وإذا أخطأ النبي ﷺ لم يقر على ذلك ونزل عليه الوحي لبيان الصواب كما حصل منه ﵊ في أخذ الفداء من أسرى بدر وفي استغفاره لعمه أبي طالب ولبعض المنافقين وصلاته على بعضهم.
ووقع الاجتهاد من الصحابة ﵃ في حضرة الرسول ﷺ وفي غيبته، فإن أصابوا أقرهم على اجتهادهم وإن أخطأوا بين لهم الحق.
مثال اجتهاد الصحابة في حضرة النبي ﷺ أن سعد بن معاذ ﵁ اجتهد فحكم على يهود بني قريظة لما نزلوا على حكمه أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية فقال ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك (١)» وفي رواية مسلم: «لقد حكم فيهم بحكم الله (٢)».
ومثال اجتهاد الصحابة في غيبة النبي ﷺ «أن عليا ﵁ قضى في أهل اليمن الذين حفروا زبية لأسد فوقع فيها رجل فتعلق بآخر ثم تعلق هذا بآخر وهكذا حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد وماتوا من جراحتهم، قضى فيهم ﵁ باجتهاده فقال: اجمعوا من قبائل الذين حفروا الزبية ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة. فللأول الربع لأنه هلك من فوق وللثاني الثلث وللثالث النصف وللرابع الدية كاملة. ولم يرض أهل اليمن بذلك الحكم حتى أتوا الرسول ﷺ وذكروا له القصة فأجاز ﵊ اجتهاد علي (٣)».
стр. 11797
وإذا أخطأ الصحابي في اجتهاده بين له النبي ﷺ الصواب. فعندما أجنب عمار ﵁ ولم يجد الماء وتمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة ثم صلى. قال له النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا. فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيها ثم مسح بها وجهه وكفيه (١)».
وإذا اختلف الصحابة في اجتهادهم وكان النص يحتمل ذلك أقرهم ﷺ على ما فعلوا ولم يعنف أحدا. وهذا مبدأ عظيم يجب أن يتنبه المسلمون إليه فإن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عادة العرب في أساليبهم وقد يحتمل اللفظ أكثر من معنى فلا يجوز أن نعيب أو نعادي من خالفنا في الرأي في هذه الحالة إذا كان الرأي صادرا ممن يجوز له الاجتهاد. كما لا يجوز لنا أن نحجر على الناس ونمنعهم من تقليد من يثقون بعلمه ودينه وإن كان رأيهم يخالف آراءنا. وقد اختلف الصحابة في كثير من المسائل ومع هذا الاختلاف بقي الود والتقدير بينهم ولا غرابة في ذلك. فالرسول ﷺ علمهم هذا المبدأ. فعندما قال لهم يوم الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة (٣)».
ومن رحمة الله بالأمة أن جعل لكل مجتهد أجرا إن أخطأ وأجرين إن أصاب قال الرسول ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر (٤)» هذا بشرط أن يكون المجتهد ممن يجوز له الاجتهاد. أما من يجتهد في دين الله وليس أهلا لذلك فهو في النار كما أخبر الرسول ﷺ : «القضاة ثلاثة: اثنان في النار،
стр. 11798
وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار. ورجل جار في الحكم فهو في النار (١)».
والأصل أن يبقى باب الاجتهاد مفتوحا حتى يجيب المجتهدون على كل ما يستجد من مسائل. فإن كل مسألة تعرض للمسلم لها حكم في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو بالاجتهاد. يقول الشافعي (كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم اتباعه وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد) (٢).
стр. 11799
أقسام الاجتهاد
يقسم الاجتهاد إلى قسمين:
القسم الأول: الاجتهاد في تفسير النصوص الشرعية وبيانها لفهمها ومعرفة دلالتها على الأحكام وترجيح ما تعارض منها في الظاهر. ويدخل في هذا القسم بيان الألفاظ بأقسامه الخمسة وتأويل الألفاظ إذا توافرت شروطه. وطرق دلالة الألفاظ على الأحكام والوضوح والإبهام في الدليل الشرعي والعام والخاص ودلالتهما
стр. 11800
وتخصيص العام والإطلاق والتقييد وحمل المطلق على المقيد (١) والزيادة على النص القرآني ودلالة اللفظ المشترك (٢) على الحكم والأمر والنهي (٣) ودلالتهما على الأحكام.
وهذا النوع من الاجتهاد واسع جدا تفصيله في مباحث أصول الفقه وسأقتصر على ذكر مسألتين اختلف العلماء فيهما لاختلافهم في تفسير النص وبيان دلالته على الحكم.
المسألة الأولى: عقوبة من يسعى في الأرض فسادا (عقوبة قطع الطريق):
اختلف المجتهدون في عقوبة من يسعى في الأرض فسادا إذا أخاف أو سرق من غير أن يقتل هل يجوز قتله أم لا؟
فذهب جمهور العلماء إلى أن الذي يسعى في الأرض فسادا لا يقتل إلا إذا قتل. أما إذا سرق فإنها تقطع يده ورجله من خلاف. وإذا أخاف الناس نفي من الأرض.
وذهب المالكية (٤) إلى أن الإمام مخير في عقوبة من يسعى في الأرض
стр. 11801
فسادا فيجوز أن يقتله وإن لم يقتل الناس حسب ما يرى من المصلحة العامة.
وسبب اختلاف المجتهدين في هذه المسألة اختلافهم في تفسير معنى كلمة (أو) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
فقال الجمهور (أو) في الآية للتقسيم وقال المالكية للتخيير.
المسألة الثانية: خيار المجلس:
اختلف العلماء المجتهدون في ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، وذلك لاختلافهم في تفسير معنى (التفرق) (٢) المذكور في قول النبي ﷺ «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (٣)» فمن قال المراد بالتفرق في الحديث تفرق الاقوال لم يثبت خيار المجلس ومن قال المراد بالتفرق في الحديث تفرق الأجسام أثبت خيار المجلس (٤).
