيرجع في تحديدها إلى العرف وذكر منها القبض لكن الظاهر أن القبض في الصرف غير داخل إلا إذا توافرت هذه الضوابط التي في الشيك فإن القابض للشيك كالقابض لمحتواه. وقد ورد عن الإمام مالك بصدد هبة الدين لغير من هو عليه (قلت - سحنون - فإن وهبت لرجل دينا لي على رجل آخر قال: قال مالك: إذا شهد له وجمع بينه وبين غريمه ودفع إليه ذكر الحق فهو قد قبض (٢). وإنما اشترط مالك الجمع بينه وبين الغريم لأن الموهوب له قد لا يعرف الغريم وقد لا يهتدي إليه أما قبض الشيك فإنه يستطيع بواسطته أن يتعرف على الغريم فإن المصارف مشتهرة ومعروفة وهو بمثابة الجمع بين الغريم وبين من وهب له الدين. وهذا النقل من الإمام مالك بصدد الهبة وهي غير الصرف لكن يستأنس به على أن قبض الوثيقة قبض لمحتواها لا سيما والشيك فيه ضوابط تعضد هذا المقصد. قال أبو عبيد بعد أن عرض أقوال العلماء في زكاة الدين: أما الذي أختاره من هذا فالأخير بالأحاديث العالية التي ذكرناها عن عمر وعثمان وجابر وابن عمر ثم قول التابعين بعد ذلك الحسن وإبراهيم وجابر بن زيد ومجاهد وميمون بن مهران أن يزكيه في كل عام مع ماله الحاضر إذا كان الدين على الأملياء المأمونين لأن هذا حينئذ بمنزلة ما بيده وفي بيته (٣).

стр. 11377

وبعد فلو ذهبنا نستعرض كل ما قاله علماء الشريعة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي لخرجنا من محيط الإفادة والتصور إلى محيط التكرار الممل. وبناء على ذلك فأكتفي بما أوردته من نقول عن أهل العلم في الموضوع نفسه وألخص ذلك فيما يلي: أولا: يكاد الإجماع ينعقد بين جميع من تحدث عن الشيك وخصائصه وأحكامه على أن قبضه قبض لمحتواه إذا كان محتواه في ذمة المسحوب عليه وإن الضمانات المتاحة لحماية حق المستفيد من الشيك أبلغ من الضمانات المتاحة لحماية ثمنية الورقة النقدية المجمع على اعتبارها نقدا موجبا للإبراء العام والقابلية المطلقة. ثانيا: التحويل المصرفي له أحوال: أحدها: أن يأتي المحول إلى المصرف ومعه نقد يريد أن يحوله المصرف إلى عميله أو من يرغب التحويل إليه وليس له عند الصرف حساب سابق كمن يتقدم إلى البنك في مكة المكرمة بطلب تحويله عشرة آلاف ريال إلى عميله في الرياض ويتسلم صورة من إشعار التحويل فقد ذكر الباحثون أن هذه إجارة وبعضهم خرجها على السفتجة وإن كانت الإجارة تتفق مع السفتجة في العناصر الجوهرية في التحويل واختلفوا في حكم أخذ الأجرة عليها فاتجه غالبهم على جواز ذلك وأنه ليس من قبيل القرض الذي يجر نفعا. الحال الثانية: ما إذا كان للمحول حساب لدى المصرف فعمده بسحب مبلغ معين من حسابه لتحويله إلى من يرغب التحويل إليه فهذه الحال استيفاء من البنك بقدر المبلغ المحول عليه ثم حوالة لها حكم الحال الأولى ولا يؤثر استيفاء المبلغ المراد تحويله من البنك على أحكام الحوالة واعتبارها إجارة أو سفتجة مقبوضة

