(ب) اجتماع القطع والضمان على السارق:
يقول الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ويقول ﷺ : «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد (٢)». فالآية الكريمة أظهرت جزاء السارق، وأنه القطع، دون التعرض للمسروق، هل يرد إلى المسروق منه أو لا يرد؟ ولكن الحديث بين أن السارق غير ضامن، بعد إقامة الحد عليه، فما هو موقف العلماء من هذه المسألة، على ضوء الآية الكريمة والحديث الشريف؟
من المتفق عليه بين العلماء أن الواجب في حق السارق القطع، من حيث هو جناية، والغرم إذا لم يجب القطع، واتفقوا أيضا على رد المسروق بعد إقامة الحد، إذا كان باقيا غير مستهلك.
ولكنهم اختلفوا في حكم اجتماع القطع والضمان إذا كان المسروق تالفا، بهلاك أو استهلاك.
فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجتمع قطع وغرم، في حد السرقة إذا لم تكن العين المسروقة قائمة عنده، وهو قول الثوري وابن أبي ليلى وعطاء
стр. 12007
والشعبي ومكحول وابن شبرمة وابن سيرين.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب على السارق القطع والغرم، وهو قول الحسن والنخعي والليث والبتي وإسحاق وحماد.
أما مالك فقد فرق بين الموسر والمعسر، فأخذ بقول أبي حنيفة في المعسر، فلم يضمنه بعد القطع، بخلاف الموسر فقد ضمنه، ووافق قوله قول الشافعي وأحمد في ذلك.
احتج من جمع بين الأمرين بما يلي:
(أ) عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١).
(ب) قوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه (٢)» وجه الدلالة أن السارق قد أخذ المسروق، فيلزمه ضمانه حتى يرده إلى صاحبه.
(ج) إن المسروق عين يجب ضمانها وردها إجماعا إن كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقطع، قياسا على سائر الأموال الواجبة (٣).
(د) إن جريمة السرقة قد اجتمع فيها حقان: حق لله، وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، وذلك كاستهلاك صيد مملوك في الحرم، يجب الجزاء حقا لله تعالى، ويضمنه حقا للعبد، ومثله السرقة
стр. 12008
فيقطع لحق الله، ويضمن لحق العبد (١).
وعمدة من منع وقال: لا يغرم السارق بعد القطع ما يلي:
ما ورد عن المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد (٢)».
ونوقش هذا الدليل بما يلي:
(أ) إن هذا الحديث مختلف فيه من حيث الرواة، إذ أن سعد بن إبراهيم - الراوي عن المسور بن إبراهيم - مجهول، قاله ابن المنذر، ونقل عن ابن عبد البر قوله: الحديث ليس بالقوي، وقال البيهقي: لا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سعد بن محمد بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن بن عوف، فهو منقطع، وقال ابن أبي حاتم نقلا عن أبيه قوله: هذا حديث منكر، ومسور لم يلق عبد الرحمن، هو مرسل أيضا.
وأجاب في فتح القدير: بأن الإرسال غير قادح بعد ثقة الراوي وأمانته، وذلك الساقط إن كان قد ظهر أنه الزهري فقد عرف، وبطل القدح (٣).
وذلك مردود، لأنه قيل: إن سعد بن إبراهيم هو الزهري، وقيل: إن الذي روى عن سعد بن إبراهيم هو الزهري، حسب رواية إسحاق بن الفرات عن المفضل بن فضالة.
على أنه تبقى الجهالة تحيط بسعد بن إبراهيم، زيادة على الانقطاع بين
стр. 12009
سعد بن إبراهيم ويزيد بن يونس، علما بأن الشبهة تبقى مكتنفة الاستدلال بهذا الحديث، فلا يكون الاحتجاج به سليما.
ومما يقتضي النظر، ما قاله الرهاوي في حاشيته على شرح المنار، مقررا تمسكه بمذهبه، دون التفات إلى آراء الخصوم، ولا إلى آراء علماء الحديث، فقال:
ويجاب بأن أئمتنا قد عملوا بهذا الحديث، واستدلوا به، فدل ذلك على صحته، لأن القاعدة عندنا، أن المجتهد إذا عمل بدليل من السنة، وطعن الخصم، لا يلتفت إلى قوله؛ لأن المجتهد بذل وسعه في ذلك، وكذا لا يلتفت إلى قول المحدثين من أنه ضعيف، أو غير صحيح؛ لأن ذلك اصطلاح حادث، نشأ من طول الطريق (١).
(ب) الاستدلال بهذا الحديث خروج عن القاعدة التي تقولون بها، من أن الزيادة على النص نسخ، وخبر الواحد لا يقوى على النسخ كما هو مقرر، فخرجتم عن قاعدتكم بالاستدلال بهذا الحديث.
وأجابوا عن هذه المناقشة:
بأن حكم عدم الضمان ثابت بإشارة قوله تعالى: جزاء المقرونة بالقطع، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٢).
وتوجيه ذلك أن فعل السرقة قد حصل من العبد، والله قد قرر القطع جزاء كاملا للفاعل، وكمال الجزاء يستدعي كمال الجناية، وإنما تكتمل الجناية إذا كانت حقا لله تعالى، إذ الجزاء مأخوذ من مصدر جزى بمعنى كفى، فلو وجب غرم لم يكف الجزاء، لذا فإن فعل السارق تمحض حقا لله تعالى، وبناء عليه فالجزاء الذي هو القطع يكفي لحق الله (٣).
стр. 12010
وهذا مردود بأن تمحض الحق في فعل السرقة لله تعالى يعرض عبدا من عباده للظلم، وذلك بأكل ماله بالباطل، والله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١).
والسرقة من الباطل فما ذنب المسروق منه أن يذهب ماله، وما فائدته بتمحض الحق لله تعالى، وذهاب متاعه هو؟
فالذي يظهر أن الجزاء المقرر للردع، والضمان حفاظا على أموال الناس، وذلك غير ممنوع، كما في استهلاك الصيد المملوك في الحرم؛ إذ فيه حقان: لله وللعبد، والله أعلم.
