← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

فبين ﷺ مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الثلاث: المرتبة الأولى: الإنكار باليد مع القدرة، وذلك بإراقة أواني الخمر، وكسر

стр. 12042

آلات اللهو ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده إن استطاع ذلك كالسلطان ونحوه من أهل القدرة، وكإلزام الناس بالصلاة، وبحكم الله الواجب اتباعه ممن يقدر على ذلك، إلى غير هذا مما أوجب الله. وهكذا المؤمن من أهله وولده، يلزمهم بأمر الله، ويمنعهم مما حرم الله، باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام. وهكذا من له ولاية من أمير أو محتسب، أو شيخ قبيلة أو غيرهم ممن له ولاية من جهة ولي الأمر، أو من جهة جماعته، حيث ولوه عليهم، عند فقد الولاية العامة يقوم بهذا الواجب حسب طاقته، فإن عجز انتقل إلى: المرتبة الثانية: وهي اللسان، يأمرهم باللسان وينهاهم، كأن يقول: يا قوم، اتقوا الله يا إخواني، اتقوا الله، صلوا وأدوا الزكاة، اتركوا هذا المنكر، افعلوا كذا، دعوا ما حرم الله، بروا والديكم، صلوا أرحامكم، إلى غير هذا، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر باللسان، ويعظهم ويذكرهم ويتحرى الأشياء التي يفعلونها حتى ينبههم عليها، ويعاملهم بالأسلوب الحسن، مع الرفق، يقول ﵊: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله (١)». ويقول ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢)». وجاء جماعة من اليهود فدخلوا عليه ﷺ فقالوا: السام عليك يا محمد. يعنون الموت، وليس مرادهم السلام،. . فسمعتهم عائشة ﵂ فقالت: عليكم السام واللعنة. وفي لفظ آخر: " ولعنكم الله، وغضب عليكم". فقال رسول الله ﷺ : «مهلا يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله". قالت: " ألم تسمع ما قالوا؟! قال: ألم تسمعي ما قلت لهم؟ قلت لهم: " وعليكم، فإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا (٣)». هذا وهم يهود رفق بهم ﷺ لعلهم يهتدون ولعلهم ينقادون للحق، ولعلهم يستجيبون لداعي الإيمان. فهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق، يتحرى الرفق والعبارات

стр. 12043

المناسبة، والألفاظ الطيبة عندما يمر على من قصر في ذلك في المجلس أو في الطريق أو في أي مكان يدعوهم بالرفق والكلام الطيب، حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم أو كابروا فيه يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). من هم أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى وهم كفار، ومع ذلك يقول الله عنهم: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣) والمعنى أن من ظلم منهم وتعدى وأساء الكلام فإنه ينتقل معه إلى علاج آخر غير الجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥) لكن ما دام المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق، فإنه يكون بالتي هي أحسن؛ لأن هذا أقرب إلى الخير، قال سفيان الثوري ﵀: " ينبغي للآمر والناهي أن يكون رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، عدلا فيما يأمر به، عدلا فيما ينهى عنه، عالما بما يأمر به، عالما بما ينهى عنه ". وهذا معنى كلام السلف ﵏، تحري الرفق مع العلم والحلم والبصيرة، لا يأمر ولا ينهى إلا عن علم، لا عن جهل، ويكون مع ذلك رفيقا عاملا بما يدعو إليه، تاركا ما ينهى عنه، حتى يقتدى به. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له

стр. 12044

من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (١)». وهذا الحديث مثل حديث أبي سعيد السابق المتضمن الإنكار باليد، ثم اللسان ثم القلب. فالخلوف التي تخلف بعد الأنبياء هذا حكمهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويعلمون أحكام الله، ويجاهدون في ذلك باليد، ثم اللسان ثم القلب. وهكذا في أمة محمد ﷺ يجب على علمائهم وأمرائهم وأعيانهم وفقهائهم أن يتعهدوا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل وإرشاد الضال، وإقامة الحدود والتعزيرات الشرعية؛ حتى يستقيم الناس ويلزموا الحق، ويقيموا عليهم الحدود الشرعية ويمنعوهم من ارتكاب ما حرم الله؛ حتى لا يتعدى بعضهم على بعض أو ينتهكوا محارم الله. وقد ثبت عن عثمان بن عفان ﵁ الخليفة الراشد أنه قال: " إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". ويروى عن عمر ﵁ أيضا. وهذا صحيح، فكثير من الناس لو جئته بكل آية، لم يمتثل، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن، وترك باطله. لماذا؟ لأن قلبه مريض، ولأنه ضعيف الإيمان أو معدوم الإيمان. . فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث. . لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده، ووازع السلطان له شأن عظيم، ولهذا شرع الله لعباده القصاص والحدود والتعزيزات؛ لأنها تردع عن الباطل وأنواع الظلم، ولأن الله يقيم بها الحق، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها، وأن يعينوا من يقيمها، وأن يلاحظوا الناس ويلزموهم بالحق، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا، وينقادوا مع

стр. 12045

تيار الباطل، ويكونوا عونا للشيطان وجنده علينا. المرتبة الثالثة: إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهى إلى القلب، يكره المنكر بقلبه ويبغضه، ولا يكون جليسا لأهله. وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال له بعض الناس: هلكت إن لم آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. فقال له ﵁: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر. فلا بد يا أخي أن تعرف المعروف بالتعلم والتفقه في الدين، ولا بد أن تعرف المنكر بذلك، ثم تقوم بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالتبصر والتفقه في الدين من علامات السعادة ودلائل أن الله أراد بالعبد خيرا، كما في الصحيحين عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)». فإذا رأيت الرجل يتبع حلقات العلم، ويسأل عن العلم، ويتفقه ويتبصر فيه، فذلك من علامات أن الله أراد به خيرا، فليلزم ذلك، وليجتهد ولا يمل ولا يضعف. يقول ﵊ في الحديث الصحيح: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢)» رواه الإمام مسلم في صحيحه. فطلب العلم له شأن عظيم، ومن الجهاد في سبيل الله، ومن أسباب النجاة والدلائل على الخير، ويكون بحضور حلقات العلم، ويكون بمراجعة الكتب المفيدة، إذا كان ممن يفهمها، ويكون بسماع الخطب والمواعظ، ويكون بسؤال أهل العلم. . كل ذلك من الطرق المفيدة، ويكون أيضا بحفظ القرآن الكريم، وهو الأصل في العلم، فالقرآن رأس كل علم، وهو الأساس العظيم، وهو حبل الله المتين، وهو أعظم كتاب وأشرف كتاب، وهو أعظم قائد إلى الخير، وأعظم ناه عن الشر. فوصيتي لكل مؤمن، ولكل مؤمنة، العناية بالقرآن، والإكثار من تلاوته، والحرص على حفظه، أو ما تيسر منه، مع التدبر والتعقل، ففيه الهدى

