← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

(٥) بيان ابن القيم لمقصود الحنفية ورده عليهم: هذا وقد بين ابن القيم مقصود الحنفية من اتجاههم هذا: بأن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي ﷺ عقيب ذكره للنص، ولنقلها إلينا من نقل المزيد عليه، إذ غير جائز عليهم العلم بأن الحد مجموع الأمرين ثمن ينقلون بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول ﷺ يذكر الأمرين، فامتنع حينئذ العمل بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد، فإن كانت قبل النص، فقد نسخها المطلق، عاريا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد، وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتا بخبر الواحد، جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد، لم تكن نسخا وكانت بيانا. وقد رد ابن القيم مقصودهم هذا باثنين وخمسين وجها، بدأها بقوله: إنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصلتموه، فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر، وهو زائد على ما في كتاب الله مغير لحكمه، فإن الله سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ، فهذه الزيادة بهذا الخبر - الذي لا يثبت - رافعة لحكم شرعي، غير مقارنة له ولا مقاومة بوجه، وقبلتم خبر الأمر بالوتر مع رفعه لحكم.

стр. 11972

شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها، وإجزاء الإتيان في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله، وقبول قوله في تلك الزيادة، هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه (١). ثم ذكر الأوجه كلها وختم ذلك بقوله: إنكم تجيزون الزيادة على القرآن بالقياس، الذي أحسن أحواله أن يكون للأمة فيه قولان - أحدهما: إنه باطل مناف للدين، والثاني: إنه صحيح مؤخر عن الكتاب والسنة، فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفوا في جواز إثبات حكم زائد على القرآن به، فهلا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس. فإن قيل: قد دل القرآن على صحة القياس، واعتباره، وإثبات الأحكام به، فما خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلنا عليه القرآن. قيل: فهلا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة أسعد وأصلح من القياس الذي هو محل آراء المجتهدين وعرضة للخطأ، بخلاف قول من ضمنت له العصمة في أقواله، وفرض الله علينا اتباعه وطاعته. فإن قيل القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص، وأنه أريد به إثبات الحكم المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدا على القرآن، بل تفسير له وتبيين. قيل: فهلا قلتم إن السنة بيان لمراد الله من القرآن، تفصيلا لما أجمله، وتبيينا لما سكت عنه، وتفسيرا لما أبهمه، فإن الله سبحانه أمر بالعدل والإحسان، والبر والتقوى، ونهى

стр. 11973

عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم، وأباح لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا المأمور به، والمنهي عنه، والذي أحل لنا هو الذي حرم علينا (١). هذا وإن قاعدة الزيادة على النص، واختلاف المناهج فيها قد أحدث أثرا في عدد من الفروع الفقهية كما سنلاحظه فيما يأتي إن شاء الله.

стр. 11974

(٦) بعض الآثار التي ترتبت على الاختلاف في قاعدة الزيادة على النص ما يلي: (أ) فرضية النية للوضوء والغسل: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). ويقول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٢)» الحديث. من المسائل التي تخرجت على قاعدة الزيادة على النص، مسألة النية في الوضوء والغسل، فقد ذكرت الآية أفعال الوضوء، وأمرت الجنب بالاغتسال، ولم تتعرض للنية من قريب ولا من بعيد، ولكن الحديث في هذا المقام سبب خلافا بين العلماء، فهل جاء مبينا للآية ومقيدا لها، فيجمع بينهما، أو أن الحديث جاء زائدا على الآية الكرمية فلا داعي للأخذ به، ويكتفى للعمل بما جاء به القرآن؟ خلاف فقهي:

стр. 11975

فذهب الشافعي إلى القول بفرضية النية في الوضوء والغسل، وكونها شرطا لا يصح وضوء ولا غسل بلا نية، وهو مذهب الإمام مالك، وبه أخذ أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود الزهري وربيعة شيخ مالك. وقال صاحب الحاوي هو قال جمهور أهل الحجاز. وذهب أبو حنيفة إلى عدم فرضية النية، فيصح الوضوء والغسل بدونها، ولكنها مستحبة لتحصيل الثواب (١). هذا وقد استدل الشافعي ومن معه بأدلة منها: (أ) قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (٢)». ووجه دلالة الحديث أن لفظ إنما للحصر، وليس المراد صورة العمل، حيث إن الصورة توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت بلا نية. (ب) وفوق ذلك كله قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣). والإخلاص عمل القلب وهو النية، والأمر يقتضي الوجوب. وعليه فنحن مأمورون بالطهارة، ولا تتحقق العبادة والإخلاص فيها إلا بقصد ونية، وهذا هو المطلوب (٤). أما الحنفية فقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٥) الآية. حيث هي عددت الأعمال المطلوبة حال القيام إلى الصلاة وليس منها النية، فما ذكر في الآية هو فرائض الوضوء ليس غير، وإذا أثبتنا.

