نشأته:
إن هذا العلم ليس من العلوم المستحدثة، وإنما وجد منذ عصر الرسول ﷺ ، فقد روي عن رسول الله ﷺ قوله: «لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة».
وهذا الحديث روي مرفوعا وموقوفا، وقد أخرج المرفوع مقاتل بن
стр. 11832
سليمان البلخي - وهو متهم بالكذب - في كتابه الاشباه والنظائر في القرآن الكريم بإسناده بلفظ «لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة (١)» وأخرجه ابن عبد البر بإسناده من حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ولا يفقه العبد كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة (٢)».
وهذا الطريق ضعيف جدا، وذلك لضعف صدقة بن عبد الله السمين، وكذا فيه أبان بن عياش وهو متروك الحديث.
أما الطريق الموقوف فقد جاء موقوفا على أبي الدرداء ﵁ فقد أخرجه عبد الرزاق من حديث معمر بن راشد عن أيوب
стр. 11833
السختياني عن أبي قلابة عن أبي الدرداء بلفظ "لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة" (١) ورجال هذا الإسناد كلهم أئمة جبال.
وأخرجه ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق السابق به.
وأخرجه أبو نعيم من حديث أبي بكر القطيعي - وهو ثقة - عن عبد الله بن أحمد بن حنبل - وهو ثقة - عن أبيه - الإمام أحمد - عن إسماعيل بن عليه - وهو ثقة - عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أبي الدرداء به (٢).
стр. 11834
ومما تقدم يظهر أن الحديث يدور على أيوب السختياني - وهو ثقة حجة - عن أبي قلابة - وهو ثقة فاضل لكنه يرسل - وقد أرسل هذا الحديث عن أبي الدرداء، والدليل على إرساله بهذا الحديث: أنه روى عن حذيفة بن اليمان ولم يلحقه - قاله الذهبي -، وحذيفة مات سنة ٣٦، وأبو الدرداء مات سنة ٣٢ هـ في الراجح، وقيل سنة ٣١ هـ (١)، فيكون على هذا لم يلحق أبا الدرداء من باب أولى.
علما أنني لم أجد - فيما لدي - من نص على سماعه من أبي الدرداء، وبهذا يكون الحديث موقوفا مرسلا، غير أنه صحيح إلى أبي قلابة. وقد صحح ابن عبد البر هذا الحديث بقوله: هذا حديث لا يصح مرفوعا، وإنما الصحيح فيه أنه من قول أبي الدرداء. . أ. هـ (٢).
وقد اعتنى الصحابة بتفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه، فحكي عنهم وجوه متعددة في تفسير الآية الواحدة، أو اللفظة القرآنية الواحدة.
ويشهد له ما أخرجه ابن سعد. من طريق عكرمة عن ابن
стр. 11835
عباس أن علي بن أبي طالب ﵄ أرسله إلى الخوارج فقال: "اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم في القرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة".
وأخرج من طريق آخر أن ابن عباس قال له: "يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم في بيوتنا نزل، قال: صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن، فلم تبق بأيديهم حجة".
وقد نقل عن الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم من العلماء في تفسير الآية الواحدة معان متعددة: فمن ذلك ما نقل عن أبي العالية. قوله: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنى، إلا هذه الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (١).
стр. 11836
أن لا يراها أحد" (١).
وأخرج عن سعيد بن جبير، قال: "العفو" في القرآن على ثلاثة أنحاء: نحو تجاوز عن الذنب، ونحو في القصد في النفقة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢).
ونحو في الإحسان فيما بين الناس: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ﴾ (٣).
وأخرج عكرمة، قال: "ما صنع الله فهو "السد"، ما صنع الناس فهو "السد" (٤).
وذكر أبو عمرو الداني في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ (٥).
أن المراد بالحضور هنا المشاهدة. قال: وهو بالظاء بمعنى المنع والتحويط، قال: ولم يأت بهذا المعنى إلا في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٦).
стр. 11837
وقال أحمد بن فارس: "كل ما في القرآن من ذكر الأسف"، فمعناه الحزن إلا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (١) فمعناه أغضبونا.
وكل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب إلا: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢). فهي القصور الطوال الحصينة.
وكل ما فيه من "سخر" فالاستهزاء إلا ﴿سُخْرِيًّا﴾ (٣). في الزخرف فهو من التسخير والاستخدام" (٤).
وهذا القدر فيه الكفاية للدلالة على وجود هذا النوع من التفسير في عصر الرسول ﷺ ، والصحابة من بعده، ٣ والتابعين ومن جاء بعدهم إلا أنه لم تظهر دواعي تدوينه في زمن الرسول وأصحابه وتابعيهم وذلك للأسباب الآتية:
أولا: أن القرآن نزل بألسنتهم وهم أهل الفصاحة والبلاغة فهم من القدرة على إدراك ألفاظ القرآن ووجوه ألفاظه على حال لا تحوجهم إلى تدوينه، ولم يكن المجتمع العربي قد اختلط بعد باللسان الأعجمي الذي يحتاج إلى مثل هذه العلوم.
ثانيا: مشاهدتهم للتنزيل ومعرفة مناسبة النزول تساعدهم على فهم المراد من اللفظ في كل آية، وإن تعدد وروده في أماكن كثيرة من الآيات، ولكن ما إن جاء عصر أتباع التابعين حتى بعدت شقة الزمن بينهم وبين التنزيل فخفي عليهم بعض أسباب النزول، كما أن العجم قد دخلوا أفواجا في الإسلام وهم لا علم لهم باللغة العربية وأساليبها، بالإضافة إلى ذلك ظهور الأحزاب السياسية
стр. 11838
الإسلامية التي حاولت أن تدعم مزاعمها بحمل الألفاظ على المعنى الذي يؤيد عقيدتها. كذلك انتشار تدوين العلوم، كل هذه الأمور كانت من أسباب تدوين هذا النوع من التفسير حفاظا على هذا العلم من الضياع.
