تحركت بأنفسها، وهذا كما إذا جر من لا تراه (١) حصيرا أو بساطا فترى الحصير والبساط ينجر ولا ترى (٢) الجار له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي قلبتها الشياطين فظن الرائي أنها انقلبت بأنفسها والشياطين هم الذين يقلبونها.
وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي حتى رأى الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا.
وأما ما يقوله المنكرون (٣) من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيتها مثل الزيبق وغيره حتى سعت فهذا باطل من وجوه كثيرة.
стр. 11937
(الشر الرابع): شر الحاسد إذا حسد:
وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود، فنفس حسده شر متصل بالمحسود من نفسه وعينه وإن لم يؤذه بيده ولا لسانه، فإن الله تعالى قال ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (١) فحقق الشر منه عند صدور الحسد، والقرآن ليس فيه لفظة مهملة، لكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد وهو غافل عن المحسود ولاه عنه فإذا خطر على قلبه انبعث نار الحسد من قلبه فيتأذى المحسود بمجرد ذلك، فإن لم يستعذ بالله ويتحصن به، ويكون له أوراد من الأذكار والدعوات والتوجه إلى الله، والإقبال عليه، بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه
стр. 11938
وإقباله على الله، وإلا ناله شر الحاسد ولا بد.
وفي الحديث الصحيح رقية جبريل النبي ﷺ وفيها «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك (١)» فذكر شر عين الحاسد. ومعلوم أنها لا تؤثر بمجردها إذ لو نظر إليه نظر لاه ساه كما ينظر إلى الأرض والجبل وغيره لم يؤثر فيه شيئا، وأما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة وانسمت، فصارت نفسا غضبية حاسدة، أثرت بها تلك النظرة فأثرت في المحسود بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد، فربما أمرضه، وربما قتله، والتجارب بها عند الخاصة والعامة أكثر من أن تذكر.
وهذه العين إنما تؤثر بواسطة النفس الخبيثة، وهي بمنزلة الحية إنما
стр. 11939
يؤثر سمها إذا عضت فإنها تتكيف بكيفية الغضب، فتحدث فيها تلك الكيفية السم، فتؤثر في الملسوع، وربما قويت حتى تؤثر بمجرد النظر، وذلك في نوع منها حتى يؤثر بمجرد النظر، فتطمس البصر وتسقط الحبل، كما ذكر النبي ﷺ في الأبتر وذي الطفيتين منها.
وقال: " اقتلوهما ". وهذا علم لا يعرفه إلا خواص الناس.
وهل الانفعال والتأثير وحدوث ما يحدث من الاجسام إلا للأرواح؟
والأجسام آلتها بمنزلة الصانع، فالصنعة في الحقيقة له، والآلات
стр. 11940
وسائط. ومن له فطنة وتأمل أحوال الأرواح وتأثيراتها وتحريكها الأجسام رأى عجائب وآيات دالة على وحدانية الله وعظم ربوبيته، وأن ثم عالما (١) آخر تجري عليه أحكام أخر، يشهد آثارها، وأسبابها غيب عن الأبصار فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين.
والعاين والحاسد يشتركان في شيء ويفترقان في شيء. فيشتركان في أن كلا منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من تقصد أذاه، والعاين تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور.
ويفترقان في أن العاين قد يعين من لا يحسده من حيوان أو زرع، وإن كان لا ينفك من حسد صاحبه (٢) بل ربما أصاب نفسه.
стр. 11941
وسببه الإعجاب بالشيء واستعظامه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين.
وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (١) يعم الحاسد من الجن والإنس (٢)، فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله.
ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص (٣) بشياطين الإنس، والوسواس يعمهما أيضا، فكلا الشيطانين حاسد موسوس فالاستعاذة من شر الحاسد يعمهما جميعا.
فقد اشتملت السورة على الاستعاذة من كل شر في العالم. وتضمنت شرورا أربعة منها:
شرا عاما وهو:
شر ما خلق.
وشر الغاسق إذا وقب، فهذان نوعان. ثم ذكر:
شر الساحر، والحاسد.
وهما نوعان أيضا لأنهما من شر النفس الشريرة، وأحدهما يستعين
стр. 11942
بالشيطان ويعبده، وهو الساحر، وقل ما يتأتى السحر بدون نوع عبادة الشيطان وتقرب إليه، إما يذبح (١) باسمه، أو يذبح يقصد به هو، فيكون ذبحا لغير الله، وبغير ذلك من أنواع الشرك.
والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به، فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق، وقال: ليس هذا بسجود له، هذا خضوع ويقبل الأرض بالجبهة، كما أقبلها بالنعم، وهذا إكرام. لم
стр. 11943
يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودا لغير الله، فليسمه بما شاء.
وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه، واستعاذ به، وتقرب إليه، فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، بل يسميه استخداما.
وصدق. هو من استخدام الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان.
لكن خدمة الشيطان ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له، ويعبده كما يفعل هو به.