стр. 12046

والنور، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وقال عز من قائل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) ويقول ﵎: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣). فعلينا أن نعنى بكتاب الله تلاوة وحفظا، وتدبرا وتفقها، وعملا وسؤالا عما أشكل، وهكذا سنة الرسول ﷺ هي الوحي الثاني، وهي الأصل الثاني، وهي المفسرة لكتاب الله والدالة عليه، فعلى طالب العلم وعلى كل مسلم أن يعنى بذلك حسب طاقته وحسب علمه بالحفظ والمراجعة، كحفظ الأربعين النووية، وتكملتها لابن رجب خمسين حديثا، وهي من أجمع الأحاديث وأنفعها، وهي من جوامع الكلم، فينبغي حفظها للرجل والمرأة. ومثل ذلك عمدة الحديث للحافظ عبد الغني المقدسي، كتاب جمع أربعمائة حديث وزيادة يسيرة من أصح الأحاديث في أبواب العلم. . فإذا تيسر حفظها فذلك من نعم الله العظيمة. وهكذا بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، كتاب عظيم مختصر، ومفيد محرر، فإذا تيسر لطالب العلم حفظه فذلك خير عظيم. ومما يتعلق بكتب العقيدة: كتابان جليلان للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، هما: كتاب التوحيد، وكتاب كشف الشبهات. ومن كتب العقيدة المهمة كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهو كتاب جليل مختصر عظيم الفائدة في مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، وكتاب الإيمان لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتاب عظيم جمع فيه جملة من الأحاديث المتعلقة بالإيمان. فينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن

стр. 12047

يحفظا ما تيسر من هذه الكتب المفيدة وأشباهها، مع العناية بالقرآن الكريم والإكثار من تلاوته وحفظه، أو ما تيسر منه كما تقدم، ومع العناية بالمذاكرة مع الزملاء وسؤال المدرسين والعلماء الذين يعتقد فيهم الخير والعلم عما أشكل عليه، وسأل ربه التوفيق والإعانة، ولا يضعف ولا يكسل ويحفظ وقته ويجعله أجزاء: جزء من يومه وليله لتلاوة القرآن الكريم وتدبره، وجزء لطلب العلم والتفقه في الدين، وحفظ المتون ومراجعة ما أشكل عليه، وجزء لحاجته مع أهله، وجزء لصلاته وعبادته وأنواع الذكر والدعاء. ومما يفيد طالب العلم وطالبة العلم فائدة عظيمة الاستماع لبرنامج نور على الدرب، فهو برنامج مفيد لطالب العلم، وعامة المسلمين وغيرهم؛ لأن فيه أسئلة وأجوبة مهمة لجماعة من المشايخ المعروفين بالخير والعلم، فينبغي العناية بهذا البرنامج واستماع ما فيه من فائدة، وهو يذاع مرتين في كل ليلة بين المغرب والعشاء من نداء الإسلام، والساعة التاسعة والنصف من إذاعة القرآن الكريم. ومما يتعلق بموضوعنا: موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما ورد في الحديث أيضا عنه ﵊ أنه قال: يقول الله : «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم، وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم (١)». وفي لفظ آخر من حديث حذيفة يقول ﵊: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم (٢)». رواه الإمام أحمد. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المهمات العظيمة كما سبق، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والترمذي يقول ﵊: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب

стр. 12048

بعضهم ببعض، ثم لعنهم الله على لسان أنبيائهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (١)». وفي لفظ آخر: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تفعل من المعاصي، ثم يلقاه في الغد فلا يمنعه ما رآه منه أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم (٢)». فعلينا أن نحذر من أن يصيبنا ما أصاب أولئك، وقد جاء في بعض الأحاديث أن إهمال هذا الواجب، وعدم العناية به، أعني واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب رد الدعاء وعدم النصر كما تقدم. ولا شك أن هذه مصيبة عظيمة من عقوبات ترك هذا الواجب أن يخذل المسلمون وأن يتفرقوا وأن يسلط عليهم أعداؤهم، وأن لا يستجاب دعاؤهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد يكون هذا الواجب فرض عين على بعض الناس، إذا رأى المنكر وليس عنده من يزيله غيره، فإنه يجب أن يزيله مع القدرة، لما سبق من قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٣)» خرجه مسلم في الصحيح. أما إن كانوا جماعة، فإنه يكون في حقهم فرض كفاية في البلد أو القرية أو القبيلة، كسائر فروض الكفايات، وإذا لم يكن في البلد أو القبيلة إلا عالم واحد وجب عليه عينا أن يعلم الناس، ويدعوهم إلى الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر حسب طاقته، لما تقدم من الأحاديث، ولقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)

стр. 12049

ومن وفقه الله للصبر والاحتساب من العلماء والدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والإخلاص لله، نجح ووفق وهدي ونفع الله به كما قال ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) وقال ﵎ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٣) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٧). فالرابحون الناجون في الدنيا والآخرة هم أهل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من جملة التقوى، ولكن الله سبحانه خصها بالذكر لمزيد من الإيضاح والترغيب. والمقصود أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ودعا إلى الله وصبر على ذلك، فهو من أهل هذه الصفات العظيمة، الفائزين بالربح الكامل والسعادة الأبدية إذا مات على ذلك. ومما يؤكد الالتزام بهذه الصفات العظيمة قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٨) وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يرزقنا جميعا القيام بهذا الواجب حسب الطاقة والإمكان، وأن يوفق ولاة أمور

стр. 12050

المسلمين للقيام بهذا الواجب، والصبر عليه، وأن يوفق من أسند إليه هذا الواجب أن يقوم به على خير ما يرام، وأن يعين الجميع على أداء حقه والنصح له ولعباده، إنه تعالى جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 12051

صفحة فارغة

стр. 12052

قتل الغيلة إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد، فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة السادسة المنعقدة في شهر صفر عام ١٣٩٥هـ من إعداد بحث في قتل الغيلة ليدرج في جدول أعماله بالدورة السابعة، أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته بيان معنى قتل الغيلة في اللغة، وخلاف الفقهاء في ضابطه شرعا، وخلافهم فيما يوجبه من القتل حدا أو قودا، وبيان ما يترتب على هذا الخلاف من قبول العفو عن القاتل وعدم قبوله، مع ذكر أدلة القولين ومناقشتها، وختمت البحث بخلاصة عن ذلك. والله الموفق. معنى قتل الغيلة في اللغة وضابطه عند الفقهاء: أ- قتل الغيلة لغة: قال الإمام اللغوي إسماعيل بن حمد الجوهري: (غاله الشيء واغتاله إذا