стр. 11976

النية نكون قد أثبتناها بما زاد على النص والزيادة على النص نسخ، وخبر الواحد لا يقوى على نسح القرآن الكريم، قال السرخسي مستدلا لمذهبه: ولنا آية الوضوء ففيها تنصيص على الغسل والمسح، وذلك يتحقق بدون النية، فاشتراط النية يكون زيادة على النص، إذ ليس يوجد في اللفظ المنصوص ما يدل على النية، والزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس (١). هذا والذي يظهر أن الراجع هو رأي الجمهور، وذلك لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، والسنة مبينة للقرآن، وما دام معنا دليلان فإعمالهما معا أولى من إهمال أحدهما، وذلك بطريق الجميع بينهما (٢) أضف إلى ذلك أن القول بأن الزيادة على النص نسخ، يقضي على كثير من الأحاديث، ويعطل كثيرا من سنن المصطفى ﷺ .

стр. 11977

(ب) تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة: يقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١). ويقول ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٢)». هذه المسألة مخرجة على قاعدة الزيادة على النص، وذلك لورود القراءة في القرآن مطلقة عن التعيين، وإنما المنصوص عليه هو ما تيسر من القرآن، فهل هو الفاتحة أو غيرها، وهل يعتبر الفاتحة الوارد في الحديث زيادة على النص، أو بيانا له؟ خلاف بين العلماء بعد اتفاقهم على عدم جواز صلاة بغير قراءة.

стр. 11978

فذهب الإمام الشافعي إلى أن قراءة الفاتحة فرض من فروض الصلاة، وهو مذهب الإمام مالك، والصحيح من مذهب أحمد وبه أخذ الأوزاعي (١). وذهب الحنفية إلى أن قراءة سورة من القرآن، أو ثلاث آيات من أي سورة، أو آية طويلة، أو الفاتحة، فرض. ولا تتعين الفاتحة بالفرضية، بحيث لا تصح الصلاة إلا بها، وإنما تتعين القراءة مطلقا، والفاتحة عندهم واجبة من واجبات الصلاة (٢). أما الفريق الأول فقد استدلوا بما يلي: أ- قوله ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٣)». وتوجيه الاستدلال بهذا الحديث أنه نفى حقيقة الصلاة بانتفاء القراءة للفاتحة، زد على ذلك أنه لا يمتنع أن يقال: إن قوله (لا صلاة) نفي بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق عائشة مرفوعا «لا صلاة بحضرة الطعام (٤)». "فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ «لا يصلي صلاة بحضرة الطعام (٥)». وقد يكون النفي نفي الأجزاء والصحة، لا نفي كمال، بدليل رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النرسي بلفظ «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (٦)» وهناك شاهد يؤيده بلفظ «لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب (٧)». ب- قوله ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي

стр. 11979

خداج ثلاثا غير تمام (١)» فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال اقرأ بها في نفسك. . . الحديث (٢). وأما الحنفية فقد احتجوا على عدم تعيين الفاتحة بالفرضية بأدلة: الأول: إن تعيين الفاتحة زيادة على النص القرآني: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣). بخبر الواحد. والزيادة على النص نسخ، وخبر الواحد لا ينسخ القرآن. قال السرخسي: ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٤) فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص، وهو يعدل النسخ عندنا، فلا يثبت بخبر الواحد (٥). وقد ناقش الجمهور هذا الاستدلال، بأن الآية قد وردت في قيام الليل لا في قدر القراءة (٦). هذا وإن سباق الآية يؤيد ذلك، حيث الحديث في السورة كلها حول قيام الليل وكذا فإن القرآن يطلق ويراد به الصلاة، لاشتمال الصلاة على القرآن، ودليل ذلك قوله : ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧). قال مجاهد: يعني صلاة الفجر. وقد قال ﷺ : «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (٩)».

стр. 11980

قال القرطبي: وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات، لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها، حسبما هو مشهور مسطور عن الزجاج أيضا (١). الدليل الثاني: ما ورد في حديث المسيء صلاته من قوله ﷺ : «فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن (٢)» ولم يذكر الفاتحة، فلو كانت ركنا لعلمه إياها ولقال: اقرأ الفاتحة، وهو محتاج إلى تعلم الأحكام. ونوقش هذا الدليل بأن ما تيسر من القرآن محمول على الفاتحة، لأنها مما تيسر، بدليل ما ورد في حديث المسيء صلاته من قوله: «وإذا قمت فتوجهت فكبر ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ (٣)». فقوله في الآية: ما تيسر، مجمل بينه رسول الله ﷺ أو مطلق قيده، وربما يكون محمولا على العاجز، جمعا بين الأدلة، وربما يكون الأمر بقراءة ما تيسر بعد الفاتحة، بدليل قول أبي سعيد: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (٤)». الدليل الثالث: إن سور القرآن سواء في الحرمة (الفاتحة وغيرها) وهذا يدل على استوائها في الأجزاء بالقراءة في الصلاة بدليل تحريم قراءة الجميع على الجنب، وتحريم مس المحدث له (٥). ونوقش هذا الدليل: بأنه لا يلزم من استواء سور القرآن في الحرمة استواؤها في الإجزاء في الصلاة، لا سيما وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في نفس الفاتحة، فوجب المصير إليها (٦). هذا وقد ذكر ابن كثير جانبا من استدلال الحنفية ورده عند تفسير

стр. 11981

قوله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١) وعبر بالقراءة عن الصلاة كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) أي بقراءتك، وقد استدل أصحاب أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية وهي قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣) على أنه لا يجب تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية أجزأه واعتضدوا بحديث المسيء صلاته في الصحيحين «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن (٤)» وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٥)» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج (٦)» «لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن (٧)»

стр. 11982

(ج) الطمأنينة في الركوع والسجود: جاء في الصحيحين: «أن أعرابيا دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل فقال له في الثالثة: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال له النبي ﷺ : "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم

стр. 11983

افعل ذلك في صلاتك كلها (١)». فقد وقع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، بناء على الاختلاف في قاعدة الزيادة على النص على مذهبين: المذهب الأول: مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، فعندهم أن الطمأنينة فرض في الصلاة، تبطل الصلاة بتركها، وبقولهم أخذ أبو يوسف من الحنفية. المذهب الثاني: وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد بن الحسن - رحمهما الله -، من أنها ليست بفرض في الصلاة، بل هي واجب على تخريج الكرخي وسنة على تخريج الجرجاني وإنما الفرض هو الركوع والسجود (٢). دليل المذهب الأول: لقد استدل أصحاب هذا المذهب بما يلي: (أ) قوله ﷺ آمرا الأعرابي في الحديث السابق الذكر: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا (٣)».

стр. 11984

فمن هذا الحديث يظهر أن الطمأنينة هي أقل ما هو مطلوب بدليل قوله ﷺ : «ارجع فصل فإنك لم تصل (١)» والأمر بالإعادة دليل على فساد الصلاة بفساد ركن منها. ثمة إنه نفى كون المؤدى صلاة، وكذا فقد أمره بالطمأنينة، والأمر المطلق للوجوب الذي هو الفرضية (٢). (ب) قوله ﷺ : «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود (٣)». (ج) قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤). مطلق بينه الرسول ﷺ ، وفسره فيجب الرجوع إلى بيانه ﷺ (٥). أما دليل المذهب الثاني القائل بأن الطمأنينة ليست فرضا، فأمور منها: (أ) إن المأمور في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٦). هو مطلق الركوع والسجود فقط، والركوع هو الانحناء والميل، يقال ركعت النخلة إذا مالت إلى الأرض، والسجود هو التطأطؤ والخفض، وذلك يحصل دون الإتيان بالطمأنينة، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما. ثم في جعل الطمأنينة فرضا، زيادة على النص القرآن بخبر الواحد، والزيادة عندهم نسخ، وخبر الواحد لا يصلح ناسخا للقرآن. (ب) إن نفي النبي ﷺ أن يكون قد صلى، ليس نفيا لأصل الصلاة

стр. 11985

وإنما هو نفي للكمال، ودفع للنقص، بدليل أنه ورد في إحدى روايات حديث المسيء صلاته «فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فقد انتقصت من صلاتك (١)» ووجه الدلالة في هذه الرواية من جهتين: الأولى: لقد سمى رسول الله ﷺ صلاة الأعرابي صلاة، فلو كان ترك الطمأنينة مفسدا للصلاة لما سماها صلاة، كما لو ترك الركوع أو السجود. الثانية: ترك الرسول ﷺ المسيء صلاته حتى أتمها، ولو كان عدم الاطمئنان مفسدا، لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما حل له الاستمرار فيها بعد الفساد. فإقرار الرسول ﷺ له على ذلك دليل على عدم البطلان، وإقراره من السنة ثاني الأدلة الشرعية (٢). بعد ذكر آراء العلماء في هذه المسألة، واستدلالاتهم، فالذي أميل إليه وأدين الله به هو ما عليه جمهور العلماء، من أن الطمأنينة فرض في الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، وذلك لأن أدلة الجمهور أقوى من أدلة الفريق الآخر، حيث إن حديث المسيء صلاته نص في هذا المقام، والآية مطلقة في الركوع والسجود، وأمر بيانها موكول إلى رسول الله بقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣). ثم إن حديث المسيء صلاته أصح من الحديث الذي وردت به زيادة وما انتقصت من هذا فقد انتقصت صلاتك. أضف إلى ذلك أنه قد أخرج الحاكم حديثا على شرط الشيخين وهو قوله ﷺ : «أسوأ الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته، قيل: وكيف

стр. 11986

يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها (١)» ووجه الدلالة أن السرقة من الكبائر، فإذا كانت السرقة من الصلاة أسوأ من كبيرة، فذلك دليل بطلانها. ثم هناك حديث آخر وهو «أن حذيفة رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود، قال: منذ كم صليت؟ قال: منذ أربعين سنة، قال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة (٢)». ومما يحسن ذكره في ختام هذه المسألة ما ذكره في فتح الباري، نقدا للتعصب وتوجيها للنظر العلمي المجرد، وطمعا في إظهار الحق، فقال ﵀: لا ينقضي عجبي ممن يتعمد ترك قراءة الفاتحة منهم، وترك الطمأنينة، فيصلي صلاة يريد أن يتقرب بها إلى الله تعالى، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها، مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره (٣)

стр. 11987

(د) اشتراط الطهارة في الطواف: قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١). وقال ﷺ : «خذوا عني مناسككم (٢)». لقد بينت الآية أمر الله تعالى بمطلق الطواف، دون تقييد بشيء من القيود، سواء أكان على طهارة، أم سترا، مرة واحدة أم عددا من المرات، ثم جاء قوله ﷺ وبين أن المناسك تؤخذ عنه ﷺ ، بعد أن يطبق أمر

стр. 11988

الله في هذه المناسك، وبهذا تكون السنة قد جاءت بزيادة لم ترد في القرآن، مما أحدث خلافا فقهيا بين العلماء، حول اشتراط الطهارة للطواف، أو عدم اشتراطها. فذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الطهارة لصحة الطواف، وعدوها واجبة في الأصح، حتى يصح الطواف بدونها (١). وذهب الشافعية والمالكية وأحمد في المشهور عنه إلى أن الطهارة من الحدث الأكبر أو الأصغر شرط لصحة الطواف، فلا يصح إلا بها. وحجة الحنفية أن الله قد أمر بالطواف مجردا من القيود بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) والطواف هو: الدوران حول الكعبة من غير قيد الطهارة، واشتراط الطهارة زيادة على النص القرآني بخبر الواحد، فلا يصلح ناسخا (٣). وذلك ما ذكره في المبسوط حيث قال: " وحجتنا في ذلك، أن المأمور به بالنص هو الطواف"، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ (٤) وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، واشتراط الطهارة فيه زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس، لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد لأنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين. (٥). أما حجة الجمهور فهي: أولا: قول الرسول ﷺ : «خذوا عني مناسككم (٦)» وقد فسره ﷺ بفعله الذي ورد في الصحيحين عن عائشة ﵂: «إن أول شيء

стр. 11989

بدأ به ﷺ حين قدم، أنه توضأ ثم طاف بالبيت (١)» فكان فعله ﷺ بيانا لقوله. ثانيا: قوله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه (٢)»، وتوجيه ذلك أن الطواف إذا كان كالصلاة فالصلاة لا تجوز بدون الطهارة (٣). ثالثا: قوله ﷺ عائشة ﵂ حينما طمثت في الحج: «افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (٤)» فكان المانع لها من الطواف عدم الطهارة، فانبنى الحكم على سببه. هذا والذي يظهر أن رأي الجمهور هو الراجح في هذا المقام؛ وذلك لأن أدلتهم من السنة الصحيحة التي تبين القرآن وتفسره، وهذه الأحاديث نص في بيان القرآن، بخلاف دليل الحنفية فإنه استدلال بعموم الآية، وقد وكل بيانه إلى رسول الله ﷺ .

стр. 11990

(هـ) تغريب الزاني البكر: يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١).

стр. 11991

ويقول ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة (١)» فالآية قد أثبتت حد الجلد على الزاني مطلقا، سواء كان بكرا أم ثيبا، ولم تشر إلى شيء آخر. لكن الحديث جاء فخص الجلد بالزاني البكر، وزاد عليه التغريب، ولكن هل يعتبر التغريب (النفي) الوارد في الحديث زيادة على النص القرآني، أو بيانا له وتخصيصا؟ ذلك ما سنراه في هذه المسألة وتخريجها على قاعدة الزيادة على النص. فالمتفق عليه بين المسملين أن حد البكر في الزنا جلد مائة، لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) ولكنهم اختلفوا في التغريب مع الجلد، هل هو من الحد أو ليس من الحد؟ فذهب الإمام الشافعي وأحمد إلى أن التغريب من الحد، ولا بد منه، سواء في الرجل والمرأة البكرين، وهو مذهب الإمام مالك، إلا أنه اختص الرجل بالتغريب دون المرأة. وذهب الحنفية على عدم التغريب، وأن الجلد مائة هو الحد فحسب، واعتبروا التغريب من التعزير، إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك (٣). حجة الجمهور في كون التغريب من الحد ما يلي: أولا: ما روي عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا: «إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه - نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي. فقال رسول الله ﷺ : قل: قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وإني أخبرت أن على ابني

стр. 11992

الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (١)». ثانيا ما رواه عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة (٢)». ثالثا: إن النبي والخلفاء الراشدين قد غربوا ولم نعلم لهم مخالفا فكان إجماعا (٣). أما الإمام مالك فقد استدل على رأيه بعدم تغريب المرأة، بحديث نهي المرأة عن السفر بغير محرم: «لا تسافرن امرأة إلا ومعها ذو محرم (٤)». وكذا بالمصلحة حيث إن المرأة تتعرض بالغربة لأكثر من الزنا، فهي تحتاج إلى حفظ وصيانة، لأنها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم، فالتغريب بغير محرم غير جائز، للحديث آنف الذكر، ثم

стр. 11993

فيه إغراء لها وتضييع، وإن كان بمحرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وتكليف الزانية أجرة المحرم زيادة على عقوبتها بما لم يرد به الشرع، كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة ﵃ (١). واحتج من نفى التغريب بما يلي: (أ) قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). فالمذكور في الآية الجلد فقط دون التغريب، فزيادة التغريب الوارد في الحديث زيادة على النص القرآني بخبر الواحد، فلا تثبت تلك الزيادة (٣). (ب) قول عمر ﵁: "لا أغرب بعده مسلما" بعد أن نفى ربيعة بن أمية في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال: لا أغرب بعده. ولو كان التغريب من الحد لم يحق لعمر أن يرجع عنه. ونوقش بأنه ربما لا يغرب أحدا في الخمر، الذي أصابت ربيعة الفتنة فيه (٤). (ج) ما نقله صاحب البدائع عن علي ﵁ أنه قال: "كفى بالنفي فتنة، فدل على أن فعلهم كان على طريق التعزير" (٥). ونوقش بأنه لا يثبت لضعف رواته وإرساله (٦).

стр. 11994

(د) إن حديث عبادة محتمل للنسخ، وذلك ما ذكره السرخسي أثناء ذكره لتدرج حد الزنا، قال ﵀: "وقد كان الحكم في الابتداء الحبس في البيوت والتعيير والأذى باللسان، كما قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (١) وقال: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ (٢). ثم انتسخ بحديث عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة (٣)». وقد كان هذا قبل نزول سورة "النور"، بدليل قوله: «خذوا عني (٤)»، ولو كان بعد نزولها لقال: "خذوا عن الله تعالى"، ثم انتسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥) واستقر الحكم على الجلد في حق غير المحصن، والرجم في حق المحصن (٦) ولكن ابن حجر قد رد هذه الدعوى بقوله: واحتج بعضهم بأن حديث عبادة الذي فيه النفي منسوخ بآية النور، لأن فيها الجلد بغير نفي، وتعقب بأنه يحتاج إلى ثبوت التاريخ، وبأن العكس أقرب، فإن آية الجلد مطلقة في حق كل زان، فخص منها في حديث عبادة، الثيب، ولا يلزم من خلو آية النور عن النفي، عدم مشروعيته، كما لم يلزم من خلوها من الرجم ذلك. ومن الحجج القوية أن قصة العسيف كانت بعد آية النور، لأنها كانت في قصة الإفك، وهي متقدمة على قصة العسيف؛ لأن أبا هريرة حضرها، وإنما هاجر بعد قصة الإفك بزمان (٧).

стр. 11995

هذا وقد رد الشوكاني رأي الحنفية في هذه المسألة فقال: إن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية، فيما ورد من السنة زائدا على القرآن، فليس لهم معذرة عنها بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل، كحديث نقض الوضوء بالقهقهة، وحديث جواز الوضوء بالنبيذ، وهما زيادة على ما في القرآن وليست هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزيا، حتى تتجه دعوى النسخ (١). والذي أميل إليه هو ما رجحه ابن قدامة فقال: وقول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم (٢) والله أعلم.

стр. 11996

(و) القضاء بشاهد ويمين: يقول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١). وروى ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد (٢)». فالآية الكريمة قد أثبتت لإحقاق الحق طريقين اثنين لا ثالث لهما وهما: إما رجلان وإما رجل وامرأتان، ولم تعرض للقضاء بشاهد ويمين من قريب ولا بعيد. والحديث الشريف أثبت القضاء بالشاهد واليمين. فهل نثبت القضاء بالشاهد واليمين بالحديث، فيكون بيانا للآية، أو نرفض ذلك، لأنه زائد على النص القرآني؟ خلاف فقهي. من المتفق عليه بين العلماء أن اليمين

стр. 11997

تبطل به الدعوى عن المدعى عليه، إذا لم تكن للمدعي بينة، واختلفوا هل يثبت بها حق للمدعي؟ واتفقوا على القضاء برجلين أو برجل وامرأتين، واختلفوا في ثبوت الحقوق بشاهد ويمين. فذهب الحنفية إلى أنه لا يقضى بشاهد ويمين الطالب في شيء من الحقوق كائنا ما كان ذلك الحق (١). وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه يقبل الشاهد ويمين الطالب في القضاء بالحقوق (٢) وحجة الحنفية في ذلك ما يلي: (أ) قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) الآية. فالآية بينت أن الحقوق تثبت إما بطريق رجلين أو رجل وامرأتين لا غير، وإثباتها بشاهد ويمين زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ولا يثبت نسخ القرآن بخبر الواحد (٤). (ب) قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٥)» ووجه الاستدلال أنه ﷺ حصر البينة بجانب المدعي، وحصر اليمين بجانب المدعى عليه. ونوقش هذا الدليل بأن النبي ﷺ قضى في هذا الحديث بدعاوى، وقضى بحديث الشاهد واليمين بدعاوى أخرى (٦). ثم إن هذا الاستدلال أخذ بالمفهوم المخالف، وهم لا يأخذون به بل ينكرونه أصلا (٧).