والمقصود أن هذا عبادة منه للشيطان وإن سماه استخداما.
وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ (١) لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه ولا يرتب عليه أذى لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئا من ذلك ولا يعامل أخاه إلا بما يحب الله فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله.
стр. 11944
وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك إخوة يوسف. فالرجل إذا كان في قلبه حسد لكن يخفيه، ولا يرتب عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل لا يعامل أخاه إلا بما يحب الله فهو لا يطيع نفسه بل يعصيها خوفا من الله، وحياء منه أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله وبغضا لما يحب الله، فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويلزمها الدعاء للمحسود وتمني زيادة الخير له. فإن هذا الحسد الذي في قلبه لا يضره، ولا يضر المحسود.
стр. 11945
بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسده، ورتب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم، هذا كله حسد تمني الزوال.
وللحسد ثلاث مراتب:
(أحدها): هذه. وهي (١): تمني زوال النعمة.
(الثانية): تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل أن يبقى على حاله من جهله، أو فقره، أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص أو عيب.
فهذا حسد على شيء معدوم (٢)، والأول حسد على شيء محقق (٣)، وكلاهما حاسد، عدو نعمة الله، وعدو عباده، ممقوت عند الله وعند عباده.
(الثالثة): حسد الغبطة: وهو: تمني أن تكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به، ولا يعاب
стр. 11946
صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة، وقد قال تعالى:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١).
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس (٣)».
فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه حب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، فيحدث له المنافسة والمسارعة مع محبته لمن يغبطه، وتمني دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخل في الآية (٤) بوجه ما.
وهذه السورة من أكبر أدوية المحسود فإنها تتضمن التوكل على الله
стр. 11947
والالتجاء إليه، والاستعاذة به من شر حاسد النعمة.
والله تعالى أعلم،،
стр. 11948
المراجع
١ - آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب: د. أحمد الضبيب، الرياض، ١٣٩٧ هـ.
٢ - آكام المرجان في أحكام الجان: بدر الدين الشبلي، دار الباز، مكة المكرمة.
٣ - أحكام القرآن: أبو بكر الرازي الجصاص، دار الفكر، بيروت.
٤ - إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي، مطبعة مصطفى الحلبي بمصر ١٣٥٨ هـ.
٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين الشنقيطي، مطبعة المدني.
٦ - الإفصاح: ابن هبيرة، المؤسسة السعيدية بالرياض ١٣٩٨ هـ.
٧ - الاقتصاد في الاعتقاد: أبو حامد الغزالي، تقديم د. عادل العوا، دار الأمانة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ.
٨ - اقتضاء الصراط المستقيم: ابن تيمية تحقيق وتعليق د. ناصر العقل، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.
٩ - بدائع الفوائد: ابن القيم الجوزية، دار الكتاب العربي، بيروت، مصورة عن طبعة إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة.
١٠ - تفسير الفاتحة: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، تحقيق فهد بن عبد الرحمن الرومي، الطبعة الخامسة، شوال ١٤٠٩ هـ.
١١ - تفسير ابن كثير: مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٣٨٤ هـ.
١٢ - تفسير المعوذتين: ابن تيمية خرج أحاديثه موفق العوض، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، دار طيبة، الرياض.
١٣ - تفسير المعوذتين: ابن القيم صححه وعلق عليه عبد الصمد شرف الدين ١٣٧٥ هـ، الطبعة الثالثة، الدار القيمة، بمباي، الهند.
١٤ - تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، مصورة عن الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند.
١٥ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٠ هـ.
١٦ - الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٩٦٥ م.
١٧ - جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري)، دار المعرفة، بيروت، مصورة عن طبعة بولاق سنة ١٣٢٩ هـ.
١٨ - الجامع الصحيح (سنن الترمذي) تحقيق وشرح أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٩ - الروح: ابن القيم، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح بمصر، الطبعة الثالثة، ١٣٨٦ هـ.
٢٠ - زاد المعاد: ابن القيم تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة السابعة، ١٤٠٥ هـ.
٢١ - سنن المصطفى، ابن ماجه، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية.
٢٢ - شرح صحيح مسلم: النووي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.
٢٣ - شرح العقيدة الطحاوية: ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الرابعة، ١٣٩١ هـ، تحقيق جماعة من العلماء.
٢٤ - صحيح البخاري: المكتبة الإسلامية، استانبول، تركيا، ١٩٧٩ م.
٢٥ - صحيح مسلم: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، بالمملكة العربية السعودية، الرياض، ١٤٠٠ هـ.
стр. 11949
٢٦ - فتح الباري: ابن حجر العسقلاني، تصحيح عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ترقيم محمد عبد الباقي، دار الفكر، تصوير عن الطبعة السلفية.
٢٧ - القول الشافي في تفسير المعوذتين: محمد الخضري، الطبعة الأولى ١٣٦٧ هـ، مطبعة التوكل، مصر.
٢٨ - لسان العرب: ابن منظور، دار صادر، بيروت.
٢٩ - مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨هـ.
٣٠ - المحلى: ابن حزم، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
٣١ - مسند الإمام أحمد: المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت، مصورة عن الطبعة الميمنية ١٣١٣هـ.
٣٢ - الموسوعة العلمية الحديثة: موريس برتون، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٨٥م.
стр. 11950
مناهج العلماء
في إثبات الأحكام بخبر الواحد
زيادة على ما ثبت منها بالقرآن
إعداد دكتور / عبد الرؤوف مفضي خرابشة
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم كتابه:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
والقائل أيضا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢).
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد القائل: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه (٣)» وبعد:
стр. 11951
فالسنة المطهرة لا تنفصم عن القرآن الكريم؛ إذ هي تنبع من بحر جوده، بل هي متضمنة في آية من آياته، ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
كما أن العمل بالسنة الشريفة من الواجبات التي نص عليها القرآن الكريم في آيات متعددة منها، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣).
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُُولِ﴾ (٤).
والذي عليه العلماء أن السنة شارحة للقرآن مبينة المراد منه، قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وقال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه، وتبين المراد منه، وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب (٥). إلى غير ذلك مما يدل على تعاضد القرآن والسنة، في إثبات الأحكام الشرعية واستظهارها، وقد ذكر السيوطي عن بعض العلماء قوله: السنة شرح للقرآن، وقد ألف ابن برجان كتابا في معاضدة السنة للقرآن (٦). فالسنة لها مهمة البيان لما أجمل، والتخصيص لما هو عام، والتقييد لما هو مطلق، والتوضيح لما هو مبهم، كتفصيل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وغيرها، فلم يفصل القرآن الكريم عدد ركعات الصلاة، ولا مقادير الزكاة، نصابا واستحقاقا، ولا مناسك الحج. فجاءت
стр. 11952
السنة القولية والعملية مبينة ذلك بيانا شافيا، فقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي (١)». وقال أيضا: «لتأخذوا عني مناسككم (٢)». وقال: «ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة (٣)».
كما أن السنة قد تكون مقررة، ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم في هذه الحالة مستندا إلى دليلين، ومستمدا من مصدرين رئيسيين. وذلك جملة الأحكام الثابتة في القرآن، فجاءت السنة مؤكدة لها، كما في قوله ﷺ : «قد فرض الله عليكم الحج (٤)» حيث جاء مؤكدا لوجوب الحج، في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٥).
إضافة إلى أنها قد تثبت أحكاما جديدة، لم تثبت في القرآن الكريم، ولا أدل على ذلك من قوله ﷺ : «يوشك الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديثي فيقول: "بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه" ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (٦)».
قال الأمام الشافعي في رسالته الأصولية، مبينا نسبة السنة إلي القرآن:
стр. 11953
فلم أعلم من أهل العلماء مخالفا، في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان.
أحدهما ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب. والآخر: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب. . فمنهم من قال: جعل الله بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يسن فيما ليس سنه فيه نص كتاب.
ومنهم من قال: لم يسن سنة قط، إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة، وفرضها على أصل جملة الصلاة. وكذلك ما سن في البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١).
وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
فما أحل الله وحرم، فإنما بين فيه عن الله، كما بين الصلاة.
ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأثبت سنته بفرض الله. ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سن، وسنته الحكمة الذي ألقي في روعه عن الله، فكان ما ألقي في روعه سنته (٣).
ومادام القرآن والسنة هما محور البحث في الأحكام الشرعية، فإن العلماء قد سبروا غورهما، وفهموا ما فيهما، فكانت الأحكام على ضوئهما، مدرجة تحت قواعد قعدوها، وبالاستقراء أثبتوها.
وبناء على اختلاف عقول البشر، اختلفت أفهامهم، مما تمخض عنه
стр. 11954
قواعد معينة لكل فريق من العلماء، يستند إليها في استنباط الأحكام.
وبالرجوع إلى تلك القواعد، حصل الخلاف عند التطبيق على بعضها، فكان الخلاف على منهجين رئيسين:
منهج علماء الحنفية.
ومنهج جمهور علماء الأمة.
حيث هما دولاب الحركة، والقطب الذي يبث إشعاعاته، لتنشيط حركة البحث العلمي، وبيان أحكام الله، وذلك للسعي الحثيث. من علماء الأمة لإحقاق الحق، وإن كانت بعض حقب التاريخ قد نقلت لنا جوانب من الجدل المذهبي لإثبات كل لرأيه، ورد رأي خصمه، إلا أن الذي يشفع لنا في هذا المقام ما روي عن علمائنا من توجيه، بأن المراد إحقاق الحق، على يد من كان ظهوره، كما ورد عن الإمام الشافعي من قوله: (ما ناظرت أحدا على الغلبة، إلا على الحق عندي) (١).
فعبارة الشافعي هذه لا تنم إلا عن الحق، ولا تشي إلا بالبحث عن الحق، فالحق رائدهم، والحق مطلبهم، وقد قرروا ذلك جميعا حين أشاروا إلى تلامذتهم بأنه إذا صح الحديث فهو مذهبهم.
وإذا ما بدأ الإنسان البحث في موضوع خلافي، وترجح لديه جانب إمام معين، ومذهب من مذاهب علماء الأمة، فذلك لا يعني الانتقاص من جانب الآخرين؛ إذ قد كفل رسول الله ﷺ الأجر للطرفين، المخطئ والمصيب، وذلك بقوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (٢)».
وإن من القواعد التي دخلت في إطار الخلاف بين أصحاب المنهجين،
стр. 11955
هذا البحث المترجم له عند علماء الأصول بالزيادة على النص بخبر الواحد.
ولما كانت هذه المسألة من المسائل المهمة التي تحتاج إلى عناية خاصة، وذلك لأن السنة صنو القرآن، في إثبات الأحكام الشرعية، بل هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. كان البحث فيها لزاما: للوصول إلى رأي ثابت. ينبني على أرض صلبة، فأحببت أن أدلي بدلوي في هذه المسألة، رجاء أن تكون مفتاحا لما هو أهم، من مسائل البحث العلمي، فائدة لي، وإيضاحا لغيري. . والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 11956
المشكلة المراد حلها وخطة البحث:
والمشكلة تكمن في أن السنة تثبت الحكم حال انفرادها، ما لم تتعارض مع كتاب الله، فهل تثبته زائدا على ما أثبته القرآن حال اجتماعهما واتفاقهما في الحديث عنه، أم لا؟
هذا ما سأحاول إيضاحه، من خلال خطة البحث، المكونة من الفقرات التالية:
(١) مبنى الخلاف بين العلماء في هذه المسألة.
(٢) مذاهب العلماء في هذه المسألة.
(٣) تحرير محل النزاع وموطن الخلاف فيها.
(٤) فائدة الخلاف وثمرته.
(٥) استدلال كل فريق على رأيه.
أولا: دليل القائلين بأن الزيادة على النص ليست نسخا، وعليه فالحكم الزائد يثبت بخبر الواحد.
ثانيا: دليل القائلين بأن الزيادة على النص نسخ، وعليه فالحكم الزائد بخبر الواحد، لا يثبت كثبوته بالقرآن.
(٦) بيان ابن القيم لمقصود الحنفية ورده عليهم.
стр. 11957
(٧) بعض الآثار المترتبة على الخلاف في هذه المسألة:
(أ) فرضية النية للوضوء والغسل.
(ب) تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة.
(ج) الطمأنينة في الركوع والسجود
(د) اشتراط الطهارة في الطواف.
(هـ) تغريب الزاني البكر.
(و) القضاء بشاهد ويمين.
(٨) اصطدام عند التطبيق.
وتتضمن هذه الفقرة خروج الحنفية على قاعدتهم في بعض المسائل منها:
(أ) انهدام ما دون الطلقات الثلاث بالزوج الثاني.
(ب) اجتماع القطع والضمان على السارق.
(٩) أهم النتائج التي تمخض عنها البحث.
أحمد ربي فالق الإصباح، طالبا الزيادة من فضله، كما أرجو أن يكون بحث الزيادة هذا زيادة لي في الخير دنيا وأخرى، نافعا لمن يقع عليه من طلاب العلم، وأن يكون خالصا لوجه الله الكريم إنه سميع مجيب.
стр. 11958
(١) مبنى الخلاف في هذه المسألة:
من الأمور التي اختلفت فيها المناهج، وتشعبت فيها المسالك، مسألة الزيادة على النص القرآني بخبر الواحد، بحيث يثبت فيه حكم زائد على الحكم الثابت بالنص القرآني.
ولقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور نهجوا نهجا خاصا، والحنفية نهجوا نهجا آخر غير نهج الجمهور.
ومبنى الخلاف في المسألة هو النسخ، فمن خلال نظرة كل من أصحاب المنهجين للنسخ يبرز حكم الزائد على النص بخبر الواحد.
стр. 11959
فالنسخ لغة: هو الإزالة والإبطال والتغيير، والنقل والتحويل، ونسخه كمنعه: أزاله وغيره وأبطله، وأقام شيئا مقامه، ونسخ الكتاب، أي نقله عن معارضه، ونسخ النحل عن الخلية حوله إلى غيرها. ونسخت الشمس الظل بمعنى أزالته.
أما في الاصطلاح فقد عرفه الأصوليون بعدة تعريفات منها:
ما عرفه صاحب المنار "بأنه بيان لمدة الحكم المطلق" وفسره ابن ملك بأنه بيان انتهاء مدة الحكم الشرعي (١).
وعرفه ابن الحاجب من الجمهور بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر (٢).