стр. 12053

أخذه من حيث لم يدر) (١) قال: (واغتاله قتله غيلة، والأصل الواو) (٢) هكذا ذكر الجوهري في مادة (غول) المعتلة العين بالواو، وقال في مادة: (غيل) المعتلة بالياء (والغيلة بالكسر الاغتيال، يقال: قتله غيلة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله) (٣) وقال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في مادة (غول): (الغين والواو واللام أصل صحيح يدل على ختل وأخذ من حيث لا يدري، يقال: غاله يغوله؛ أخذه من حيث لم يدر. قالوا: والغول بعد المفازة. لأنه يغتال من مر به. قال: به تمطت غول كل ميل. والغول من السعالي، سميت لأنها تغتال. والغيلة الاغتيال، والياء واو في الأصل، والمغول سيف دقيق له قفا، وأظنه سمي مغولا لأنه ستر بقراب حتى لا يدرى ما فيه (٤). وقال الزمخشري في (الغيلة) (هي فعلة من الاغتيال، وياؤها عن واو؛ لأن الاغتيال من " غالته الغول" وتغوله غولا، وأورد هناك أثرا (أن صبيا قتل بصنعاء غيلة، فقتل به عمر سبعة، وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم) (٥) وقال المجد الفيروز آبادي (والغول الهلاك والإهلاك خفية، غاله واغتاله بمعنى) (٦) وقال المجد الفيروز آبادي في معاني الغيلة بكسر الغين: والخديعة والاغتيال، وقتله غيلة خدعه فذهب به إلى موضع فقتله. وعلق الزبيدي على هذه العبارة بقوله: (نقله الجوهري، وقد اغتيل. وقال أبو بكر: الغيلة في كلام

стр. 12054

العرب إيصال الشر أو القتل إليه من حيث لا يعلم ولا يشعر. وقال أبو العباس: قتله غيلة إذا قتله من حيث لا يعلم. وفتك به إذا قتله من حيث تراه وهو غار غافل غير مستعد) (١)

стр. 12055

ب- قتل الغيلة شرعا اختلف العلماء في ضابط قتل الغيلة، هل يخص القتل عمدا عدوانا على مال ونحوه، أو يعم كل قتل عمد عدوان على غرة أو مع خداع بحيث يتعذر معه الخلاص، وفيما يأتي أقوال الفقهاء في ذلك: قال العلامة علي بن سلطان القاري في قتل الغيلة: (هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، والغيلة فعلة من الاغتيال، وفي المغرب الغيلة القتل خفية، وفي القاموس: الغيلة بالكسر الذريعة والاغتيال، وقتله غيلة أي خدعه فذهب به إلى موضع فقتله) (١) وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (أصحابنا -أي المالكية - يوردونه - أي: قتل الغيلة - على وجهين: أحدهما القتل على وجه التحيل والخديعة، والثاني على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ) (٢) وقال العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القروي (قال الفاكهاني عن أهل اللغة: قتل الغيلة هو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع خفي، فإذا صار فيه قتله) ومر إلى أن قال: (ونقل عن بعض أصحابنا، وأظنه البوني رحمه الله تعالى أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال، وأما الثائرة، وهي العداوة بينهما، فيجوز العفو فيه. قلت: ما ظنه عن البوني مثله نقل الباجي عن العتبية والموازية، قال: قتل الغيلة حرابة، وهو قتل الرجل خفية لأخذ ماله. قال: (ومن أصحابنا من يقول: هو القتل على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ، وقبله ابن زرقون) (٣).

стр. 12056

و [قال الشيخ أحمد بن أحمد بن عيسى البرنس الفاسي المعروف بزورق: (قال أهل اللغة: قتل الغيلة أن يخدعه بالقول حتى يأمن فيمشي به إلى موضع فيقتله، يريد لأخذ ماله، لا لثأرة بينهما، وإلا فليس بغيلة، وفي النوادر عن الموازية: قتل الغيلة من الحرابة، أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخل موضعا فيقتله ويأخذ ما معه. وقال اللخمي: من أخذ مال رجل بالقهر ثم قتله خوفا من أن يطلبه بما أخذ لم يكن محاربا، وإنما هو مغتال، ثم هذا إذا فعل ذلك خفية وإلا فليس بغيلة. اهـ (١). وقال الحطاب: (قال - أي خليل - في التواضيح في باب الحرابة: الغيلة أن يخدع غيره ليدخله موضعا ويأخذ ماله. وقال أيضا: قال ابن رشد في رجل مرض وله أم ولد من سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين: إن قتل الغيلة هو القتل على مال. وقال القاضي علي بن عبد السلام التسولي (فأما الغيلة فهي من أنواع الحرابة وهي أن يقتله لأخذ ماله أو زوجته أو ابنته وكذا لو خدع كبيرا أو صغيرا فيدخله موضعا خاليا ليقلته ويأخذ ماله أو يخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه) (٢) وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي في شرح قول خليل في باب الحرابة من مختصره: (ومخادع أو غيره ليأخذ ما معه). قال الدسوقي بعد أن ذكر أن هذا القتل قتل غيلة: (وقتل الغيلة من الحرابة، ونص الجواهر قتل الغيلة من الحرابة، وهي أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة اهـ.

стр. 12057

قال طغى: تفسيرها بما ذكر يدل على أن القتل ليس شرطا فيها، وأن قتل الغيلة من الحرابة اهـ وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (قوله: " قتل غيلة" بكسر أوله أي: خديعة. والاغتيال: الأخذ على غفلة) (١) وقال الفقيه الشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني: (وقتل الغيلة بكسر الغين المعجمة وهو القتل على غرة، كالذي يخدع إنسانا فيدخله بيتا أو نحوه أو غيره) (٢) وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: (أما إذا كان يقتل النفوس سرا لأخذ المال مثل الذي يجلس في خان يكريه لأبناء السبيل، فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله، فهذا يسمى القتل غيلة) (٣) ٢ - خلاف الفقهاء فيما يوجبه من القتل حدا أو قودا وبيان ما يترتب على الخلاف من قبول العفو عن القاتل وعدمه: اختلف أهل العلم فيما يوجبه قتل الغيلة ولمن الأمر فيه على قولين، أحدهما: القصاص أو الدية على حسب اختيار أولياء المقتول. والثاني: القتل، ويرجع فيه إلى السلطان. وفيما يلي ذكر نقول عن بعض من قال بكل واحد منهما، وأثر الخلاف مع الأدلة والمناقشة. المذهب الأول: أن من قتل رجلا عمدا غيلة أو غير غيلة، فذلك إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا، وبهذا قال أبو حنيفة (٤)

стр. 12058

والشافعي (١) وابن قدامة (٢) وابن حزم ومن وافقهم من أهل العلم. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى.