стр. 11998

(ج) حديث الأشعث بن قيس قال: «كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : شاهداك أو يمينه، قلت إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان (٢)». فقد ذكر رسول الله ﷺ طريقين للحكم، ولو كان ثمة طريق ثالث إلى الحكم لبينها ﷺ ولقال: أو يمينك وشاهد. وأجاب ابن حجر عن ذلك بقوله: قلت: والجواب - بعد ثبوت العمل بالشاهد واليمين - أنها زيادة صحيحة، ويتعين المصير إليها، لثبوت ذلك بالمنطوق، وإنما يستفاد نفيه من حديث الباب بالمفهوم (٣). وهذا ما تقرر في الحديث السابق، وهو عين ما قاله الشافعي: القضاء بشاهد ويمين، ولا يخالف نص القرآن، لأنه لم يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم، فضلا عن مفهوم العدد (٤). (د) الأصل أن مال الغير لا يجوز أن يقبل فيه قول غيره، ويسلم إلى المدعي، إلا في موضع اتفق الناس عليه، ولم يتفق على الشاهد الواحد واليمين، فإن اليمين قول المدعي فلا يقضى له (٥). أما حجة الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على جواز القضاء بشاهد ويمين فهي: أولا: ما روي عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين

стр. 11999

وشاهد (١)» وفي رواية لأحمد: «إنما كان ذلك في الأموال (٢)». ثانيا: ما رواه أبو هريرة قال: «قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد (٣)». ثالثا: ما رواه جابر ﵁ أن النبي ﷺ «قضى باليمين مع الشاهد (٤)». هذا وقد رد الحنفية هذه الأحاديث؛ لمخالفتها القرآن الكريم من وجوه متعددة - ذكرها في كشف الأسرار - ولكنها استدلال بالمفهوم، والحنفية لا يقولون به أصلا (٥). على أن الآية إنما جاءت في التحمل لا في الأداء، وقد نقل عن ابن تيمية قوله: إن القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر هذين النوعين من البينات، في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٦) ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٧). فأمرهم سبحانه بحفظ حقوقهم ثم أمر من له الحق أن يستشهد. . وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم شيء آخر (٨). وقال الشافعي في الأم: " لما لم يكن في التنزيل أن لا يجوز أقل من

стр. 12000

شاهدين، وكان التنزيل محتملا أن يكون الشاهدان تامين في غير الزنا، ويؤخذ بهما الحق لطالبه، ولا يمين عليه، ثم وجدت رسول الله ﷺ يجيز اليمين مع الشاهد لصاحب الحق، ويأخذ حقه، ووجدت المسلمين يجيزون شهادة أقل من شاهدين، ويعطون بها، دلت السنة وعمل المسلمين على أن قول الله : ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) (٢)، ليس محرما أن يجوز أقل منه والله تعالى أعلم (٣). وقد ناقش الشافعي ﵀ أولئك الذين لا يجيزون الحكم في الأموال بالشاهد واليمين فقال: " فخالفنا في اليمين مع الشاهد مع ثبوتها عن رسول الله ﷺ بعض الناس، خلافا أسرف فيه على نفسه، فقال: لو حكمتم بما لا نراه حقا من رأيكم لم نرده، وإن حكمتم باليمين مع الشاهد رددناها، فقلت لبعضهم: رددت الذي يلزمك أن تقول به، ولا يحل لأحد من أهل العلم عندنا خلافه: لأنه سنة رسول الله ﷺ ، وأجزت آراءنا التي لو رددتها كانت أخف عليك في المأثم (٤).

стр. 12001

(٧) اصطدام عند التطبيق: ولقد خرج الحنفية على قاعدتهم، وخالفوا أصلهم، في الزيادة على النص في بعض الفروع، منها: (أ) انهدام ما دون الطلقات الثلاث بالزوج الثاني: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).

стр. 12002

وقوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). فمن المتفق عليه على ضوء هاتين الآيتين الكريمتين بين علماء الأمة، أن الزوجة إذا طلقها زوجها ثلاثا، ثم تزوجت غيره، ثم طلقها أو مات عنها، ثم أراد الأول أن يتزوجها، فإنها ترجع إليه على طلاق الثلاث، بخلاف ما إذا بانت - بعد طلاق رجعي - بانتهاء العدة، فإنهم اختلفوا، هل ترجع إليه على طلاق ثلاث، أو ترجع إليه على ما بقي من طلاقها؟ فذهب مالك والشافعي وأحمد في الأصح والمعتمد، إلى أنها ترجع على ما بقي من طلاقها، فإن كان قد طلقها واحدة فترجع إليه على اثنتين، وإن كان قد طلقها اثنتين، فترجع إليه على طلقة واحدة، وهو قول الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، عمر وعلي وأبي ومعاذ وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص، وبه قال سعيد بن المسيب، وعبيدة، والحسن والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور ومحمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - وابن المنذر (٢). وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنها ترجع إليه على طلاق ثلاث، وهو قول ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي وسريج (٣). قال ابن الهمام: فأخذ المشايخ من الفقهاء بقول مشايخ الصحابة (٤). استدل الفريق الأول بأن الزوج الثاني ليس شرطا ولا يحتاج إليه