القسم الثاني: الاجتهاد في الكشف عن حكم الله في المسائل التي لم ينص على حكمها في الكتاب أو في السنة.
ويدخل في هذا القسم من أقسام الاجتهاد:
стр. 11802
(١) القياس:
وهو إعطاء مسألة لا نص فيها حكم مسألة نص على حكمها لاشتراك المسألتين في علة الحكم.
وقد شرع الله سبحانه للمجتهدين من هذه الأمة الكشف عن حكم الله في المسائل التي لم ينص على حكمها أو المسائل التي تستجد بإلحاقها بما يشبهها مما نص الشارع على حكمه إذا اشتركت في العلة. فقد ثبت أن بيع الحنطة (القمح) بالحنطة مع التفاضل ربا قال ﷺ «التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى (١)» وقد ثبتت حرمة الربا في أكثر من آية وحديث قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
ولم يذكر في هذا الحديث ولا في غيره حكم بيع الحمص بالحمص مع التفاضل فاجتهد العلماء وقالوا يحرم بيع الحمص بالحمص مع التفاضل قياسا على حرمة بيع القمح بالقمح مع التفاضل لاشتراكهما في العلة وهي: اتحاد الجنس والطعم (٣).
وقد استعمل القياس في القرآن وكذلك في السنة وهذا دليل على حجيته ووقوعه قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٤) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٥).
رد الله سبحانه على منكري البعث بالقياس من باب أولى فقال لهم قيسوا إحياءكم في المرة الثانية على خلقكم في المرة الأولى.
وقال ﷺ للمرأة من جهينة التي جاءت فقالت: «إن أمي نذرت أن
стр. 11803
تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته - أي ذلك الدين عنها - اقضوا الله فالله أحق بالوفاء (١)». فقاس ﵊ دين الله على دين العبد فكما يجب قضاء الثاني يجب قضاء الأول والعلة أن كلا منهما حق ثبت في ذمة المكلف.
والأئمة الأربعة قالوا بحجية القياس. ولا يصح القياس إلا مع عدم النص أما مع وجود النص سواء أكان قرآنا أم سنة صحت عن النبي ﷺ فالقياس مردود. فلو قال مجتهد أقيس البنت على الابن فأعطيها مثل ما أعطي الابن من الميراث والعلة في ذلك تساوي الابن والبنت في القرابة، قلنا له هذا قياس باطل لأن القياس لا يكون إلا إذا فقد النص وقد نص القرآن أن للذكر مثل حظ الأنثيين، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢).
(٢) الاستحسان:
هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم مخالف لدليل أقوى اقتضى هذا العدول.
وقد يكون الدليل الأقوى الذي لأجله عدل بالمسألة عن حكم نظائرها نصا أو إجماعا أو قياسا خفيا أو عرفا صحيحا أو مصلحة.
فمثلا قال الحنفية الأصل في الوصية عدم الجواز، لأنها تصرف مضاف إلى ما بعد الموت والإنسان لا يملك التصرف بأمواله بعد موته لأن المال أصبح ملكا للورثة وأجازوا الوصية استحسانا (٣) لدليل من القرآن اقتضى ذلك، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤).
стр. 11804
ومثال استحسان العرف ما قاله العلماء بأنه لو حلف رجل أن لا يأكل اللحم وأكل سمكا فإنه لا يحنث استحسانا لأن السمك وإن كان يسمى لحما في اللغة إلا أن عرف الناس في كثير من البلدان إطلاق اللحم على لحم الضأن والماعز والإبل والبقر دون السمك.
وأكثر من ذهب إلى العمل بالاستحسان الحنفية والمالكية وقال به الحنابلة ولم يتوسعوا فيه، ومنعه الشافعية مطلقا.
والصحيح أن الاستحسان راجع إلى غيره من الأدلة فاستحسان الأثر راجع إلى القرآن أو السنة واستحسان الإجماع راجع إلى الإجماع واستحسان القياس راجع إلى القياس واستحسان العرف راجع إلى العرف واستحسان المصلحة راجع إلى المصلحة.
(٣) المصلحة المرسلة:
سميت مصلحة لأن فيها محافظة على مقصود الشارع من جلب منفعة أو دفع مضرة، ويدخل في ذلك تحقيق الضروريات للناس - وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال - ومراعاة الحاجيات والتحسينيات.
وسميت مرسلة أي مطلقة عن دليل يخصها بعينها، لكن شهد لجنسها جملة أدلة (١).
وقد اجتهد العلماء فقالوا بقتل الجماعة إذا قتلوا واحدا واستنادا للمصلحة المرسلة (٢) وذلك لعدم وجود دليل يخص هذه المسألة بعينها.
стр. 11805
لكن الحكم على الجماعة بالقتل إذا قتلوا واحدا يحفظ النفس وإلا اتخذ المجرمون الاشتراك في القتل ذريعة إلى قتل أعدائهم (١). وقد شهد لحفظ النفس جملة نصوص وعدة أدلة تفيد القطع.
(٤) الاستصحاب:
وهو إبقاء الأمر على البراءة أو على ما هو عليه حتى يقوم دليل بغيره والاستصحاب حجة شرعية عند جمهور المجتهدين.
فإذا ادعى شخص أن له على آخر دينا، فالأصل أن ذمة المدعى عليه غير مشغولة بهذا الدين ما لم يقم المدعي البينة على دعواه لأن الأصل براءة الذمة.
وإذا دخل وقت الظهر وشك المسلم هل صلى أم لا؟ وجب عليه أن يصلي لأن الأصل شرعا وجوب الصلاة عند دخول وقتها وأن المكلف مطالب بهذا حتى يتيقن من الأداء.