فمن هذا كله وما تقدم نجد أن هذا العلم كان موجودا في عصر الرسول ﷺ والصحابة، والتابعين من بعدهم، وأن الدواعي الآنفة الذكر كانت من أسباب توسع هذا العلم وتدوينه في كتب وكراريس، ثم تتابع التأليف في القرون التالية.
وبالجملة فإن الاهتمام بالدراسات التي تتعلق بالقرآن الكريم إنما تعكس مدى العناية بهذا الكتاب الكريم، وقد ظهرت هذه العناية منذ عصر الصحابة كما أشرنا إلى ذلك في كثير من المواطن. ونرجو الله ألا تتوقف هذه الدراسات التي تكشف عن مكنونات القرآن وصلاحيته لكل زمن وكل جيل.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. .
стр. 11839
قائمة المراجع والمصادر
- الإتقان في علوم القرآن للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي _ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم _ ط. الثالثة ١٤٠٥ هـ _ دار التراث للنشر والتوزيع _ القاهرة.
- أسد الغابة في معرفة الصحابة _ لعز الدين بن الأثير الجزري - ط. الشعب.
- الأشباه والنظائر للثعالبي، منه نسخة محفوظة بمعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية (سابقا) مدون عليها (ولي الدين ٥٢) عن النسخة الأصلية بمكتبة بايزيد بتركيا
- الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان البلخي - تحقيق الدكتور عبد الله محمود شحاته - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة.
- الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني - حقق أصوله وضبط أعلامه، ووضع فهارسه علي محمد البجاوي - ط. دار الثقافة العربية للطباعة - القاهرة.
- الأعلام لخير الدين الزركلي - ط. السادسة ١٩٨٤ م - دار العلم للملايين - بيروت.
- البداية والنهاية للحافظ ابن كثير - ط. الأولى ١٣٥١ هـ - دار الفكر العربي - القاهرة.
- البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين الزركشي - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - ط. الأولى ١٣٧٦ هـ - دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.
- بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي - تحقيق الأستاذ محمد علي النجار - المكتبة العلمية - بيروت.
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - ط. الثانية ١٣٩٩ هـ - دار الفكر - القاهرة.
- تاج العروس من جواهر القاموس للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي - تحقيق عبد العليم الطحاوي، راجعه عبد الكريم العزباوي وعبد الستار أحمد فراج - طبعة حكومة الكويت ١٣٩٤ هـ
- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (عهد الخلفاء الراشدين) لشمس الدين محمد بن عثمان الذهبي - تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري - ط. الأولى ١٤٠٧ هـ - دار الكتاب العربي - بيروت.
- تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - ط. دار سويدان - بيروت.
- تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر أحمد الخطيب البغدادي - المكتبة السلفية - المدينة المنورة.
- تاريخ الثقافات للحافظ أحمد بن صالح العجلي - ترتيب نور الدين الهيثمي، وتضمينات ابن حجر العسقلاني - وثق أصوله، وخرج أحاديثه، وعلق عليه د. عبد المعطي قلعجي - ط. الأولى ١٤٠٥ هـ - دار الكتب العلمية - بيروت.
- تاريخ خليفة بن خياط - تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري - ط. ١٤٠٥ هـ - دار طيبة - الرياض.
- تحصيل نظائر القرآن للترمذي - مخطوطة بمكتبة جامعة الدول العربية (سابقا) تحت رقم (البلدية ٣٥٨٥/ ٢ خ).
- تذكر الحفاظ للإمام شمس الدين محمد الذهبي - ط. دار الفكر العربي
- التصاريف ليحيى بن سلام - تحقيق الدكتورة هند شلبي - الشركة التونسية للتوزيع
стр. 11840
- تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني - حققه، وعلق حواشيه، وقدم له عبد الوهاب عبد اللطيف - ط. الثانية ١٣٩٥ هـ - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.
- تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني - ط. الأولى ١٣٢٥ هـ - دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن الهند.
- تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي - حققه، وضبط نصه، وعلق عليه الدكتور بشار عواد معروف - ط. الأولى ١٤٠٠هـ، مؤسسة الرسالة - بيروت
- جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي - ط. إدارة الطباعة المنيرية - القاهرة
- جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الأزدي - ط. الدار المصرية للتأليف والترجمة ١٩٦٦ م - القاهرة
- جمهرة اللغة لابن دريد - ط. دائرة المعارف العثمانية - الهند
- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة لجلال الدين السيوطي - تحقيق أبو الفضل إبراهيم - ط. الأولى ١٣٨٧ هـ دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني - ط. الثالثة ١٤٠٠ هـ - دار الكتاب العربي - بيروت.
- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني - مراقبة الدكتور محمد عبد المعيد خان ط. الثانية ١٣٩٢ هـ - دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن الهند.
- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي - وثق أصوله، وخرج حديثه، وعلق عليه الدكتور عبد المعطي قلعجي - ط. الأولى ١٤٠٥ هـ - دار الكتب العلمية - بيروت.
- سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد الذهبي - أشرف على تحقيق الكتاب، وخرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط - ط. الثانية ١٤٠٢ هـ - مؤسسة الرسالة - بيروت.
- السيرة النبوية لابن هشام، حققها، وضبتها، وشرحها، ووضع فهارسها مصطفى السقا وآخرون - مؤسسة علوم القرآن - بيروت.
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي - ط. دار إحياء التراث العربي بيروت.
- صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - إشراف بدر الدين جتين أرـ دار الدعوة.
- صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - وقف على طبعه، وتحقيق نصوصه، وتصحيحه وترقيمه محمد فؤاد عبد الباقي - دار الدعوة.