فبإمعان النظر بين التعريفين السابقين يتضح أن هناك تغايرا بين الأمرين؛ إذ بيان مدة انتهاء الحكم، غير رفع الحكم، وقد أوضح ذلك التلمساني في مفتاح الوصول بمثال أورده، فقال: والفرق بينهما في المثال: أن من استأجر دارا سنة فتمت السنة، فيقال: قد انتهى عقد الإجارة ولا يقال: ارتفع، ولو تهدمت الدار في أثناء السنة لقيل: ارتفع العقد، ولا يقال: انتهى، والرفع يقتضي كون الرافع أقوى من المرفوع لاستحالة أن يرفع الأضعف، ما هو أقوى منه، وأما الانتهاء فلا يلزم منه ذلك؛ لأن المنتهي ينتهي بنفسه ولا يلزم أن يكون ما ينتهي إليه أقوى منه (٣).
وقد دفع هذا الزنجاني إلى اعتبار هذا الفارق سببا للخلاف بين المنهجين، فقال: واعلم أن هذه المسألة من المسائل اللفظية في الأصول، فإن الخلاف مبني على الخلاف في حقيقة النسخ، وماهيته، فحقيقة النسخ عندنا: رفع الحكم الثابت، وعندهم بيان لمدة الحكم، فإن صح تفسير
стр. 11960
النسخ بالبيان، صح قولهم، إن الزيادة على النص نسخ، من حيث إنها بيان لكمية العبادة أو كيفيتها، وإن صح تفسيره بالرفع، لم تكن الزيادة نسخا (١).
إضافة إلى أمر آخر، وهو إمكانية رفع الزيادة لحكم شرعي من عدمها، قال تاج الدين السبكي في رفع الحاجب مبينا ذلك: وإنما حصل النزاع بينهم في أن الزيادة هل ترفع حكما شرعيا فتكون نسخا أم لا فلا.
فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكما شرعيا لوقع على أنها نسخ، أو على أنها لا ترفع لوقع أنها ليست بنسخ، فالنزاع في الحقيقة في أنها هل هي رافع أم لا؟ (٢).
стр. 11961
(٢) مذاهب العلماء في هذه المسألة:
اختلف العلماء في هذه المسألة على مذهبين رئيسيين:
الأول: مذهب المالكية والشافعية والحنابلة الذين يقولون إن الزيادة على النص ليست بنسخ.
الثاني: مذهب الحنفية الذين يقولون: إن الزيادة على النص نسخ.
(٣) تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن الزيادة على النص إذا تتعلق بحكم النص فإنها ليست نسخا، كما في إيجاب الصوم بعد إيجاب الصلاة حيث الصلاة واجبة إجماعا.
стр. 11962
ولكن الخلاف حاصل فيما إذا تعلقت الزيادة بحكم النص وذلك:
(أ) بأن كانت الزيادة جزءا لذلك النص، كأن يزيد الشارع ركعة في الصبح، أو عشرين سوطا في حد القذف، فتصير الصبح ثلاث ركعات، والثالثة جزء منها وحد القذف مائة سوط، والعشرون الزائدة جزء منها.
(ب) أو كانت الزيادة شرطا لذلك النص كنية الطهارة، إذ هي شرط لها وقد زيدت في حديث: «إنما الأعمال بالنيات (١)» وغيره على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
بناء على أن النية ليست مستفادة من الآية.
(ج) أو لم تكن جزءا للنص ولا شرطا له، كزيادة التغريب على الجلد في زنا البكر؛ إذ الجلد لا يتوقف على التغريب، توقف الكل على جزئه ولا توقف المشروط على شرطه (٣). فليس شئ من ذلك يسمى نسخا عند المالكية والشافعية والحنابلة خلافا للحنفية فإنه عندهم نسخ.
стр. 11963
(٤) فائدة الخلاف وثمرته:
الخلاف في المسائل الاجتهادية أمر طبيعي، ولكن لا بد في حال الخلاف في موضوع معين، من أن تكون له ثمرة أو لا تكون، فإن لم تكن له ثمرة، فلا يؤبه به، ولا ينظر إليه، لأنه يكون من باب قيل وقال، وكثرة الجدال، وهما أمران مذمومان.
وإن كانت له ثمرة فلا بد من البحث عنها واستيضاحها، وذلك ما قرره العلماء - عند الحديث عن موضوع الزيادة على النص بخبر الواحد - وهل هي نسخ أم لا - من أن فائدة الخلاف وثمرته في هذه المسألة، هي جواز إثبات الأحكام الزائدة عن القرآن بخبر الواحد أو القياس أو عدم جوازه.
فمن قرر أن الزيادة على النص نسخ منع ذلك، ومن قرر أن الزيادة ليست بنسخ أجاز إثبات الزيادة بخبر الواحد أو القياس.
قال الإسنوى فإن قيل: فما الفائدة في كونه نسخا أم لا؟ قلنا: فائدته في إثبات الزيادة بخبر الواحد، إذا كان الأصل متواترا. . أ. هـ (١) وسبقه أبو الخطاب الكلوذاني في توضيح هذا الأمر فقال: وفائدة الخلاف في هذه المسألة، أن من لم يجعل الزيادة نسخا فإنه يجيز إثباتها بالقياس، وخبر الواحد، ومن جعلها نسخا لم يجز ذلك، إلا أن يكون طريق ثبوت الزيادة، مثل طريق المزيد عليه في القوة والمعنى (٢).
وعليه فثمرة الخلاف تتضمن أمرين:
(أ) جواز إثبات الزيادة بالقياس أو خبر الواحد عند من لم يجعلها نسخا.
стр. 11964
(ب) عدم جواز إثبات تلك الزيادة عند من جعلها نسخا، إلا في حال كون طريق ثبوت تلك الزيادة مثل طريق المزيد عليه في القوة والمعنى.
وقد نقل الشوكاني عن الزركشي في البحر المحيط قوله:
واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من باب النسخ، وكان مقطوعا به، فلا ينسخ إلا بقاطع، كالتغريب، فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخا نفاه، لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد.
ولما لم يكن عند الجمهور نسخا قبلوه؛ إذ لا معارضة، وقد ردوا - يعني الحنفية - أخبارا صحيحة لما اقتضت زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد. . . أ. هـ (١).
стр. 11965
(٤) استدلال كل فريق على رأيه:
أولا: استدل من ذهب إلى أن الزيادة على النص ليست نسخا بأمور منها:
١ - إن النسخ هو رفع الحكم وإزالته، والزيادة لا توجب رفع المزيد عليه، ألا ترى أنه إذا كان في الكيس مائة درهم، فزدت فوقها درهما، أن ذلك لا يوجب رفع شيء مما كان الكيس، فكذلك ها هنا (١).
إذن فحقيقة النسخ غير موجودة في الزيادة، لأن حقيقته تبديل ورفع للحكم الشرعي. بخلاف الزيادة فهي تقرير للحكم الشرعي، وضم حكم آخر إليه، والتقرير ضد الرفع، فلا يكون نسخا، ألا ترى أن إلحاق صفة الإيمان بالرقبة، لا يخرجها عن أن تكون مستحقه للإعتاق في الكفارة، وكذلك إلحاق النفي بالجلد في زنا البكر، لا يخرج الجلد عن كونه واجبا، بل هو واجب بعده، كما كان واجبا قبله، فوجوب التغريب
стр. 11966
بعد الجلد هو ضم حكم إلى حكم، وذلك ليس بنسخ. وهو بمنزلة من ادعى على آخر ألفا وخمسمائة، وشهد له شاهدان بألف، وآخران بألف وخمسمائة، حتى قضى له بالمال كله، كان مقدار الألف مقضيا به بشهادتهم جميعا، وإلحاق الزيادة بالأف بشهادة الآخرين يوجب تقرير الأصل في كونه مشهودا به، لا رفعه فتبين بهذا أن الزيادة لا تعرض فيها لأصل الحكم المشروع، حتى تكون نسخا (١).
٢ - كذلك إذا فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، ثم فرض صوم شهر رمضان، فلا يكون فرض الصوم نسخا للصلوات، فكذلك ها هنا، وتوضيح هذا بما سبق، من أن النسخ هو الرفع والإزالة، ومنه قولهم: نسخت الشمس الظل إذا أزالته، ونسخت الريح الأثر إذا ذهبت به وأزالته.
ونوقش هذا الدليل: بأن النسخ على رأينا الإزالة والرفع، وعند مخالفينا هو تغيير الحكم، وكلا المعنيين غير موجود في قولهم: نسخت الكتاب، فدل على التجوز في إطلاق النسخ على الكتاب (٢).
٣ - إن النسخ إنما يثبت بدليل متأخر، مناف للأول، بحيث لو وردا معا لا يمكن الجمع بينهما لتنافيهما، وههنا إن وردت الزيادة مقارنة للمزيد عليه، وجب الجميع، ولا تكون منافية له، فكيف يثبت بها النسخ إذا وردت متأخرة؟ بل تكون بيانا (٣).
٤ - ومن الحجة أيضا أن الله تعالى إذا أوجب الصلاة ركعتين ركعتين، ثم جعلها أربعا، فإن هذه الزيادة لم تبطل وجوب الركعتين
стр. 11967
الأوليين ولا تنافيهما وما لا يتنافى لا يكون ناسخا
ونوقش هذا الدليل: بأن التشهد كان يجب عقيب الركعتين، والسلام بآخر ذلك فبطل ذلك، وصار في موضع آخر، وهو بعد الأربع فقد بطل حكم شرعي، فيكون نسخا.
والجواب على ذلك: بأنا لا نسلم أن الله أوجب السلام عقيب الركعتين: لكونهما ركعتين، بل أوجبه آخر الصلاة كيف كانت، ثنائية، أو ثلاثية أو رباعية، ولا مدخل للعدد في إيجاب السلام، بل كونه آخر الصلاة فقط، وكون السلام آخر الصلاة لم يبطل. بل هو على حاله فلا نسخ (١).
٥ - إن الزيادة على النص لو كانت نسخا لكان القياس باطلا، لأن القياس إلحاق غير المنصوص، وزيادة حكم لم يوجبه النص بصيغته، وحين كان القياس جائزا أو دليلا شرعيا، علم أن الزيادة ليست بنسخ (٢).
٦ - إن النسخ أمر ضروري، لأن الأصل في أحكام الشرع هو البقاء، والقول بالتخصيص والتقييد يوجب تغيير الكلام من الحقيقية إلى المجاز ومن الظاهر إلى خلافه، ولكنه متعارف في اللغة، فكان حمل الكلام عليه أولى من الحمل على النسخ (٣).
ثانيا: أما أصحاب المذهب الثاني: وهم القائلون بأن الزيادة على النص نسخ، فقد استدلوا بما يلى:
(أ) إن النسخ بيان انتهاء حكم، وهذا المعنى موجود في حال الزيادة على النص.
стр. 11968
وذلك أن الإطلاق معنى مقصود من الكلام، وله معنى معلوم، وهو الخروج عن العهدة، بالإتيان بما يطلق عليه الاسم، من غير نظر إلى قيد، والتقييد معنى آخر مقصود على مضادة المعنى الأول المقصود من الإطلاق، لأن التقييد إثبات القيد، والإطلاق رفعه، وللمقيد حكم معلوم، وهو الخروج عن العهدة بمباشرة ما وجد فيه القيد، دون ما لم يوجد فيه ذلك، فإذا صار المطلق مقيدا، فلا بد من انتهاء حكم الإطلاق، بثبوت حكم التقييد، لعدم إمكان الجمع بينهما للتنافي، فإن الأول يستلزم الجواز بدون القيد والثاني يستلزم عدم الجواز بدونه، وإذا انتهى الحكم الأول بالثاني، كان الثاني ناسخا له ضرورة.
ونوقش هذا الدليل بعدم تسليم انتهاء حكم الأول، بل هو باق، ولكن ضم إليه شئ آخر، يحتاج إليه ليقع موقعه، فكأن المائة جلدة قد وقعت موقعها، مع الحاجة إلي زيادة التغريب (١).
وأجيب عن ذلك بأن القول بانتهاء الأول بالثاني لأن المطلق متى صار مقيدا، صار المطلق بعضه، وذلك بأن ما كان مطلقا قبل التقييد أصبح بعض المقيد، لاشتمال المقيد على معنيين: أحدهما: ما دل عليه المطلق، والثاني: ما دل عليه المقيد.
وبالبعض لا يثبت حكمه بدون انضمام الباقي إليه، فإن الركعة من صلاة الفجر لا تكون فجرا، ولا بعض الفجر بدون انضمام الركعة الأخرى إليها. والركعتان من صلاة الظهر في حق المقيم كذلك، وكذا المظاهر إذا صام شهرا ثم عجز، فأطعم ثلاثين مسكينا، لا يكون مكفرا بالإطعام، ولا بالصوم (٢).
стр. 11969
ولكن هذا الاستدلال يبطل به إذا أمر بالصلاة ثم أمر بالصوم، فإن الصلاة كانت جميع الشرع، ثم صارت بعضه، ومعلوم أن ذلك ليس نسخا.
وكذلك يبطل بالنقصان، فإذا سقط من المائة خمسون لم يكن نسخا للباقي، وقد صارت كل الحد، بعد أن كانت بعضه (١).
ب- إن النقصان نسخ فوجب أن تكون الزيادة نسخا.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن النقصان يسقط حكما ثابتا فأوجب دخوله في اللفظ في وقت مستقبل، وليس كذلك الزيادة، لأنها لا تسقط حكما، وهذا كما نقول: إنه إذا نسخ صوما أو صلاة كان نسخا، وإن زاد صوما بعد الصلاة لم يكن نسخا، فدل على الفرق بين النقصان والزيادة (٢).
جـ- إن الزيادة إذا ثبتت صارت جزأ من المزيد عليه، وحكمها حكمه، فيجب ألا تثبت إلا بما ثبت به المزيد عليه.
ويجاب عن ذلك: بأن كونها جزأ من المزيد عليه عبارة عن ضمها إليه، ولكن لا يجب ثبوتها بالطريق الذي ثبت به المزيد عليه.
وبيان ذلك، أن كونها جزأ منه ليس بأكثر من إثبات صفه المزيد عليه، ويجوز مخالفة الصفة للموصوف في طريقه، فيثبت الشيء بطريق مقطوع، وصفته من الإيجاب وغيره تثبت بطريق غير مقطوع به (٣).
والذي يترجح لي بعد استعراض أدلة الفريقين هو المذهب الأول القائل بأن الزيادة على النص ليست نسخا، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من المعارض، ولأن منهج الحنفية هذا يقتضي رد عدد من الأخبار
стр. 11970
الصحيحة، التي تثبت أحكاما زائدة عن القرآن، حيث الزيادة على النص عندهم نسخ، بخلاف غيرهم، فإنهم لا يعتبرون الزيادة على النص نسخا - كما علمنا - فيأخذون بما رده الحنفية ويعملون بمقتضاه (١).
