فمتى بعث النبي ﷺ أبا موسى سفيرا إلى اليمن؟ لا نص لدينا يشير إلى ذلك، وأرجح أنه بعثه مع معاذ بن جبل، الذي قصد اليمن في شهر شوال أو شهر ذو القعدة من السنة التاسعة الهجرية، فقد رأينا أن أبا موسى كان مع معاذ في مكة بعد فتحها يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين (١)، وأنه أرسلهما معا إلى جملة اليمن داعين إلى الإسلام كما ذكرنا قبل قليل، فمن المرجح أنهما قصدا اليمن في وقت واحد، ليتعاونا في تأدية واجبهما في الدعوة إلى الله.
وكان الكتاب النبوي الذي حمله معاذ بن جبل إلى أهل اليمن يخبرهم فيه بشرائع الإسلام وفرائض الصدقة والمواشي والأموال، ويوصيهم بأصحابه ورسله خيرا (٢)، وهو الذي طبق في اليمن كلها لا في منطقة من مناطقها حسب، وهو الذي أصبح سنة نبوية لا تزال تطبق حتى اليوم، وقد نفذ ما جاء فيه نصا وروحا جميع سفراء النبي ﷺ ، ولم يقتصر على معاذ ومن جاء ذكرهم في ذلك الكتاب.
ولعل الدليل العملي على نجاح أبي موسى سفيرا في اليمن، هو إقراره على واجبه، وتكليفه بواجب إضافي جديد، هو أن يصبح عاملا من عمال النبي ﷺ على منطقة شاسعة من مناطق اليمن، ولو لم ينجح في مهمته سفيرا لما أقر على عمله، وأضيف إليه عمل جديد.
стр. 12217
الثقة
كان أبو موسى موضع ثقة النبي ﷺ به، فقد كان أحد اثنين أذنا عليه (١): الأول رباح الأسود مولاه (٢)، والثاني أبو موسى الأشعري، وهذا دليل على مبلغ ثقة النبي ﷺ به وبعقله وحسن تصرفه وأمانته وصدقه.
ولما ولد لأبي موسى غلام، أتي النبي ﷺ ، فسماه: إبراهيم، وحنكه بتمرة (٣)، وهذا دليل على مبلغ حب النبي ﷺ لأبي موسى، ومبلغ تقديره له.
ولما توفي باذان سنة عشر الهجرية وزع النبي ﷺ عمل اليمن على قسم من أصحابه، وكان ذلك بعد حجة الوداع، فكان أبو موسى أحد عماله، فولاه زبيد وعدن ورمع (٤) والساحل، فكان
стр. 12218
في هذه المنطقة الواسعة واليا وقاضيا ومرشدا وداعيا، وهي موطنه الأصلي وبين قومه الذين استجابوا له وعاونوه على تحمل أعباء واجباته وتعاونوا معه في معالجة ما صادفه من معضلات ومشاكل، وأعانوه على حلها بسهولة ويسر.
ولم يزل أبو موسى عن عمله في اليمن، كما لم يعزل غيره من عمالها في حياة النبي ﷺ (١)، حتى ظهر الأسود العنسى في اليمن، وارتد من ارتد معه، فانحاز أبو موسى مقتحما حضرموت (٢) حتى نزل السكاسك حيث بدأ العمل مع إخوانه للقضاء على المرتدين (٣).
كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن أبا موسى كان موضع ثقة النبي ﷺ الكاملة به، فقربه واعتمد عليه في كثير من الأعمال.
لقد نال أبو موسى، شرف الصحبة، وشرف الجهاد تحت لواء النبي ﷺ وتحت ألوية الإسلام، وشرف العمل في الإدارة والقضاء والدعوة والإرشاد لخدمة الإسلام والمسلمين.
стр. 12219
جهاده
١ - في حرب الردة:
أ- اسم الأسود العنسي: عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، وعنس بطن من مذحج، وكان يلقب: ذا الخمار، لأنه كان معتما متخمرا أبدا.
وكان النبي ﷺ قد جمع لباذان حين أسلم وأسلم أهل اليمن عمل اليمن جميعه، وأمره على جميع مخاليفه، فلم يزل عاملا عليه حتى مات، فلما مات باذان فرق رسول الله ﷺ أمراءه في اليمن، ومنهم -كما ذكرنا- أبو موسى، وكان معاذ بن جبل يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت.
ولما عاد رسول الله ﷺ من حجة الوداع، وتمرض من السفر غير مرضه الأخير، بلغ الأسود ذلك، فادعى النبوة، وكان مشعبذا يريهم الأعاجيب، فاتبعته مذحج، وكانت ردة الأسود أول ردة في الإسلام، على عهد رسول الله ﷺ وغزا الأسود نجران، فأخرج عنها من قاومه من المسلمين، وسار عن نجران إلى صنعاء، فانحاز معاذ بن جبل إلى أبي موسى، فلحقا بحضرموت.
واستتب الأمر للأسود في اليمن، ولحق أمراء اليمن بجبال عك وجبال صنعاء، وغلب الأسود على ما بين مفازة حضرموت إلى الطائف إلى البحرين والإحساء وعدن، واستطار أمره كالحريق واستغلظ.
وكان الأسود قد تزوج امرأة شهر بن باذان بعد قتله، وخاف من بحضرموت من المسلمين أن يبعث إليهم جيشا أو يظهر بها كذاب آخر، فتزوج معاذ إلى السكون، فعطفوا عليه.
стр. 12220
وجاء إليهم وإلى من باليمن من المسلمين، كتب النبي ﷺ ، يأمرهم بقتال الأسود، فقام معاذ بن جبل في ذلك، وقويت نفوس المسلمين، وعاونه أمراء النبي ﷺ والمسلمون في اليمن، فقتل فيروز (١) الأسود في بيت زوجته التي كانت امرأة شهر بن باذان وتزوجها الأسود من بعده، وهي ابنة عم فيروز وتراجع المسلمون إلى أعمالهم، وعاد أبو موسى إلى عمله، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ بخبره، وذلك في حياته الكريمة، ولكن رسل أهل اليمن قدمت المدينة، وقد توفي رسول الله ﷺ ، وكان أول أمر العنسي إلى آخره ثلاثة أشهر، وقيل قريب من أربعة أشهر، وكان قدوم البشير بقتله في آخر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة الهجرية بعد موت النبي ﷺ ، فكان أول بشارة أتت أبا بكر الصديق ﵁ وهو في المدينة (٢).
وهكذا انتهت فتنة الأسود العنسي بالإخفاق الذريع، وعادت الأمور في اليمن إلى مجراها الطبيعي.
ب - ولما هلك الأسود العنسي، بقي طائفة من أصحابه يترددون بين صنعاء ونجران، لا يأوون إلى أحد. ومات النبي ﷺ ، فارتد الناس. وكان العك أول منتقض، ثم تجمع عك والأشعريون، فصاولهم من ثبت على الإسلام من عك وانتصروا عليهم.
وأما أهل نجران فلما بلغهم موت النبي ﷺ ، أرسلوا وفدا ليجددوا عهدهم مع أبي بكر، فكتب بذلك كتابا.
стр. 12221
وأما بجيلة، فإن أبا بكر رد جرير بن عبد الله البجلي، وأمره أن يستنفر من قومه من ثبت على الإسلام، ويقاتل بهم من ارتد عن الإسلام فخرج جرير وفعل ما أمره به أبو بكر، فلم يقم له أحد إلا نفر يسير، فقتلهم وتتبعهم.
وكان مصير من ارتد من أهل اليمن مصير من ارتد من بجيلة وعك والأشعريين، فعاد المرتدون إلى الإسلام بعد أن تكبدوا خسائر فادحة بالأرواح والأموال (١)، وكان ذلك سنة إحدى عشرة الهجرية وكان لثبات أبي موسى وأمراء النبي ﷺ الآخرين مع من ثبت على الإسلام أثر كبير في انتصار المسلمين على أهل الردة من أهل اليمن وعودتهم إلى الإسلام.
وبقي أبو موسى على زبيد ورمع وعدن والساحل طيلة أيام أبي بكر الصديق ﵁ (٢).
٢ - في الفتوح:
أ- آثر أبو موسى بعد وفاة أبي بكر الصديق، أن يصبح غازيا على أن يبقي واليا. فحقق له عمر بن الخطاب ﵁ ما أراد.
وكان ميدان جهاد أبي موسى، هو ميدان العراق، بقيادة سعد بن أبي وقاص، وفي سنة سبع عشرة الهجرية، كتب عمر إلى سعد: "إذا فتح الله الشام والعراق، فابعث جندا إلى الجزيرة، وأمر عليه خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم (٣) "فقال سعد: ما أخر أمير المؤمنين عياضا إلا لأن له فيه هوى، وأنا موليه"، فبعثه وبعث معه جيش فيه أبو موسى الأشعري.
стр. 12222
وصار عياض ونزل بجنده على الرهاء (١)، فصالحه أهله على مثل صلح حران، وبعث أبا موسى إلى نصيبين فافتتحها (٢).
ولا تعلم بالضبط متى سمح عمر بن الخطاب لأبي موسى بالتخلي عن ولايته في اليمن والإقبال على الجهاد في ساحاته، فقد توفي أبو بكر الصديق ﵁ وأبو موسى أحد عماله باليمن، وكانت وفاة أبي بكر في شهر ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة الهجرية، (٣) ولم يذكر أبو موسى في سوح الجهاد إلا في سنة سبع عشرة، فهل بقي في اليمن هذه المدة أم غادرها دون أن يذكر المؤرخون عن تاريخ مغادرته شيئا؟
كما أن أبا موسى لم يفتح نصيبين، ولم يكن مع عياض بن غنم فاتح الجزيرة، وقد ذكرنا ذلك لإحقاق الحق، وفتح الجزيرة مبسوط في كتاب: قادة فتح العراق والجزيرة.
ولم يلتحق أبو موسى بأبي عبيدة بن الجراح بأرض الشام بعد فتح الجزيرة، فشهد بعض فتوحات الشام تحت لواء أبي عبيدة (٤)، كما لم يكن مع أبي عبيدة حين مات بالطاعون (٥) لأنه كان سنة سبع عشرة الهجرية وثماني عشرة الهجرية واليا على البصرة وفي الفتوح في مناطق شرق العراق كما سنذكر ذلك وشيكا، إذ كان أبو موسى حينذاك في
стр. 12223
البصرة ولم يكن في الشام، ولقد ذكرنا ما ذكرنا لننبه عليه (١).
ب - ولما عزل عمر بن الخطاب المغيرة بن شعبة (٢) عن البصرة، استعمل أبا موسى الأشعري عليها، وذلك سنة سبع عشرة الهجرية (٣)، وكانت البصرة حين ذاك من أكبر القواعد الإسلامية في المشرق الإسلامي، منها تسير الجيوش لفتوح المشرق.