стр. 11378

متصرفا في مبلغها. الحال الثالثة: ما إذا أحضر مريد التحويل مبلغا من النقد المحلي وطلب تحويله إلى خارج بلد النقد المحلي وبنقد البلد الخارجي كمن يطلب تحويل مبلغ من العملة الأمريكية إلى من يرغب التحويل عليه فهذه العملية تشتمل على صرف وإجارة فإن كان لدى البنك وقت طلب التحويل للعملة الأجنبية سواء كانت في صندوقه أو في صندوق من يحول عليه من البنوك الأجنبية بحيث يكون للبنك المحول حساب بالعملة المذكورة لدى البنك المحول عليه فإذا أجرى الصرف بسعر وقته وتعيين مقدار المبلغ المراد تحويله بالعملة الأجنبية فإن تحول المبلغ بالعملة المحلية إلى العملة الأجنبية في قوة المصارفة يدا بيد لأن عملية المصارفة تمت وليس بينهما بعد ذلك شيء ثم تؤول هذه الحال بعد المصارفة إلى الحال الأولى في اعتبارها بعد المصارفة إجارة أو سفتجة. الحال الرابعة: ما إذا كان لطالب التحويل لدى البنك حساب جار فطلب السحب منه ثم طلب صرف المبلغ المسحوب إلى عملة أجنبية ثم طلب تحويل تلك العملة الأجنبية إلى من يرغب التحويل عليه خارج البلاد فإذا كان لدى البنك في صناديقه أو قيوداته العملة الأجنبية المراد صرف المبلغ إليها فهذه العملية هي استيفاء ثم صرف ثم تحويل وقبض الإشعار بالتحويل بالعملة الأجنبية بمثابة القبض الحسي ومما تقدم من البحوث يظهر سلامة هذه العمليات من المحذور. الحال الخامسة: ما إذا تقدم طالب التحويل إلى البنك بمبلغ معين من العملة المحلية أو طلب من البنك إذا كان له عنده حساب

стр. 11379

جار أن يسحب من ذلك المبلغ ليصرفه إلى عملة أجنبية ليست لدى البنك في صناديقه ولا في قيوده لدى المصارف وإنما سيعمل البنك على تأمين النقد الأجنبي مستقبلا لمن حول عليه فهذه مصارفة يظهر - والله أعلم - بطلانها لانتفاء التقابض الحسي والمعنوي في مجلس عقد المصارفة ولأن البنك صارف بما لا يملكه وقت المصارفة. الحال السادسة: ما إذا تقدم طالب التحويل إلى البنك بمبلغ معين من عملة محلية أو كان لطالب التحويل حساب عند هذا البنك فطلب منه سحب ذلك المبلغ ليقوم البنك بتحويله إلى عملة أجنبية إلى من يرغب طالب التحويل التحويل إليه فإذا لم يكن لدى البنك في صناديقه تلك العملة الأجنبية وليس له لدى البنك المحول عليه حساب بالعملة المذكورة - الأجنبية - ولكن له في بنوك أخرى سواء كانت محلية أو أجنبية حساب بنفس العملة وقدر المبلغ المراد تحويله أو أكثر منه فهل تصح هذه المصارفة باعتبار أن البنك صارف بما يملكه وأنه يمكنه تعميد البنك الذي له حساب عنده بنفس العملة الأجنبية بتحويل قدر المبلغ إلى البنك الذي حول عليه طلب التحويل أو أنها لا تصح حيث إنه ليس لديه في صناديقه ولا في قيد البنك المحول عليه شيء من العملة الأجنبية التي حول عليه بها. وقبل ختام هذا البحث أذكر نصا عن شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة القبض حيث قال: وأما استدلالهم بأن القبض هو التخلية. فالقبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع. وقبض ثمر الشجر لا بد فيه من الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح بخلاف قبض

стр. 11380

مجرد الأصول. وتخلية كل شيء بحسبه ودليل ذلك المنافع في العين المؤجرة (١) اهـ. وأذكر أيضا عن شيخنا الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ حيث قال: ونعرف أن القبض من الأمور التي تختلف باختلاف المقبوضات فما جاء فيه التنصيص في الشرع صار القبض فيه إلى مقتضى التنصيص وما لا فيرجع إلى المتعارف (٢) اهـ. وفي الدرر السنية جواب للشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ونصه: وسئل عن صفة القبض للطعام ونحوه فأجاب: أهل العلم ذكروا أن القبض في كل شيء بحسبه. وأجاب أيضا: القبض كيله أو وزنه وفي الرواية الأخرى أنه التخلية مع التمييز (٣) اهـ. وفي المقنع ما نصه: إذ القبض مطلق في الشرع فيرجع فيه إلى الصرف كالحرز والتفرق (٤) اهـ. هذا ما تيسر والله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →