وصدقت زوجه أسماء بنت عميس حيث وصفته بعد موته قائلة: "ما رأيت شابا من العرب كان خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرا من أبي بكر " (١).
وصدقت في رثائه حين قالت:
فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا (٢)
ومناقب جعفر كثيرة مشهورة (٣).
القائد
عاد جعفر إلى المدينة المنورة مهاجرا إليها من هجرته إلى أرض الحبشة في أعقاب غزوة خيبر التي كانت في شهر محرم من سنة سبع الهجرية، كما ذكرنا من قبل.
وكانت غزوة مؤتة في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة الهجرية، فمكث مع النبي ﷺ سنة وثلاثة أشهر، لم يكن فيها من الأحداث المهمة غير عمرة القضاء التي كانت في شهر ذي القعدة من السنة السابعة الهجرية التي شهدها النبي ﷺ وغير بعض السرايا التي قادها أصحاب النبي ﷺ .
ثم جاءت سرية مؤتة، وهي من أهم سرايا النبي ﷺ لأنها كانت على الروم في أرض الشام وحلفائهم من العرب الغساسنة النصارى وحلفاء الغساسنة من العرب النصارى والمشركين، فكانت أول سرية تتعرض بالدولة البيزنطية وهي أكبر دولتين في العالم حينذاك: الروم والفرس، كما كانت أول سرية تنهض بتعرض خارجي على نطاق دولي لأعلى نطاق محلي
стр. 11867
قبلي، لذلك احتفل النبي ﷺ بهذه الغزوة، وحشد لها ثلاثة آلاف مجاهد من المسلمين وولى قيادتها أكفأ قادته: زيد بن حارثة الكلبي، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحه.
وبالرغم من قصر المدة التي بقي فيها جعفر إلى جانب النبي ﷺ ، إلا أنه شارك في سرية مؤتة قائدا، فخاض معركة مهمة جدا من معارك المسلمين على الروم وحلفائهم وهي المعركة التمهيدية الحقيقية لفتح بلاد الشام التي حملت المسلمين على تأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية، على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية، ذلك أن الرسول ﷺ إلى جانب تبليغه الدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته، كان قائدا ماهرا يقظا لا يغض الطرف عن أي مظهر عدواني قد يحط من شأن دعوته أو يعمل على النيل منها، فلم يقف ساكنا إزاء استشهاد رسوله الذي بعثه إلى أمير الغساسنة في بصرى، فأرسل سرية مؤتة للأخذ بثأر رسوله الشهيد. وهناك عند مؤتة على حدود البلقاء إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر الميت، التقى المسلمون بقوات الروم.
ومهما كانت الخاتمة التي لقيتها سرية مؤتة، فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، فبينما رأى الروم تلك السرية (غارة) من الغارات التي اعتاد البدو شنها للنهب والسلب كانت تلك السرية في الواقع ومعركتها من نوع جديد لم تقدر دولة الروم أهميتها، فهي حرب منظمة كانت لها مهمة خاصة، جعلت المسلمين يتطلعون جديا لفتح أرض الشام.
وفي العام التالي، أي في السنة التاسعة الهجرية (٦٣٠ م)، قاد النبي ﷺ بنفسه غزوة (تبوك)، فأظهر قوة المسلمين، وعاد إلى المدينة منتصرا.
لقد قدر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بعمق ودقة أهمية سرية مؤتة وأهمية المعركة التي تخوضها، وخطورتها على حاضر
стр. 11868
المسلمين ومستقبلهم، لذلك جعل على تلك السرية ثلاثة قادة من أبرز قادته وألمعهم، إذا سقط الأول شهيدا، تولى القيادة الثاني وإذا استشهد الثاني تولاها الثالث فإذا استشهد اصطلح المسلمون على قائد يختارونه، وما ولى النبي ﷺ قبل سرية مؤتة ولا ولى بعدها ثلاثة قادة أو قائدين على سرية واحدة، ولكن بعد نظره ﵊ وتقديره لأهمية هذه السرية وخطورتها هو الذي جعله يولي ثلاثة قادة على سرية واحدة، مرة واحدة فقط في حياته العسكرية كلها، وقد صدقت الأحداث ما توقعه، فانهزمت السرية ظاهريا ولكنها انتصرت معنويا حيث رجعوا وأثرت في معنويات الروم تأثيرا عظيما.
وتولية جعفر القيادة في سرية مؤتة على أهميتها وخطورتها، دليل على كفايته القيادية وأنه قائد من طراز فريد.
وليس من الصعب اكتشاف سمات جعفر القيادية، فقد كان من أولئك القادة ذوي العقيدة الراسخة، الذين يضحون أرواحهم من أجل عقيدتهم، ويعتبرون الشهادة فوزا عظيما.
وحين رفع اللواء جعفر بعد استشهاد سلفه زيد بن حارثة، كان يعلم بالتأكيد أنه يسلك طريق الشهادة، فأقبل على مصيره المرتقب مقبلا غير مدبر بإصرار وعناد واستقتال، وهو دليل على شجاعته النادرة التي لا تتكرر إلا في المجاهدين الصادقين المحتسبين من ذوي العقيدة الراسخة والإيمان العميق.
وكان يتمتع بعقل سديد ومنطق صائب وذكاء وقاد، مما يؤدي إلى أن تكون قراراته سريعة صحيحة.
وكان ذا إرادة قوية ثابتة يتحمل المسئولية ويحبها ولا يتهرب منها أو يلقيها على عواتق الآخرين.
стр. 11869
وكان ذا نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار ثابتة على الخطوب والأحداث، والإيمان بالقضاء والقدر يقوي هذا الاتجاه.
وكان يعرف نفسيات رجاله وقابليتهم، ويكلف كل فرد منهم ما يستطيع أن يؤديه بكفاية وإتقان.
وكان يثق برجاله ويثقون به، وكان موضع ثقة النبي ﷺ وثقة أصحابه الكاملة، وكان يحب رجاله ويحبونه، ويعتمد عليهم ويعتمدون عليه.
وكان ذا شخصية قوية نافذة، ويضبط رجاله ويسيطر عليهم، ويتحلى بالطاعة التي هي الضبط المتين في أجلى مظاهره.
وكان ذا ماض ناصع مجيد نسبا وفي خدمة الدين الحنيف.
وكان عارفا بمبادئ الحرب: يختار مقصده ويديمه، ويتخذ مبدأ التعرض سبيلا لمعركته يحشد قوته، ويقتصد بمجهوده، ويطبق مبدأ الأمن على قوته، ويديم معنوياتها، ويرعى قضاياها الإدارية.
ولم يطبق مبدأ المباغتة في هذه السرية، فقد كان من الصعب إخفاء حركتها في تلك الظروف التي كان العدو يتوقع أن يهاجمهم المسلمون بعد مقتل رسول رسول الله ﷺ إلى أمير الغساسنة، إذ من الصعب السكوت عن قتله أو إهماله، وهو رسول من رسل الدعوة والرسل لا تقتل أبدا، بل تكرم بموجب العرف السائد حينذاك حتى بين القبائل العربية التي تسكن الصحراء البعيدة عن معالم الحضارة.
لقد كان قائدا متميزا، وحسبه أن يكون من خريجي مدرسة الرسول القائد العظيمة ﵊ في القيادة. . . والعقيدة.
стр. 11870
السفير
كانت مزايا جعفر سفيرا واضحة المعالم، أهلته للنهوض بواجبه في تبليغ رسالة النبي ﷺ للنجاشي ملك الحبشة على أحسن وجه، وأهلته
стр. 11871
للنهوض بواجب الدعوة إلى الله في أرض الحبشة، فآمن على يديه النجاشي وكثير من بني قومه، وأهلته للدفاع عن المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة تجاه مكايد سفيري مشركي قريش الذين كانا أثيرين لدى النجاشي ولدى المقربين إليه من رجال الدين والسلطة، ولديهما الهدايا والمال الذي يغرون به النجاشي ورجاله المقربين، بينما لم يكن لدى جعفر ما يتقرب به من الهدايا والمال للنجاشي وغيره من أصحاب السلطان، وكان يعاني الفقر والعوز والحرمان.