- الصلة لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال - ط. الدار المصرية للتأليف والترجمة ١٩٦٦ م.
- طبقات الحفاظ للسيوطي - ط. الأولى ١٤٠٣ هـ - دار الكتب العلمية - بيروت.
- الطبقات الكبرى لابن سعد - دار صادر - بيروت.
- طبقات النحويين واللغويين للزبيدي - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - ط. الثانية - دار المعارف - مصر.
- العبر في خبر من غبر لشمس الدين محمد الذهبي - تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد - ط. الثانية مصورة ١٩٨٤ م - مطبعة حكومة الكويت.
- غاية النهاية في طبقات القراء للجزري - عني بنشره ج. برجستراسر - ط. الثانية ١٤٠٠ هـ -
стр. 11841
- دار الكتب العلمية - بيروت
- فتح الباري بشرح الإمام البخاري لابن حجر العسقلاني - قرأ أصله تصحيحا وتحقيقا، وأشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - نشر وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.
- فوات الوفيات والذيل عليها لمحمد بن شاكر الكتبي - تحقيق الدكتور إحسان عباس - دار صادر - بيروت.
- الكامل في التاريخ لعز الدين أبي الحسن علي بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير - دار صادر - بيروت ١٤٠٢ هـ.
- كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر لابن العماد - تحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم - مؤسسة شباب الجامعة - الإسكندرية.
- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة - دار الفكر - ١٤٠٢ هـ.
- لسان العرب لابن منظور - تصوير دار صادر - بيروت.
- ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد للمبرد - إشراف الأستاذ الميمني - المطبعة السلفية - الهند ١٣٥٠ هـ.
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين الهيثمي - بتحرير الحافظين العراقي وابن حجر - ط. الثالثة ١٤٠٢ هـ - دار الكتاب العربي - بيروت.
- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان لعفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني - تحقيق عبد الله الجبوري - ط. الأولى ١٤٠٥ هـ - مؤسسة الرسالة - بيروت.
- المستدرك على الصحيحين في الحديث لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم دار الكتب العلمية - بيروت.
- مسند الإمام أحمد - دار الدعوة.
- المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني - عني بتحقيق نصوصه، وتخريج أحاديثه، والتعليق عليه: حبيب الرحمن الأعظمي - ط. الثانية ١٤٠٣ هـ - المكتب الإسلامي - بيروت.
- معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي - تحقيق علي محمد البجاوي - دار الفكر العربي - القاهرة.
- معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس - تحقيق عبد السلام هارون - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت ١٣٩٩ هـ.
- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
- المغني في الضعفاء لشمس الدين محمد الذهبي - تحقيق الدكتور محمد نور الدين عتر - سوريا.
- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني - تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني - دار المعارف - بيروت
- منتخب قرة العيون النواظر في الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لابن الجوزي - تحقيق ودراسة محمد السيد الصفطاوي، والدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد - ط. منشأة المعارف - الإسكندرية.
- ميزان الاعتدال في نقد الرجال لشمس الدين محمد الذهبي - تحقيق علي محمد البجاوي - ط. الأولى ١٣٨٢ هـ - دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.
- نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لابن الجوزي - عني بتصحيحه والتعليق
стр. 11842
عليه السيدة / مهر النساء، آيم. آى. ط. الأولى ١٣٩٤ هـ، دائرة المعارف العثمانية حيدر أباد الدكن الهند.
- هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي - دار الفكر - بيروت ١٤٠٢ هـ.
- وجوه القرآن لإسماعيل الحيري - منه نسخة مخطوطة بجامعة الدول العربية تحت رقم (جامعة كمبريدج ١٢٨٢ QR) .
- الوجوه والنظائر للدامغاني - حققه، ورتبه، وأكمله، وأصلحه عبد العزيز سيد الأهل - دار العلم للملايين - بيروت.
- الوجوه والنظائر في القرآن الكريم لهارون بن موسى الحجازي - منه نسخة مخطوطة بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم ٣٣٣٤ / ف.
- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس أحمد بن خلكان - تحقيق الدكتور إحسان عباس - دار صادر - بيروت.
- الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي - ط. الثانية ١٩٨٥ م، بيروت.
стр. 11843
جعفر بن أبي طالب
أول سفير في الإسلام
اللواء الركن: محمود شيت خطاب (١)
نسبه وأيامه الأولى
هو جعفر بن أبي طالب واسم أبي طالب: عبد مناف، بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، وأخو علي بن أبي طالب ﵁ لأبويه، يكنى: أبا عبد الله بابنه عبد الله (٢).
أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي (٣)، وكان جعفر الثالث من أولاد أبيه أبي طالب، وكان طالب أكبرهم سنا، ويليه عقيل، ويلي عقيلا جعفر، ويلي جعفرا علي، وكل واحد منهم أكبر من شقيقه بعشر سنين، وعلي أصغرهم سنا،، وأمهم جميعا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي (٤)، وفاطمة أمهم أول هاشمية تزوجها هاشمي، وقد أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في زمن النبي ﷺ ، ونزل ﵊ في قبرها، وكان يكرمها (٥).
стр. 11844
أسلم جعفر قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم يدعو إلى الإسلام فيها (١)، وقد أسلم بعد إسلام شقيقه علي بن أبي طالب ﵁ بقليل، وروي أن أبا طالب رأى النبي ﷺ وعليا ﵁ يصليان، وعلي على يمينه، فقال لجعفر: "صل جناح ابن عمك، وصل على يساره"، وقيل: أسلم بعد واحد وثلاثين إنسانا، وكان هو الثاني والثلاثين.
لقد كان جعفر من السابقين الأولين إلى الإسلام (٢).