стр. 11971
(٥) بيان ابن القيم لمقصود الحنفية ورده عليهم:
هذا وقد بين ابن القيم مقصود الحنفية من اتجاههم هذا: بأن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي ﷺ عقيب ذكره للنص، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه، إذ غير جائز عليهم العلم بأن الحد مجموع الأمرين ثمن ينقلون بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول ﷺ يذكر الأمرين، فامتنع حينئذ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد، فإن كانت قبل النص، فقد نسخها المطلق، عاريا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد، وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد، جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد، لم تكن نسخا وكانت بيانا.
وقد رد ابن القيم مقصودهم هذا باثنين وخمسين وجها، بدأها بقوله: إنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه، فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر، وهو زائد على ما في كتاب الله مغير لحكمه، فإن الله سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ، فهذه الزيادة بهذا الخبر - الذي لا يثبت - رافعة لحكم شرعي، غير مقارنة له ولا مقاومة بوجه، وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم.
стр. 11972
شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها، وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله، وقبول قوله في تلك الزيادة، هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه (١).
ثم ذكر الأوجه كلها وختم ذلك بقوله: إنكم تجيزون الزيادة على القرآن بالقياس، الذي أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان - أحدهما: إنه باطل مناف للدين، والثاني: إنه صحيح مؤخر عن الكتاب والسنة، فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفوا في جواز إثبات حكم زائد على القرآن به، فهلا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس. فإن قيل: قد دل القرآن على صحة القياس، واعتباره، وإثبات الأحكام به، فما خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه القرآن.
قيل: فهلا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة أسعد وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين وعرضة للخطأ، بخلاف قول من ضمنت له العصمة في أقواله، وفرض الله علينا اتباعه وطاعته. فإن قيل القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص، وأنه أريد به إثبات الحكم المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدا على القرآن، بل تفسير له وتبيين. قيل: فهلا قلتم إن السنة بيان لمراد الله من القرآن، تفصيلا لما أجمله، وتبيينا لما سكت عنه، وتفسيرا لما أبهمه، فإن الله سبحانه أمر بالعدل والإحسان، والبر والتقوى، ونهى
стр. 11973
عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم، وأباح لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا المأمور به، والمنهي عنه، والذي أحل لنا هو الذي حرم علينا (١).
هذا وإن قاعدة الزيادة على النص، واختلاف المناهج فيها قد أحدث أثرا في عدد من الفروع الفقهية كما سنلاحظه فيما يأتي إن شاء الله.
стр. 11974
(٦) بعض الآثار التي ترتبت على الاختلاف في قاعدة الزيادة على النص ما يلي:
(أ) فرضية النية للوضوء والغسل:
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١).
ويقول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٢)» الحديث.
من المسائل التي تخرجت على قاعدة الزيادة على النص، مسألة النية في الوضوء والغسل، فقد ذكرت الآية أفعال الوضوء، وأمرت الجنب بالاغتسال، ولم تتعرض للنية من قريب ولا من بعيد، ولكن الحديث في هذا المقام سبب خلافا بين العلماء، فهل جاء مبينا للآية ومقيدا لها، فيجمع بينهما، أو أن الحديث جاء زائدا على الآية الكرمية فلا داعي للأخذ به، ويكتفى للعمل بما جاء به القرآن؟ خلاف فقهي:
стр. 11975
فذهب الشافعي إلى القول بفرضية النية في الوضوء والغسل، وكونها شرطا لا يصح وضوء ولا غسل بلا نية، وهو مذهب الإمام مالك، وبه أخذ أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود الزهري وربيعة شيخ مالك.
وقال صاحب الحاوي هو قال جمهور أهل الحجاز.
وذهب أبو حنيفة إلى عدم فرضية النية، فيصح الوضوء والغسل بدونها، ولكنها مستحبة لتحصيل الثواب (١).
هذا وقد استدل الشافعي ومن معه بأدلة منها:
(أ) قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (٢)». ووجه دلالة الحديث أن لفظ إنما للحصر، وليس المراد صورة العمل، حيث إن الصورة توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت بلا نية.
(ب) وفوق ذلك كله قوله :
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣).
والإخلاص عمل القلب وهو النية، والأمر يقتضي الوجوب. وعليه فنحن مأمورون بالطهارة، ولا تتحقق العبادة والإخلاص فيها إلا بقصد ونية، وهذا هو المطلوب (٤).
أما الحنفية فقد استدلوا بقوله تعالى:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٥) الآية.
حيث هي عددت الأعمال المطلوبة حال القيام إلى الصلاة وليس منها النية، فما ذكر في الآية هو فرائض الوضوء ليس غير، وإذا أثبتنا.