стр. 12011
خاتمة توضح بعض نتائج البحث
بعد الانتهاء من هذا البحث، أحببت أن أدون بعض النتائج التي تمخضت عنه فكانت كما يلي:
(١) إن خلاف العلماء كان مبنيا على اختلاف وجهات نظرهم إلى حقيقة النسخ وماهيته، بين كونه رفعا للحكم الثابت بخطاب متأخر، وبين كونه بيانا لانتهاء مدة الحكم.
وعلى كون الزيادة ترفع حكما شرعيا أو لا ترفع، فلو كانت ترفع حكما شرعيا، لكانت الزيادة نسخا، وإن لم ترفع حكما شرعيا لم تكن نسخا.
(٢) إن الخلاف كان على مذهبين رئيسين هما: مذهب الحنفية، ومذهب الجمهور، وإن كانت هناك أقوال أخرى، ولكنها لا حاصل لها، لأنها ليست في محل النزاع (١).
(٣) إن الأخذ بمذهب الحنفية في موضوع الزيادة على النص، يقتضي
стр. 12012
رد عدد من الأخبار الصحيحة، التي تثبت أحكاما زائدة عن القرآن؛ حيث الزيادة عندهم نسخ (١) والأخذ بمذهب الجمهور يقتضي الأخذ بما رده الحنفية من الأحاديث الصحيحة.
(٤) تم تحقيق عدد من الأحكام الفقهية، التي تفرعت عن الخلاف وبيان أثر ذلك الخلاف في تلك الأحكام.
(٥) إيضاح مخالفة الحنفية لأصلهم الذي أصلوه في موضوع الزيادة على النص، من خلال إيراد فرعين فقهيين، يتخرجان على مسألة الزيادة على النص وتحقيقهما.
(٦) كانت ثمرة الخلاف في هذه المسألة أن الحنفية قد منعوا إثبات الأحكام بخبر الواحد، زيادة على ما ثبت منها بالقرآن، بخلاف الجمهور، فقد أثبتوا الأحكام بها.
هذا فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. . مع دعائي لله أن أكون قد وفقت فيما كتبت.
والحمد لله رب العالمين. .
стр. 12013
المراجع
(١) القرآن الكريم. . مرجع المراجع.
(٢) آل تيمية: ثلاثة أئمة من آل تيمية (شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ووالده شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن تيمية، وجده مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن تيمية).
المسودة في أصول الفقه، مطبعة المدني. . القاهرة.
(٣) أبادي: محمد شمس الحق العظيم، التعليق المغني على الدارقطني بهامش الدارقطني ط. عالم الكتب، بيروت.
(٤) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم أبو العباس الحراني.
مجموعة الفتاوى، مكتبة ابن تيمية. . القاهرة. . الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.
(٥) ابن الحاجب: أبو عمر عثمان بن عمر بن أبي بكر جمال العرب.
مختصر المنتهى، مع شرح العضد عليه، وحواشي أخرى، مطبعة الفجالة الجديدة - القاهرة.
(٦) ابن خزيمة: أبو بكر محمد بن خزيمة السلمي النيسابوري.
صحيح ابن خزيمة - المكتب الإسلامي - الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ بيروت - دمشق.
(٧) ابن خلكان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، دار صادر - بيروت.
(٨) ابن دقيق العيد: تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري.
إحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام، المطبعة السلفية - القاهرة ١٣٧٩ هـ.
(٩) ابن رشد: محمد بن أحمد بن محمد القرطبي.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المكتبة التجارية الكبرى بمصر - القاهرة.
(١٠) ابن عابدين: محمد أمين.
حاشية رد المحتار، على الدر المختار، مطبعة مصطفى الحلبي، ط ٢ القاهرة ١٣٨٦ هـ.
(١١) ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي.
الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، مكتبة الرياض الحديثة، الطبعة الأولى - الرياض.
(١٢) ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي.
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(١٣) ابن قدامة: موفق الدين أبو محمد عبد الله المقدسي.
روضة الناظر وجنة المناظر، المطبعة السلفية ١٣٩١ هـ القاهرة.
المغني، مكتبة ابن تيمية القاهرة.
(١٤) ابن القيم: شمس الدين أبو عبد الله.
أعلام الموقعين، شركة الطباعة الفنية المتحدة - القاهرة.
(١٥) ابن كثير: عماد الدين أبو الفداء.
تفسير القرآن العظيم، مكتبة الدعوة الإسلامية، شباب الأزهر ١٤٠٠ هـ القاهرة.
(١٦) ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني.
سنن ابن ماجه، دار إحياء الكتب العربية القاهرة.
(١٧) ابن ملك: عز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز.
стр. 12014
شرح المنار وحواشيه، طبعة المطبعة العثمانية ١٣١٥ هـ.
(١٨) ابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم.
فتح الغفار بشرح المنار، المعروف بمشكاة الأنوار، مطبعة الحلبي ١٣٥٥ هـ القاهرة.
(١٩) ابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي.
شرح فتح القدير على الهداية، مطبعة مصطفى الحلبي القاهرة.
(٢٠) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني.
سنن أبي داود طبعة مصطفى الحلبي الثانية ١٤٠٣ هـ القاهرة.
(٢١) أبو يعلى: محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي.
العدة في أصول الفقه، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ بيروت.
(٢٢) أحمد: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني. مسند الإمام أحمد.
(٢٣) الإسنوي: عبد الرحيم بن الحسن بن علي أبو محمد جمال الدين.
نهاية السول، مطبعة محمد علي صبيح القاهرة.
(٢٤) الباجي: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي.
إحكام الفصول في أحكام الأصول، ط دار العرب الإسلامي بيروت.