وإذا اختلطت الأخت بأجنبيات ولم تعرف، حرم الزواج من أي واحدة منهن لأن الأصل في الأبضاع الحرمة لقول النبي ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٢)».
ولو اشترط البائع أو المشتري شرطا في عقد البيع لا يتنافى مع مقتضى العقد ولم ينه عنه أبيح له ذلك لأن الأصل في المنافع الإباحة لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣).
стр. 11806
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢).
إلى غير ذلك من الأدلة (٣).
(٥) سد الذرائع:
ومعناه المنع من الشيء الجائز إذا كان يؤدي إلى مفسدة غالبا. وقد اشتهر القول بسد الذرائع عن الإمام مالك ثم الإمام أحمد.
وأشار القرآن الكريم إلى مبدأ سد الذرائع فنهانا عن سب آلهة المشركين مع ما في ذلك من المصلحة؛ لأن هذا ذريعة لهم لسب الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤).
وقال الإمام مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل: هذا بيع لا يصلح ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. وإنما لا يصلح هذا البيع عند مالك ﵀ لأنه ذريعة إلى الربا (٥).
стр. 11807
ولا بد للمجتهد وهو يبحث عن حكم الله في المسائل التي لم ينص على حكمها من مراعاة المقصد العام من تشريع الأحكام - وهو جلب منفعة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها - وتحقيق ضروريات الناس ومراعاة حاجاتهم وتحسينياتهم ومراعاة اليسر ورفع الحرج واعتبار أعرافهم الصحيحة في إطار ما أقرته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
стр. 11808
مراجع البحث
- الأصبحي، مالك بن أنس بن مالك توفي سنة ١٧٩هـ: الموطأ، شرح وتعليق: أحمد راتب عرموش، (بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر، ط ١، سنة ١٣٩٠هـ).
- الأعظمي، محمد مصطفى: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، (الرياض، مطابع جامعة الملك سعود، سنة ١٣٩٦هـ).
- الآمدي، أبو الحسن علي بن علي بن محمد، توفي سنة ٦٣١هـ: الإحكام في أصول الأحكام، تعليق: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، (الرياض، مؤسسة النور، ط ١ سنة ١٣٨٧هـ).
- الأنصاري، عبد العلي محمد بن نظام الدين، توفي سنة ١٢٢٥هـ: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت - مطبوع مع المستصفى - (بغداد، مكتبة المثنى، ١٩٧٠م).
- البخاري، عبد العزيز بن أحمد بن محمد، توفي سنة ٧٣٠هـ: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، (بيروت، دار الكتاب العربي، سنة ١٩٧٤م).
- البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، توفي سنة ٢٥٦ هـ: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسنته وأيامه، (إستانبول، المكتب الإسلامي، سنة ١٩٧٩م).
- البغا، مصطفى ديب: أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، (دمشق، دار الإمام البخاري، د. ت).
- البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، توفي سنة ٤٦٣هـ: تاريخ بغداد، (بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت): تقييد العلم، حققه: يوسف العش، (القاهرة، دار إحياء السنة النبوية، ط ٢، سنة ١٩٧٤م).
- البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس، توفي سنة ١٠٥١ هـ: كشاف القناع عن متن الإقناع، (الرياض، مكتبة النصر الحديثة، د. ت).
- البوطي، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن (دمشق، مكتبة الفارابي، ط ٤، سنة ١٩٧٥ م).
- بوكاي، موريس: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، (بيروت، دار المعارف، د. ت).
- الترتوري، حسين مطاوع: حروف المعاني وأثرها في اختلاف الفقهاء، (رسالة دكتوراة مطبوعة على الآلة الكاتبة، سنة ١٩٨٢ م).
مباحث السنة عند الأصوليين، (بحث منشور في مجلة البحوث الإسلامية الصادرة عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ).
- الترمذي، أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سورة، توفي سنة ٢٩٧ هـ: سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، محمد فؤاد عبد الباقي، إبراهيم عطوة، (القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، ط ٢، سنة ١٣٨٨ هـ).
- ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، توفي سنة ٨٥٢ هـ: فتح الباري شرح صحيح البخاري، (القاهرة، المطبعة السلفية، سنة ١٣٨٠ هـ).
هدي الساري مقدمة فتح الباري، تحقيق محب الدين الخطيب، (القاهرة، المطبعة السلفية، د. ت).
- ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، توفي سنة ٤٥٦ هـ: الإحكام في أصول الأحكام، (بيروت، دار الجيل، ط ٢، سنة ١٩٨٧ م).
المحلى، تحقيق: أحمد شاكر، (القاهرة، إدارة المطبعة المنيرية، سنة ١٣٤٧ هـ).
- ابن حميد، صالح: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، (مكة المكرمة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، ط ١، سنة ١٤٠٣ هـ).
- حيدر، علي: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، تعريب: فهمي الحسيني، (بيروت، بغداد، مكتبة النهضة، د. ت).
стр. 11809
- خلاف، عبد الوهاب، توفي سنة ١٩٥٦ م: علم أصول الفقه، (القاهرة، مكتبة الدعوة الإسلامية، سنة ١٩٥٦م).
- الدسوقي، شمس الدين عرفة: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (د. ت).
- الرافعي، مصطفى صادق: إعجاز القرآن، (القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، ط ٨، سنة ١٩٦٥ م).
- الربيعة، عبد العزيز بن عبد الرحمن بن علي: أدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٣، سنة ١٤٠٢ هـ).
- الزرقا، مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، (دمشق، مطبعة الحياة، ط ٨، سنة ١٩٦٥ م).
- الزرقاني، محمد عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن، (القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، د. ت).
- الزيلعي، أبو محمد عبد الله بن يوسف، توفي سنة ٧٦٢ هـ: نصب الراية لأحاديث الهداية، (جوهانسبرغ، المجلس العلمي، ط ٢، د. ت).