стр. 12003

في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق (١). وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) قد جعل الزوج الثاني غاية للحرمة بقوله (حتى) التي هي للغاية، والحرمة لم توجد أصلا حتى تنهى، فلا إنهاء للحرمة قبل ثبوتها، إذ لا ثبوت إلا بعد الثلاث، فلا يكون منهيا قبلها، فصار كما لو أرجعها قبل التزوج، أو قبل إصابة الزوج الثاني، حيث تعود بما بقي من التطليقات (٣) ولا يلزم من كون الشيء غاية لشيء أن يكون غاية لما دونه (٤). وأما حجة الفريق الثاني فهي أن الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلا يتسع لثلاث تطليقات، كما بعد الثلاث، لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها (٥). ولقد رد ابن قدامة ذلك من وجهين: أحدهما: منع كونه مثبتا للحل أصلا، وإنما هو في الطلاق الثلاث غاية للتحريم، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٦) وحتى للغاية، وإنما سمى النبي ﷺ الزوج الذي قصد الحلية محللا تجوزا، بدليل أنه لعنه، ومن أثبت حلا لا يستحق لعنا. والثاني: إن الحل إنما يثبت في محل التحريم، وهي الملطقة ثلاثا وها هنا هي حلال له، فلا يثبت فيها حل، وقولهم: إنه يهدم الطلاق، قلنا بل هو غاية لتحريمه، وما دون الثلاث لا تحريم فيها، فلا يكون غاية له (٧). ونوقش كون هذا الحكم غاية للتحريم، بأنهم قد عملوا بالنص،

стр. 12004

وجعلوه منهيا للحرمة في صورة الحرمة الغليظة، لكنهم أثبتوا له وصفا آخر - بنص آخر - وهو إثبات الحل مطلقا بقوله ﷺ : «لعن الله المحلل والمحلل له (١)» فقد قلنا به وتركتم أنتم العمل به، ووجه الاستدلال أنه سماه محللا، وحقيقته مثبت الحل (٢). والجواب عن هذا بأن استدلالكم بالحديث ترك للعمل بالخاص، وزيادة على النص القرآني، وأنتم تجعلون الزيادة على النص نسخا، ولا يكون بخبر الواحد، فضلا عن حديث ضعفه العلماء فخالفتم أصلكم. زد على ذلك أن غاية ما تحقق من الشارع في هذا الحديث تسميته محللا، ولا يزيد عن كونه مثبتا لمجرد الحل، وهو حاصل في المتنازع فيه، فتبقى قضية هدم ما دون الثلاث طلقات قائمة. وقد رجح عدم الهدم صاحب التحرير وابن نجيم وقال: فالحق عدم الهدم، وكذا قال في الدر المختار، وعند محمد وباقي الأئمة بما بقي، وهو الحق، وقال ابن عابدين تعليقا على عبارة صاحب الدر المختار: "وأقره المصنف كغيره: أي كصاحب البحر (٣) والنهر والمقدسي والشرنبلالي والرملي والحموي وكذا شارح التحرير المحقق ابن أمير حاج، لكن المتون على قول الإمام، وأشار في متن المتلقى إلى ترجيحه، ونقل ترجيحه العلامة قاسم عن جماعة من أصحاب الترجيح (٤). بعد ذكر آراء الأئمة واستدلال كل لمذهبه أراني أميل مع الجمهور في رأيهم بأن الزوج الثاني لا يهدم ما دون الطلقات الثلاث، ولكن التحفظ مطلوب في مثل هذا المقام، كما فعل ابن الهمام حين رجح رأي

стр. 12005

الأئمة فقال: فظهر أن القول ما قاله محمد وباقي الأئمة الثلاثة، ولقد صدق قول صاحب الأسرار: ومسألة يخالف فيها كبار الصحابة يعوز فقهها، ويصعب الخروج منها (١)، والله أعلم.

стр. 12006

(ب) اجتماع القطع والضمان على السارق: يقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ويقول ﷺ : «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد (٢)». فالآية الكريمة أظهرت جزاء السارق، وأنه القطع، دون التعرض للمسروق، هل يرد إلى المسروق منه أو لا يرد؟ ولكن الحديث بين أن السارق غير ضامن، بعد إقامة الحد عليه، فما هو موقف العلماء من هذه المسألة، على ضوء الآية الكريمة والحديث الشريف؟ من المتفق عليه بين العلماء أن الواجب في حق السارق القطع، من حيث هو جناية، والغرم إذا لم يجب القطع، واتفقوا أيضا على رد المسروق بعد إقامة الحد، إذا كان باقيا غير مستهلك. ولكنهم اختلفوا في حكم اجتماع القطع والضمان إذا كان المسروق تالفا، بهلاك أو استهلاك. فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجتمع قطع وغرم، في حد السرقة إذا لم تكن العين المسروقة قائمة عنده، وهو قول الثوري وابن أبي ليلى وعطاء