стр. 12059

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) قال محمد بن الحسن الشيباني في توجيه الاستدلال بالآيتين قال: فلم يسم في ذلك قتل الغيلة ولا غيرها. وقال ابن حزم بعد ذكره للآيتين وحديث من قتل له قتيل: بعد مقالتي هذه فأهله بين خيرتين، قال: إن الله تعالى لو أراد أن يختص من ذلك قتل الغيلة أو الحرابة لما أغفله ولا أهمله ولبينه ﷺ (٣) أما السنة فما أخرجه الترمذي بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتح الله على رسوله مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعفو، وإما أن يقتل (٤)». وقال الترمذي: وفي الباب عن وائل بن حجر وأنس وأبي شريح خويلد بن عمرو. ثم ساق بسنده إلى أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما - إلى أن قال: - ثم إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين

стр. 12060

إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل (١)» قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقال السهيلي في حديث أبي شريح: حديث صحيح، وإن اختلف الرواة (٢) وممن استدل بحديث أبي شريح ابن حزم وابن قدامة. قال ابن حزم في توجيه الاستدلال: فذكر الدية أو القود أو المفاداة والدية لا تكون إلا بالعفو عن القود بلا شك، فعمم ﵊ ولم يخص -وذكر أيضا - أن قتل الغيلة لو كان مخصوصا من ذلك لبينه ﷺ (٣) وما أخرجه البخاري وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: " كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٤) إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٥) فالعفو أن تقبل الدية في العمد ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦) يتبع الطالب بالمعروف ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٧) مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ (٨) قتل بعد قبوله الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩) وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني في كلامه على رواية البخاري لهذا الحديث: استدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد، ولو كان غيلة. . . (١٠) ويمكن أن الجمهور استدلوا بالحديث لما ذكره ابن حجر أخذا من عمومه في قتل الغيلة وغيره، وأنهم لم يطلعوا على مخصص يخرج قتل الغيلة من هذا العموم، فبقي العموم على أصله.

стр. 12061

وأما الأثر فما رواه الإمام الشافعي عن محمد عن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن حماد عن إبراهيم، أن عمر بن الخطاب ﵁ أتي برجل قد قتل عمدا، فأمر بقتله، فعفا بعض الأولياء، فأمر بقتله، فقال ابن مسعود ﵁: كانت لهم النفس، فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله وترفع حصة الذي عفا. فقال عمر: وأنا أرى ذلك (١) أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن النخعي قال: من عفا من ذي سهم فعفوه عفو. وجه الدلالة ما قاله الشافعي عن محمد بن الحسن: فقد أجاز عمر وابن مسعود العفو من أحد الأولياء، ولم يسألوا: أقتل غيلة كان ذلك أو غيره (٢) وقال الشافعي بعد سياقه لهذين الأثرين ولكلام محمد بن الحسن: كل من قتل في حرابة أو صحراء أو مصر أو مكابرة أو قتل غيلة على مال أو غيره، أو قتل ثائرة فالقصاص والعفو إلى الأولياء وليس إلى السلطان من ذلك شيء إلا الأدب إذا عفا الولي (٣). وأما المعنى فقال ابن قدامة: إنه قتيل في غير المحاربة، فكان أمره إلى وليه كسائر القتل (٤). المذهب الثاني أنه لا يجوز العفو في قتل الغيلة، وإذا عفا الأولياء قتله السلطان، وممن قال بهذا القول مالك ومن وافقه على ذلك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخذ سماحة مفتي الديار السعودي ﵀ بهذا القول، وفيما يلي ذكر طائفة من النقول في ذلك عن بعض أهل العلم نذكر بعدها الأدلة.

стр. 12062

قال الشافعي: وقال أهل المدينة: إذا قتله غيلة من غير ثائرة ولا عداوة فإنه يقتل، وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، وذلك إلى السلطان يقتل فيه القاتل (١) وقال ابن حجر: وألحقه مالك بالمحارب؛ فإنه الأمر فيه إلى السلطان، وليس للأولياء العفو عنه، وهذا على أصله في أن حد المحارب القتل إذا رآه الإمام (٢) وقال ابن القاسم: (قتل الغيلة أيضا من الحرابة، مثل أن يغتال رجل صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه فهو كالحرابة) وقال سحنون: (قلت - أي لابن القاسم -: أرأيت إن قتل رجل وليا لي قتل غيلة فصالحته على الدية، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا، إنما ذلك إلى السلطان، ليس لك هاهنا شيء، وترد ما أخذت منه، ويحكم عليه السلطان بحكم المحارب. قلت: وهذا قول مالك. قال: أما في القتل فكذلك قال لي مالك وفي الصلب. وأما في الصلح فإنه لا يجوز، وهو رأي؛ لأن مالكا قال: ليس لولاة الدم فيه قيام بالدم مثل العمد، وإنما ذلك إلى الإمام يرى فيه رأيه، يقتله على ما يرى من أشنع ذلك).

стр. 12063

وقال أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النغراوي المالكي على قول ابن أبي زيد: " لا عفو فيه " قال: لا للأولياء ولا للسلطان ولا للمقتول أيضا، ولو بعد إنفاذ مقاتله، ولو كان المقتول كافرا والقاتل حرا مسلما (١). وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي في شرح الرسالة على قوله: (وقتل الغيلة لا عفو فيه) قال: لا للمقتول ولا للأولياء ولا للسلطان، ظاهر كلامه، ولو كان المقتول كافرا، وهو كذلك في المدونة (٢). وقال به أحمد بن جزي (٣) وأحمد الدردير (٤) وأحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي المعروف بزروق (٥) ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح العفو في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز كالقتل (٦). وقال ابن القيم: قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو ولا تعتبر فيه المكافأة - قال أيضا: - وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا وأفتى به (٧) وأما سماحة مفتي الديار السعودية ﵀ فقد كتب في قضية امرأة قتلت زوجها غيلة خطابا إلى إمارة منطقة الرياض بعدد ٣٦٥ وتاريخ ٢١/ ٦ / ٧٩ جاء فيه ما نصه: إنه بناء على اعترافها وكون قتلها للرجل، فإنه يتحتم قتلها، وحيث الحال ما ذكره فإنه لا يلتفت إلى ما أبداه الأولياء ووكيل الأم، بل لا بد من قتلها شرعا لأجل حق الله - ثم ساق كلام شيخ الإسلام وابن القيم السابق. واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى.