وكتب كسرى يزدجرد إلى أهل فارس، وهو يومئذ بـ (مرو) يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم، "أن قد رضيتم يا أهل فارس، أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه، والأهواز، ثم لم يرضوا بذلك حتى توردوكم في بلادكم وعقر داركم!! "، فتحركوا وتعاهدوا وتواثقوا على النصر.
وجاءت الأخبار إلى عمر بن الخطاب والمسلمين في كل مكان، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص في الكوفة: "أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن (٤)، وعجل. وابعث سويد بن مقرن (٥)، وعبد الرحمن بن ذي السهمين، وجرير بن عبد الله الحميري (٦)،
стр. 12224
وجرير بن عبد الله البجلي (١)، فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبينوا أمره".
وكتب إلى أبي موسى في البصرة: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا، وأمر عليهم سهل بن عدي (٢) - أخا سهيل بن عدي (٣) - وابعث معه البراء بن مالك (٤)، وعاصم بن عمرو (٥)، ومجزأة بن ثور (٦)، وكعب بن سور (٧)، وعرفجة بن هرثمة (٨)، وحذيفة بن محصن (٩)، وعبد الرحمن بن سهل (١٠)، والحصين بن معبد، وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا سبرة بن أبي رهم (١١)، وكل من أتاه فمدد له " (١٢).
стр. 12225
وخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحبال ميسان، ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون (١) الخيل، وسار قدما نحو الهرمزان - والهرمزان يومئذ برامهرمز - فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه، بادره بالهجوم عليه، ورجا أن يهزمه، وطمع في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل إمداداتهم قريبا منه، والتقى النعمان والهرمزان، بـ: أربك (٢)، فانتصر النعمان على الهرمزان، وأخلى رامهرمز وتركها، ولحق بـ (تستر) (٣). وسار النعمان من أربك حتى نزل برامهرمز، ثم صعد لأيذج، فصالحه قائدها عليها، فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز وأقام بها.
ولما سار النعمان في أهل الكوفة وسبق سهل بن عدي في أهل البصرة، قصد سهل ومن معه تستر للقضاء على قوات الهرمزان فيها، ومال النعمان إلى تستر أيضا، ونزلوا جميعا: أهل البصرة، وأهل الكوفة، على تستر، وقصدها معهم المسلمون الذين كانوا في الأهواز، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز في الخنادق. وكتب المسلمون بذلك إلى عمر بن الخطاب واستمده أبو سبرة، فأمدهم بأبي موسى.
стр. 12226
وكان على أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل. وزاحفهم الفرس في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم: يكون عليهم مرة، ولهم أخرى.
وأخيرا هزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، وطوقوا مدينتهم تطويقا كاملا، حتى فتحوا المدينة وأسروا الهرمزان.
وخرج أبو سبرة في أثر المنهزمين من الفرس من تستر يطاردهم، وكانت فلول الفرس قد قصدت السوس، وخرج بالنعمان وأبى موسى ومعهما الهرمزان، حتى طوقوا السوس، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي موسى فرده إلى البصرة، فانصرف أبو موسى إلى البصرة (١).
وقبل فتح تستر، كان قد قدم وفد من وجوه أهل فارس إلى أبي موسى لمفاوضته، فقال رئيس الوفد لأبى موسى: "إنا قد رغبنا في دينكم فنسلم على أن نقاتل معكم العجم، ولا نقاتل معكم العرب، وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منك، وتلحقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي فوقك بذلك"، فقال أبو موسى: "بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا! "، قالوا: "لا نرضى! ". وكتب أبو موسى بذلك إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي موسى: "أعطهم ما سألوك"، فكتب أبو موسى لهم، فأسلموا وشهدوا معه ومع المسلمين الآخرين حصار تستر، فألحقهم أبو موسى على قدر البلاء في أفضل العطاء، وأكثر شيء أخذه أحد من العرب، ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين، وستة
стр. 12227
منهم في ألفين، وخمسمائة لقسم منهم، فقال الشاعر:
ولما رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتي من الأمر أبصرا
فسن لهم ألفين فرضا وقد رأى ... ثلاث مئين فرض عك وحميرا (١)
وهذا يدل على أن الذين يسلمون من العجم، ويقاتلون مع المسلمين يمكن أن ينالوا أوفر العطاء، وأن يحتلوا أرفع المراكز.
وكان ذلك سنة سبع عشرة الهجرية.
جـ - وفي سنة إحدى وعشرين الهجرية شهد أبو موسى معركة نهاوند الحاسمة تحت لواء النعمان بن مقرن المزني، فلما انتصر المسلمون وفتحوا نهاوند، بدأ أبو موسى مسيرته الظافرة الموفقة بالفتوح.
وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند: فتح الفتوح، لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع، وملك المسلمون بلادهم.
وهذه المعركة الحاسمة التي حشد لها الفرس خير جيوشهم وأبرز قادتهم، قوبلت من المسلمين بحملة شديدة قادها النعمان بن مقرن من الأمام، فكان في مقدمة المهاجرين على الفرس، وانقضت رايته انقضاض العقاب عليهم فاقتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها، فما كان يسمع إلا وقع الحديد. وصبر لهم المسلمون صبرا عظيما، وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب.
стр. 12228
وزلق بالنعمان فرسه، فصرع، وقيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله.
وسجاه أخوه نعيم بثوب، وأخذ الراية وناولها حذيفة بن اليمان (١).
وقتل من العجم ثمانون ألفا بالمطاردة وثلاثون ألفا بالمعركة، وتكبدوا خسائر فادحة بالأموال، وانهارت معنوياتهم وارتفعت معنويات المسلمين، وكان فتح نهاوند فتحا مبينا حقا (٢).
د - ولما انصرف أبو موسى من نهاوند، مر بالدينور، فأقام عليها خمسة أيام، فصالحه أهلها على الجزية.
ومضى في طريقه، فصالحه أهل سيروان على مثل صلح الدينور.
وبعث السائب بن الأقرع الثقفي (٣)، إلى الصيمرة مدينة مهرجان قذق ففتحها صلحا. وقيل: إنه وجه السائب من الأهواز، ففتح ولاية مهرجان قذق (٤).
стр. 12229
وأرجح الرواية الأولى، لأن ولاية مهرجان قذق في طريق عودته من نهاوند إلى البصرة.
وكان ذلك سنة إحدى وعشرين الهجرية.
هـ - وفي هذه السنة أيضا، أي سنة إحدى وعشرين الهجرية بعث عمر بن الخطاب ﵁ عبد الله بن عبد الله بن عتبان الأنصاري (١)، وكان شجاعا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار، وأمده بأبي موسى، فساروا إلى نهاوند، ثم سار منها عبد الله فيمن معه ومن تبعه من جند النعمان بن مقرن المزني بنهاوند نحو أصبهان وكانت مقدمة أهل فارس برستاق لأصبهان، فهاجمها المسلمون وأجبروها على الهزيمة، وفتحوا الرستاق الذي كانت فيه مقدمة قوات الفرس، فكان أول رستاق أخذ من أصبهان.
وسار المسلمون إلى أصبهان، وحاصروها وقاتلوا المدافعين عنها، فصالحهم قائدهم على أصبهان، وأن على من أقام فيها الجزية، وأن يجري من أخذت أرضه عنوة مجرى من يدفع الجزية، ومن أبي وذهب كان للمسلمين أرضه.
وقدم أبو موسى على عبد الله بن عبد الله من ناحية الأهواز وقد صالح، فدخل عبد الله وأبو موسى أصبهان فاتحين، وكتبوا بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ (٢)
стр. 12230
وبعد فتح أصبهان، فتح أبو موسى قم وقاشان قبل عودته إلى البصرة (١)، وفي سنة اثنتين وعشرين عاد أبو موسى إلى البصرة بأمر عمر بن الخطاب (٢)، ولكن عمر بن الخطاب أمره على الكوفة بطلب من أهلها بعد عمار بن ياسر (٣)، فأقام على الكوفة سنة واحدة، ثم عزله عمر وصرفه إلى البصرة (٤) من جديد في سنة اثنتين وعشرين الهجرية (٥)، مما يدل على أنه بقي على الكوفة أقل من سنة كاملة، وليس سنة كاملة كما ذكروا.
وفي سنة ثلاث وعشرين الهجرية، فتح أبو موسى وعثمان بن أبي العاص الثقفي (٦) مدينة شيراز (٧) وأرجان وفتحا سينيز (٨) على الجزية والخراج (٩).
стр. 12231
وكان عثمان بن أبي العاص الثقفي قد فتح مدينة سابور سنة ثلاث وعشرين الهجرية، إلا أنها انتقضت وغدرت، فاستعاد أبو موسى فتحها عنوة سنة ست وعشرين الهجرية، وكان على مقدمته عثمان بن أبي العاص الثقفي (١).
لقد أبلى أبو موسى بلاء حسنا في جهاده جنديا وقائدا، وكانت غايته الجهاد، ولا يعتبر المنصب إلا وسيلة لتحقيق غايته، فلم يكن يكترث أن يجاهد جنديا أو قائدا، ورئيسا أو مرءوسا، ما دام يحقق غايته في الجهاد من موقعة قائدا أو مقودا، لذلك أثمر جهاده ثمرات يانعة في ساحة بلاد فارس بخاصة، وحسبنا أن نذكر له، أنه فاتح الأهواز والسوس وأصبهان والدينور وماسبذان وقم وقاشان، واستعاد فتح سابور من جديد، هذا بالإضافة إلى المعارك الكثيرة التي شهدها بقيادة غيره، مثل معركة فتح الفتوح في نهاوند، وبالإضافة إلى المناطق الشاسعة الكثيرة التي وجه إليها قادته لفتحها أو وجه إليها رجاله من أهل البصرة لفتحها. أو المعاونة على فتحها. لقد كان جهاد أبي موسى بحق عظيما.
стр. 12232
الإنسان
١ - العالم:
أ- كان أبو موسى يفتي بالمدينة، ويقتدى به، من أصحاب رسول الله ﷺ ، على عهد رسول الله ﷺ وبعد ذلك، وقد سمع رسول الله ﷺ قراءة أبي موسى فقال: «لقد أوتي هذا من مزامير آل داود (١)».
وقام أبو موسى ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ صوته، وكان حلو الصوت، فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، "إن النساء كن يستمعن"، فقال: "لو علمت لحبرتكن تحبيرا ولشوقتكن تشويقا" (٢).
ووصف أحد الصحابة صوت أبي موسى بالقرآن، فقال: "لم أسمع صوت صنج قط، ولا بربط (٣) قط، كان أحسن منه"، يصف صوته بقراءة القرآن الجهرية في الصلاة (٤).