كما أهلته تلك المزايا لقيادة المسلمين المهاجرين الذين قدموا معه أرض الحبشة من مكة، وقيادة المسلمين الجدد من الأحباش الذين اعتنقوا الإسلام على يديه وعلى أيدي إخوانه المهاجرين الآخرين، فقد كان جعفر أمير المؤمنين على المسلمين المهاجرين إلى الحبشة وعلى المسلمين في أرض الحبشة كافة، ما دام مهاجرا في أرض الحبشة حتى التحق بالنبي ﷺ بالمدينة المنورة، فكان جعفر نعم السفير القوي الأمين، ونعم الداعية الحصيف الحكيم، ونعم المدافع الجريء البليغ، ونعم القائد الحازم المقتدر.
أول هذه المزايا الانتماء والإيمان، فقد كان انتماؤه للإسلام حاسما جازما، وكان من الذين سارعوا إلى اعتناق هذا الدين، فكان من السابقين الأولين، ولعل الدليل القاطع على إيمانه العميق هجرته إلى أرض الحبشة، مخلفا أهله وماله وبلده من أجل عقيدته، وصبره الجميل على الغربة سنين طويلة في ظروف معاشية قاسية أو غير مريحة على أقل تقدير، وانتماؤه وإيمانه، هو الذي حفزه لرعاية إخوانه في الدين، فكانت رعايته لهم لا تقل في حال من الأحوال عن رعاية أهله وزوجه وبنيه، وأدى إلى الانسجام معهم في حياتهم الجديدة انسجاما خفف عليهم معضلات الغربة في ديار الغربة، ذلك لأن الثقة الكاملة كانت متبادلة بين جعفر والمسلمين
стр. 11872
المهاجرين، وبين المسلمين المهاجرين وجعفر، فكان بحق الأب والأخ والقائد والأمير للمسلمين / المهاجرين وللمسلمين غير المهاجرين من الأحباش أيضا.
كما أن الانتماء المطلق للإسلام والعقيدة الراسخة بتعاليمه، أشاع الانسجام الفكري بين المجتمع أفرادا وجماعات، وهذا يؤدي إلى التعاون المثمر بغير حدود.
وكان جعفر يتميز بالفصاحة، فهو رجل من قريش أفصح العرب، ومن بني هاشم أفصح قريش، وعرضه قضية المسلمين المهاجرين أمام النجاشي وبحضور عمرو بن العاص وصاحبه، خير دليل على فصاحته المتميزة ومنطقه الواضح السليم.
لقد كان أسلوبه البياني من ذلك السهل الممتنع، الذي لا يشق فهمه على أحد، ولكن يشق الإتيان بمثله على كل أحد إلا نادرا.
وكان عالما في الدين، يحفظ ما نزل من القرآن الكريم، ويتلوه على أسماع الآخرين دليلا على شرح الإسلام، وجوابا على اعتراض المعترضين وتساؤل المتسائلين.
وكان على جانب عظيم من حسن الخلق، فقد كان أخير الناس للمسكين (١)، وما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا ركب الكور (٢) بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر (٣)، وقال ﵊، «أما أنت يا جعفر، فأشبهت خلقي وخلقي (٤)»، وحسبه بذلك دليلا على أنه كان على خلق عظيم.
стр. 11873
ولا شيء كالخلق الكريم يؤدي إلى نجاح السفير في سفارته، لأنه يستقطب القلوب حوله، ويشد الناس إليه، ويجعله موضع ثقتهم، فيحقق ما يصبو إليه من أهداف دون عناء.
لقد كان جعفر ومن معه من المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة لاجئين، فلما تأكد النجاشي أنهم على حق، وأنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، بسط حمايته عليهم ومنعهم من أعدائهم مشركي قريش، وبالتدريج تطور حال جعفر من حال إلى حال، حتى أصبح النجاشي رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وانتهى الأمر بالمسلمين المهاجرين أن عادوا إلى وطنهم مكرمين معززين برعاية النجاشي الكاملة وحمايته، ولم يكن هذا التطور من حسن إلى أحسن إلا ثمرة من ثمرات الخلق الكريم لجعفر خاصة وللمسلمين المهاجرين عامة.
وكان جعفر يتميز بالصبر والحكمة، وقد برز صبره الجميل في تحمل أخطار الهجرة من مكة إلى أرض الحبشة، والتسلل من مجتمع مشركي قريش الذين كانوا يناصبون أشد العداء للإسلام والمسلمين، ويحرصون على بقاء المسلمين في مكة، ليتصرف كل مشرك بما يشاء حين يشاء في إلحاق الأذى بالمسلمين القادرين على إلحاق الأذى بهم والذين لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم، وحتى لا ينجوا المسلمون من أذى مشركي قريش ورقابتهم. وكان مشركوا قريش يطاردون المسلمين المهاجرين، ويمنعونهم بشتى الوسائل من الهجرة، والذين يلقون القبض عليهم من المسلمين المهاجرين، لا يفلتون من العقاب الصارم.
وبرز صبره الجميل في غربته الطويلة التي امتدت أكثر من أربع عشرة سنة، بعيدا عن أهله وقومه ووطنه.
كما برز صبره الجميل في مصاولة سفيري المشركين من قريش: عمرو
стр. 11874
بن العاص وصاحبه، ومصاولة أشياعها الأحباش المقربين من النجاشي، والذين كان هواهم مع المشركين على المسلمين.
لقد كان في محنة طاحنة متصلة، تغلب عليها بالصبر الجميل، واجتازها بنجاح يدعو إلى الإعجاب، ولكن بعناء شديد.
أما حكمته فتتجلى في مناقشة عمرو بن العاص وصاحبه بحضور النجاشي ورجالاته، وعمرو من دهاة العرب المعدودين، وقد ضمن بهداياه وأمواله حاشية النجاشي إلى جانبه، ولكن الله سبحانه ثم حكمة جعفر ومنطقه السديد، فوت الفرصة على عمرو وصاحبه، وجعل كيدهما ومن معهما من حاشية النجاشي هباء تذروه الرياح، فحاق المكر السيء بأهله، وانتصر الحق على الباطل، وجاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.
ولم يكن موقف جعفر في مناقشته الرائعة سهلا على كل حال.
وكان جعفر ألمعي الذكاء لذلك كان واسع الحيلة، وطالما صادفته المشاكل والعراقيل، منذ هاجر إلى الحبشة إلى أن هاجر إلى المدينة، ولكنه كان يجد لمشاكله ومعضلاته حلا مناسبا ومخرجا ملائما.
وكان يتحلى برواء المظهر، فكان يملأ الأعين قدرا وجلالا، وقد قال فيه النبي ﷺ : «أشبه خلقك خلقي، وخلقك خلقي (١)» وفي رواية أخرى: «أشبهت خلقي وخلقي (٢)» وفي رواية ثالثة «إنك شبيه خلقي وخلقي (٣)»، فهو أحد المعدودين من المشبهين بالنبي ﷺ (٤).
ومن المعروف أن النبي ﷺ ، كان متميزا برواء مظهره، لا اختلاف في ذلك.
وما أصدق وصف زوجه أسماء بنت عميس له حين قالت: "ما رأيت شابا من العرب كان خيرا من جعفر (٥) "، وقد قالت ما قالت بعد
стр. 11875
استشهاده وبعد أن تزوجت غيره وكانت في عصمة زوجها الجديد.
لقد كان جعفر يتحلى بمزايا السفير النبوي: الانتماء المطلق والإيمان العميق، والفصاحة العالية والعلم المتين وحسن الخلق، والصبر الجميل والحكمة النادرة، وسعة الحيلة التي تستسهل الصعب وتحل المعضلات، ورواء المظهر الذي يخلب العقول والقلوب معا.