стр. 12064

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) الآية. قال ابن القاسم: وقتل الغيلة من الحرابة (٢) وهو قول مالك. وقد أجاب ابن حزم عن ذلك فقال: وجدنا أن الله تعالى قد حد الحرابة أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. فلا تخلو هذه الآية أن تكون على الترتيب أو التخيير، فإن كانت على الترتيب فالمالكيون لا يقولون بهذا، وإن كانت على التخيير وهو قولهم فليس في الآية ما يدعونه من أن قاتل الحرابة والغيلة لا خيار فيه لولي القتيل، فخرج قولهم أن يكون له متعلق أو سبب يصح، فبطل ما قالوه (٣)

стр. 12065

وأما السنة فمن ذلك ما يلي: أ- ما أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال «لما قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ﷺ اجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها. ففعلوا، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا (١)». قال ابن القيم: وهذا الحديث - أيضا - يدل على أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو ولا تعتبر فيه المكافأة (٢).

стр. 12066

وقد أجاب ابن حزم عن الاستدلال بهذا الحديث بعد جوابه عن حديث اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين فقال: وأما حديث العرنيين فلا حجة لهم فيه أيضا؛ لما ذكرنا في هذا الخبر سواء بسواء من أنه ليس فيه أنه ليس فيه أنه ﵊ لم يشاور أولياء الرعاء إن كان لهم أولياء، ولا أنه قال: لا خيار في هذا لولي المقتول، فإذا ليس فيه شيء من هذا، فلا حجة لهم ولا لنا بهذا الخبر في هذا المسألة خاصة، فوجب علينا طلب حكمها بموضع آخر. ثم هذا الخبر حجة عليهم لما روينا من طريق مسلم، نا يحيى بن يحيى التميمي، نا هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب، وحميد عن أنس، أن أناسا من عرينة قدموا. وذكر الحديث، وفيه أنهم «قتلوا الرعاء وارتدوا عن الإسلام - وساقوا ذود رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا (١)». قال أبو محمد: فهؤلاء ارتدوا عن الإسلام، والمالكيون هم على خلاف هذا الحكم من وجوه ثلاثة: أحدها أنه لا يقتل المرتد عندهم ولا عندنا هذه القتلة أصلا. والثاني: لا يقتص عندهم من المرتد وإنما هو عندهم القتل أو الترك إن تاب. والثالث: أنهم يقولون باستتابة المرتد، وليس في هذا الحديث ذكر استتابته ألبتة، فعاد حجة عليهم ومخالفا لقولهم في هذه المسألة وغيرها (٢) وذكر جوابا آخر بقوله: قد يمكن أن يكونوا غرباء لا ولي لهم (٣) ب - ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك «أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أو حلي، فأخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين (٤)». قال ابن القيم في أثناء الكلام على فقه هذا الحديث قال: وإن قتل الغيلة لا يشترط فيه إذن الولي؛ فإن رسول الله ﷺ لم يدفعه إلى

стр. 12067

أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتما. وأورد ﵀ اعتراضا وأجاب عنه فقال: ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد لم يصح؛ فإن ناقض العهد لا يرض رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف (١) وقد يقال: إن هذا الحديث يدل على قتل الرجل بالمرأة قصاصا. وأجاب عن ذلك الأبي فقال: في الاحتجاج به على ذلك ضعف؛ لأن قتله لها إنما كان غيلة، وقتل الغيلة حرابة (٢). وقد أجاب ابن حزم أيضا عن الاحتجاج بهذا الحديث فقال: أما حديث اليهودي الذي رضخ رأس الجارية على أوضاحها فليس فيه أن رسول الله ﷺ لم يشاور وليها ولا أنه شاوره ولا أنه قال اختار لولي المقتول في الغيلة أو الحرابة، فإذا لم يقل ذلك ﵊ فلا يحل لمسلم أن ينسب ذلك إلى رسول الله ﷺ فيكذب عليه ويقول عليه ما لم يقل، فكيف وهذا الخبر حجة عليهم، فإنهم لا يختلفون في أن قاتل الغيلة أو الحرابة لا يجوز ألبتة أن يقتل رضخا بالحجارة وحدها، وهذا لا يقوله أحد من الناس، فصح يقينا إذ قتله رسول الله ﷺ رضخا بالحجارة أنه إنما قتله قودا بالحجارة وإذا قتله قودا بها فحكم قتل القود أن يكون بالخيار في ذلك أو العفو للولي. وإذ ذلك كذلك بلا شك فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين (٣)». إلى آخره، فنحن على يقين من أن فرضا على كل أحد أن يضم هذا الحكم إلى هذا الخبر، وليس سكوت الرواة عن أن رسول الله ﷺ خير وليه يسقط ما أوجبه رسول الله ﷺ في القتل من تخيير وليه، بل بلا شك في أنه ﵊ لم يخالف ما أمر به. ولا يخلو هذا مما ذكرنا من قبول الزيادة المروية في سائر النصوص أصلا. ولو كان هذا الفعل تخصيصا أو فسخا لبينه ﵊،

стр. 12068

فبطل تعلقهم به (١). وذكر جوابا آخر بقوله: قد يكون للأنصارية ولي صغير لا خيار له فاختار النبي ﷺ القود، لو صح أنه ﵊ لم يخير الولي فكيف وهو لا يصح أبدا (٢). جـ - ما رواه البيهقي بسنده إلى الواقدي، وسنده عند الواقدي: حدثني اليمان بن معن، عن أبي وجزة في ذكر من قتل بأحد من المسلمين، قال: مجذر بن زياد قتله الحارث بن سويد غيلة، «وكان من قصة مجذر بن زياد أنه قتل سويد بن الصامت في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت فشهدا بدرا، فجعل الحارث يطلب مجذرا ليقتله بأبيه، فلم يقدر عليه يومئذ، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم خرج إلى حمراء الأسد، فلما رجع أتاه جبريل ﵇ فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره بقتله، فركب رسول الله ﷺ إلى قباء، فلما رآه دعا عويم بن ساعدة فقال: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بالمجذر بن زياد؛ فإنه قتله يوم أحد غيلة. فأخذه عويم، فقال الحارث: دعني أكلم رسول الله ﷺ فأبى عليه عويم فجابده يريد كلام رسول الله ﷺ ونهض رسول الله ﷺ يريد أن يركب - إلى أن قال -: حتى إذا استوعب كلامه قال: قدمه يا عويم فاضرب عنقه. فضرب عنقه (٣)». وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بقول الشافعي: ولو كان حديثه