وبالطبع فإن استقطاب الآراء وإجماعها على الإعجاب بصوت أبي موسى بالقرآن، لا لأنه جميل الصوت فحسب، بل لإتقانه تجويد القرآن وحفظه والتأثير به في النفوس والعقول معا. لذلك خلف النبي ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل في مكة بعد فتحها وانقضاء غزوتي حنين والطائف
стр. 12233
يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين (١)، وأرسلهما إلى جملة اليمن داعين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن: ملوكهم، وسوقتهم (٢).
وكان عمر بن الخطاب إذا رأى أبا موسى قال: "ذكرنا يا أبا موسى "، فيقرأ عنده (٣) القرآن، وقال عمر لأبي موسى: "شوقنا إلى ربنا "، فقرأ القرآن، فقالوا: الصلاة! فقال عمر: "أولسنا في صلاة! " (٤)، وقال عمر لأبي موسى: "ذكرنا ربنا"، فقرأ عليه أبو موسى، وكان حسن الصوت بالقرآن (٥).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "بعثني الأشعري إلى عمر حين كان على البصرة، فقال: كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما أنه كيس، ولا تسمعها إياه " (٦).
стр. 12234
وقال الإمام الشعبي: "انتهى العلم إلى ستة "، وذكر أبا موسى فيهم. وقال الحسن البصري: "ما أتاها - يريد البصرة - راكب خير منه" يعني أبا موسى (١).
وكان دقيقا غاية في تحري العلم: في نقله بصدق، وفي تعليمه بأمانة، وهو القائل: "من علمه الله علما، فليعلمه، ولا يقولن ما ليس له به علم، فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين" (٢).
وحين ولاه عمر بن الخطاب البصرة، قال لأهل البصرة: "إن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم أعلمكم كتاب ربكم ، وسنة نبيكم ﷺ ، وأنظف لكم طرقكم (٣) "، وكان أبو موسى هو الذي فقه أهل البصرة وأقرأهم (٤) القرآن الكريم، وسكن الكوفة وتفقه به أهلها (٥).
وجمع أبو موسى القرآن في البصرة يوما، وقال: "لا تدخلوا علي إلا من جمع القرآن" فدخل عليه زهاء ثلاثمائة، فعظم القرآن وقال: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار" (٦).
стр. 12235
وكان أبو رجاء العطاردي يقول: "كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد، مسجد البصرة، يقعد حلقا، فكأني أنظر إليه بين بردين أبيضين يقرئنني القرآن، ومنه أخذت هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)، فكانت أول سورة أنزلت على محمد ﷺ (٢).
ووصفوا حديثه الحاسم الجازم في العلم، فقالوا: "ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلا بالجزار الذي لا يخطئ المفصل (٣) ".
وكان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن، فجاء حذيفة بن اليمان فقال: "قراءة ابن أم عبد، وقراءة أبي موسى الأشعري، والله إن بقيت حتى آتي أمير المؤمنين - يعني عثمان - لأمرته بجعلها قراءة واحدة". وقال حذيفة: "يقول أهل الكوفة: قراءة عبد الله - يعني عبد الله بن مسعود - ويقول أهل البصرة: قراءة أبي موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لأمرته أن يغرقها" (٤)، يريد: أن يضع حدا للاختلاف في القراءات، وذلك بجمع القرآن، وفعل حذيفة ما وعد به، وجمع عثمان القرآن (٥).
стр. 12236
لقد بلغ أبو موسى في القرآن وفي علومه مبلغا جعله موضع ثقة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده في تولي واجب الداعية المختار والمعلم الأول في ركب تعليم القرآن وعلومه، حتى أصبحت له مدرسة تعرف باسمه في البصرة والكوفة بخاصة والمشرق الإسلامى كله بعامة.
ب - حفظ أبو موسى كثيرا من أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد روى ابنه أبو بردة قال: "كان لأبي موسى تابع، فقال لي: يوشك أبو موسى أن يذهب ولا يحفظ حديثه فاكتب عنه، قلت: نعم ما رأيت، فجعلت أكتب حديثه، فحدث حديثا فذهبت أكتبه كما كنت أكتب، فارتاب بي، وقال: لعلك تكتب حديثي؟ قلت: نعم: قال: فائتني بكل شيء كتبته! فأتيته به، فمحاه ثم قال: احفظ كما حفظت (١) "، فقد كان ألمعي الذكاء، يحفظ ما يسمعه بسرعة ويسر وإتقان.
ولأبي موسى ثلاثمائة وستون حديثا (٢)، اتفق البخاري ومسلم على خمسين وانفرد البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بخمسة وعشرين حديثا وروى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن عبد الله بن عباس وأبي بن كعب وعمار بن ياسر ومعاذ بن جبل ﵃، وروى عنه أولاده: إبراهيم وأبو بكر وأبو بردة وموسى، وامرأته أم عبد الله، وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وطارق بن شهاب. ومن كبار التابعين فمن بعدهم زيد بن وهب وأبو عبد الرحمن السلمي وعبيد بن عمير وقيس بن أبي حازم وأبو الأسود الدؤلي وسعيد بن المسيب
стр. 12237
وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومسروق بن أوس الحنظلي وغيرهم كثيرون (١).