(٢٥) البخاري: علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري.
كشف الأسرار على أصول فخر الإسلام البزدوي، مصورة عن طبعة شركة الصحافة العثمانية ١٣٩٤ هـ.
(٢٦) البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي.
صحيح البخاري، مطابع الشعب، القاهرة.
٢٧) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي.
السنن الكبرى، مطبعة حيدر آبادي الركن، الطبعة الأولى ١٣٤٤ هـ.
(٢٨) الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي.
سنن الترمذي، طبعة مصطفى الحلبي الأولى ١٣٥٦ هـ، القاهرة.
سنن الترمذي، طبعة دار الفكر، بيروت.
(٢٩) التلمساني: أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف التلمساني.
مفتاح الوصول، دار الكتاب العربي بمصر، الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.
(٣٠) التنبكتي: أبو العباس أحمد المعروف ببابا التنبكتي.
نيل الابتهاج تطريز الديباج، بهامش الديباج، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٣١) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، طبعة دار الفكر ١٤٠٢ هـ بيروت.
(٣٢) الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري.
المستدرك على الصحيحين، دار الفكر، ١٣٩٨ هـ بيروت.
(٣٣) الدارقطني: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد.
ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، دار الكتب الثقافية بيروت.
سنن الدارقطني طبعة عالم الكتب، بيروت.
(٣٤) الدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
سنن الدارمي، شركة الطباعة الفنية ١٣٨٦ هـ القاهرة.
(٣٥) الدسوقي: شمس الدين محمد بن أحمد بن عرفه.
стр. 12015
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار إحياء الكتب العربية القاهرة.
(٣٦) الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي.
تلخيص المستدرك، بهامش المستدرك، دار الفكر ١٣٩٨ هـ بيروت.
سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة ١٤٠٤ هـ ط ٢ بيروت.
العبر في خبر من غبر، طبعة دار الكتب العلمية بيروت.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ، دار المعرفة بيروت.
(٣٧) الرحيباني: مصطفى السيوطي الرحيباني.
مطالب أولي النهي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٣٨٠ هـ بيروت.
(٣٨) الرملي: شمس الدين محمد بن أبي العباس.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، مصطفى الحلبي الطبعة الأخيرة ١٣٨٦ هـ القاهرة.
(٣٩) الرهاوي: يحيى الرهاوي المصري.
حاشية الرهاوي على شرح ابن ملك على المنار، المطابع العثمانية ١٣١٥ هـ.
(٤٠) الزاوي: الطاهر أحمد الزاوي.
ترتيب القاموس المحيط، الطبعة الثانية، مطبعة عيسى الحلبي القاهرة.
(٤١) الزركلي: خير الدين الزركلي.
الأعلام، دار العلم للملايين، الطبعة السابعة، ١٩٨٦ م بيروت.
(٤٢) الزنجاني: أبو المناقب شهاب الدين محمود بن أحمد.
تخريج الفروع على الأصول، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة بيروت.
(٤٣) الساعاتي: أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي.
الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(٤٤) السبكي: تاج الدين عبد الوهاب بن علي.
رفع الحاجب عن ابن الحاجب، مخطوط مكتبة الأزهر برقم ٤٥٥، أصول.
(٤٥) السرخسي: أبو بكر محمد بن أبي سهل.
أصول السرخسي، مطابع دار الكتاب العربي ١٣٧٢ هـ القاهرة.
المبسوط / دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية بيروت.
(٤٦) السمناني: أبو القاسم علي بن محمد بن أحمد.
روضة القضاة وطريق النجاة، مطبعة أسعد ١٣٩٠ هـ بغداد.
(٤٧) السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي.
بغية الوعاة في طبقات النحاة، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ، دار الفكر بيروت. في طبقات النحاة.
مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ دار الكتب العلمية بيروت.
(٤٨) الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي.
الأم، الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ، دار المعرفة بيروت.
الرسالة، مطابع دار المختار الإسلامي (دار السلام) الطبعة الثانية. . القاهرة.
(٤٩) الشربيني: شمس الدين محمد بن أحمد.
مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.
(٥٠) الشوكاني: محمد بن علي بن محمد.
نيل الأوطار، الطبعة الأخيرة، مصطفى الحلبي وأولاده، القاهرة.
стр. 12016
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الطبعة الأولى ١٣٥٦ هـ، مصطفى الحلبي، القاهرة.
(٥١) الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي.
التبصرة في أصول الفقه، تحقيق محمد حسن هيتو، دار الفكر، دمشق.
المهذب، طبعة عيسى الحلبي، القاهرة.
(٥٢) الصفدي: صلاح الدين الصفدي.
الوافي بالوفيات. . طبعة ألمانيا.
(٥٣) الصنعاني: محمد بن إسماعيل بن صلاح.
العدة على إحكام الأحكام، المطبعة السلفية، القاهرة.
(٥٤) العسقلاني: شهاب الدين بن حجر.
الإصابة في تمييز الصحابة، طبعة دار صادر، بيروت.
تهذيب التهذيب، الطبعة الأولى ١٣٢٥ هـ، حيدر آباد، الهند.
الدار الكامنة في أعيان المائة الثامنة، طبعة حيدر آباد ١٣٩٢ هـ الهند.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، المطبعة السلفية ١٣٨٠ هـ القاهرة.
(٥٥) الغزالي: حجة الإسلام أبو حامد.
المنخول من تعليقات الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق محمد حسن هيتو.
(٥٦) القرافي: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس.
شرح تنقيح الفصول، شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة الأولى ١٣٩٣ هـ القاهرة.
(٥٧) القرطبي: أبو عبد الله محمد أحمد الأنصاري.
الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة.
(٥٨) الكاساني: علاء الدين أبو بكر بن مسعود.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مطبعة الإمام، الطبعة الأولى، القاهرة.
(٥٩) الكفوي: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني.