стр. 12069

- أي حديث مجذر هذا - مما يثبت قلنا به، فإن ثبت فهو كما قال، ولا أعرفه إلى يومي هذا (١) وقول البيهقي: إنما بلغنا قصة مجذر بن زياد من حديث الواقدي منقطعا وهو ضعيف (٢). وأما الآثار فمن ذلك ما يلي: أ- ما روى مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا (٣). وقد ذكره البخاري من طريق آخر فقال: قال لي ابن بشار: حدثنا يحيى بن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن غلاما قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. ب - ما رواه ابن حزم قال: وذكروا ما حدثناه أحمد بن عمر نا الحسين بن يعقوب نا سعيد بن فلحون نا يوسف بن يحيى المعافري نا عبد الملك بن حبيب عن مطرف عن ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب الهذلي أن عبد الله بن عامر كتب إلى عثمان بن عفان أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله، فكتب إليه عثمان أن اقتله به؛ فإن هذا قتل غيلة على الحرابة. جـ - وبه - أي بالسند السابق - إلى عبد الملك بن حبيب عن مطرف عن خاله الحارث بن عبد الرحمن أن رجلا مسلما في زمان أبان بن عثمان بن عفان قتل نبطيا بذي حميت على مال معه، فرأيت أبان بن عثمان أمر بالمسلم فقتل بالنبطي لقتله إياه غيلة، فرأيته حتى ضرب عنقه.

стр. 12070

د- وعن عبد الملك بن حبيب، عن مطرف بن أبي الزناد، عن أبيه أنه شهد أبان بن عثمان إذ قتل مسلما بنصراني قتله غيلة. وقد أجاب ابن حزم عن أثر عثمان بقوله: وأما الرواية عن عثمان فضعيفة جدا؛ لأنها عن عبد الملك بن حبيب، وهو ساقط الرواية جدا، ثم عن مسلم بن جندب، ولم يدرك عثمان، وأيضا فلا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ فكم قصة خالفوا فيها عثمان ﵁ بأصح من هذا السند كقضائه في ثلث الدية فيمن ضرب آخر حتى سلح، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة ﵃ ومن المحال أن يكون ما لم يصح عنه حجة في إباحة الدماء ولا يكون ما صح عنه حجة في غير ذلك (١). وأما المعنى فإن قتل الغيلة حق لله، وكل حق تعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه كالزكاة وغيرها (٢). ولأنه يتعذر الاحتراز منه كالقتل مكابرة (٣). وقد تبين مما تقدم أن أثر الخلاف بين الفريقين قبول العفو من أولياء الدم بناء على القول بأنه يقتل قصاصا، وعدم قبول العفو بناء على القول بأنه يقتل حدا.

стр. 12071

الخلاصة قتل الغيلة تطلق الغيلة على أخذ الشيء من حيث لا يدري، فهي متضمنة معنى الختل والغرة والخداع والخفاء، وهي اسم هيئة من الغول بمعنى الاغتيال والإهلاك، يقال: غال يغول إذا أخذه من حيث لم يدر، ومن ذلك سمي السيف الدقيق مغولا؛ لأنه يستتر بقراب حتى لا يدرى ما فيه، وسميت المفازة المتباعدة الأطراف غولة لأنها تغتال من مر بها، وتطلق لغة أيضا على رضاع الولد المرأة الحامل أو التي جامعها زوجها مثلا. والقتل غيلة في اللغة هو القتل على غرة أو مع ختل وخداع، يقال: قتله غيلة إذا ختله وخدعه فقتله من حيث لا يعلم. أما عند الفقهاء فقد اختلف رأيهم فيه، فمنهم من خصه بالقتل خفية لأخذ المال، ومنهم من قال: هو قتل شخص لأخذ ما معه من مال أو زوجة أو أخت ونحو ذلك، ومنهم من توسع فيه، فقال: إنه القتل على وجه التحيل والخديعة، أو على وجه القصد الذي لا يحتمل معه الخطأ. ويمكن أن يقال: إن هذا الأخير هو مذهب مالك وأصحابه، وما نقل عنهم من التعبير بالقتل على مال محمول على التمثيل لا الحصر، بدليل تعميمهم في كثير من عباراتهم، وتصريح ابن القاسم لجعل القتل على مال مثالا للقتل غيلة (١) وإدخالهم القتل على وجه القصد الذي لا يحتمل معه الخطأ في قتل الغيلة كقتل المدلجي ولده، ولذا أوجب فيه مالك قتل الوالدين لولدهما لكونه قتل غيلة عندهم، وإن لم يكن على مال. وأما ما اشترط من المالكية في قتل

стр. 12072

الغيلة أن يكون على مال فهو بعض المتأخرين (١) ومقتضى استدلال ابن تيمية التعميم، حيث علل ذلك بقوله: لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة، فيمكن أن يحمل ما نقل عنه من ذكر المال ونحوه على التمثيل. وكذا تسمية العلماء ما جاء في أثر عمر من قتل الجماعة للغلام خشية أن يفضحهم قتل غيلة. ولم يكن ذلك على مال ولا لأخذ شيء من الغلام، وقد استدل المالكية بهذا الأثر على مطلوبهم من أن من قتل غيره غيلة يقتل حدا، ولم ينكر من خالفهم أنه غيلة وإنما تأولوا الأثر بما يتفق مع ما ذهبوا إليه من أن قتلهم كان قصاصا. هذا ومهما يكن من الاختلاف في ضابط قتل الغيلة، فلا أثر له بالنسبة لمن لم يفرق بين نوع القتل العمد العدوان في إيجابها القصاص دون الحد، وقبول عفو أولياء الدم في ذلك، إنما يظهر أثر الاختلاف في ضابط قتل الغيلة لمن فرق بين جزاء من قتل غيلة ومن قتل عمدا غير غيلة، فقط يكون قتل غيلة تترتب عليه آثاره عند بعضهم ما لا يكون غيلة عند آخرين فلا تترتب عليه آثاره.

стр. 12073

الخلاف بين الفقهاء فيما يوجبه قتل الغيلة: اختلف الفقهاء فيما يوجبه قتل الغيلة، فقال الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: إنه يوجب القتل قصاصا كسائر أنواع القتل عمدا عدوانا، وعليه يكون الحق في قتل الجاني لأولياء الدم من ورثة القتيل أو عصبته، فيجب تنفيذه إن اتفقوا على ذلك، ويسقط بعفوهم أو عفو بعضهم. وقال أبو الزناد ومالك وابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم: إنه يوجب قتل الجاني حدا لا قودا، فيتولى تنفيذه السلطان أو نائبه، ولا يسقط بعفو أحد، لا السلطان ولا غيره. استدل من قال: إنه يقتل قصاصا بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.