لذلك نجح في مهمته سفيرا نجاحا باهرا، كما نجح في مهماته الأخرى التي لا تقل أهمية عن سفارته.
стр. 11876
جعفر في التاريخ
يذكر التاريخ لجعفر، أنه كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأنه أسلم قبل أن يدخل الرسول ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم.
ويذكر له، أنه هاجر الهجرتين: إلى أرض الحبشة من مكة في الهجرة الأولى، وإلى المدينة من أرض الحبشة.
ويذكر له، أنه كان من أوائل المهاجرين إلى أرض الحبشة، ومن أواخر من عاد منها إلى المدينة من المهاجرين.
ويذكر له أنه كان أمير المؤمنين لمهاجري الحبشة منذ هجرته إليها من مكة، إلى عودته منها إلى المدينة.
ويذكر له، أنه كان أول سفير نبوي في الإسلام، وأنه أول من حمل رسالة من رسائل النبي ﷺ إلى ملوك العصر وحكامه.
ويذكر له، أن النجاشي ملك الحبشة، أسلم على يديه، كما أسلم على يديه قسم من الأحباش.
ويذكر له، أنه دافع عن الإسلام والمسلمين أمام النجاشي دفاعا منطقيا مقنعا، فجعل النجاشي مع المسلمين على أعدائهم المشركين.
стр. 11877
ويذكر له، أنه كان أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله ﷺ ومن أحب الناس إليه وأقربهم إلى قلبه.
ويذكر له، أنه كان جوادا من أجواد العرب المشهورين، وأنه كان خير الناس للمساكين من فقراء المسلمين.
ويذكر له، أنه كان من قادة النبي ﷺ ، وأنه قاد سرية مؤتة في موقف حرج عصيب، فاستقبل السيوف والرماح مقبلا غير مدبر، يتقدم باللواء الذي يحمله إلى الإمام.
ويذكر له، أنه سقط شهيدا في ساحة المعركة، دون أن يسقط لواء النبي ﷺ الذي رفعه بأسنانه بعد أن قطعت يداه.
رضي الله عن السفير، الصحابي الجليل، القائد الشهيد، جعفر الطيار ابن أبي طالب الهاشمي القرشي.
стр. 11878
مشكلات التعليم في أفريقيا غير العربية
د / عبد الحليم عويس (١)
المسلمون في إفريقيا غير العربية:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تتميز إفريقيا - ولا سيما إفريقيا جنوب الصحراء - بقلة في السكان نسبيا بالمقابلة مع مناطق أخرى كثيرة في العالم - بينما يقابل هذه القلة السكانية كثافة في اللغات والعقائد والتقاليد المنتشرة في الشرق والغرب والوسط والجنوب والدول غير العربية ذات الأغلبية الإسلامية في إفريقيا هي:
تشاد (٨٥ %)، وداهومي (٦٠ %)، وأثيوبيا (٦٥ %)، وجامبيا (٨٥ %)، وغينيا (٩٥ %)، وغينيا بيساو (٧٠ %)، وساحل العاج (٥٥ %)، ومالي (٩٠ %)، والنيجر (٩١ %)، ونيجيريا (٧٥ %)، والسنغال (٩٥ %)، وسيراليون (٦٥ %)، والصومال (١٠٠ %)، وتنزانيا (٦٥ %)، وتوجو (٥٥ %)، وفولتا العليا (٥٦ %)، وأريتريا (٨٥ %)، وجزر القمر (٩٥ %) وتصل نسبة المسلمين في القارة بعامة نحو ٦٠ %، ويقترب عدد سكان القارة من ثلاثمائة مليون، من بينهم نحو (١٩٠ مليون مسلم)!!
والأقليات الأفريقية الإسلامية تصل في بعض البلدان الأفريقية إلى أكثر من (٣٠ %) من السكان، كما هو الحال في كينيا وأوغندة ومالاوي والجابون وغانا وغينيا الاستوائية وليبيريا!!
стр. 11879
بينما تبلغ النسبة أكثر من (٢٥ %) في موزمبيق وملاغاش وبورندي. . مع ملاحظة أن عدد الدول الإفريقية ذات الأقليات الإسلامية هي (٢٩) دولة.
وتعد الأقليات المسلمة في الشرق الإفريقي أكبر الأقليات، ويبلغ عددها أكثر من ١٨ مليونا ونسبتها حوالي (٦٠ %) من الأقليات الإسلامية في إفريقية، وهي موزعة على خمس دول: (كينيا، أوغندا، موزمبيق، ملاوي، مالاغاش).
أما في وسط إفريقيا فيبلغ عدد المسلمين نحو ٤. ٥ مليون مسلم وهو يعادل (١٢. ٥ %) من مجموع الأقليات المسلمة في إفريقيا، وهي موزعة على أربع دول وهي: (الكونغو، رواندا، بورندي، زائير).
وفي غرب إفريقيا يبلغ عدد المسلمين نحو ٥. ٦ مليون مسلم وهو يعادل نحو (٢٠ %) من مجموع أقليات إفريقيا المسلمة، وهم موزعون في (غانا، ليبريا، الجابون، غينيا الاستوائية).
أما في جنوب إفريقيا فيعتبر عدد المسلمين قليلا جدا، ونسبتهم إلى السكان لا تزيد عن (٥ %) وهم في حدود ١. ٨ مليون مسلم.
стр. 11880
الواقع اللغوي والثقافي في إفريقيا جنوب الصحراء:
لا نستطيع أن نفصل بين الجامعات الإسلامية الإفريقية والواقع اللغوي والثقافي في القارة الإفريقية. . ويكون من العبث أن نتكلم عن رسالة هذه الجامعات، أو مشكلاتها، دون أن نقف على أرضية واضحة تصور هذا الواقع تصوريرا حيا.
إن السكان في إفريقية جنوب خط الاستواء تنتشر بينهم (٣٥٠ لغة) يطلق عليها البانتو تشكل أسرة لغوية واحدة.
стр. 11881
وكلمة "البانتو" معناها الناس، ومن أشهر لغات البانتو (ليناجالا) وهي اللغة الرئيسة في زائير الآن، وبدأت زائير في اعتبارها لغة رسمية، ويتكلمها أصلا عدة ملايين من السكان.
وفي غرب إفريقية تتعدد اللغات ومن أشهرها "اليوروبا" لغة سكان جنوب غرب نيجيريا ويتكلمها نحو ١٥ مليون نسمة، ولغة "الإيبو" في جنوب شرقي نيجيريا ويتكلمها نحو ٩ ملايين نسمة، وهناك "الماندي" بلهجاتها المختلفة من البمباويا والديولا المعروفة في غينيا وما جاورها والولوف في السنغال، والفولاني التي تنتشر من السنغال إلى شمال نيجيريا، غير أن أكثر اللغات انتشارا في غرب إفريقية بحيث أصبحت لغة تفاهم مشترك هي لغة الهوسا.
و"الهوسا" اسم لغة قبل أن تكون اسم قبيلة أو جماعة معينة، ثم أصبحت بعد ذلك علما على معظم سكان شمال نيجيريا وما جاورها من النيجر.
و"الهوسا" من أهم لغات غرب إفريقيا بعامة، فهي اللغة الأم لما يتراوح بين ١٥، ٢٠ مليون نسمة بالإضافة إلى ١٥ مليونا آخرين ليسوا من الهوسا، ومع ذلك يتكلمونها رغبة من الإدارة الاستعمارية في تنميتها كلغة تفاهم مشترك لكل الإقليم الشمالي من نيجيريا.
ولا يمكن لأي لغة من لغات جنوب نيجيريا أن تحتل نفس المكانة التي للهوسا في الشمال، ويرجع هذا إلى أن الشمال كان يعتنق الإسلام قبل ظهور الأوروبيين، وبطبيعة الحال لم يكن هناك مجال أمام البعثات التبشيرية لتعمل في الشمال (١).
стр. 11882
أما في شرق إفريقيا فهناك العديد من اللغات كالأنكولي والسوكوما والبمبا والتونجا غير أن السواحلية هي لغة التفاهم المشترك.