الكليات.
(٦٠) الكلوذاني: أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسين.
التمهيد في أصول الفقه طبعة جامعة أم القرى.
(٦١) الإمام مالك: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك.
موطأ الإمام مالك، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
نسخة ثانية من الموطأ دار الكتب العلمية، بيروت.
(٦٢) المحلاوي: محمد عبد الرحمن عيد المحلاوي.
تسهيل الوصول إلى علم الأصول، طبعة مصطفى الحلبي، القاهرة.
(٦٣) المرغيناني: برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر.
الهداية شرح بداية المبتدئ، الطبعة الأخيرة، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة.
المراغي: عبد الله مصطفى المراغي.
الفتح المبين في طبقات الأصوليين، الطبعة الثانية ١٣٩٤ هـ، محمد أمين دمج وشركاه بيروت.
(٦٤) مسلم: الإمام مسلم بن الحجاج القشيري.
صحيح مسلم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى ١٣٧٤ هـ القاهرة.
(٦٥) الموصلي: أبو الفضل مجد الدين عبد الله بن محمود.
стр. 12017
الاختيار لتعليل المختار، مطابع الشعب، القاهرة.
(٦٦) النسائي: أبو عبد الرحمن بن شعيب.
سنن النسائي مع شرح السيوطي وحاشية السندي، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٦٧) النسفي: حافظ الدين أبو البركات عبد الله بن أحمد.
كشف الأسرار شرح المصنف على المنار الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.
المنار مع شرحه لابن ملك وحواشيه، طبعة المطبعة العثمانية ١٣١٥ هـ.
(٦٨) النفراوي: أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا.
الفواكه الدواني شرح رسالة أبي زيد القيرواني، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة.
(٦٩) النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف.
المجموع شرح المهذب، مطبعة العاصمة، الطبعة الأولى، القاهرة.
стр. 12018
من
قرارات المجمع الفقهي
القرار الأول
حول (الوجودية)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:
فقد درس مجلس المجمع الفقهي البحث الذي قدمه الدكتور محمد رشيدي عن (الوجودية) بعنوان "كيف يفهم المسلم فكرة الوجودية" وما جاء فيه من شرح لفكرتها ولمراحلها الثلاث التي تطور فيها هذا المذهب الأجنبي إلى ثلاثة فروع تميز كل منها عن الآخر تميزا أساسيا جذريا حتى يكاد لا يبقى بين كل فرع منها والآخر صلة أو جذور مشتركة.
وتبين أن المرحلة الوسطى منها كانت تطورا للفكرة من أساس المادية المحض التي تقوم على الإلحاد وإنكار الخالق إلى قفزة نحو الإيمان بما لا يقبله العقل.
وتبين أيضا أن المرحلة الثالثة رجعت بفكرة الوجودية إلى إلحاد انحلالي يستباح فيه تحت شعار الحرية كل ما ينكره الإسلام والعقول السليمة.
وفي ضوء ما تقدم بيانه يتبين أنه حتى فيما يتعلق بالمرحلة الثانية المتوسطة من هذه الفكرة وهي التي يتسم أصحابها بالإيمان بوجود الخالق والغيبيات الدينية وإن كان يقال إنها رد فعل للمادية والتكنولوجيا والعقلانية المطلقة.
стр. 12019
وكل ما يمكن أن يقوله المسلم عنها في ضوء الإسلام: هو أن هذه المرحلة الثانية منها أو عقيدة الفرع الثاني من الوجودية رأي أصحابها في الدين على أساس العاطفة دون العقل لا يتفق مع الأسس الإسلامية في العقيدة الصحيحة المبنية على النقل الصحيح والعقل السليم في إثبات وجود الله تعالى وما له من الأسماء والصفات وفي إثبات الرسالات على ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ .
وبناء على ذلك يقرر مجلس المجمع بالإجماع:
إن فكرة الوجودية في جميع مراحلها وتطوراتها وفروعها لا تتفق مع الإسلام، لأن الإسلام إيمان يعتمد النقل الصحيح والعقل السليم معا في وقت واحد.
فلذا لا يجوز للمسلم بحال من الأحوال أن ينتمي إلى هذا المذهب متوهما أنه لا يتنافى مع الإسلام، كما أنه لا يجوز بطريق الأولوية أن يدعو إليه أو ينشر أفكاره الضالة.
نائب الرئيس ... رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان ... عبد الله بن حميد
الأعضاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد بن عبد الله السبيل ... محمد بن صالح بن عثيمين
محمد سالم بن عبد الودود ... حسنين محمد مخلوف ... عبد المحسن العباد
مصطفى الزرقاء ... محمد رشيد قباني ... اللواء محمود شيت خطاب
محمد رشيدي ... محمد الشاذلي النيفر ... محمد محمود الصواف
عبد القدوس الهاشمي
стр. 12020
القرار الرابع
حكم البهائية والانتماء إليها
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد استعرض مجلس المجمع الفقهي نحلة البهائية التي ظهرت في بلاد فارس (إيران) في النصف الثاني من القرن الماضي ويدين بها فئة من الناس منتشرون في البلاد الإسلامية والأجنبية إلى اليوم.
ونظر المجلس فيما كتبه ونشره كثير من العلماء والكتاب وغيرهم من المطلعين على حقيقة هذه النحلة ونشأتها ودعوتها وكتبها وسيرة مؤسسها المدعو ميرزا حسين علي المازندراني المولود في ٢٠ من المحرم ١٢٣٣هـ - ١٢ من تشرين الثاني / نوفمبر ١٨١٧م وسلوك أتباعه ثم خليفته ابنه عباس أفندي المسمى عبد البهاء وتشكيلاتهم الدينية التي تنظم أعمال هذه الفئة ونشاطها.