стр. 12074

أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (١) قالوا: جعل الله سبحانه الحق في الدم لأولياء القتيل من ورثة أو عصبة دون غيرهم، وعمم في ذلك فلم يخص قتلا دون قتل، والأصل بقاء النص على عمومه حتى يرد ما يصلح لتخصيصه. وأيضا عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ﴾ (٢) فحكم تعالى في عموم القتلى بوجوب القصاص إلا ما خصه الدليل، فأوجب فيه الدية أو لم يوجب فيه شيئا، كما عمم تعالى في العفو بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) فلم يخص به قتلا دون قتل، فوجب تعميمه في كل قتل عمد عدوان غيلة كان أم غير غيلة. ونوقش الاستدلال بالآيتين بأنهما وإن كان ظاهرهما العموم، إلا أنه قد ورد ما يصلح لتخصيص عمومهما، وسيأتي مناقشة المخصص عند الاستدلال به للقول الثاني. ونوقش الاستدلال بالآية الثانية بأنها نزلت في مقاصة بين قتلى بالفعل في حرب فتنة بين المسلمين، فمن بقي له قتلى بعد المقاصة أخذ ديتهم، وليست في القصاص من جان معين لقتيله، ممن اختار تفسيرها بذلك ابن تيمية ﵀.

стр. 12075

وأما السنة فعموم قوله ﷺ : «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين، إما أن يأخذوا العقل أو أن يقتلوا (١)». فجعل ﵊ الخيرة لأهل القتيل بين العقل والقصاص في كل قتل غيلة كان أم غير غيلة. ونوقش بما تقدم من وجود مخصص لعمومه، وسيأتي مناقشة المخصص إن شاء الله. وأما الإجماع فما رواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب ﵁ أتي برجل قد قتل عمدا فأمر بقتله بعد عفو فقال ابن مسعود ﵁: كانت لهم النفس فلما عفا هذا أحيا النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله، وترفع حصة الذي عفا. فقال عمر: وأنا أرى ذلك. فأجاز عمر وابن مسعود العفو من أحد الأولياء، ولم يسألا أقتل غيلة كان ذلك أم غيره، ولم يعرف لهما في ذلك مخالف فكان إجماعا. ونوقش بأنه منقطع، لأن إبراهيم- هو ابن يزيد النخعي ولد سنة ٥٠ هـ وعمر مات سنة ٢٣ هـ، وعليه فما ادعى من الإجماع غير صحيح، لأنه سكوتي لا قولي ولا عملي، والسكوتي هنا فرع ثبوت القضية وهي لم تثبت. ويمكن أن يناقش أيضا بأن عدم الاستفسار بناء على أن الأصل عموم القصاص في كل قتل عمد عدوان. وأيضا ما روى عبد الرزاق عن سماك بن الفضل أن عروة كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل خنق صبيا على أوضاح له حتى قتله، فوجدوه والحبل في يده، فاعترف بذلك، فكتب أن ادفعوه لأولياء الصبي فإن شاءوا قتلوه. ولم يسأل عمر عن صفة القتل أهو غيلة أم لا، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا. ونوقش بأن فيه عنعنة عبد الرزاق بن همام، وهو مدلس. ونوقش الأثران بأن كل منهما واقعة عين لا عموم لها، ودعوى ترك السؤال مجرد احتمال

стр. 12076

لا دليل عليه، إذ ليس في كل من الأثرين ثبوت السؤال ولا نفيه، ومع تساوي الاحتمالين يسقط الاستدلال. أما القياس فقالوا فيه: إنه قتل في غير حرابة، فكان كسائر أنواع القتل في إيجاب القصاص وقبول العفو، لعدم الفارق. ونوقش بوجود الفارق، بأنه من الحرابة أو كالحرابة، ويتبين ذلك مما يأتي في الاستدلال للقول الثاني إن شاء الله. واستدل من قال: إن قتل الغيلة يقتل فيه الجاني حدا لا قودا، فلا يسقط بالعفو من السلطان أو غيره بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما الكتاب فإن قتل الغيلة نوع من الحرابة، فوجب به القتل حدا لا قودا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) الآية. ونوقش بمنع كونه نوعا من الحرابة. وأما السنة (أ) ما ثبت «أن جارية وجدت قد رض رأسها بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا، فأومات برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي ﷺ أن يرضوا رأسه بالحجارة (٢)». قالوا: قد أمر النبي ﷺ بقتل اليهودي ولم يجعل ذلك إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصا لكان الحق لأوليائها، ولم يضرب عنهم صفحا، فدل ذلك على أنه قتله حدا لا قودا. ب- ما ثبت أن النبي ﷺ قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاء قتل حرابة وغيلة، ولم ينقل أنه جعل لأولياء الرعاء الخيار، ولو كان قتله إياهم قصاصا لشاورهم وطلب رأيهم، فدل على أنه قتلهم حدا لا قودا. وبذلك يتبين أن قتل الغيلة له حكم خاص يختلف عن حكم سائر القتل العمد العدوان، ونوقش الاستدلال بالحديثين بأن عدم نقل مشورة النبي

стр. 12077

- ﷺ أولياء الجارية والرعاة لا يدل على عدم المشاورة ولا على ثبوتها، فلا يصح أن يخصص هذان الحديثان أدلة عموم القصاص بالقتل العمد العدوان، ثم إن العرنيين جمعوا بين جريمة القتل والسرقة والتمثيل أو الردة فقتلوا حدا، ولا يلزم منه أن يقتل حدا كل من لم يحصل منه إلا القتل وحده، وإن كان غيلة. ثم مراعاة المماثلة في تنفيذ العقوبة دليل على أن قتل اليهودي بالجارية كان قصاصا. جـ - ما رواه الواقدي قال: حدثني اليمان بن معن عن أبي وجزة قال: دفن ثلاثة نفر يوم أحد في قبر، النعمان بن مالك ومجذر بن زياد وعبدة بن الحسحاس، ثم ذكر قصة قتل مجذر بن زياد، وفيها «أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد يوم أحد غيلة بأبيه سويد بن الصامت الذي قتله مجذر بن زياد في الجاهلية غدرا، وكان ذلك مما هيج وقعة بعاث، فأخبر جبريل النبي ﷺ بأن الحارث قتل مجذرا غيلة وأمره بقتله، فلما جاء الحارث بن سويد أمر النبي ﷺ ابن عويم ساعدة أن يضرب عنقه بقتله مجذرا غيلة»، وبنو مجذر حضور عند النبي ﷺ ولم يستشر أحدا منهم، قال المستدلون بالقصة: دل ذلك على أن القاتل غيلة يقتل حدا لا قودا ولا عفو فيه لأولياء الدم والسلطان. ونوقش بأن الواقدي مختلف فيه فوثقه جماعة، وضعفه آخرون، بل رماه جماعة بالكذب في الحديث، ووضعه منهم أحمد بن حنبل والنسائي، وأيضا في سنده اليمان بن معن، وهو مجهول، وأيضا في سنده انقطاع (١) وعلى ذلك لا تقوم به حجة ولا يصلح لتخصيص عموم أدلة القول الأول. وأما الآثار فمنها أولا: ما ثبت أن عمر ﵁ أمر بقتل جماعة اشتركوا في قتل غلام غيلة بصنعاء، وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به، وفي رواية: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا) فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولم ينقل أنه استشار أحدا من أولياء الدم ولو كان