стр. 11845
المهاجر السفير:
١ - لما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه (١)»، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه وفيه صلاح (٢)، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة (٣)، وكان ذلك في السنة الخامسة من النبوة (٤)، أي في السنة الثامنة قبل الهجرة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت هذه الهجرة أول هجرة في الإسلام (٥)، وهي الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة (٦).
стр. 11846
وكما كان جعفر أحد السابقين الأولين إلى الإسلام (١)، كان أحد المهاجرين الأولين إلى الحبشة (٢)، فقد هاجر إليها ومعه امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم الخثعمية (٣)، فولدت له هناك: عبد الله، وعونا، ومحمدا (٤).
وبعث النبي ﷺ كتابا إلى النجاشي مع جعفر هذا نصه.
«بسم الله الرحمن الرحيم
من: محمد رسول الله.
إلى: النجاشي الأصحم ملك الحبشة.
سلم أنت، فإني أحمد إليك الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه.
وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة له على طاعتهن وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله.
وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا، ونفرا معه من المسلمين، فإذا جاءك، فأقرهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي. والسلام على من اتبع الهدى (٦)».
وقد أعطى النبي ﷺ ابن عمه جعفرا هذا الكتاب إلى النجاشي وقت
стр. 11847
هجرة جعفر إلى الحبشة، طالبا من النجاشي العادل الاعتناء بحال اللاجئين الغرباء في بلاده (١) من المسلمين، وهم المهاجرون الأولون من المسلمين إلى أرض الحبشة، كما دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام.
وذكر العبارة: ". . . «وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا، ونفرا معه من المسلمين، فإذا جاءك، فأقرهم». . . "، لا يمكن أن تتعلق بالكتاب المرسل في السنة السادسة الهجرية مع عمرو بن أمية الضمري، حيث كان قد مضى خمس عشرة سنة على هجرة جعفر إلى الحبشة، وكان على وشك الرجوع إلى دار الإسلام.
والمصادر التي لم تذكر هذه العبارة في متن الكتاب النبوي متأخرة عن الطبري الذي ذكرها، فليس ذكرها سهوا من الطبري، بل عدم ذكرها سهو من المتأخرين.
٢ - ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد اصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جليدين إلى النجاشي فيردهم عليهم، ليفتنوهم في دينهم، ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها، فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما الهدايا للنجاشي وبطارقته (٢)، ثم بعثوهما إليه فيهم، وأمروهما أن يدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن يكلما النجاشي في المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة.
وخرجا حتى قدما على النجاشي، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: "إنه قد ضوى (٣) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا
стр. 11848
في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم" فقالوا لهما: "نعم" (١).
وكان أمير المؤمنين على المهاجرين إلى الحبشة جعفر بن أبي طالب (٢) وقدم عمرو بن العاص وصاحبه هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهما، فكلماه في المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده ليردهم إلى قريش، فأرسل النجاشي إلى أصحاب رسول الله ﷺ فلما جاءوا، وقد دعا النجاشي أساقفته (٣) فنشروا مصاحفهم حوله، فسألهم وقال لهم: "ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم، ولم تدخلوا ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟ فأجابه جعفر عن المسلمين المهاجرين فقال له: "أيها الملك! كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش وقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - وعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى
стр. 11849
عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك، فقال له النجاشي: "هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ " فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) (١)، فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم (٢) ثم قال النجاشي: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة (٣) واحدة، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون".
ولما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: "والله لآتينه غدا عنهم، أستأصل به خضراءهم (٤) فقال عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين: "لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا" فقال: "والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد ".
وغدا على النجاشي من الغد، فقال: "أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه".
وأرسل النجاشي إلى المسلمين المهاجرين ليسألهم عن عيسى، فلما دخلوا عليه قال لهم: "ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ " فقال جعفر: "نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول"، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ
стр. 11850
منها عودا، ثم قال: "والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود (١) اذهبوا فأنتم الآمنون، من سبكم غرم، ما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. . . ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها" فخرجا - عمرو بن العاص وصاحبه - من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقام المسلمون في أرض الحبشة عند النجاشي في خير دار مع خير جار (٢).
وهكذا أدى جعفر واجبه في الدفاع عن المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة وفي شرح تعاليم الإسلام للنجاشي ورجاله، فنجح في إخفاق عمرو بن العاص وصاحبه في مهمته إلى أرض الحبشة، فعادا أدراجهما خائبين.
٣ - ولما هاجر النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وأذن للمسلمين بالهجرة إليها، وبدأ بوضع أسس المجتمع الإسلامي بالمؤاخاة، آخى بين جعفر ومعاذ بن جبل، من بني سلمة الأنصار وكان جعفر غائبا بالحبشة (٣).
وأكثر الذين أرخوا لجعفر لم يذكروا هذه المؤاخاة بينه وبين معاذ بن جبل، فقد كانت المؤاخاة بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة وقبل غزوة بدر الكبرى، فلما كان يوم بدر نزلت آية الميراث وانقطعت المؤاخاة، وجعفر غائب يومئذ بأرض الحبشة (٤).
وأرسل النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري سفيرا إلى النجاشي (٥) يدعوه
стр. 11851
إلى الإسلام سنة ست الهجرية، وكتب إلى النجاشي، فأسلم النجاشي، وأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ويرسلها ويرسل من عنده من المسلمين (١).
فقد آمن النجاشي بالنبي ﷺ واتبعه، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأرسل إليه ابنه في ستين من الحبشة، فغرقوا في البحر (٢). وبعث النجاشي بكسوة إلى رسول الله ﷺ (٣). وأرسل النجاشي إلى النواتي (٤) فقال: "انظروا ما يحتاج فيه هؤلاء القوم من السفن؟ "، فقالوا: يحتاجون إلى سفينتين، فجهزهم.