هكذا كان أبو موسى، يسر الله له، أن يصبح عالما بالكتاب وعلومه، محدثا يروي حديث رسول الله ﷺ وعن أبرز أصحابه، ويروي عنه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان حتى لحق بالله، فقضى أيامه معلما ومتعلما، ومسترشدا ومرشدا، ولم يبخل على أحد بعلمه، وكان يعتبر العلم عبادة من أجل العبادات، يسهر على تعلمه كما يسهر على تعليمه، لذلك تخرج في مدرسته طلاب كثيرون، لا ينفكون يفخرون بعلمه، الذي لم يرد به إلا وجه الله، ولم يرد به سمعة ولا مالا، فبقي علمه ينتفع به الناس ويمكث في الأرض، ومضى محبو السمعة والمال وما حرصوا عليه من سمعة ومال، فإذا بالعلم وحده هو الباقي، وإذا بالسمعة والمال سراب.
стр. 12238
٢ - القاضي
قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت (١)، ﵃، ومن أقواله في القضاء: " لا ينبغي للقاضي أن يقضي حتى يتبين الليل من النهار "، فبلغ قوله عمر بن الخطاب فقال: " صدق أبو موسى " (٢).
وقال يوما وهو يخطب في البصرة: "إن باهلة كانت كراعا فجعلناها ذراعا "، فقام رجل فقال: "ألا أنبئك بألأم منهم؟ "، قال: "من؟! "، قال: " عك والأشعريون "، قال: "أولئك وأبيك آبائي! يا ساب أميره تعال"، فضرب عليه فسطاطا، فراحت عليه قصعة، وغدت عليه أخرى،
стр. 12239
فكان سجنه (١). وكان آباؤه من الأشعريين، وكانت أمه من عك، وكان أميرا على البصرة، ولكنه لم يظلم الذي سبه علنا، فعامله بالحسنى لتأديبه لا للانتقام به، معاملة القاضي العادل لا الحاكم المستبد الغاشم.
وهذا هو كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، وهو الكتاب المشهور بكتاب سياسة القضاء وتدبير الحكم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله عمر أمير المؤمنين
إلى عبد الله بن قيس
(يعني أبا موسى الأشعري)
سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق لا يبطله شيء، واعلم أن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس فيه قرآن ولا سنة، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور بعد ذلك، ثم اعمد لأحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. اجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذ بحقه، وإلا استحللت عليه القضاء. والمسلمون عدول في الشهادة، إلا مجلودا بحد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة. إن الله تولى منكم السرائر، ودرأ عنك بالبينات. وإياك والقلق
стр. 12240
والضجر والتأذي بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن الذخر، فإنه من صلحت سريرته فيما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للدنيا بغير ما يعلم الله منه شانه الله، والسلام.
وهذا الكتاب العمري يفيد كل قاض وكل إداري في كل زمان ومكان وهو واضح لا يحتاج إلى شرح.
وهذا نص كتاب عمري آخر، إلى أبي موسى، يفيد كل قاض، وكل إداري أيضا: " أما بعد: فإن للناس نفرة من سلطانهم، فالله الله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار.
وإذا عرض لك أمران، أحدهما لله، والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الله، فإن الدنيا تنفد، والآخرة تبقى.
وأخيفوا الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورك بنفسك، فإنما أنت رجل منهم، غير أن الله جعلك أثقلهم عملا.
وقد بلغني أنه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك، ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة، مرت بواد خصيب، فلم يكن لها هم إلا السمن، وإنما حتفها في السمن.
واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به، والسلام (١).
стр. 12241
وما ذكره عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى حول ما طرأ عليه وعلى أهل بيته من بوادر النعمة التي لم تكن لديهم من قبل، يذكره عمر في كتبه لكل عماله بدون استثناء، حتى لو علم أن تلك النعمة الطارئة لا وجود لها، فقد كان أسلوب عمر أن يخوف من الانحراف قبل وقوعه، خوفا من وقوع العامل فيه فلا ينفع التخويف والتحذير، فقد كان أبو موسى أسوة حسنة لأهله ومن حوله ومن يحكم باستقامته المطلقة وتقشفه وأمانته، ومع ذلك فالتحذير العمري في كتابه لا يخلو من فائدة خاصة وعامة، إذا لم تقتصر على أبي موسى، فقد تشمل غيره ممن معه في السلطة والرعية.
لقد كان أبو موسى من قضاة النبي ﷺ ، فقد وجهه إلى اليمن أميرا وقاضيا كما وجه معاذ بن جبل أميرا وقاضيا (١)، وكان من واجب الأمير في حينه أن يقضي بين الناس أيضا إضافة إلى واجباته الأخرى، وقد روى الإمام أحمد بن حنبل أن النبي ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، فقال: «"بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا (٢)». ".
وقد بقي على القضاء في اليمن إلى عمر بن الخطاب (٣)، ثم نقل في منصب القضاء لعمر (٤) بالمدينة. ولما تولى أبو موسى البصرة من قبل عمر بن الخطاب، كان معه قاض في البصرة، فلما تولى عثمان بن عفان أقر أبا موسى على صلاة البصرة وأحداثها وعزل قاضيها عن القضاء وولى أبا موسى القضاء (٥) أيضا.
стр. 12242
لقد كان أبو موسى من قضاة المسلمين الأولين الذين أصبحت أقضيتهم أسوة حسنة لقضاء المسلمين والقضاء المثالي العادل، وحسبه أن يعمل في القضاء على عهد النبي ﷺ وخلفائه: أبي بكر وعمر وعثمان، فلما تولى علي تولى في عهده أعظم مهمة قضائية في حينه، هي مهمة: التحكيم، وهي مهمة قضائية في جوهرها بلا مراء.