وتعتبر اللغة السواحلية إحدى اللغات المليونية، واللفظ السواحيلي مشتق من اللفظ العربي السواحل جمع ساحل، ومعناها هنا سكان السواحل، ويقصد هنا السواحل الشرقية لإفريقيا، ويستخدم اللفظ عامة لكل سكان هذه السواحل، وهم خليط من الإفريقيين والعرب والإيرانيين (١).
وتعتبر اللغة العربية هي اللغة الإفريقية الأكبر حيث تغطي كل إفريقية الشمالية وشمال شرق، ومساحة ضخمة من الصحراء الكبرى حتى إقليم السافانا، وتصل إلى منحنى نهر النيجر وإلى نهر السنغال، ويتكلمها ما يزيد على مائة وعشرين مليون نسمة، أو نحو ثلث سكان القارة الإفريقية (٢).
ومن البديهي أن أوروبا التي استعمرت معظم القارة الإفريقية طيلة قرن من الزمان، واستمرت حتى بعد خروجها تواصل وجودها الثقافي والاجتماعي بأشكال مختلفة. . ولا تزال تصارع لمنع تقريب إفريقيا أو أسلمتها أو أفرقتها.
وقد نجحت أوروبا في نشر لغاتها وتعميق ثقافاتها ولا سيما الإنجليزية والفرنسية، لدرجة أن أحد أعضاء البرلمان في غانا لم يتورع أن يقول في البرلمان أثناء مناقشة لغة عامة لغانا:
"إني أريد القول بأن الإنجليز قد تركوا لنا أشياء قد لا تناسبنا اليوم. ولكن لغتهم التي تركوها ربطت كل القبائل بعضها ببعض، وكذلك
стр. 11883
ربطت الثقافات المتعددة لسكان غانا بحيث جعلت من غانا أمة واحدة، وأظن أنه آن الآوان لأن ننمي الإنجليزية ونضيف إليها ونجعلها لغتنا لأنها الشيء الوحيد الذي يجمعنا معا كشعب واحد" (١).
وفي دراسة مسحية خاصة بموضوع اللغة - أيضا - أجريت على طلبة جامعة كيب كوست في غانا، فضل ٧٢% منهم اللغة الإنجليزية على أية لغة غانية كأداة للتعليم. ويقول أجيمان الأستاذ الذي قام بهذا المسح: "ما زالت روح القبلية متأصلة فيهم، فهم يريدون أن تكون لغة قبيلتهم هي اللغة المختارة" (٢).
والواقع الذي لا يمكن إنكاره أن اللغات الأوروبية استعملت وسيلة عامة للتفاهم، ولا سيما في أوساط الإفريقيين المتعلمين الذين ينتمون إلى أسس قبلية مختلفة، كما استعملت لغات لتدريس المواضيع المختلفة، ولا سيما في مراحل الدراسة العليا. ومع ذلك؛ فإن هذه اللغات الأوروبية التي استخدمت وسيلة لتحقيق اتصال واسع، فإنها في الوقت نفسه كانت إلى حد ما حاجزا أعاق التفاهم بين الإفريقيين أنفسهم. فالإفريقيين الذين تعلموا اللغة الإنجليزية اكتسبوا قيما ثقافية تختلف عن تلك التي اكتسبها أولئك الذين تعلموا اللغة الفرنسية.
وإلى جانب هذا، فقد كان من الآثار الرئيسة للنشاط الثقافي الأوروبي قيام نظم تربوية وإدارية حديثة، وبالتالي نشوء الحاجة إلى وحدة ثقافية تنسجم مع متطلبات الحركات القومية الحديثة، وهذه كلها عوامل تتطلب حظا من الوحدة اللغوية أوفر مما وجد في العهود التي سبقت اشتداد الاحتكاك بالأوروبيين الذي كان يحول دون انتشار اللغات الأوروبية،
стр. 11884
وقد انعكست الاستجابة لهذه الأوضاع المتغيرة في تطوير استخدام بعض اللغات الحديثة لتكون وسائل عامة للتفاهم، كما ذكرنا. وفي ازدياد انتشار بعض اللغات القديمة وكذلك في الاضمحلال التدريجي لبعض اللغات التي تتكلمها جاليات صغيرة.
وإن الصراع الآن على أشده بين اللغات الإفريقية الأصلية وعلى رأسها السواحلية والهوسا واللغة العربية، وبين اللغتين الأوروبيتين الإنجليزية والفرنسية.
ومهما يكن الأمر فإن إفريقية تعتبر من الناحية اللغوية من أشد المناطق صعوبة وتعقيدا في العالم. ويقدر عدد اللغات في إفريقية عادة بثمانمائة لغة، بينما تقدرها خريطة مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن بنحو ١٥٠٠ لغة، فضلا عن اللغات الأوروبية. غير أننا إذا ذكرنا أن هناك ألف لغة أو أكثر جنوب الصحراء فليس معنى هذا أن هناك ألف جزيرة لغوية كل منها منعزل عن الآخر، وأن أفراد هذه الجزر لا يستطيعون الاتصال ببعضهم، ذلك أن ثنائية اللسان، بل وتعدده كان منتشرا إبان الفترة الاستعمارية، وربما زاد الآن (١).
ومع ذلك فنحن مضطرون لأن نقرر بأن اللغة هي نقطة الضعف الكبرى في بناء الوحدة الثقافية والحضارية للقارة، ذلك أن القارة تضم عددا لا حصر له من اللغات واللهجات، وأيا ما كان الرقم الدقيق لعدد اللغات في إفريقية، فهذا في جملته معناه أن إفريقية وحدها تضم نحو نصف لغات العالم قاطبة.
ولو نسبنا هذا إلى عدد السكان في القارة، لكان متوسط قوة اللغة الواحدة في إفريقية لا يزيد عن ثلث المليون، إن لم يقل، وهذا وحده
стр. 11885
كفيل بأن يكون عقبة في سبيل تماسك إفريقية وترابطها (١).
стр. 11886
إفريقية والصراع العقائدي:
كما تتميز إفريقية بكثافة في اللغات (واللهجات) تتميز كذلك بصراع عقائدي كبير يحاول القضاء على الإسلام الذي يعتبر المرشح الأول لتوحيد إفريقية!!
وتبذل القوى الصليبية كل جهدها لمنع الإسلام من الانتشار، بل إنها لتحاول اختراق المسلمين الأفارقة!! والحقيقة أن هناك خطرا كبيرا يواجه مسلمي إفريقيا جميعا. . إنه خطر القوافل التنصيرية التي تدعمها الفاتيكان وأمريكا وأوروبا وغيرها.
وفي إفريقية تصدر وترد عشرات من الصحف التبشيرية تباع بثمن رمزي، وتهدى في أغلب الأحايين لمن يظن فيهم ضعف الإيمان من المسلمين، بغية تنصيرهم أو تشكيكهم في الإسلام.
وقد نشرت المجلة التبشيرية الألمانية أن عدد جيش المبشرين البروتستانت وحدهم هو (١٠٤) آلاف مبشر في العالم.
ويبلغ عدد النساء والرجال من موزعي التوراة والإنجيل المشتركين في التبشير عددا يقترب من (٩٣٠٠٠)، وعدد المعاهد الكنسية (١٧٦٧١) معهدا ابتدائيا ومتوسطا وثانويا.
ويخضع لسلطة التبشير أكثر من خمسمائة جامعة وكلية ومعهد عال موزعة في أنحاء العالم، وتفوز إفريقيا منها بقدر لا بأس به (!!)، كما يخضع لسلطتهم (٤٨٩) مدرسة لاهوتية متخصصة في تخريج المبشرين (١). والغريب في وضع التبشير في إفريقيا أنه قد لجأ في آخر تطوراته إلى أسلوبين:
стр. 11887
- أسلوب التعاون مع الوثنيات الموجودة في القارة. . حتى يتمكن في المرحلة الأولى من التخلص من الإسلام وهو المنافس القوي.