стр. 12078

لهم حق العفو لرد الأمر إليهم وطلب رأيهم، ولم ينقل أن أحدا من الصحابة أنكر عليه، فكان إجماعا. ونوقش بأنه لا يلزم من عدم النقل عدم الاستشارة، ولا عدم وجود من ينكر، فلا يتم الاستدلال بالأثر على إسقاط حق أولياء الدم في العفو، ولا على ثبوت الإجماع. وتأول ابن قدامة قول عمر: (لأقدتهم به) على معنى لأمكنت الولي من استيفاء القود منهم. ثانيا- ما روي أن عبد الله بن عامر كتب إلى عثمان بن عفان أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله، فكتب إليه عثمان أن اقتله به. فإن هذا قتل غيلة. ورد بأن في سنده عبد الملك بن حبيب الأندلسي، وهو ضعيف، وفي سنده أيضا مسلم بن جندب الهذلي، ولم يدرك عثمان، فكان الأثر منقطعا. ثالثا- ما روي أن رجلا مسلما في زمن أبان بن عثمان أمر بالمسلم فقتل بالنبطي، لقتله إياه غيلة، فرأيته حتى ضربت عنقه، ولم ينقل أنه استشار أولياء الدم، ولا أن أحدا أنكر عليه فكان إجماعا. ورد بأن في سنده عبد الملك بن حبيب، وهو ضعيف، كما أن فيه ما تقدم من مناقشة الاستدلال بأمر عمر. وأما القياس فإن القتل غيلة لما كان في الغالب عن ختل وخداع وأخذ على غرة تعذر التحفظ منه، فكان كالقتل حرابة ومكابرة في أن عقوبة كل منهما من الحدود لا القود والقصاص، وأيضا في ذلك سد لذريعة الفساد والفوضى في الدماء والقضاء على الاحتيال والخديعة وسائر طرق الاغتيال، وبذلك يخصص عموم النص في وجوب القتل قصاصا، فيحمل على ما عدا قتل الغيلة. وهنا إيراد على كلا الفريقين، وهو أن ما ادعاه كل منهما من الإجماع على ما أورده من القضايا في الآثار مردود بأنه مجرد سكوت ممن بلغه ذلك عند المعارضة في حكم صدر من ولي الأمر العام أو نائبه في قضايا أعيان المسائل الاجتهادية، ومثل ذلك يتعين حمله على الموافقة، فقد يكون من

стр. 12079

سمع ذلك أو بلغه من العلماء مخالفا فيه لكنه لم ينكر، لما تقرر عند العلماء من أن حكم الحاكم في واقعة عين اجتهادية يرفع الخلاف ويجب إمضاؤه، وعلى هذا لا تصح دعاوى الإجماع فيما تقدم ذكره في الآثار من الأحكام، ولهذا أمثلة كثيرة، منها قضاء عمر في المشركة أولا بحرمان الأشقاء، لاستغراق الفروض كل التركة، وقضاؤه في مثلها ثانيا بتشريك الأشقاء مع الإخوة من الأم في سهمهم، ولم يكن سكوت الصحابة عن حكمه الأول إجماعا، وكذا لم يكن سكوتهم عن حكمه الثاني إجماعا، ولذا استمر الخلاف بين العلماء حتى اليوم في حكم هذه المسألة، فمنهم من رأى الصواب في حكمه الأول، ومنهم من رأى الصواب في حكمه الثاني. ومن ذلك ما ورد في المدونة مسألة الغيلة من أن سحنونا قال لابن القاسم: أرأيت من قتل قتل غيلة ورفع إلى قاض من القضاة فرأى ألا يقتله، وأن يمكن أولياء المقتول منه. ففعل فعفوا عنه، ثم استقضى غيره فرفع إليه، أفترى أن يقتله القاضي الثاني أم لا يقتله؛ لأنه قد حكم به قاض قبله؟ في قول مالك، قال: (لا أرى أن يقتله؛ لأنه مما اختلف الناس فيه) ١هـ (١). فهذا ابن القاسم مع كونه يرى أن عقوبة القتل غيلة من باب الحدود لا القصاص منع أن يحكم قاض بحد من قتل غيلة بعد أن حكم قبله قاض يخالفه في الرأي بقبول العفو. فكيف يصح مع ذلك وأمثاله دعوى الإجماع بمجرد السكوت على حكم في قضايا الأعيان. هذا ما تيسر، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 12080

قرار رقم (٣٨) وتاريخ١١/ ٨ / ١٣٩٥ هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد، فبناء على ما تقرر في الدورة (السادسة) لهيئة كبار العلماء، بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الغيلة، وقد أعدته وأدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف من ٢/ ٨ / ١٣٩٥ هـ إلى ١١/ ٨ / ١٣٩٥هـ، وقد عرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس ومناقشة المجلس لكلام أهل العلم في تعريف الغيلة وعند الفقهاء، وما ذكر من المذاهب والأدلة والمناقشة في عقوبة القاتل قتل غيلة هل هو القصاص أو الحد، وتداول الرأي، وحيث إن أهل العلم ذكروا أن قتل الغيلة ما كان عمدا عدوانا على وجه الحيلة والخداع أو على وجه يأمن معه المقتول من غائله القاتل سواء كان على مال أو لانتهاك عرض أو خوف فضيحة وإفشاء سرها أو نحو ذلك، كأن يخدع إنسان شخصا حتى يأمن منه ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر ثم يقتله خوفا من أن يطالبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه أو منامه - مثلا - للتخلص منه أو العكس ونحو ذلك. لذا قرر المجلس بالإجماع ما عدا الشيخ صالح بن غصون أن القاتل قتل غيلة يقتل حدا لا قصاصا، فلا يقبل ولا يصح فيه العفو من أحد، والأصل في
следующие страницы →