- السبكي، علي بن عبد الكافي، توفي سنة ٧٥٦ هـ، وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي توفي سنة ٧٧١هـ: الإبهاج في شرح المنهاج، (بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، سنة ١٩٨٤م).
- السجستاني: أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي، توفي سنة ٢٧٥ هـ: سنن أبي داود، (القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، ط ١، سنة ١٣٧١ هـ).
- السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، توفي سنة ٤٩٠ هـ: أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، (بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، سنة ١٣٩٣ هـ).
- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، توفي سنة ٩١١ هـ: تدريب الراوي شرح تقريب النووي، حققه: عبد الوهاب عبد اللطيف، (القاهرة، دار الكتب الحديثة، ط ٢، سنة ١٩٦٦ م).
تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك - مطبوع معه كتاب إسعاف المبطأ برجال الموطأ -، (دمشق، دار الفكر، د. ت).
- الشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي، وفي سنة ٧٩٠ هـ: الاعتصام (القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د. ت).
الموافقات، تعليق: عبد الله دراز (بيروت، دار المعرفة، د. ت).
- الشافعي، محمد بن إدريس بن العباس القرشي المطلبي، توفي سنة ٢٠٤ هـ: الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، (القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، ط ١، سنة ١٩٤٠ م).
- شاه، محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير باد شاه، توفي حوالي ٩٨٧ هـ: تيسير التحرير، (بيروت دار الكتب العلمية، د. ت).
- الشربيني، محمد بن أحمد، توفي سنة ٩٧٧ هـ: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت).
- الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، توفي سنة ١٢٥٠ هـ: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (بيروت، دار المعرفة، د. ت).
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأبرار، (القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة).
- الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، توفي سنة ٤٧٦ هـ: المهذب في فقه الإمام الشافعي، (بيروت، دار المعرفة، ط ٢، سنة ١٩٥٩).
- صالح، محمد أديب: تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، (دمشق، المكتب الإسلامي، ط ٣، سنة ١٤٠٤ هـ).
стр. 11810
- ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، توفي سنة ٦٤٣ هـ: علوم الحديث، حققه: د. نور الدين عتر، (المدينة المنورة، المكتبة العلمية، حلب، مطبعة الأصيل، سنة ١٩٦٦ م).
- عبد المطلب، رفعت فوزي: توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته، (القاهرة، مكتبة الخانجي، سنة ١٤٠٠ هـ).
- ابن العربي، أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أحمد، توفي سنة ٥٤٣ هـ: أحكام القرآن، تحقيق: محمد علي البجاوي، (القاهرة، مطبعة عيسى الحلبي، د. ت).
- عليش، محمد: شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل - وبهامشه حاشية منح الجليل - (طرابلس ليبيا، مكتبة النجاح، د. ت).
- العمري، أكرم ضياء: بحوث في تاريخ السنة المشرفة، (بيروت، ط ٤، سنة ١٤٠٥ هـ).
- العمري، نادية شريف: اجتهاد الرسول ﷺ ، (بيروت مؤسسة الرسالة، ط ٣، سنة ١٤٠٥ هـ).
- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، توفي سنة ٥٠٥ هـ: المستصفى في علم الأصول - مطبوع بهامشه فواتح الرحموت -، (بيروت دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٩٨٣ م).
- ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم، توفي سنة ٢٧٦ هـ: تأويل مختلف الحديث، صححه وضبطه: محمد زهري النجار، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، سنة ١٩٦٦ م).
- القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس، توفي سنة ٦٨٤ هـ: الفروق، وضع فهارسه: د. محمد رواسي قلعة جي - مطبوع معه إدرار الشروق وتهذيب الفروق -، (بيروت، دار المعرفة، د. ت).
- القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، توفي سنة ٦٧١ هـ: الجامع لأحكام القرآن، (القاهرة، دار الكتاب العربي، سنة ١٣٨٧ هـ).
- القزويني، أبو عبد الله محمد بن يزيد، توفي سنة ٢٧٥ هـ: سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، سنة ١٣٧٢ هـ).
- ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، توفي سنة ٧٥١ هـ: أعلام الموقعين عن رب العالمين، راجعه: طه عبد الرؤوف سعد، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، سنة ١٩٦٨ م).
- الكاساني، أبو بكر بن مسعود بن أحمد، توفي سنة ٥٨٧ هـ: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (الناشر زكريا علي يوسف، القاهرة، مطبعة الإمام، د. ت).
- المرغناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، توفي سنة ٥٩٣ هـ: الهداية شرح بداية المبتدي - مطبوع معه شرح فتح القدير والعناية - (بيروت دار إحياء التراث العربي، ط ١، سنة ١٩٧٠ م).
- المطيعي، محمد بخيت، توفي سنة ١٩٣٥ م: سلم الوصول لشرح نهاية السول - مطبوع مع نهاية السول في شرح منهاج الأصول -، (بيروت، عالم الكتب، د. ت).
- ابن منظور، أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي، توفي سنة ٧١١ هـ: لسان العرب، (بيروت، دار صادر، سنة ١٩٥٦ م).
- ابن النجار، محمد بن أحمد بن عبد العزيز توفي سنة ٩٧٢ هـ: شرح الكوكب المنير، تحقيق د. محمد الرحيلي، د. نزيه حماد، (دمشق، دار الفكر، سنة ١٤٠٠ هـ، منشورات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة).
- النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القرشي توفي سنة ٢٦١ هـ: صحيح مسلم، ترتيب وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت).
- ابن الهمام، محمد بن عبد الواحد بن مسعود، توفي سنة ٨٦١ هـ: شرح فتح القدير للهداية - مطبوع معه الهداية للمرغناني والعناية شرح الهداية للبابرتي -، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ١، سنة ١٩٧٠ م).