- والأسلوب الثاني هو أسلوب التعاون مع اليهود. . وهو تعاون سعى إليه الطرفان معا. . سعت إليه إسرائيل، وسعى إليه التبشير. . انطلاقا من وحدة الهدف.
ومع أن بين النصرانية واليهودية حربا تاريخية، لم تهدأ إلا أخيرا فإن المبشرين واليهود يتحدون - مرحليا واستراتيجيا - ضد الإسلام الذي يوشك أن ينتظم القارة الإفريقية كلها ولئن كان التبشير النصراني في إفريقيا يشكل جزءا من ملامح الصورة القائمة التي تعكر صفو "الإسلام في إفريقيا اليوم". . فإن اليهود يشكلون بعدا آخر من أبعاد الجزء القاتم في الصورة. فبعد استقلال كثير من الدول الإفريقية، ذهبت إسرائيل تعرض خيرة اليهود في العالم وأموالهم لمساعدة هذه الدول.
واليهود عن طريق العلاقات السياسية والتجارية واستغلال الإعلام والدبلوماسية المرنة، يحققون أغراضهم في كسب بعض الحكام الأفارقة، لدرجة أن جريدة نيجيرية كتبت بتاريخ ١٣/ ١٠ / ١٩٦٢م تقول بأن أية دولة في الشرق أو إفريقية لا تستطيع مساعدة نيجيريا ما عدا إسرائيل.
وثمة تعاون قائم بين إسرائيل وبعض الحكام الأفارقة - إن لم يكن بشكل سافر: سياسي أو إعلامي أو عسكري أو ثقافي - فهو بشكل سري، وخاصة في المجالات التجارية والثقافية، ولئن كانت بعض الدول الإفريقية قد غيرت موقفها من إسرائيل بعد ظهور طابعها الاستعماري وهزيمتها في حرب رمضان ١٣٩٣هـ. فإن دولا أخرى لا تزال تربط نفسها بإسرائيل، ومنها أثيوبيا وغانا وروديسيا وتنزانيا. . وإسرائيل تستغل الوضع الاقتصادي الإفريقي المتخلف، وتقوم بتعليب كثير من اللحوم
стр. 11888
والفواكه وغيرها من المواد الإفريقية الخام كما تستورد الخشب والماس ومواد السماد. "ولقد اهتم الإسرائيليون اهتماما خاصا بإقامة الفنادق وأماكن اللهو وسيطروا عليها إداريا، وسخروها لأغراضهم السياسية والاقتصادية، وكان يختفي وراء مظهرهم البريء شر وأنواع النشاط السري المخرب". إن إسرائيل لن تترك إفريقيا للعرب والإسلام بسهولة. كما أن المد الحضاري لا ينتشر بالعواطف والمجاملات، وبالتالي فيجب أن نخطط بجدية وسخاء لضمان إنقاذ إفريقيا من اليهود والصهيونية، وسيرها في ركاب حضارة الإسلام (١).
وتمثل الشيوعية خطرا داهما بالنسبة للإسلام في إفريقيا يسيء إلى ملامح صورة الإسلام في إفريقيا اليوم.
وإنه لمدعاة للتساؤل أن يكون أكثر الزعماء الشيوعيين الذين ظهروا في إفريقيا ذوي علاقة طيبة بإسرائيل، وكان أكثرهم ينظر إلى إسرائيل على أنها تجربة تقدمية يجب أن يحتذى بها، والنظر إلى انتصارها على العرب على أنه انتصار للتقدمية على الرجعية (٢).
فالشيوعية عائق عن المد الإسلامي في إفريقيا، وهي عنصر من ملامح الجزء القاتم الذي يعكر صفو إفريقية اليوم، وإن كانت التطورات الأخيرة في المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفيتي، والصين الشعبية، قد وصلت بالفكر الشيوعي إلى مرحلة الإفلاس. . وبالتالي يكاد الفكر الشيوعي ينحسر تأثيره في العالم، اللهم إلا من بعض الذين ارتبطت مصالحهم بهذا الفكر في العالم الثالث فلا يستطيعون منه فكاكا!!
стр. 11889
لقد كانت الفكرة الاشتراكية ذات وجود قوي في إفريقيا مع بزوغ فجر الاستقلال السياسي. . وفي إطارها، ومع تطويرها أيضا، ظهر (سنجور) فيلسوف الزنوجة. . الذي حاول إقامة مزج عقائدي (كوكتيل) يمزج فيه الإسلام أو المسيحية، والفكرة الماركسية، والزنوجة أي الخصائص الإفريقية. . بل وبعض الأفكار الوجودية التي استلهمها من علاقته الشخصية إبان وجوده بباريس من سارتر وإمي سيخار. . ويقول سنجور:
"منحنا الإسلام والمسيحية قيما روحية بديلة عن النزعة الحياتية الزنجية، وهما عقيدتان أكثر إحكاما وعقلانية أو إن شئت أكثر اتساقا مع العصر الحديث. أما وقد اخترناهما فقد أضحت مهمتنا أن نلائم بينهما وبين ظروفنا التاريخية والاجتماعية. إن مهمتنا هي أن نصبغهما بالصبغة الزنجية".
أما نكروما (غانا) فكان أكثر ميلا إلى الماركسية من صديقه وأستاذه سنجور (السنغال) ففي مراحل زعامته الأولى وشهرته الذائعة مع أيديلوجيته (النكرومية) كان الأثر الماركسي أظهر الآثار، بينما جاء ترتيب "الزنوجة الإفريقية" تاليا. . وحين تحدث نكروما عن الذين أثروا في أفكاره ونشاطاته الثورية ذكر أنهم: هيجل وماركس وانجلز ولينين ومازيني والزعماء الأمريكيون الزنوج وناركوزجارفي والاشتراكي دي بوا. . ثم يصف نفسه - بعد ذلك - بأنه مسيحي غير طائفي واشتراكي ماركسي.
على أن نكروما وتزمته الماركسي - مع الزنوجة - لم يصمدا أمام تطور التاريخ، وفي أوائل الستينات أظهر نكروما تطورا في فكره
стр. 11890
الاشتراكي ليستطيع مواءمته مع الزنوجة والوحدة الإفريقية ونظرته لنفسه على أنه الفيلسوف المنقذ لكل القارة.
ومن أقواله في تحديد الأيديلوجية النكرومية:
" النكرومية أيديلوجيا لإفريقية الجديدة المستقلة والمتحررة تماما من الاستعمار، المنظمة على القارة كلها، والمؤسسة على مفهوم إفريقيا واحدة ومتحدة، مستمدة قوتها من العلم والتكنولوجيا الحديثة ومن الإيمان الإفريقي التقليدي بأن التقدم الحر لكل دولة رهن بالتقدم الحر للجميع".
والحقيقة أنه لا دعوة سنجود، ولا نكروما، حول (الزنوجة الممزوجة بالاشتراكية والوحدة الإفريقية والأديان) قد لقيت نجاحا وهما تماما مثل الناصرية في مصر، مجرد شعار هائج لا تأثير له في الضمير أو السلوك، فضلا عن أن رصيده الإصلاحي كان هزيلا جدا!!
وإن قصارى ما انتهت إليه هذه الأيديلوجيات (الوثنية) المتدثرة برداء "الزنوجة والأفرقة" أنها عطلت دولاب الانسجام والإنتاج والتفكير العقلي الهادئ. . وفي غانا نفسها "كان الشاب الغاني ينظر ساخرا إلى النكرومية".
كذلك فإن مصطلح الزنوجة "لا يعني شيئا على الإطلاق بالنسبة للجماهير كما وأنهم لا يستطيعون تقديم الجهد في محاولة تقديم تفسير جديد للنظريات الأوروبية عن الاشتراكية في السياق الإفريقي. وتبدو البيانات الأيديلوجية للقارة السياسيين أمرا عويصا حتى أن قلة من بين النخبة ذاتها هي القادرة على فهمها بوضوح. وبقدر ما يمكن اختصارها إلى شعارات مثل شعار (الشخصية الإفريقية) بقدر ما تبدو مبهمة
стр. 11891
المعنى؛ بحيث تقصر دون حشد الجماهير وكسب التأييد الشعبي، وبخاصة في العقد الأخير الذي شهد سقوط الوثنيات البشرية من نكرومية وناصرية وماركسية!!