وكلم قوم النجاشي من الحبشة أسلموا، في أن يبعث بهم إلى رسول الله ﷺ يسلموا عليه، وقالوا: نصاحب هؤلاء، فنجذف بهم في البحر، ونغنيهم، فأذن لهم، فشخصوا مع عمرو بن أمية، وأمر عليهم جعفر بن أبي طالب (٥).
ويبدو أن النبي ﷺ ، أرسل عمرو بن أمية إلى النجاشي في أواخر سنة ست الهجرية، فعاد من سفارته في أوائل سنة سبع الهجرية، لأن مهاجري الحبشة وعلى رأسهم جعفر، عادوا من أرض الحبشة إلى المدينة المنورة، في أعقاب غزوة خيبر التي كانت في شهر محرم من سنة سبع الهجرية (٦).
وقدم جعفر في جماعة من المسلمين من أرض الحبشة بإثر فتح خيبر (٧) فالتزمه رسول الله ﷺ وقبل «ما بين عينيه واعتنقه، وقال: والله ما
стр. 11852
أدري بأيهما أنا أسر! بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر. أو قال: والله ما أدري، أبقدوم جعفر أنا أسر وأفرح، أم بفتح خيبر وأنزله رسول الله ﷺ إلى جنب المسجد. وقسم له من غنائم خيبر، واختط له إلى جنب المسجد (٥)».
وهكذا كانت لجعفر هجرتان: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة المنورة (٦)، وقد استقر في المدينة المنورة قاعدة المسلمين الرئيسة، بعد أن طال غيابه عن وطنه ردحا طويلا من الزمن، استمر أكثر من أربع عشرة سنة في بلاد الحبشة، من السنة الثامنة قبل الهجرة إلى أوائل السنة السابعة الهجرية، كان خلالها المسئول الأول عن المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة، فأسلم على يده النجاشي وغيره من الحبشة، كما أسلم غير النجاشي وغير الذين أسلموا على يد جعفر من الأحباش على أيدي غيره من المسلمين المهاجرين.
ولا مجال للشك في إسلام النجاشي، ولا مجال للتشكيك في إسلامه، ولا يقبل الشك في إسلامه ولا التشكيك فيه مسلم حق، لأن إسلام النجاشي ثابت، «فقد صلى النبي ﷺ صلاة الغائب حين بلغه موته، (٧)» كما ثبت ذلك في صحيح البخاري ومسلم (٨) والنسائي (٩) وفي جميع مصادر الحديث الشريف والفقه الإسلامي (١٠)، ولا تصلى صلاة الغائب إلا
стр. 11853
على المسلمين فحسب، وكان اسم النجاشي الذي أسلم وصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب: أصحمة (١).
стр. 11854
في سرية مؤتة:
بعث النبي ﷺ سرية مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان الهجرية، وكان سبب بعث هذه السرية أن النبي ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد أبناء بني لهب إلى ملك بصرى (١) بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ ، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه، وندب الناس، فأسرعوا، وعسكروا خارج المدينة المنورة بالجرف (٢)، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله ﷺ : «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا، فيجعلوه عليهم (٣)».
وعقد رسول الله ﷺ ، لواء أبيض دفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله ﷺ أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم الله وقاتلوهم. وخرج ﵊ مشيعا لهم حتى بلغ (ثنية الوداع) (٤)، فوقف وودعهم، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين! فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا (٥)
стр. 11855
ولما فصل المسلمون من المدينة، سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه.
ونزل المسلمون (معان) (١) من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل (مآب) (٢) من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام.
وأقام المسلمون في معان ليلتين لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره الخبر. . . . . ولكن عبد الله بن رواحة شجع المسلمين على المضي قدما إلى هدفهم تنفيذا لأوامر النبي ﷺ ، فمضوا إلى مؤتة.
ولما وصل المسلمون إلى (مؤتة)، وافاهم المشركون هناك، فجاءهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون بالمشركين، وقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم.
وأخذ اللواء زيد بن حارثة، فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتى قتل طعنا بالرماح ﵀.
وأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فترجل عن فرس له شقراء، فعرقبها (٣)، فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام، وقاتل حتى استشهد ﵁، ضربه رجل من الروم، فقطعه بنصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جرحا، ووجد فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه تسعون ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف، وفي رواية أخرى اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح (٤).
стр. 11856
وأخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل ﵁، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فسحب قوات المسلمين من ساحة المعركة وحمى بالشاقة انسحابهم، وعاد بهم إلى المدينة.
وهكذا مضى جعفر إلى ربه شهيدا، مقبلا غير مدبر، يقاتل الروم وحلفاءهم من الغساسنة وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها ... .........
فأخذ جعفر اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه (١) بعضديه حتى قتل (٢) فسقط مضرجا بدمائه دون أن يسقط اللواء، فقد رفعه أحد المسلمين عاليا، وتلك شجاعة فذة، وبطولة نادرة، وإقدام لا يتكرر إلا قليلا.
الإنسان:
كانت سن علي بن أبي طالب ﵁ يوم أسلم إحدى عشر سنة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامه، وقيل ثلاث عشرة، وقيل: سبع سنين، والثابت إحدى عشرة سنة لأن رسول الله ﷺ بعث وهذه سنوه، فأقام معه بمكة ثلاث عشرة سنة (٣)، أي أن عليا كان في الرابعة والعشرين من عمره حين هاجر النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
стр. 11857
وكان جعفر أكبر من علي بن أبي طالب بعشر سنين (١) أي أن جعفرا كان في الرابعة والثلاثين من عمره حين هاجر النبي ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
وقد استشهد جعفر بمؤتة من أرض الشام مقبلا غير مدبر مجاهدا للروم في حياة النبي ﷺ في شهر جمادى الأولى من سنة ثمان الهجرية (٢) (٦٢٩ م)، أي أنه استشهد وكان له من العمر اثنتان وأربعون سنة.