وبعد المداولة واطلاع المجلس على الكثير من المصادر الثابتة والتي يعرضها بعض كتب البهائيين أنفسهم تبين لمجلس المجمع ما يلي:
١ - أن البهائية دين جديد مخترع قام على أساس البابية التي هي أيضا دين جديد مخترع ابتداعه المسمى باسم (علي محمد) المولود في أول المحرم ١٢٣٥هـ - من تشرين الأول / أكتوبر ١٨١٩م في مدينة شيراز. وقد اتجه في أول أمره اتجاها صوفيا فلسفيا على طريقة الشيخية التي ابتدعها شيخه الضال كاظم الرشتي خليفة المدعو أحمد زين الدين الأحسائي زعيم طريقة الشيخية الذي زعم أن جسمه كجسم الملائكة نوراني وانتحل سفسطات وخرافات أخرى باطلة.
وقد قال علي محمد بقولة شيخه هذه، ثم انقطع عنه، وبعد فترة ظهر
стр. 12021
للناس بمظهر جديد أنه هو علي بن أبي طالب الذي يروي فيه عن الرسول ﷺ أنه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها (١)» ومن ثم سمى نفسه "الباب" ثم ادعى أنه الباب للمهدي المنتظر، ثم قال إنه المهدي نفسه) ثم في أخريات أيامه ادعى الألوهية وسمى نفسه الأعلى فلما نشأ ميرزا حسين علي المازندراني (المسمى بالبهاء) المذكور وهو معاصر للباب اتبع الباب في دعوته وبعد أن حوكم وقتل لكفره وفتنته أعلن ميرزا حسين علي أنه موصى له في الباب برئاسة البابيين. وهكذا صار رئيسا عليهم وسمى نفسه (بهاء الدين)
ثم تطورت به الحال حتى أعلن (أن جميع الديانات جاءت مقدمات لظهوره وأنها ناقصة لا يكملها إلا دينه، وأنه هو المتصف بصفات الله، وهو مصدر أفعال الله وأن اسم الله الأعظم هو اسم له، وأنه هو المعني برب العالمين، وكما نسخ الإسلام الأديان التي سبقته تنسخ البهائية الإسلام).
وقد قام الباب وأتباعه بتأويلات لآيات القرآن العظيم غاية في الغرابة والباطنية بتنزيلها على ما يوافق دعوته الخبيثة. وأن له السلطة في تغيير أحكام الشرائع الإلهية وأتى بعبادات مبتدعة يعبده بها أتباعه.
وقد تبين للمجمع الفقهي بشهادة النصوص الثابتة عن عقيدة البهائيين التهديمية للإسلام ولا سيما قيامها على أساس الوثنية البشرية في دعوى ألوهية البهائية وسلطته في تغيير شريعة الإسلام. يقرر المجمع الفقهي بإجماع الآراء خروج البهائية والبابية عن شريعة الإسلام واعتبارها حربا عليه وكفر أتباعهما كفرا بواحا سافرا لا تأويل فيه.
وإن المجمع ليحذر المسلمين في جميع بقاع الأرض من هذه الفئة المجرمة الكافرة ويهيب بهم أن يقاوموها ويأخذوا حذرهم منها لا سيما أنها قد
стр. 12022
ثبت مساندة الدول الاستعمارية لها لتمزيق الإسلام والمسلمين. . والله الموفق.
نائب الرئيس ... الرئيس
محمد علي الحركان ... عبد الله بن حميد
الأمين العالم لرابطة العالم الإسلامي ... رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية
الأعضاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية ... محمد محمود الصواف ... محمد بن صاالح بن عثيمين
مصطفى الزرقاء ... محمد بن عبد الله السبيل ... محمد رشيد قباني
محمد رشيدي ... عبد القدوس الهاشمي الندوي ... أبو بكر جومي
стр. 12023
صفحة فارغة
стр. 12024
مجلس هيئة كبار العلماء
يؤيد حكم الإعدام في الذين حاربوا الله ورسوله
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد: فلقد سرنا جميعا نحن رئيس وأعضاء مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وسوف يسر كل مسلم في أنحاء المعمورة تنفيذ حكم الإعدام في الجماعة الذين حاربوا الله ورسوله، وأخلوا بالأمن في بيت الله الحرام، والشهر الحرام، وروعوا الحجاج المسلمين والقاطنين في بلده الأمين، بما قاموا به من تفجيرات في موسم حج عام ١٤٠٩هـ بجوار المسجد الحرام، ولا شك أن ذلك جريمة كبرى، وفساد في الأرض، وظلم لعباد الله في بلده الحرام فجزى الله خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، وحكومته الرشيدة عن ذلك خير الجزاء. وإن المجلس يؤيد خادم الحرمين الشريفين في تنفيذ الحكم الشرعي فيهم، ويسأل الله أن يحمي به الحرمين الشريفين وجميع أنحاء المملكة العربية السعودية من عبث العابثين، وفساد المفسدين، وجزى الله القضاة عن حكمهم خيرا، فلقد حكموا بما دل عليه كتاب الله في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)
وقوله عز شأنه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢)
стр. 12025
وبما دل عليه حكم رسوله ﷺ في العرنيين الذين اعتدوا على إبل المسلمين وراعيها فسمروا عيني الراعي وقتلوه، وأخذوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا. وإننا نشكر الله على ما من به من فضيحة هؤلاء المجرمين، وتمكين سلطات الأمن من القبض عليهم، ثم نشكر خادم الحرمين الشريفين على تنفيذ حكم الله فيهم الذي تقر به عين كل مسلم، فلله الحمد على ذلك، ونسأله سبحانه أن يخذل أعداء الإسلام أينما كانوا، وأن يبطل كيدهم، ويحفظ بلده الأمين، وحرم رسوله الكريم، وسائر بلاد المسلمين من كل سوء، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، وسائر المسئولين في حكومته، لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه، وكل من سار على نهجه، إنه سميع قريب.