стр. 11892
المعاهد العليا والجامعات الإسلامية في إفريقية جنوب الصحراء:
لم يكن حديثنا عن ملامح الوضعية الحالية لإفريقيا من جوانبها الإسلامية واللغوية "والأيديلوجية" مجرد تمهيد للحديث عن المشكلات التي تواجه الجامعات الإسلامية في إفريقية. . بل هو - في رأينا - جزء أساسي يتصل بقضية التعليم في إفريقية غير العربية بعامة، وبالتعليم الإسلامي في مستوى الجامعات بخاصة!!
وإذا كان التعليم في المستوى السابق للجامعة يتجه لبناء الأساسيات العقدية واللغوية والعلمية والسلوكية للفرد، فإن التعليم الجامعي هو الأوثق بمشكلات المجتمع، وهو الذي ينتظر منه أن يواجه التحديات، وأن يقود المجتمع إلى تحقيق ذاته ورفاهيته وتقدمه المادي والمعنوي!!
لقد بلغ عدد الجامعات الإفريقية المشتركة في اتحاد الجامعات الإفريقية (٩١ جامعة) تنتمي إلى ثمان وثلاثين دولة، وهناك أكثر من عشر دول إفريقية غير مشتركة في الاتحاد حتى الآن أو ليس بها جامعات. ولقد تزايد عدد الجامعات وما في مستواها إلى ثمانية أضعاف ما كان عليه في سنة ١٩٦٠ م.
ونحن نستطيع أن نستنتج أن عدد الجامعات وما في مستواها في إفريقيا يزيد عن مائة جامعة. . بيد أن نحو نصف هذا العدد يوجد في مصر والسودان والشمال الإفريقي.
стр. 11893
و من أهم الجامعات في إفريقية جنوب الصحراء (١) الجامعات التالية:
جامعة لواندا (أنجولا)، جامعة بنين الوطنية (بنين)، جامعة ياوندي (الكاميرون)، جامعة مارين نجوابي (الكنغو)، جامعة أديس أبابا (أثيوبيا)، جامعة غانا (غانا)، جامعة العلوم والتكنولوجيا (غانا)، جامعة كيت كوست (غانا)، جامعة ساحل العاج القومية (ساحل العاج)، جامعة نيروبي (كينيا)، جامعة ليبيريا (ليبيريا)، جامعة مالاوي (مالاوي)، جامعة أدواوردو موندلين (موزمبيق)، جامعة أحمد وبيلو (نيجيريا)، جامعة بايرو (نيجيريا)، جامعة بنين (نيجيريا)، جامعة إبادان (نيجيريا)، جامعة إيف (نيجيريا)، جامعة لاغوس (نيجيريا)، جامعة نيجيريا (الرسمية)، جامعة داكار (السنغال)، جامعة سيراليون (سيراليون)، جامعة الصومال الوطنية، جامعة مدينة الكاب (جنوب إفريقيا)، جامعة ديربان وبست فيل، جامعة ناتال، جامعة الشمال، جامعة ولاية الأورنج الحرة، جامعة ميناء اليزابث، جامعة بوتشغستروم للتربية النصرانية المتقدمة، جامعة بريتوريا، جامعة الراند أفريكانز، جامعة رودس، جامعة جنوب أفريقيا، جامعة استلنبوسن (استلنبوسن)، وجامعة الكاب الغربي (بيل فيل)، وفي جوهانز برج (جامعة الوتر ترزراند)، جامعة الزواسو في (ناتال)، جامعة دار السلام (تنزانيا)، جامعة بنين (توجو)، جامعة ماكرري (يوغندا)، جامعة زائيري الوطنية (زائيري)، جامعة زامبيا (زامبيا)، جامعة روديسيا (زيمبابوي).
وقد نضطر إلى القول: إن بعض هذه المؤسسات قد يكون موجها لخدمة مصالح معادية لإفريقية، وذلك مثل الكليات الموجهة من التنصير أو الخاضعة للشيوعية، والتي تهدف إلى نشر اللغات الأوروبية ونمط الحياة
стр. 11894
الغربية. . ومثل هذه المؤسسات ليست ممن نتجه إليه بهذا البحث لأنها تعمل في الطريق المعاكس.
أما الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى المناظرة لها، والتي تنتمي لإفريقية، وتعبر عن الشعب الإفريقي الذي يريد الإسلام والعروبة. . فهي التي نتوجه إليها بهذا الحديث، وهي مهما قل عددها أو قلت إمكاناتها مناط الأمل في أن تقوم بالدور الحضاري في قيادة القارة الإفريقية في الطريق الصحيح للتحرر والعودة إلى الذات، بل والسعي للوصول بإفريقية، ولا سيما جنوب الصحراء إلى وحدة حضارية قائمة على الإسلام واللغة العربية.
ومن الجدير بالذكر أن إفريقية - كادت تصل إلى ما قبل الهجمة الاستعمارية بقليل إلى هذا التوحد الحضاري - بجهود جامعاتها الإسلامية الإفريقية العريقة.
فعلى امتداد النيل، وفي شمال إفريقية، وفي السودان الغربي، وعلى طول الساحل الإفريقي الشرقي وجدت أقلية متعلمة من الإفريقيين. . وكان التعليم في البلدان الإسلامية قرآنيا. . وكان واسع الانتشار في المستوى الأولي، وكان متاحا أيضا في مستوى المرحلة الثانوية والجامعية، فقد وجدت جامعة الأزهر في مصر، وجامعة فاس في مراكش، وجامعة الزيتونة في تونس، وجامعة كامكتو في مالي، وجميعها يشهد على مستوى التعليم الذي تحقق في إفريقيا قبل الغزو الاستعماري؛ إذ كانت هذه الجامعات تفتح ذراعيها لكل الراغبين في العلم من شتى أنحاء إفريقية!!
وأما عن التعليم العالي الإسلامي المتخصص في إفريقية (بجنوب الصحراء)، والذي يمشي على درب الأزهر والجامعات الإسلامية الأخرى
стр. 11895
العريقة التي ألمحنا إليها، فبكل المقاييس تعتبر إفريقية جنوب الصحراء فقيرة جدا في التعليم العالي الإسلامي المتخصص بمعناه الأكاديمي والعصري الذي نعرفه في الأزهر أو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أو جامعة الزيتونة بتونس أو غيرها.
ومما يؤسف له أنه لا توجد في الأقطار الإفريقية غير العربية إلا نادرا معاهد عليا أو جامعات إسلامية، ولذلك فإن طلابها الذين يرغبون في مواصلة الدراسة بالمعاهد العليا يضطرون إلى الرحيل إلى إحدى الجامعات الإسلامية في الدول العربية، وأقدمها الأزهر الشريف بمصر وجامعة القرويين بفاس وجامعة الزيتونة بتونس وجامعة أم درمان الإسلامية في السودان، فضلا عن جامعات المملكة العربية السعودية.
ولقد شعرت الدول الإسلامية بهذا النقص، ولذلك فإن صندوق التضامن الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي قرر أن يساهم في إنشاء جامعتين إسلاميتين إفريقيتين، إحداهما بالنيجر في غرب إفريقيا، والثانية في يوغندة لوسط إفريقيا وشرقيها، وللآن تتعثر الأمور في هاتين الجامعتين لأن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي لم تسارع حتى الآن للمساهمة في تمويل هاتين الجامعتين فيما عدا المملكة العربية السعودية التي أعلنت في مؤتمر طرابلس تبرعها بخمسة ملايين لكل منهما.