стр. 11811
الوجوه والنظائر
في القرآن الكريم
بقلم
الدكتور / سلمان بن صالح القرعاوي
الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. . أما بعد: فلقد كان القرآن الكريم، وسيظل بإذن الله المصدر الثري للأمة الإسلامية في رجوعها إليه في شئونها واحتكامها إليه في قضاياها.
وهو معينها الذي لا ينضب في إرواء ظمئها العلمي والفكري، وهو كنزها الذي لا يفنى في إغنائها من خزائنه لبناء تاريخها وحضارتها مهما
стр. 11812
تطاول الزمن وتعاقبت الدهور، ولقد أودع الله سبحانه معاني كتابه الكريم في قوالب لفظية عربية، وزينه بروعة الفصاحة والبيان، وكساه حلة البلاغة وجلال الإعجاز، فدهشت به العرب جميعا، إذ سمعته حتى قال قائلهم: (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه).
وخر بعضهم ساجدا تعظيما عندما سمعه يتلى، وانجذبت إليه عقول صناديد الكفر والعناد فكانوا يستمعون إليه تلذذا وإعجابا.
بل انقادت إليه قلوب العرب والعجم عندما كشف الستار عن جماله، وحاكى العقول، لذلك خالطت محبته بشاشة القلوب حتى أن الجن انقادت إليه عندما رأت إعجازه وأيقنت بسلطانه: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (١) ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢).
لذلك أدلى الصحابة ﵃ بدلوهم في كشف الستار عن معانيه، ثم جاء التابعون فشاركوا في تفسيره، وما زالت ألسنة العلماء وأقلامهم تخط في تفسيره، وبيان مسالكه حتى هذا العصر، من مختلف مستوياتهم، وتنوع تخصصاتهم سواء في ذلك العلوم الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية والسلوكية، وكذا الاقتصادية والسياسية والعسكرية والكونية.
وما زالت معاني القرآن الكريم بكرا تتجدد في كل عصر لأنه القاعدة العريضة للشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان. ولما كانت معاني
стр. 11813
هذا القرآن مكنونة في ألفاظه العربية المعجزة تنوعت مسالك العلماء في استخراج معانيه من هذه الألفاظ، وقامت دراسات حول ألفاظه العربية كي يتسنى للفقيه، والمفتي، والحاكم، وطالب الفائدة معرفة أحكامه ومعانيه، وقد نتج عن بعض هذه الدراسات ما يسمى بالوجوه والنظائر في القرآن الكريم التي كشفت النقاب عن المعاني المتعددة والمتجددة التي يصلح أن يدل عليها اللفظ الواحد، وكذلك المعنى الواحد الذي يصلح أن تدل عليه ألفاظ متعددة. وهذا يدل على اتساع قاعدة الشريعة الإسلامية كي تصلح لعلاج الحياة البشرية في كل مكان وزمان.
هذا ولما انقطع عقد المسلمين في هذه الأيام بسبب بعدهم عن كتاب ربهم تعذر عليهم فهم علومه، كما تعذر عليهم فهم معانيه، وبالتالي كان هذا العلم (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم) بعيدا عن أفكار المسلمين وأذهانهم، لهذا أحببت أن أدلو بدلوي من الباحثين في هذا المجال كي أقرب هذا العلم إلى أذهان المسلمين حسب المستطاع، فلعل في ذلك سبيل هداية وإنارة للطريق، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 11814
الوجوه والنظائر لغة:
الوجوه: قال ابن دريد "وجه الكلام: السبيل التي تقصدها به، وصرفت الشيء عن وجهه أي عن سننه. وكساء موجه: له وجهان، ويجمع وجه على أوجه ووجوه وأجوه" (١).
وفي لسان العرب لابن منظور (. . . وفي الحديث «أنه ذكر فتنا
стр. 11815
كوجوه البقر (١)» أي يشبه بعضها بعضا لأن وجوه البقر تتشابه كثيرا. . وفي حديث أبي الدرداء "لا تفقه حتى ترى للقرآن وجوها" أي ترى له معاني يحتملها فتهاب الإقدام عليه. . ورجل ذو وجهين إذا لقي بخلاف ما في قلبه) (٢).
وقال ابن فارس: (وجه: الواو والجيم والهاء: أصل واحد يدل على مقابلة لشيء، والوجه مستقبل لكل شيء. يقال: وجه الرجل وغيره. وربما عبر عن الذات بالوجه. وتقول: وجهي إليك، وتقول: واجهت فلانا أواجهه إذا جعلت وجهك تلقاء وجهه) (٣).
والنظائر: جمع نظير، وهو المماثل والشبيه، يقال: فلان نظير فلان إذا كان مثله وشبيهه والجمع نظراء (٤)، ومن ذلك قول ابن مسعود: "لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقوم بها عشرين سورة من المفصل" (٥). "يريد السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو
стр. 11816
القصص، لا المتماثلة في عدد الآي، لما سيظهر عند تعيينها"، قال المحب الطبري: "كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العد، حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئا متساويا" (١)، وفي تاج العروس للزبيدي: "النظائر: الأفاضل والأماثل لاشتباه بعضهم ببعض في الأخلاق والأفعال والأقوال" (٢)، ونظائر القرآن: سور المفصل سميت لاشتباه بعضها بعضا في الطول" (٣).
وقد استعمل المفسرون النظائر للدلالة على الألفاظ المختلفة لفظا والمتفقة معنى، فقالوا: الابتلاء، والاختبار، والامتحان: نظائر، كما استعمل الأصمعي. في العدد، فقال: عددت إبل فلان نظائر أي مثنى مثنى" (٤).