стр. 12243
٣ - الحكم
بدأت معركة صفين بين قوات علي بن أبي طالب من جهة وقوات معاوية بن أبي سفيان من جهة ثانية في اليوم الأول من شهر صفر من سنة سبع وثلاثين الهجرية (١)، واستمر القتال بين الطرفين عنيفا تساقط خلاله القتلى والجرحى من الطرفين، فقتل في الحرب بينهما سبعون ألفا، منهم من أصحاب علي خمسة وعشرون ألفا، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، وقتل مع علي خمسة وعشرون صحابيا بدريا، وكان مدة المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وكانت الوقائع تسعين وقعة (٢).
ولما رأى عمرو بن العاص أن أمر العراق قد اشتد، وأن كفة أصحاب علي في القتال هي الراجحة، قال لمعاوية: "هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ "، قال: "نعم"، قال: نرفع المصاحف ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبي بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، وإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل (٣).
стр. 12244
وحين وافق أصحاب علي على التحكيم، اختلفوا على الحكم الذي يمثلهم، وكان أبو موسى مرشح الأكثرية، فنزل علي على رأيهم واختار أبا موسى حكما (١)، كما اختار معاوية عمرو بن العاص عن أهل الشام حكما (٢).
وكان نص وثيقة التحكيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم، وقاضي معاوية مع أهل الشام ومن معهم، إننا ننزل عند حكم الله وكتابه، وأن لا يجمع بيننا غيره، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله، وهما أبو موسى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، عملا به، وما لم يجداه في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه. وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة لا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه، وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام (٣) ".
ولما جاء وقت اجتماع الحكمين: أرسل علي مع أبي موسى أربعمائة رجل، وأرسل معهم عبد الله بن عباس ليصلي بالناس ويلي أمورهم.
стр. 12245
وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام، حتى توافوا من دومة الجندل (١) بأذرح.
واجتمع الحكمان، فقال عمرو لأبي موسى: "ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياء عثمان؟ "، فقال: "بلى"، فما يمنعك منه، وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس: ليست له سابقة، فقل: وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج رسول الله ﷺ ، وكاتبة، وقد صحبه"، وعرض لأبي موسى بسلطان.
وقال أبو موسى: " يا عمرو! اتق الله! فأما ما ذكرت من شرف معاوية، فإن هذا ليس على الشرف تولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصباح (٢)، وإنما هو لابن الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي بن أبي طالب. وأما قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فلم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين. وأما تعريضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج لي معاوية من سلطانه كله لما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله! ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب ﵀ ".
فقال له عمرو: "فما يمنعك من ابني، وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ "، فقال: "إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة".
وجرت المناقشة على هذا المنوال، مما لا مجال لذكره هنا، وقد ذكرت ما ذكرت لأبرز اتجاه موسى في حرصه على المصلحة العليا للمسلمين، وخلوه من كل اتجاه آخر.
стр. 12246
وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام، يقول له: "أنت صاحب رسول الله ﷺ ، وأسن مني، فتكلم "، وتعود ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي.
ولما أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية، فأبى، وأراد أبو موسى ابن عمر، فأبى عمرو، قال له عمرو: "خبرني ما رأيك؟ "، قال: "أرى أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا". فقال عمرو: "الرأي ما رأيت ".
وأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو: "يا أبا موسى! أعلمهم أن رأينا قد اتفق".
وتكلم أبو موسى فقال: "إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة"، فقال عمرو: "صدق وبر، تقدم يا أبا موسى فتكلم ".
وتقدم أبو موسى، فقال: "أيها الناس! إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أصلح لأمرهم ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا"، ثم تنحى.
وأقبل عمرو، فقام وقال: "إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي ابن عفان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه ".
والتمس أهل الشام أبا موسى، فهرب إلى مكة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية، فسلموا عليه بالخلافة.
ورجع ابن عباس ومن معه من أهل العراق إلى علي في الكوفة انظر التفاصيل في الطبري (٥/ ٦٧ - ٧١) (١)
стр. 12247
وقد غمز أبا موسى كثيرون، ولكي ننصفه بالحكم له أو عليه، لا بد من معرفة ظروفه التي أحاطت به، وموقفه منها.
لقد بقي أبو موسى واليا على البصرة حتى مقتل عمر بن الخطاب ﵁، فأقره عثمان عليها ثم صرفه (١) ثم عاد فولاه الكوفة نزولا عند رغبة أهلها (٢).
وعندما أثار الشغب على عثمان قسم من أهل الكوفة، قام أبو موسى فيهم خطيبا فقال: "لا تنفروا في مثل هذا، ولا تعودوا لمثله، الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة"، فقال الذين شغبوا على عثمان: "فصل بنا "، فقال: "لا! إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان "، فقالوا: "السمع والطاعة لعثمان " (٣).
وهكذا ضرب أبو موسى مثلا رائعا رفيعا في العمل للمصلحة العامة الإسلامية ونكران الذات، إذ لم يفكر لحظة واحدة في الشغب على عثمان انتقاما منه على عزله عن البصرة دون مسوغ لهذا العزل، وبذل غاية جهده لعدم إشعال نيران الفتنة بين المسلمين. ولما علم بتجمع الحاقدين على عثمان من الأمصار في المدينة المنورة، أرسل القعقاع بن عمرو التميمي (٤) على رأس جيش من أهل الكوفة لإنقاذ عثمان مما حاق به من أخطار (٥).