ومما يؤسف له أن صندوق التضامن الإسلامي والدول الإسلامية التي تساهم في هذه الجامعات لم تعن أغلبها للآن بتوقيع اتفاقيات مع الدول التي تنشأ فيها هذه الجامعات (١) للدراسات العربية الإسلامية بأن تكون اللغة العربية هي اللغة المستعملة.
стр. 11896
ومع هذا الفقر الشديد في الجامعات المتخصصة في الدراسات الإسلامية واللغة العربية في البلاد الإفريقية جنوب الصحراء، فإنه بالإمكان رصد بعض هذه الجامعات والمؤسسات التي في المستوى الجامعي.
ففي نيجيريا يوجد أكبر عدد من الجامعات في الدول الإفريقية جنوب الصحراء، ولا غرو في ذلك فإنها أكبر بلد إفريقي، وأكبر بلد إسلامي في إفريقيا، ومن أهم الجامعات النيجيرية المهتمة بالدراسات الإسلامية والعربية: جامعة أحمد وبيلسو (نيجيريا)، وجامعة بايرو (وبها معهد للدراسات العربية والإسلامية)، وجامعة سكتو (وبها مركز للدراسات الإسلامية)، وجامعة مايدغري، وجامعة آبادان، وجامعة الورى، ويوجد في السنغال (جامعة داكار)، وبها معهد إسلامي، وفي النيجر توجد الجامعة الإسلامية الحديثة، وجامعة نيامي وغيرهما، وتوجد في تشاد (جامعة تشاد) وبها قسم اللغة العربية والعلوم الإنسانية، وتوجد في الصومال (جامعة الصومال) التي تضم كلية للشريعة الإسلامية، كما توجد مدرسة الدراسات الإسلامية بجامعة الصومال أيضا، وفي أوغندا توجد (الجامعة الإسلامية) بكمبالا، وفي غينيا يوجد المعهد التكميلي للدراسات العربية والإسلامية بكوناكري (معهد التكنولوجيا) وجامعة كمسكتو في مالي.
وفي جنوب إفريقية يوجد المعهد الإسلامي الشرقي، وهو أقدم معهد تعليمي في (دربن) ويرأس دائرة الدراسات الإسلامية في جامعة دربن - " ويستفيل " الدكتور سلمان نادخي، وهذه الدائرة إضافة إلى برنامجها الدراسي فإنها تستقبل عددا من السياح من الشرق الأوسط والهند والباكستان والولايات المتحدة، وهناك قسم مستقل للغة العربية
стр. 11897
والأردية والفارسية.
ويرأس مركز الدراسات الإسلامية في جامعة راند الإفريقية، في " جوهانسبرغ " الدكتور " نودني "، ويقوم المركز بتدريس اللغة العربية واللغة الأردية، إلى جانب محاضرات في اللغات السواحلية!!
ولا تكاد توجد - حسب علمنا - جامعات أو كليات إسلامية أخرى في البلاد الإفريقية جنوب الصحراء!!
стр. 11898
مشكلات الجامعات الإسلامية في البلاد الإفريقية جنوب الصحراء:
بينما كانت الجامعات الإسلامية الإفريقية العريقة تقوم بدور حضاري، وتبني قيما وأخلاقا وعقولا منتمية لإفريقية وللإسلام والعروبة، جاء نظام التعليم الاستعماري يحاول اقتلاع كل القيم والأخلاقيات الإيجابية والاتجاهات الفكرية الإفريقية المتكئة على الإسلام. . ويسعى إلى غرس الشعور بالإذعان في وجه كل من كان أوروبيا ورأسماليا.
كما أن تضمين عملية التعليم الاستعماري للعنصرية والتبجح الثقافي اللتين تضمرهما الرأسمالية قد زاد الوضع سوءا، فقد كانت الثقافة المدرسية عبارة عن تعليم من أجل الإخضاع، والاستغلال، وخلق التشوش الذهني، وتنمية التخلف (١)، لقد أفسد نظام التعليم الأوروبي تفكير الإفريقي وحساسيته وملأه بعقد شاذة (٢).
ويعتبر (التعليم الاستعماري) وما أفرزه من أفكار وسلوكيات هو - بحق - أول مظهر من مظاهر أزمة التعليم في إفريقية، وهو واحد من أبرز المشكلات التي تواجه الجامعات الإسلامية الإفريقية.
стр. 11899
والمشكلة الثانية التي تواجه التعليم الجامعي في إفريقية هي مشكلة (اللغة) وقد بسطنا فيها القول من قبل، لكن الجدير بالذكر هنا أن مشكلة اللغة تفرض ظلالها على الجامعات الإفريقية في داخل العملية التعليمية نفسها، وتحول دون أن تؤدي الجامعات الإفريقية دورها الحضاري السليم في خدمة البيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والاستقلال الثقافي. . ففضلا عن تعدد اللغات الوطنية في الإقليم الواحد، هناك التناقض بين هذه اللغات واللغة الرسمية الذي يؤدي إلى ثنائية في الثقافة، وهناك الصراع المصيري مع لغة الاحتلال الأجنبي.
وبإيجاز شديد تعتبر "اللغة" مظهرا كبيرا من مظاهر أزمة التعليم الجامعي في إفريقية، وهي - بحق - مشكلة لا يمكن تجاهلها عند البحث في مشكلات الجامعات الإسلامية والحلول المقترحة لها.
ومن المشكلات كذلك (عدم كفاية الموارد المالية) التي تكفي التعليم الجامعي وتحقق له النهضة المنشودة وتمكنه من ملاحقة التطورات التعليمية الحديثة، فإن الموارد المالية المخصصة للتعليم في إفريقية تعد زهيدة جدا إذا قورنت بعدد السكان من ناحية، وبزيادة تطلع الإفريقيين للالتحاق بالتعليم الجامعي من ناحية ثانية، وأيضا إذا قورنت بمتوسط الإنفاق على التعليم في الدول المتقدمة من ناحية ثالثة، هذا بخلاف ما تتعرض له الدول الإفريقية من هزات اقتصادية من الكوارث الطبيعية كالسيول وموجات الجفاف، مما يؤدي إلى تقليص ميزانية التعليم وخفض أعداد المقبولين.
وإلى جانب هذه المشكلات تواجه الجامعات الإفريقية مشكلة (إعداد هيئة التدريس) وتدريبهم ليكونوا على المستوى العلمي المطلوب، وقد لا تتوافر الكوادر الأكاديمية المحلية اللازمة لهذا الإعداد إضافة إلى العجز
стр. 11900
في الموارد المالية المخصصة لإعدادهم وتدريبهم في التخصصات الحديثة والدقيقة.
ومن المشكلات أيضا (تخلف المناهج الدراسية) عن نظيراتها في الدول المتقدمة، وتبعيتها للنظم الأجنبية من ناحية أخرى، وقد أسفر هذا الأمر عن ضرورة أن تتحمل الدول الإفريقية عبء تطوير البنية الأساسية في مجال التعليم بحيث تتفق مع الأهداف الوطنية (١).
وتعتبر مشكلة (الغزو العقائدي) الممثل في مؤسسات التنصير من أكبر مشكلات البلاد الإفريقية جنوب الصحراء، فهذه المؤسسات تسعى بقوة لتنصير القارة مباشرة أو على الأقل إبعادها عن الإسلام وصياغة حياتها على النمط الأوروبي في جوانبه الاستهلاكية والمادية والانحلالية فضلا عن الجوانب الثقافية السلبية.
ويقف (تخلف القارة التعليمي) بعامة، وفي التعليم الإسلامي بخاصة، عقبة من أكبر العقبات التي تحول دون تقدم البلاد الإفريقية جنوب الصحراء، كما يجعل من هذه البلاد أرضا قابلة للغزو الحضاري، ويحول بينها وبين الحفاظ على شخصيتها الحضارية. . وكمجرد نموذج تشير البيانات الإحصائية عن التعليم في سيراليون إلى:
أن نسبة الملتحقين بالتعليم الثانوي بأنواعه حوالي ٢٥% من عدد الحاصلين على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية.