стр. 11817
الوجوه والنظائر اصطلاحا:
حينما تعرضنا للمدلول اللغوي وجدنا أن علماء من تكلم في الوجوه والنظائر قد جعلوا لهذه الألفاظ معاني اصطلاحية فيما بينهم وجعلوها
стр. 11818
أسماء لكتبهم. وكان أول من عرف الوجوه والنظائر ابن الجوزي في كتابه "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم" حيث قال: (واعلم أن معنى الوجوه والنظائر: أن تكون الكلمة الواحدة قد ذكرت في مواضع من القرآن الكريم على لفظ واحد وحركة واحدة، وأريد بكل مكان معنى للكلمة غير معناها في المكان الآخر، وتفسير كل كلمة بمعنى يناسبها غير معنى الكلمة الأخرى، هذا ما يسمى "الوجوه"، أما النظائر: "فهو اسم للألفاظ، وعلى هذا تكون الوجوه اسما للمعاني، ومن هنا كان الأصل في وضع كتب الوجوه والنظائر" (١) وهذا التعريف لم يسلم من نقد " الزركشي " و " السيوطي "، وهما من أبرز من كتب في الدراسات القرآنية، أما الزركشي فبعد أن عرف الوجوه والنظائر بقوله: (فالوجوه: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ "الأمة"، والنظائر كالألفاظ المتواطئة)، قال: (وقيل: النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع في الألفاظ المشتركة، وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه واحد
стр. 11819
في مواضع كثيرة، فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام والنظائر نوعا آخر كالأمثال) (١).
وكذلك السيوطي اقتفى أثر صاحب "البرهان" في نقده لتعريف " ابن الجوزي " وانتهى إلى تعريفه بقوله: (فالوجوه: اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ "الأمة" (٢). .).
أما صاحب "كشف الظنون" فلم يتقبل نقد " الزركشي " و " السيوطي " بل أيد ابن الجوزي فيما ذهب إليه، فقال: (. . ومعناه أن تكون الكلمة واحدة ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة، وأريد بها في كل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر هو النظائر، وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الأخرى هو الوجوه، فإذا النظائر اسم للألفاظ، والوجوه اسم للمعاني) (٣).
وأقول: إن العلماء في هذا المجال يذكرون الكلمة الواحدة، ثم يذكرون معانيها المتعددة، ويستدلون على كل معنى بالآيات القرآنية، مما يدل على أن الوجوه للمعاني، إذ يشيرون إلى الكلمة، ويقولون. . وفيها سبعة عشر وجها. . وفيها أربعة وجوه. . وهكذا نجد أنهم يريدون بهذا الوجه معنى يختلف قربا وبعدا عن معنى آخر مرادا من آية أخرى. . والله أعلم.
стр. 11820
الفرق بين الوجوه والنظائر في القرآن الكريم وبين تفسير المفردات:
إذا أردنا أن نوضح الفرق بين التفسير بالوجوه والنظائر، والتفسير المألوف للمفردات يمكن أن نقول:
стр. 11821
أولا: أن التفسير بالوجوه والنظائر يختص بنوع واحد من المفردات، فيذكر عدد الوجوه التي دل عليها اللفظ في جميع ما ذكر من آيات، مستعينا على ذلك بما يرشده إليه موضعها في الآية، ثم يذكر لكل وجه جميع الآيات أو بعضها مما ورد بها اللفظ ودل عليه.
ثانيا: التفسير للمفردات يأتي باللفظ الوارد في القرآن الكريم، فيذكر معناه أو معانيه في اللفظ على طريقة أصحاب المعاجم مستعينا باللغة أو ما فسره المفسرون دون أن يذكر لفظ "الوجوه".
إذا فالتفسير بالوجوه والنظائر نوع من علوم القرآن الكريم، إذ يبحث في ألفاظ القرآن، ويوضح ما ورد في أكثر من آية، وكانت دلالته على معناه في واحدة منها غير معناه في الآيات الأخرى التي ورد فيها - أي أن التفسير الذي يختص به هذا النوع يقوم بالنظر في معنى كل لفظ ورد متكررا في آيات القرآن، وكانت دلالته في آية أو بعض الآيات التي ورد فيها مباينا لدلالته على معناه في الآية أو الآيات الأخرى، ثم يقوم بحصر تلك المعاني المتعددة، ويجعلها وجوها للفظ الواحد.
ولتوضيح ذلك نذكر مثالا لكل منهما:
لقد ورد في القرآن الكريم مادة لبس في آيات متعددة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وقوله ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (٢) وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٣) وقوله ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ﴾ (٤).
стр. 11822
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ (١) وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٢) وقوله ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٤). وغيرها.
فلو تأملنا اشتقاقات هذا اللفظ في هذه الآيات لوجدنا أن معناه ليس واحدا فيها، إذ إننا نجد معناه في الآيات الثلاث الأولى "الخلط"، ومعناه في الرابعة والخامسة (السكن) ومعناه في السادسة والسابعة (الثياب) ومعناه في الثامنة (العمل الصالح) فنعلم أن للفظ (اللباس) أربعة وجوه (٥).
أما مثال التفسير للمفردات، فلنأخذ لفظ: "بيع".
قال الراغب الأصفهاني في المفردات (٦) "البيع" إعطاء المثمن وأخذ الثمن، والشراء إعطاء الثمن وأخذ المثمن، ويقال للبيع الشراء، وللشراء البيع وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمن، وعلى ذلك قوله : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٧).
وقال ﵇: «لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه (٨)» أي
стр. 11823
لا يشتري على شراه، وأبعت الشيء عرضته للبيع نحو قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . ... فرسا فليس جواده بمباع
والمبايعة والمشاراة تقالان فيهما، قال الله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وقال ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢). وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (٣). وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ (٤).
وبايع السلطان إذا تضمن بذل الطاعة له بما رضخ له ويقال لذلك بيعة ومبايعة، وقوله ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (٥). إشارة إلى بيعة الرضوان المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٦).
وإلى ما ذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٧) الآية.