وولد جعفر: عبد الله، ومحمدا، وعونا، أمهم: أسماء بنت عميس، الخثعمية (٣) ولما هاجر جعفر إلى أرض الحبشة، حمل امرأته أسماء بنت عميس فولدت له هناك: عبد الله ومحمدا وعونا، ثم ولد للنجاشي بعدما ولدت أسماء بنت عميس ابنها عبد الله، فأرسل إلى جعفر: "ما سميت ابنك؟ " قال: " عبد الله " فسمى النجاشي ابنه عبد الله، فأخذته أسماء وأرضعته حتى فطمته بلبن عبد الله بن جعفر، ونزلت بذلك عندهم منزلة، فكان من أسلم بالحبشة يأتي أسماء بعد، يخبر خبرهم فلما ركب جعفر بن أبي طالب مع أصحاب السفينتين منصرفهم من عند النجاشي، حمل معه أسماء بنت عميس وولده الذين ولدوا هناك: عبد الله، ومحمدا وعونا، حتى قدم بهم المدينة، فلم يزالوا بها حتى وجه النبي ﷺ جعفرا إلى مؤتة، فمات بها شهيدا (٤).
ولجعفر ثلاثة أبناء من أسماء بنت عميس، انقرض عقب محمد من قبل ابنه القاسم، ولم يكن له غيره، ولعون عقب غير مشهور، وولد عبد الله
стр. 11858
بن جعفر وأولهم علي بن عبد الله بن جعفر، وفيه الكثرة والعدد، وأمه زينب بنت علي بن أبي طالب ﵁ من فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
ولما استشهد حمزة بن عبد المطلب، خلف ابنة واحدة، فرآها علي بن أبي طالب تطوف حول الكعبة بين الرجال، فأخذ بيدها وألقاها إلى فاطمة في هودجها. واختصم فيها علي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة حتى ارتفعت أصواتهم، فأيقظوا النبي ﷺ من نومه، فقال: "هلموا أقض بينكم فيها وفي غيرها" فقال علي: "ابنة عمي، وأنا أخرجتها، وأنا أحق بها" وقال جعفر: "ابنة عمي، وخالتها عندي"، وقال زيد: "ابنة أخي "، فقال في كل واحد قولا رضيه، فقضى بها لجعفر، وقال: "الخالة والدة"، فقام جعفر فحجل (١) حول النبي ﷺ ، دار عليه، فقال النبي ﵊: "ما هذا؟ "، قال: "شيء رأيت الحبشة يصنعون بملوكهم" وخالة بنت حمزة أسماء بنت عميس، وأمها سلمى بنت عميس (٢).
وقال النبي ﷺ لجعفر حين تنازع هو وعلي وزيد في ابنة حمزة: «أشبه خلقك خلقي، وخلقك خلقي (٣)»، وفي رواية أخرى: «أشبهت خلقي وخلقي (٤)»، وفي رواية ثالثة: «إنك شبيه خلقي وخلقي (٥)»، فهو أحد المعدودين من المشبهين بالنبي ﷺ (٦).
стр. 11859
وكان اسم ابنة حمزة ﵁: أمامة، زوجها رسول الله ﷺ سلمة بن أبي سلمة، وكان يقول: «هل جزيت سلمة؟»، يعني حين زوجه بنت حمزة بتزويجه إياه أمه أم سلمة (١).
وقد تزوج أسماء بنت عميس بعد جعفر أبو بكر الصديق ﵁، ثم تزوجها علي بن أبي طالب ﵁ (٢).
فقالت ولما أتى رسول الله ﷺ قتل جعفر كما روت عائشة أم المؤمنين ﵂، قالت: «عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن " ثم أمهل ﵊ آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ائتوني ببني أخي، فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: ادعو إلى الحلاق، فدعي، فحلق رءوسنا، ثم قال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ثلاث مرات، فجاءت أسماء وذكرت يتم أولادها، فقال: آلعيله تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ (٤)».
«وصلى النبي ﷺ على جعفر، ودعا له ثم قال: استغفروا لأخيكم جعفر، فإنه شهيد، وقد دخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة (٥)».
وذكر عن عبد الله بن جعفر أنه قال: «"أنا أحفظ حين دخل رسول الله ﷺ على أمي فنعى لها أبي، فأنظر إليه، يمسح على رأسي، وعيناه تهرقان بالدموع، حتى تقطر لحيته، ثم قال: اللهم إن جعفرا قدم إلي أحسن
стр. 11860
الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته، ثم قال: يا أسماء! ألا أسرك؟، "قالت: "بلى، بأبي أنت وأمي"، قال: إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة، قالت: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فأعلم الناس ذلك"، فقال رسول الله ﷺ ، وأخذ بيدي حتى رقى المنبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، فتكلم، فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد، وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة، ثم نزل رسول الله ﷺ ، فدخل بيته، وأدخلني معه، وأمر بطعام فصنع لأهلي وأرسل إلى أخي، فتغذينا عنده والله غداء طيبا مباركا: عمدت سلمى خادمه إلى شعير فطحنته، ثم نسفته، فأنضجته، وأدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلا، فتغديت أنا وأخي معه، فأقمنا ثلاثة أيام في بيته، ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا (١)».
وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان إذا سلم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (٢) لأنه قاتل في مؤتة فقطعت يداه والراية معه لم يلقها، فقال رسول الله ﷺ : «أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة (٣)».
«ولما نعى رسول الله ﷺ جعفرا إلى زوجه أسماء بنت عميس، قامت وصاحت وجمعت النساء، فدخلت عليها فاطمة بنت النبي ﷺ وهي تبكي وتقول: "واعماه! فقال رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبك البواكي ودخله من ذلك هم شديد ولما رجع ﵊ إلى أهله قال: لا تغفلوا آل جعفر، فإنهم قد شغلوا فأعدوا لآل جعفر
стр. 11861
طعاما، وأوصى أسماء زوج جعفر بقوله: لا تقولي هجرا ولا تضربي صدرا (١)».