أن نسبة الملتحقين بالتعليم ما فوق الثانوي والكليات الجامعية نحو "٥%" من عدد الحاصلين على شهادة إتمام الدراسة الثانوية. . فالنسبة هزيلة جدا كما ترى.
ومن المعلوم أن نسبة تعليم البنات، هي أقل من نسبة تعليم البنين،
стр. 11901
وأنها تتناقص كلما ارتفعنا بالسلم التعليمي (١).
وتوجد في سيراليون المعاهد الإسلامية العربية، وهي معاهد تعد المعلمين المسلمين للعمل بالمدارس الابتدائية، حيث يقومون بتدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، وطلابها كثيرون، من البنين والبنات.
وقد قامت جمهورية مصر العربية بإنشاء هذه المعاهد، وإمدادها بالمناهج والكتب الدراسية، وانتدبت لها أساتذة مصريين من وزارة التربية والتعليم وإدراة المعاهد الدينية بالأزهر، وذلك بعد حصول سيراليون على استقلالها سنة ١٩٦١ م، حيث عقد اتفاق ثقافي فني من البلدين، شمل كثيرا من النواحي التعليمية والثقافية. . ونعتقد أن هذه المعاهد تفتقر إلى الكثير من الخدمات وأساليب التطور.
كما أن هذه المعاهد لا تزيد عن أربعة معاهد إسلامية عربية، موزعة على أربع مدن كبرى، هي (ماجبورا كار، بو، كنما، صفدو). (وهي غير كافية لحاجة البلاد).
ومدة الدراسة بالمعهد الإسلامي العربي خمس سنوات دراسية.
أما الشهادة التي يمنحها المعهد، فهي "الشهادة المتوسطة للمعاهد الإسلامية العربية".
وتعقد امتحانات هذه الشهادة، عن طريق إدارة كل معهد وهيئة التدريس به. . وقد اعتمدت حكومة سيراليون شهادة المعاهد الإسلامية العربية منذ وقت قريب، إذ يعين الحاصلون عليها، مدرسين للغة العربية والتربية الإسلامية بالمدارس الابتدائية الرسمية، بالإضافة إلى تعيينهم بالمدارس الإسلامية الخاصة. . وفي حدود الإمكانات المتاحة فإن هذه
стр. 11902
المعاهد تتمتع بسمعة علمية ودينية طيبة، تزايد معها الإقبال عليها (١) وأما المدارس الثانوية الإسلامية بسيراليون فهي قليلة ولكنها أكثر تنظيما من المدارس الابتدائية، وتشرف على إدارتها وزارة التعليم، وينطبق عليها ما ينطبق على المدارس الابتدائية من حيث الإدارة، ومناهجها تماثل بقية المدارس الثانوية الرسمية، ويقوم بالتدريس بها مدرسون سيراليون وغيرهم، وغالبيتهم من المسلمين، مع وجود بعض المسيحيين (٢).
وبالنسبة إلى أن نسبة المسلمين في سيراليون تصل إلى ٦٥% فإن هذه الخدمات تعتبر قليلة ولا سيما في مواجهة جهود المؤسسات النصرانية.
فإذا تركنا نموذج سيراليون واتجهنا إلى نموذج (جامبيا) - وحكومتها مخلصة للإسلام - عرفنا أن المدارس توجد في غامبيا على أربعة أنواع:
١ - مدارس عربية أهلية لا تهتم بالعلوم الحديثة ويدخل فيها المجالس والمدارس القرآنية والمدارس العربية للجمعيات الإسلامية.
٢ - مدارس إسلامية حديثة (يوجد مدرسة ابتدائية ومدرسة ثانوية واحدة في العاصمة) وهو عدد محدود جدا بالنسبة لنصف مليون مسلم في جامبيا.
٣ - مدارس مسيحية.
٤ - مدارس حكومية (٣).
وإذا كانت اللغة العربية تدرس الآن في جميع المدارس الثانوية في جامبيا كلغة أجنبية ثانية، فإن هناك - إمكانيات كبيرة في أن تصبح العربية اللغة الأولى، بل اللغة المحلية أيضا، والذي يدعو إلى ذلك عوامل كثيرة أهمها:
١ - العربية لغة القرآن الكريم.
стр. 11903
٢ - الإنجليزية (أو الفرنسية) هي لغة المستعمر القديم، وتمثل شخصية غريبة.
٣ - العربية تحقق الإفريقية شخصيتها التاريخية.
٤ - والعربية تنقذ جامبيا خاصة من تعدد اللغات التي تصل إلى سبع لغات فيها، لدرجة أنه في أحيان كثيرة يصعب التفاهم بين السكان (!!) والمهم أن يجد المسلمون في هذا المجال!!
وفي جنوب إفريقيا أسس المسلمون أكثر من ثلاثمائة مسجد وثلاثمائة مدرسة إسلامية، وعددا من المؤسسات الإسلامية.
ومن المراكز والمؤسسات الإسلامية: جمعية المسلمين البيض، والمجلس الإسلامي، والمحكمة الشرعية الإسلامية، والمعهد الإسلامي الشرقي، ودائرة الدراسات العربية وحركة الشباب المسلمين، ومركز الدراسات الإسلامية. . أما المجلس الإسلامي فالمقر الرئيسي له في دربن، ويأخذ مجلس الإدارة على عاتقه دعوة العلماء والفقهاء لزيارة جنوب إفريقيا، ويقوم بمراسلة العالم الإسلامي والجامعات الإسلامية. والمجلس يشتمل على أكثر من مائة وخمسين جمعية إسلامية. . أما حركة الشباب المسلمين، فقد تأسست في دربن عام ١٩٧٠ م، وبلغت فروعها خمسة وعشرين فرعا في مختلف أنحاء البلد، تعمل إلى جانب المنظمات الإسلامية في بعض البلاد المجاورة.
وكل هذه المؤسسات الشعبية تلقى عنتا حكوميا ومقاومة نصرانية شرسة، وفقرا ماليا وإمكانات محدودة، وصورا من ظلم التفرقة العنصرية. . وقد ذكر الأستاذ الداعية المعروف [أحمد ديدات] كثيرا منها في أحاديثه ومحاضراته.
стр. 11904
وهكذا تتعدد وتتنوع - للأسف - المشكلات التي تواجه التعليم الإسلامي والجامعي منه بخاصة في البلاد الإفريقية جنوب الصحراء. . فمن مشكلات عقدية، إلى مشكلات لغوية، إلى مشكلات اقتصادية ومالية، إلى مشكلات تتصل بالتخلف العلمي والحضاري. . إلى صور أخرى من الاستلاب والغزو التي يبوء بإثمها الغزو التنصيري والإلحادي والعنصري.
وعلى الجامعات الإسلامية أن تقف في وجه هذا كله، وأن تقدم البديل للإنسان الإفريقي المتخلف، وأن تكون لها برامج في التنمية البشرية، وفي حفظ الذات المسلمة للإنسان الإفريقي في إطار الحضارة الإسلامية واللغة العربية.
إن إفريقية بحاجة إلى جامعات إسلامية شمولية. . تشمل الجوانب النظرية والتطبيقية في إطار من التنظير الإسلامي للمعرفة، والتصور الإسلامي للحياة. . والمعاصرة الإيجابية. . وكل هذا في نسيج متناغم متكامل.
стр. 11905
الجامعات الإسلامية الإفريقية. . الحلول والطريق:
إن مستقبل إفريقية جنوب الصحراء - في عصر التحديات العلمية والفكرية الذي نعيشه - رهن بالتصدي للمشكلات التي تعيش في داخلها، وتلك التي تسلط عليها من خارجها.
وهذا التصدي هو الذي من شأنه أن يحقق لها التحول السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشود.
وفي هذا المجال فإن مؤسسات التعليم العالي والجامعات هي المرشحة لوضع السياسة القادرة على صناعة هذا التحول، وفق سنن الله الكونية والاجتماعية، ووفق خطة تنمية تعتمد على أقصى قدر من الاعتماد على