وأما الباع فمن الواو بدلالة قولهم: "باع في السر يبوع إذا مد باعه" (٨).
فلو تأملنا هذين المثالين لوجدنا الفرق واضحا بين العلمين: "علم الوجوه والنظائر، وعلم التفسير بالمفردات"، إذ أن الأول يذكر اللفظ،
стр. 11824
وعدد وجوهه، ثم يضع كل وجه مع اللفظ الدال عليه في الآيات القرآنية، بخلاف التفسير بالمفردات، فهو يأتي ابتداء بالكلمة المفردة، ثم يذكر معناها لغة الاستشهاد عليها بكلام العرب المحتج بقولهم، أو كلام الرسول ﵊، ثم يذكر بعض الآيات التي ورد بها اللفظ في مورد الآية كذا.
стр. 11825
أهمية هذا العلم والتدوين فيه:
لم تكن لغة العرب ضيقة التعبير عن المعنى المراد، وإنما كانت واسعة الدائرة في ذلك، إذ لدى العرب القدرة على التعبير عن المعنى الواحد بأساليب متعددة، وألفاظ مختلفة حسب ما يقتضيه حال المخاطب والسامع، وبذلك يمكن فهم المعنى المراد عند المخاطبين بصورة كاملة، مهما اختلفت ظروفهم، وأصنافهم، وتعددت مستوياتهم الفكرية.
هذا وإن القرآن قد نزل بلغة العرب الذين اشتهروا بقوة الفصاحة والبلاغة، فأعجزهم فصاحته وبيانه المعجز، وبلاغته التي تقاصرت دونها بلاغتهم فأدهشهم فصاحته وبيانه وأعجزهم بلاغته التي لم تطاول إليها بلاغتهم إذ كان أوسع دائرة في أسلوبه، وأدق معنى في تعبيره، وأكثر استعمالا للألفاظ الدالة على المعنى الواحد، وأفضل صياغة للفظ الواحد الدال على المعاني المتعددة بما أصبح يعرف بالوجوه والنظائر في القرآن الكريم.
لذلك اعتنى العلماء المتخصصون بعلوم القرآن الكريم بهذا الجانب بعناية خاصة، وذلك لأهميته وخطره، إذ به تتسع قاعدة المفاهيم الإسلامية، وتصل إلى البعيد والقريب والعالي والداني.
فكان منهم من جمع آيات القرآن الكريم التي اشتملت جميعها على لفظ معين يدل كل مجموعة منها على معنى واحد من المعاني يختلف فيه عن المجموعة الأخرى.
стр. 11826
ومنهم من اعتنى بشرح الألفاظ القرآنية التي روعي فيها السياق القرآني، وكان الاهتمام بهذا الجانب قد أدى إلى الحفاظ على السياق القرآني، والصياغة القرآنية التي حوت المعاني المتعددة.
فعندما كثرت الفتوحات الإسلامية، ودخل العجم في دين الإسلام، واختلطوا بالعرب فربما قد يتسبب ذلك في نسيان العرب لسياق اللفظ القرآني.
لذا نال هذا العلم تلك الأهمية، فكتب فيه العلماء منذ بداية القرن الثاني الهجري، فمن أول من صنف فيه:
(١) عكرمة مولى ابن عباس ت ١٠٥ هـ (١).
(٢) علي بن أبي طلحة ت ١٤٣ هـ (٢).
(٣) مقاتل بن سليمان البلخي ت ١٥٠ هـ، وكتابه (الأشباه والنظائر في القرآن الكريم) (٣).
(٤) هارون بن موسى الأعور ت ١٧٠ هـ، وكتابه (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم) (٤).
(٥) العباس بن الفضل الأنصاري الموصلي المقرئ ت ١٨٦ هـ (٥).
(٦) يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ، وكتابه (التصاريف) (٦).
(٧) علي بن وافد (٧).
(٨) الحكيم الترمذي ت ٢٥٥ هـ، وكتابه (تحصيل نظائر القرآن) (٨).
(٩) محمد بن يزيد أبو العباس المبرد ت ٢٨٦ هـ، وكتابه (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد) (٩).
стр. 11827
(١٠) محمد النقاش ت ٣٥١ هـ (١).
(١١) أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني ت ٣٩٥ هـ، وكتابه (الأفراد) (٢).
(١٢) الثعالبي ت ٤٢٩ هـ، وكتابه (الأشباه والنظائر) (٣).
(١٣) إسماعيل الحيري النيسابوري ت ٤٣٠ هـ، وكتابه وجوه القرآن) (٤).
(١٤) الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي الحنبلي (أبو علي) ت ٤٧١ هـ (٥).
(١٥) الحسين الدامغاني ت ٤٧٨ هـ، وكتابه (الوجوه والنظائر) (٦).
(١٦) علي بن عبيد الله الزاغوني الحنبلي ت ٥٩٧ هـ، (٧).
(١٧) عبد الرحمن بن الجوزي ت ٥٩٧ هـ، وكتابه (نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم).
(١٨) الفيروزآبادي ت ٨١٧.
(١٩) محمد بن محمد بن علي البلبيسي القاهري ت ٨٨٧ هـ، وكتابه (كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر في القرآن الكريم (٨).
(٢٠) جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ت ٩١١ هـ.
стр. 11828
منزلة علم الوجوه والنظائر بين العلوم الشرعية بعامة وعلوم القرآن بخاصة:
أولا: منزلته بين العلوم الشرعية بعامة:
لا يشتبه على الباحثين أن هذا العلم يشرف بقدر ما لغايته من الفضل والشرف، وهذا العلم عظيم الأثر لما في معرفته من إدراك لألفاظ القرآن الكريم الذي هو لب الشريعة، وأصلها الأول، فمتعلق هذا العلم هو القرآن الكريم الذي فيه العلوم الشرعية، وهو عمادها ورأس سنامها، ولا يستقيم لعالم في العقائد ولا لمجتهد في الفقه إلا إذا علم، وفقه كل لفظ ومعناه، وبخاصة إذا ورد بمعان متعددة يعسر على الناظر إليها إدراكها من النظرة الأولى، بل لا بد من النظر الثابت والفهم السديد لهذه المعاني المتباينة لما يترتب عليه من اختلاف في فهم العقائد والأحكام، فلا يستغني عالم العقائد مثلا عن معاني الظن التي وردت في قوله تعالى:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (١). ثم تأتي في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٢).