وكان مما بكي به شهداء مؤتة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قول حسان بن ثابت:
تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر (٢)
بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر (٣)
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر (٤)
أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة مجسر (٥)
فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه قنا متكسر (٦)
فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر (٧)
وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يزلن ومفخر
стр. 11862
هم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويبهر (١)
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير (٢)
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر (٣)
هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك يرثي جعفر بن أبي طالب:
هدت العيون ودمع عينك يهمل ... سحا كما وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها ... طورا أخن وتارة أتململ
واعتادني حزن فبت كأنني ... ببنات نعش والسماك موكل (٤)
وكأنما بين الجوانح والحشا ... مما تأوبني شهاب مدخل (٥)
وجدا على النفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل (٦)
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا (٧)
فمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فنق عليهن الحديد المرفل (٨)
إذ يهتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصفوف مجدل (٩)
стр. 11863
فتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل (١)
قرم علا بنيانه من هاشم ... فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عضم الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما ... وتغمدت أحلامهم من يجهل (٢)
لا يطلقون إلى السفاه حباهم ... وترى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم ... تندى إذا اعتذر الزمان الممحل (٣)
وبهديهم رضي الإله لخلقه ... وبحدهم يصر النبي المرسل
وقال حسان بن ثابت يبكي جعفر بن أبي طالب ﵁:
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر ... حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي ... من للجلاد لدى العقاب وظلها (٤)
بالبيض حين تسل من أغمادها ... ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البرية كلها وأجلها (٥)
رزءا وأكرمها جميعا محتدا ... وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل ... كذبا وأنداها يدا وأقلها (٦)
стр. 11864
فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى ... فضلا وأنداها يدا وأبلها (١)
بالعرف غير محمد لا مثله ... حي من أحياء البرية كلها
والشعر في رثائه كثير، اكتفينا بجزء منه
لقد كانت لجعفر مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقال فيه أبو هريرة: "ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب " وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية، فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه. وأما أخوه علي بن أبي طالب فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه، وإنما أراد أبو هريرة تفضيله بالكرم، بدليل ما رواه البخاري عن أبي هريرة: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة (٢) التي ليس فيها شيء فنشقها، فنعلق ما فيها" تفرد به البخاري (٣)، فهو الجواد أبو الجواد (٤) بحق، وكان أبو هريرة كما روى البغوي يقول: "كان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه (يحدثهم ويحدثونه)، فكان رسول الله ﷺ يكنيه: أبا المساكين" (٥).
ولما عاد جعفر من أرض الحبشة مهاجرا إلى المدينة، وقدم مع المسلمين في السفينتين على رسول الله ﷺ في خيبر، أسهم لهم من
стр. 11865
غنائم خيبر ولم يسهم لمن لم يحضرها غير أهل السفينتين (١)، فكانت حصة جعفر خمسين وسقا من تمر في كل سنة (٢).
وقد ورد ذكر جعفر في (المختصر) وفي مواضع من (المهذب)، منها: باب التكبير في العيد، والتعزية، والشرط في الطلاق، والحضانة (٣). روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه ابنه عبد الله وبعض أهله وأم سلمة وعمرو بن العاص وابن مسعود، وروى له النسائي في اليوم والليلة حديثا واحدا من رواية ابنه عبد الله عنه في كلمات الفرح والمحفوظ عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب (٤).
وكان علي بن أبي طالب يقول: "قال رسول الله ﷺ : «لم يكن قبلي نبي إلا قد أعطى سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشرة (٥)»، وعدد أسماءهم ومنهم جعفر (٦).
وكان أحد حواري رسول الله ﷺ وهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ﵃، وقيل الزبير بن العوام وحده (٧) حواري رسول الله ﷺ .
стр. 11866
وصدقت زوجه أسماء بنت عميس حيث وصفته بعد موته قائلة: "ما رأيت شابا من العرب كان خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرا من أبي بكر " (١).
وصدقت في رثائه حين قالت:
فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا (٢)
ومناقب جعفر كثيرة مشهورة (٣).
القائد
عاد جعفر إلى المدينة المنورة مهاجرا إليها من هجرته إلى أرض الحبشة في أعقاب غزوة خيبر التي كانت في شهر محرم من سنة سبع الهجرية، كما ذكرنا من قبل.
وكانت غزوة مؤتة في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة الهجرية، فمكث مع النبي ﷺ سنة وثلاثة أشهر، لم يكن فيها من الأحداث المهمة غير عمرة القضاء التي كانت في شهر ذي القعدة من السنة السابعة الهجرية التي شهدها النبي ﷺ وغير بعض السرايا التي قادها أصحاب النبي ﷺ .
ثم جاءت سرية مؤتة، وهي من أهم سرايا النبي ﷺ لأنها كانت على الروم في أرض الشام وحلفائهم من العرب الغساسنة النصارى وحلفاء الغساسنة من العرب النصارى والمشركين، فكانت أول سرية تتعرض بالدولة البيزنطية وهي أكبر دولتين في العالم حينذاك: الروم والفرس، كما كانت أول سرية تنهض بتعرض خارجي على نطاق دولي لأعلى نطاق محلي
стр. 11867
قبلي، لذلك احتفل النبي ﷺ بهذه الغزوة، وحشد لها ثلاثة آلاف مجاهد من المسلمين وولى قيادتها أكفأ قادته: زيد بن حارثة الكلبي، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحه.