هيئة كبار العلماء
عبد الرزاق عفيفي ... سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد المجيد حسن ... صالح بن غصون
صالح بن محمد اللحيدان ... راشد بن خنين ... محمد بن جبير
إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله آل شيخ ... محمد بن صالح العثيمين
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الله بن سليمان المنيع ... حسن بن جعفر العتمي
عبد الله بن عبد الرحمن البسام ... صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
стр. 12026
قرار رقم "١٦٤"
وتاريخ ٢٦/ ٢ / ١٤١٠هـ
في حكم جمعيات الموظفين وغيرهم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير الخلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة والثلاثين المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من ١٦/ ٢ / ١٤١٠هـ إلى ٢٦/ ٢ / ١٤١٠هـ في الاستفتاءات المقدمة من بعض الموظفين مدرسين وغيرهم إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والمحالة من سماحته إلى المجلس عن حكم ما يسمى بجمعيات الموظفين وصورتها: "أن يتفق عدد من الموظفين يعملون في الغالب في جهة واحدة مدرسة أو دائرة أو غيرهما على أن يدفع كل واحد منهم مبلغا من المال مساويا في العدد لما يدفعه الآخرون وذلك عند نهاية كل شهر ثم يدفع المبلغ كله لواحد منهم وفي الشهر الثاني يدفع لآخر وهكذا حتى يتسلم كل واحد منهم مثل ما تسلمه من قبله سواء بسواء دون زيادة أو نقص".
стр. 12027
كما اطلع على البحث الذي أعده فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع في حكم القرض الذي يجر نفعا. ثم جرت مداولات ومناقشات لم يظهر للمجلس بعدها بالأكثرية ما يمنع هذا النوع من التعامل لأن المنفعة التي تحصل للمقرض لا تنقص المقترض شيئا من ماله وإنما يحصل المقترض على منفعة مساوية لها ولأن فيه مصلحة لهم جميعا من غير ضرر على واحد منهم أو زيادة نفع لآخر. والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها على أحد بل ورد بمشروعيتها. . . وبالله التوفيق. . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
стр. 12028
حديث شريف
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (١)»
رواه مسلم وأبو داود واللفظ لأبي داود
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الدكتور
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 12031
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
د. محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 12032
المحتويات
الافتتاحية
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
موضوع العدد:
قتل الغيلة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢٣
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٥١
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠٧
стр. 12033
البحوث:
أبو موسى الأشعري الصحابي السفير القائد اللواء محمود شيت خطاب ١٢٥
مخطوطة "فصل الجواب عن استحقاق المتأخر فضل الصحاب" تأليف الشيخ حسن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب
تحقيق / الوليد بن عبد الرحمن الفريان ٢١٣
الخلوة وما يترتب عليها من أحكام فقهية د. / عبد الله بن عبد المحسن الطريقي ٢٣٩
الدفاع عن السنة النبوية وطرق الاستدلال د. / الطبلاوي محمود سعد ٢٨٥
من قرارات المجمع الفقهي ٣١٩
قرار هيئة كبار العلماء في مسألة اعتبار اختلاف مطالع الأهلة من عدمه ٣٢١
نداء وتذكير لمساعدة المجاهدين الأفغان والمجاهدين في فلسطين سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٢٤
стр. 12034
صفحة فارغة
стр. 12035
الافتتاحية
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإن من أهم المهمات وأفضل القربات، التناصح والتوجيه إلى الخير، والتواصي بالحق والصبر عليه، والتحذير مما يخالفه ويغضب الله ، ويباعد من رحمته، وأسأله أن يصلح قلوبنا وأعمالنا وسائر المسلمين، وأن يمنحنا الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح جميع ولاة أمور المسلمين ويوفقهم لكل خير، ويصلح لهم البطانة، ويعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، ويمنحهم الفقه في الدين، ويشرح صدورهم لتحكيم شريعته، والاستقامة عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها المسلمون؛ إن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضوع عظيم، جدير بالعناية؛ لأن في تحقيقه مصلحة الأمة ونجاتها، وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير واختفاء الفضائل وظهور الرذائل. وقد أوضح الله جل وعلا في كتابه العظيم منزلته من الإسلام، وبين سبحانه أن منزلته عظيمة، حتى إنه سبحانه في بعض الآيات قدمه على الإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى
стр. 12036
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) ولا نعلم السر في هذا التقديم إلا عظم شأن هذا الواجب وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة، وقد كان المسلمون في عهده ﷺ وعهد أصحابه وفي عهد السلف الصالح يعظمون هذا الواجب ويقومون به خير قيام، فالضرورة إليه بعد ذلك أشد وأعظم؛ لكثرة الجهل وقلة العلم وغفلة الكثير من الناس عن هذا الواجب العظيم.
وفي عصرنا هذا صار الأمر أشد والخطر أعظم؛ لانتشار الشرور والفساد، وكثرة دعاة الباطل وقلة دعاة الخير في غالب البلاد كما تقدم، ومن أجل هذا أمر الله به ورغب فيه، وقدمه في آية آل عمران على الإيمان، وهي قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) الآية - يعني أمة محمد ﵊ فهي خير الأمم وأفضلها عند الله، كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله (٣)».
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجود في الأمم السابقة، بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب. وأصل المعروف توحيد الله والإخلاص له، وأصل المنكر الشرك بالله وعبادة غيره.
стр. 12037
وجميع الرسل بعثوا يدعون الناس إلى توحيد الله، الذي هو أعظم المعروف، وينهون الناس عن الشرك بالله، الذي هو أعظم المنكر. ولما فرط بنو إسرائيل في ذلك وأضاعوه، قال الله جل وعلا في حقهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ثم فسر هذا العصيان فقال سبحانه: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢)، فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم، وجعله التفسير لهذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٣) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٤).