بمعنى اليقين، والمجتهد في الفقه كذلك ينظر في هذا العلم فيتبين له أحكام كثيرة.
وهكذا فإن المتخصص في علوم القرآن يجد بغيته فيما ينظر فيه ويطلبه.
стр. 11829
ثانيا: في علوم القرآن بخاصة:
كانت العناية بعلم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم منذ بدأت العناية بتدوين علوم القرآن، فنجد أن العلماء يبحثون في علوم القرآن ثم يفردون أبوابا للوجوه والنظائر من بين أبواب كتبهم، كما صنع الزركشي في كتابه
стр. 11830
"البرهان في علوم القرآن"، والسيوطي في كتابه "الإتقان" و "معترك الأقران في إعجاز القرآن"، بيد أن أهمية هذا العلم قد جعلت بعضهم يفردونه في مؤلفات مستقلة، فهذا ابن الجوزي قد كتب كتابه "فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن" (١)، ولكنه أفرد الوجوه والنظائر القرآنية في كتاب مستقل أسماه "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" اهتماما بشأنه، وسعة مادته، ثم اختصره في كتاب "منتخب قرة العيون النواظر في الوجوه والنظائر في القرآن الكريم".
وهذا السيوطي يفرد له بابا في كتاب "الإتقان"، ثم أفرده في كتاب مستقل أسماه "معترك الأقران في مشترك القرآن"، وكذلك غيرهما من العلماء.
ومن العلماء من لم يكتب كتابا شاملا في علوم القرآن، ولكنه اعتنى بهذا العلم على وجه الخصوص - أعني الوجوه والنظائر في القرآن الكريم - وأفرد له كتابا " كمقاتل بن سليمان " في كتابه "الأشباه والنظائر في القرآن الكريم"، وهارون بن موسى، أبو عبد الله الأزدي في كتابه "الوجوه والنظائر في القرآن الكريم". ومن هنا يتضح ما لهذا العلم من منزلة بين العلوم الشرعية بعامة، وعلوم القرآن بخاصة.
стр. 11831
نشأته:
إن هذا العلم ليس من العلوم المستحدثة، وإنما وجد منذ عصر الرسول ﷺ ، فقد روي عن رسول الله ﷺ قوله: «لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة».
وهذا الحديث روي مرفوعا وموقوفا، وقد أخرج المرفوع مقاتل بن
стр. 11832
سليمان البلخي - وهو متهم بالكذب - في كتابه الاشباه والنظائر في القرآن الكريم بإسناده بلفظ «لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة (١)» وأخرجه ابن عبد البر بإسناده من حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ولا يفقه العبد كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة (٢)».
وهذا الطريق ضعيف جدا، وذلك لضعف صدقة بن عبد الله السمين، وكذا فيه أبان بن عياش وهو متروك الحديث.
أما الطريق الموقوف فقد جاء موقوفا على أبي الدرداء ﵁ فقد أخرجه عبد الرزاق من حديث معمر بن راشد عن أيوب
стр. 11833
السختياني عن أبي قلابة عن أبي الدرداء بلفظ "لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة" (١) ورجال هذا الإسناد كلهم أئمة جبال.
وأخرجه ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق السابق به.
وأخرجه أبو نعيم من حديث أبي بكر القطيعي - وهو ثقة - عن عبد الله بن أحمد بن حنبل - وهو ثقة - عن أبيه - الإمام أحمد - عن إسماعيل بن عليه - وهو ثقة - عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أبي الدرداء به (٢).
стр. 11834
ومما تقدم يظهر أن الحديث يدور على أيوب السختياني - وهو ثقة حجة - عن أبي قلابة - وهو ثقة فاضل لكنه يرسل - وقد أرسل هذا الحديث عن أبي الدرداء، والدليل على إرساله بهذا الحديث: أنه روى عن حذيفة بن اليمان ولم يلحقه - قاله الذهبي -، وحذيفة مات سنة ٣٦، وأبو الدرداء مات سنة ٣٢ هـ في الراجح، وقيل سنة ٣١ هـ (١)، فيكون على هذا لم يلحق أبا الدرداء من باب أولى.
علما أنني لم أجد - فيما لدي - من نص على سماعه من أبي الدرداء، وبهذا يكون الحديث موقوفا مرسلا، غير أنه صحيح إلى أبي قلابة. وقد صحح ابن عبد البر هذا الحديث بقوله: هذا حديث لا يصح مرفوعا، وإنما الصحيح فيه أنه من قول أبي الدرداء. . أ. هـ (٢).
وقد اعتنى الصحابة بتفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه، فحكي عنهم وجوه متعددة في تفسير الآية الواحدة، أو اللفظة القرآنية الواحدة.
ويشهد له ما أخرجه ابن سعد. من طريق عكرمة عن ابن
стр. 11835
عباس أن علي بن أبي طالب ﵄ أرسله إلى الخوارج فقال: "اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم في القرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة".
وأخرج من طريق آخر أن ابن عباس قال له: "يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم في بيوتنا نزل، قال: صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن، فلم تبق بأيديهم حجة".
وقد نقل عن الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم من العلماء في تفسير الآية الواحدة معان متعددة: فمن ذلك ما نقل عن أبي العالية. قوله: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنى، إلا هذه الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (١).