стр. 12007

والشعبي ومكحول وابن شبرمة وابن سيرين. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب على السارق القطع والغرم، وهو قول الحسن والنخعي والليث والبتي وإسحاق وحماد. أما مالك فقد فرق بين الموسر والمعسر، فأخذ بقول أبي حنيفة في المعسر، فلم يضمنه بعد القطع، بخلاف الموسر فقد ضمنه، ووافق قوله قول الشافعي وأحمد في ذلك. احتج من جمع بين الأمرين بما يلي: (أ) عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١). (ب) قوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه (٢)» وجه الدلالة أن السارق قد أخذ المسروق، فيلزمه ضمانه حتى يرده إلى صاحبه. (ج) إن المسروق عين يجب ضمانها وردها إجماعا إن كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقطع، قياسا على سائر الأموال الواجبة (٣). (د) إن جريمة السرقة قد اجتمع فيها حقان: حق لله، وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، وذلك كاستهلاك صيد مملوك في الحرم، يجب الجزاء حقا لله تعالى، ويضمنه حقا للعبد، ومثله السرقة

стр. 12008

فيقطع لحق الله، ويضمن لحق العبد (١). وعمدة من منع وقال: لا يغرم السارق بعد القطع ما يلي: ما ورد عن المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد (٢)». ونوقش هذا الدليل بما يلي: (أ) إن هذا الحديث مختلف فيه من حيث الرواة، إذ أن سعد بن إبراهيم - الراوي عن المسور بن إبراهيم - مجهول، قاله ابن المنذر، ونقل عن ابن عبد البر قوله: الحديث ليس بالقوي، وقال البيهقي: لا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سعد بن محمد بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن بن عوف، فهو منقطع، وقال ابن أبي حاتم نقلا عن أبيه قوله: هذا حديث منكر، ومسور لم يلق عبد الرحمن، هو مرسل أيضا. وأجاب في فتح القدير: بأن الإرسال غير قادح بعد ثقة الراوي وأمانته، وذلك الساقط إن كان قد ظهر أنه الزهري فقد عرف، وبطل القدح (٣). وذلك مردود، لأنه قيل: إن سعد بن إبراهيم هو الزهري، وقيل: إن الذي روى عن سعد بن إبراهيم هو الزهري، حسب رواية إسحاق بن الفرات عن المفضل بن فضالة. على أنه تبقى الجهالة تحيط بسعد بن إبراهيم، زيادة على الانقطاع بين

стр. 12009

سعد بن إبراهيم ويزيد بن يونس، علما بأن الشبهة تبقى مكتنفة الاستدلال بهذا الحديث، فلا يكون الاحتجاج به سليما. ومما يقتضي النظر، ما قاله الرهاوي في حاشيته على شرح المنار، مقررا تمسكه بمذهبه، دون التفات إلى آراء الخصوم، ولا إلى آراء علماء الحديث، فقال: ويجاب بأن أئمتنا قد عملوا بهذا الحديث، واستدلوا به، فدل ذلك على صحته، لأن القاعدة عندنا، أن المجتهد إذا عمل بدليل من السنة، وطعن الخصم، لا يلتفت إلى قوله؛ لأن المجتهد بذل وسعه في ذلك، وكذا لا يلتفت إلى قول المحدثين من أنه ضعيف، أو غير صحيح؛ لأن ذلك اصطلاح حادث، نشأ من طول الطريق (١). (ب) الاستدلال بهذا الحديث خروج عن القاعدة التي تقولون بها، من أن الزيادة على النص نسخ، وخبر الواحد لا يقوى على النسخ كما هو مقرر، فخرجتم عن قاعدتكم بالاستدلال بهذا الحديث. وأجابوا عن هذه المناقشة: بأن حكم عدم الضمان ثابت بإشارة قوله تعالى: جزاء المقرونة بالقطع، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٢). وتوجيه ذلك أن فعل السرقة قد حصل من العبد، والله قد قرر القطع جزاء كاملا للفاعل، وكمال الجزاء يستدعي كمال الجناية، وإنما تكتمل الجناية إذا كانت حقا لله تعالى، إذ الجزاء مأخوذ من مصدر جزى بمعنى كفى، فلو وجب غرم لم يكف الجزاء، لذا فإن فعل السارق تمحض حقا لله تعالى، وبناء عليه فالجزاء الذي هو القطع يكفي لحق الله (٣).

стр. 12010

وهذا مردود بأن تمحض الحق في فعل السرقة لله تعالى يعرض عبدا من عباده للظلم، وذلك بأكل ماله بالباطل، والله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). والسرقة من الباطل فما ذنب المسروق منه أن يذهب ماله، وما فائدته بتمحض الحق لله تعالى، وذهاب متاعه هو؟ فالذي يظهر أن الجزاء المقرر للردع، والضمان حفاظا على أموال الناس، وذلك غير ممنوع، كما في استهلاك الصيد المملوك في الحرم؛ إذ فيه حقان: لله وللعبد، والله أعلم.
следующие страницы →