وبالرغم من قصر المدة التي بقي فيها جعفر إلى جانب النبي ﷺ ، إلا أنه شارك في سرية مؤتة قائدا، فخاض معركة مهمة جدا من معارك المسلمين على الروم وحلفائهم وهي المعركة التمهيدية الحقيقية لفتح بلاد الشام التي حملت المسلمين على تأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية، على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية، ذلك أن الرسول ﷺ إلى جانب تبليغه الدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته، كان قائدا ماهرا يقظا لا يغض الطرف عن أي مظهر عدواني قد يحط من شأن دعوته أو يعمل على النيل منها، فلم يقف ساكنا إزاء استشهاد رسوله الذي بعثه إلى أمير الغساسنة في بصرى، فأرسل سرية مؤتة للأخذ بثأر رسوله الشهيد. وهناك عند مؤتة على حدود البلقاء إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر الميت، التقى المسلمون بقوات الروم.
ومهما كانت الخاتمة التي لقيتها سرية مؤتة، فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، فبينما رأى الروم تلك السرية (غارة) من الغارات التي اعتاد البدو شنها للنهب والسلب كانت تلك السرية في الواقع ومعركتها من نوع جديد لم تقدر دولة الروم أهميتها، فهي حرب منظمة كانت لها مهمة خاصة، جعلت المسلمين يتطلعون جديا لفتح أرض الشام.
وفي العام التالي، أي في السنة التاسعة الهجرية (٦٣٠ م)، قاد النبي ﷺ بنفسه غزوة (تبوك)، فأظهر قوة المسلمين، وعاد إلى المدينة منتصرا.
لقد قدر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بعمق ودقة أهمية سرية مؤتة وأهمية المعركة التي تخوضها، وخطورتها على حاضر
стр. 11868
المسلمين ومستقبلهم، لذلك جعل على تلك السرية ثلاثة قادة من أبرز قادته وألمعهم، إذا سقط الأول شهيدا، تولى القيادة الثاني وإذا استشهد الثاني تولاها الثالث فإذا استشهد اصطلح المسلمون على قائد يختارونه، وما ولى النبي ﷺ قبل سرية مؤتة ولا ولى بعدها ثلاثة قادة أو قائدين على سرية واحدة، ولكن بعد نظره ﵊ وتقديره لأهمية هذه السرية وخطورتها هو الذي جعله يولي ثلاثة قادة على سرية واحدة، مرة واحدة فقط في حياته العسكرية كلها، وقد صدقت الأحداث ما توقعه، فانهزمت السرية ظاهريا ولكنها انتصرت معنويا حيث رجعوا وأثرت في معنويات الروم تأثيرا عظيما.
وتولية جعفر القيادة في سرية مؤتة على أهميتها وخطورتها، دليل على كفايته القيادية وأنه قائد من طراز فريد.
وليس من الصعب اكتشاف سمات جعفر القيادية، فقد كان من أولئك القادة ذوي العقيدة الراسخة، الذين يضحون أرواحهم من أجل عقيدتهم، ويعتبرون الشهادة فوزا عظيما.
وحين رفع اللواء جعفر بعد استشهاد سلفه زيد بن حارثة، كان يعلم بالتأكيد أنه يسلك طريق الشهادة، فأقبل على مصيره المرتقب مقبلا غير مدبر بإصرار وعناد واستقتال، وهو دليل على شجاعته النادرة التي لا تتكرر إلا في المجاهدين الصادقين المحتسبين من ذوي العقيدة الراسخة والإيمان العميق.
وكان يتمتع بعقل سديد ومنطق صائب وذكاء وقاد، مما يؤدي إلى أن تكون قراراته سريعة صحيحة.
وكان ذا إرادة قوية ثابتة يتحمل المسئولية ويحبها ولا يتهرب منها أو يلقيها على عواتق الآخرين.
стр. 11869
وكان ذا نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار ثابتة على الخطوب والأحداث، والإيمان بالقضاء والقدر يقوي هذا الاتجاه.
وكان يعرف نفسيات رجاله وقابليتهم، ويكلف كل فرد منهم ما يستطيع أن يؤديه بكفاية وإتقان.
وكان يثق برجاله ويثقون به، وكان موضع ثقة النبي ﷺ وثقة أصحابه الكاملة، وكان يحب رجاله ويحبونه، ويعتمد عليهم ويعتمدون عليه.
وكان ذا شخصية قوية نافذة، ويضبط رجاله ويسيطر عليهم، ويتحلى بالطاعة التي هي الضبط المتين في أجلى مظاهره.
وكان ذا ماض ناصع مجيد نسبا وفي خدمة الدين الحنيف.
وكان عارفا بمبادئ الحرب: يختار مقصده ويديمه، ويتخذ مبدأ التعرض سبيلا لمعركته يحشد قوته، ويقتصد بمجهوده، ويطبق مبدأ الأمن على قوته، ويديم معنوياتها، ويرعى قضاياها الإدارية.
ولم يطبق مبدأ المباغتة في هذه السرية، فقد كان من الصعب إخفاء حركتها في تلك الظروف التي كان العدو يتوقع أن يهاجمهم المسلمون بعد مقتل رسول رسول الله ﷺ إلى أمير الغساسنة، إذ من الصعب السكوت عن قتله أو إهماله، وهو رسول من رسل الدعوة والرسل لا تقتل أبدا، بل تكرم بموجب العرف السائد حينذاك حتى بين القبائل العربية التي تسكن الصحراء البعيدة عن معالم الحضارة.
لقد كان قائدا متميزا، وحسبه أن يكون من خريجي مدرسة الرسول القائد العظيمة ﵊ في القيادة. . . والعقيدة.
стр. 11870
السفير
كانت مزايا جعفر سفيرا واضحة المعالم، أهلته للنهوض بواجبه في تبليغ رسالة النبي ﷺ للنجاشي ملك الحبشة على أحسن وجه، وأهلته