وما ذلك إلا لعظم الخطر في ترك هذا الواجب، وأثنى الله جل وعلا على أمة في ذلك منهم فقال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٥) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦) ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٧) هذه طائفة من أهل الكتاب لم يصبها ما أصاب الذين ضيعوه، فأثنى الله عليهم في ذلك، وفي آية أخرى من كتاب الله في سورة التوبة قدم سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما ذلك إلا لعظم شأنه. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومع ذلك قدمه في هذه الآية على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٨)
стр. 12038
فقدم هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقام الصلاة، مع أن الصلاة عمود الإسلام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، فلأي معنى قدم هذا الواجب؟
لا شك أنه قدم لعظم الحاجة إليه وشدة الضرورة إلى القيام به، ولأن بتحقيقه تصلح الأمة ويكثر فيها الخير وتظهر فيها الفضائل وتختفي منها الرذائل، ويتعاون أفرادها على الخير، ويتناصحون ويجاهدون في سبيل الله، ويأتون كل خير ويذرون كل شر، وبإضاعته والقضاء عليه تكون الكوارث العظيمة والشرور الكثيرة، وتفترق الأمة وتقسو القلوب أو تموت، وتظهر الرذائل وتنتشر وتختفي الفضائل ويهضم الحق، ويظهر صوت الباطل، وهذا أمر واقع، ولا ينهى فيها عن المنكر، فإنه تنتشر فيها الرذائل وتظهر فيها المنكرات، ويسود فيها الفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبين سبحانه أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والمطيعين لله ولرسوله هم أهل الرحمة، فقال : ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (١) فدل ذلك على أن الرحمة إنما تنال بطاعة واتباع شريعته، ومن أخص ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تنال الرحمة بالأماني ولا بالأنساب ككونه من قريش، أو من بني هاشم أو من بني فلان، ولا بالوظائف، ككونه ملكا أو رئيس جمهورية أو وزيرا أو غير ذلك من الوظائف، ولا تنال أيضا بالأموال والتجارات، ولا بوجود كثرة المصانع، ولا بغير هذا من شئون الناس، وإنما تنال الرحمة بطاعة الله ورسوله، واتباع شريعته.
стр. 12039
ومن أعظم ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في كل شيء، فهؤلاء هم أهل الرحمة، وهم الذين في الحقيقة يرجون رحمة الله، وهم الذين في الحقيقة يخافون الله ويعظمونه، فما أظلم من أضاع أمره، وارتكب نهيه، وإن زعم أنه يخافه ويرجوه، وإنما الذي يعظم الله حقا، ويخافه ويرجوه حقا، من أقام أمره واتبع شريعته، وجاهد في سبيله، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، قال سبحانه في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فجعلهم سبحانه راجين رحمة الله لما آمنوا وجاهدوا وهاجروا لإيمانهم هجرتهم وجهادهم، ما قال: إن الذين بنوا القصور أو الذين عظمت تجارتهم أو تنوعت أعمالهم، أو الذين ارتفعت أنسابهم هم الذين يرجون رحمة الله، بل قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فأبان سبحانه أن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وهي: الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هم المفلحون، والمعنى أنهم هم المفلحون على الكمال والتمام، وإن كان غيرهم من المؤمنين مفلحا إذا تخلى عن بعض هذه الصفات لعذر شرعي، لكن المفلحون على الكمال والتمام هم هؤلاء الذين دعوا إلى الخير وأمروا بالمعروف وبادروا إليه ونهوا عن المنكر وابتعدوا عنه.
стр. 12040
أما الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأغراض أخرى كرياء وسمعة أو خطر عاجل أو أسباب أخرى، أو يتخلفون عن فعل المعروف ويرتكبون المنكر، فهؤلاء من أخبث الناس ومن أسوئهم عاقبة.
وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه- أي: أمعاؤه - فيدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: ما لك يا فلان؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! قال: فيقول لهم: بلى ولكني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه (١)».
هذه حال من خالف قوله فعله - نعوذ بالله - تسعر به النار، ويفضح على رءوس الأشهاد، يتفرج عليه أهل النار، ويتعجبون كيف يلقى في النار.
هذا ويدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، وتندلق أقتاب بطنه، يسحبها، لماذا؟! لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، فعلم بذلك أن المقصود الأمر بالمعروف مع فعله، والنهي عن المنكر مع تركه.
وهذا هو الواجب على كل مسلم، وهذا الواجب العظيم أوضح الله شأنه في كتابه الكريم ورغب فيه، وحذر من تركه، ولعن من تركه.
فالواجب على أهل الإسلام أن يعظموه وأن يبادروا إليه وأن يلتزموا به طاعة لربهم وامتثالا لأمره، وحذرا من عقابه .
وقد جاءت سنة رسول الله ﷺ تؤيد هذا الأمر وتبين ذلك أعظم بيان وتشرحه، فيقول المصطفى ﵊ في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (٢)». خرجه الإمام مسلم في صحيحه.
стр. 12041
فبين ﷺ مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الثلاث:
المرتبة الأولى: الإنكار باليد مع القدرة، وذلك بإراقة أواني الخمر، وكسر
стр. 12042
آلات اللهو ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده إن استطاع ذلك كالسلطان ونحوه من أهل القدرة، وكإلزام الناس بالصلاة، وبحكم الله الواجب اتباعه ممن يقدر على ذلك، إلى غير هذا مما أوجب الله.
وهكذا المؤمن من أهله وولده، يلزمهم بأمر الله، ويمنعهم مما حرم الله، باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام. وهكذا من له ولاية من أمير أو محتسب، أو شيخ قبيلة أو غيرهم ممن له ولاية من جهة ولي الأمر، أو من جهة جماعته، حيث ولوه عليهم، عند فقد الولاية العامة يقوم بهذا الواجب حسب طاقته، فإن عجز انتقل إلى: المرتبة الثانية: وهي اللسان، يأمرهم باللسان وينهاهم، كأن يقول: يا قوم، اتقوا الله يا إخواني، اتقوا الله، صلوا وأدوا الزكاة، اتركوا هذا المنكر، افعلوا كذا، دعوا ما حرم الله، بروا والديكم، صلوا أرحامكم، إلى غير هذا، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر باللسان، ويعظهم ويذكرهم ويتحرى الأشياء التي يفعلونها حتى ينبههم عليها، ويعاملهم بالأسلوب الحسن، مع الرفق، يقول ﵊: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله (١)». ويقول ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢)».
وجاء جماعة من اليهود فدخلوا عليه ﷺ فقالوا: السام عليك يا محمد. يعنون الموت، وليس مرادهم السلام،. . فسمعتهم عائشة ﵂ فقالت: عليكم السام واللعنة. وفي لفظ آخر: " ولعنكم الله، وغضب عليكم". فقال رسول الله ﷺ : «مهلا يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله". قالت: " ألم تسمع ما قالوا؟! قال: ألم تسمعي ما قلت لهم؟ قلت لهم: " وعليكم، فإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا (٣)». هذا وهم يهود رفق بهم ﷺ لعلهم يهتدون ولعلهم ينقادون للحق، ولعلهم يستجيبون لداعي الإيمان.
فهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق، يتحرى الرفق والعبارات
стр. 12043
المناسبة، والألفاظ الطيبة عندما يمر على من قصر في ذلك في المجلس أو في الطريق أو في أي مكان يدعوهم بالرفق والكلام الطيب، حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم أو كابروا فيه يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢).
من هم أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى وهم كفار، ومع ذلك يقول الله عنهم: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣) والمعنى أن من ظلم منهم وتعدى وأساء الكلام فإنه ينتقل معه إلى علاج آخر غير الجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥) لكن ما دام المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق، فإنه يكون بالتي هي أحسن؛ لأن هذا أقرب إلى الخير، قال سفيان الثوري ﵀: " ينبغي للآمر والناهي أن يكون رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، عدلا فيما يأمر به، عدلا فيما ينهى عنه، عالما بما يأمر به، عالما بما ينهى عنه ".
وهذا معنى كلام السلف ﵏، تحري الرفق مع العلم والحلم والبصيرة، لا يأمر ولا ينهى إلا عن علم، لا عن جهل، ويكون مع ذلك رفيقا عاملا بما يدعو إليه، تاركا ما ينهى عنه، حتى يقتدى به.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له
стр. 12044
من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (١)».
وهذا الحديث مثل حديث أبي سعيد السابق المتضمن الإنكار باليد، ثم اللسان ثم القلب. فالخلوف التي تخلف بعد الأنبياء هذا حكمهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويعلمون أحكام الله، ويجاهدون في ذلك باليد، ثم اللسان ثم القلب.
وهكذا في أمة محمد ﷺ يجب على علمائهم وأمرائهم وأعيانهم وفقهائهم أن يتعهدوا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل وإرشاد الضال، وإقامة الحدود والتعزيرات الشرعية؛ حتى يستقيم الناس ويلزموا الحق، ويقيموا عليهم الحدود الشرعية ويمنعوهم من ارتكاب ما حرم الله؛ حتى لا يتعدى بعضهم على بعض أو ينتهكوا محارم الله.
وقد ثبت عن عثمان بن عفان ﵁ الخليفة الراشد أنه قال: " إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". ويروى عن عمر ﵁ أيضا.
وهذا صحيح، فكثير من الناس لو جئته بكل آية، لم يمتثل، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن، وترك باطله. لماذا؟ لأن قلبه مريض، ولأنه ضعيف الإيمان أو معدوم الإيمان. . فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث. . لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده، ووازع السلطان له شأن عظيم، ولهذا شرع الله لعباده القصاص والحدود والتعزيزات؛ لأنها تردع عن الباطل وأنواع الظلم، ولأن الله يقيم بها الحق، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها، وأن يعينوا من يقيمها، وأن يلاحظوا الناس ويلزموهم بالحق، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا، وينقادوا مع
стр. 12045
تيار الباطل، ويكونوا عونا للشيطان وجنده علينا.
المرتبة الثالثة: إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهى إلى القلب، يكره المنكر بقلبه ويبغضه، ولا يكون جليسا لأهله. وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال له بعض الناس: هلكت إن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. فقال له ﵁: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر.
فلا بد يا أخي أن تعرف المعروف بالتعلم والتفقه في الدين، ولا بد أن تعرف المنكر بذلك، ثم تقوم بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالتبصر والتفقه في الدين من علامات السعادة ودلائل أن الله أراد بالعبد خيرا، كما في الصحيحين عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)». فإذا رأيت الرجل يتبع حلقات العلم، ويسأل عن العلم، ويتفقه ويتبصر فيه، فذلك من علامات أن الله أراد به خيرا، فليلزم ذلك، وليجتهد ولا يمل ولا يضعف. يقول ﵊ في الحديث الصحيح: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢)» رواه الإمام مسلم في صحيحه.
فطلب العلم له شأن عظيم، ومن الجهاد في سبيل الله، ومن أسباب النجاة والدلائل على الخير، ويكون بحضور حلقات العلم، ويكون بمراجعة الكتب المفيدة، إذا كان ممن يفهمها، ويكون بسماع الخطب والمواعظ، ويكون بسؤال أهل العلم. . كل ذلك من الطرق المفيدة، ويكون أيضا بحفظ القرآن الكريم، وهو الأصل في العلم، فالقرآن رأس كل علم، وهو الأساس العظيم، وهو حبل الله المتين، وهو أعظم كتاب وأشرف كتاب، وهو أعظم قائد إلى الخير، وأعظم ناه عن الشر.
فوصيتي لكل مؤمن، ولكل مؤمنة، العناية بالقرآن، والإكثار من تلاوته، والحرص على حفظه، أو ما تيسر منه، مع التدبر والتعقل، ففيه الهدى