ولكن عثمان قتل قبل أن يدركه جيش القعقاع أو تدركه جيوش الأمصار الأخرى (٦)، فسبق السيف العذل (٧).
стр. 12248
وكان أبو موسى على الكوفة حين قتل عثمان (١)، فكتب إلى علي بن أبي طالب بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم له، وبين الكاره منهم للذي كان والراضي ومن بين ذلك، حتى كأن علي بن أبي طالب يشاهدهم (٢).
ومع ذلك، كان من رأي أبي موسى القعود عن الفتنة الكبرى، وقد سأل علي رجلا قدم من الكوفة عن أبي موسى، فقال الرجل: إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتال فليس بصاحبه (٣).
وسأل أهل الكوفة أبا موسى عن رأيه في الاقتتال، فقالوا: "ما ترى في الخروج؟ "فأجابهم: "القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا، فاختاروا " (٤).
وخطب بالكوفة، فكان مما قاله: "هذه فتنة صماء، النائم فيها خير من اليقظان واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، وانصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار،، وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة " (٥) وأرسل علي بن أبي طالب ابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى أبي موسى، فخرج أبو موسى ولقي الحسن فضمه إليه، فقال الحسن لأبي موسى: "لم تثبط عنا؟! فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء "، فقال أبو موسى: "صدقت بأبي أنت وأمي، ولكن المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من
стр. 12249
الراكب (١)». وقد جعلنا الله إخوانا، وحرم علينا أموالنا ودماءنا، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًًا﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣)، فعزل علي بن أبي طالب أبا موسى عن الكوفة (٤)، وكان قد أقره قبل ذلك، بينما عزل غيره من عمال عثمان (٥). .
واعتزل أبو موسى الفتنة الكبرى، ولكنه لم يفارق عليا، ولم يغادر الكوفة إلى مكان آخر، بل بقي مع علي وفي ظله وسلطته، مقرا له بالخلافة، ولكنه لا يقاتل مسلما ولا يرضى بقتل مسلم، فاعتزل الفتنة كما اعتزلها غيره من كبار الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه ومحمد بن مسلمة، وهذا هو سر اعتزال أبي موسى: لا يقتل مسلما، ولا يرضى بقتل مسلم.
لقد كان أبو موسى، يحرص أشد الحرص، على إخماد نيران الفتنة بين المسلمين، فدم المسلم على المسلم حرام، وهو يريد أن تكون سيوف المسلمين على أعدائهم لا عليهم، وأن يكون المسلمون إخوة في الله، يحب الأخ لأخيه ما يحبه لنفسه. ولست أشك في أنه كان يعمل لآخرته أكثر مما كان يعمل لدنياه، وكان راغبا عن الفتنة كارها لقتال المسلمين، وكانت حجته الواضحة لتسويغ موقفه الجازم الحازم الصلب الذي لا يتزعزع عنه قيد أنملة، هو أنه لا يمكن أن يقاتل قوما يؤمنون بالله ورسوله، وأن السبيل
стр. 12250
لوضع حد للاختلاف، هو التفاوض بين الأطراف المختلفة وليس أن يقتل الأخ أخاه.
ولا مجال أبدا، لزعم قسم من المؤرخين، أن أبا موسى كان مغفلا لا علم له بالسياسة، لذلك غدر به عمرو بن العاص، فقد كانت القضية مكشوفة للغاية وليست معقدة، كما أنه كان يعرف عمرو بن العاص ويعرف دهاءه، ولم يكن يجهل مكانه ومكانته، ولكن أبا موسى كان يريد الله بكل أعماله، وكان يرى أن إيقاف الاقتتال بين المسلمين ووضع حد لنزيف دماء المسلمين بأيديهم لا بأيدي أعدائهم، أهم بكثير من مصير رجلين من المسلمين، هما: علي ومعاوية. لقد كان يعتقد أن مصير الإسلام والمسلمين، أهم بكثير من مصير شخصين، وأن المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، أهم بكثير من المصلحة الشخصية، ولو كان غير عمرو بن العاص معه في التحكيم، لما تبدل موقفه، فهذا هو موقفه الذي لم يفرضه عليه عمرو ولا غيره، بل فرضه عليه إيمانه الراسخ بتعاليم الإسلام، وحرصه الشديد على اتباع التعاليم نصا وروحا، حتى ولو لحق الضرر بمصالحه الشخصية، فخسر منصبه، وخسر مكانته، وخسر حتى متاعه الذي نهبه الناس (١)، ولكنه ربح نفسه، ولا يمكن أن تعتبر الخسارة المادية إلى جانب الخسارة المعنوية عند أصحاب المبادئ والمثل العليا شيئا مذكورا. إن دراسة حياة هذا الصحابي الجليل بإمعان، تؤكد أنه لم يكن مغفلا وتنفي عنه الغفلة نفيا قاطعا، وإلا لما ولاه الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، ولولا موقفه من الفتنة لما تخلى عن الاستعانة بكفايته علي أيضا، ولما اختاره أهل الكوفة لولاية مصرهم في عهد عثمان حين بدأت بوادر الفتنة، ولكنه كان رجلا ورعا تقيا سمح النفس رضي الخلق، لا يبيع دينه بدنياه، ولا يفرط بمصلحة المسلمين من أجل مصلحته.
стр. 12251
لقد كان يطبق مبدأ: السمع والطاعة، للخليفة القائم، ولا يرضى بالفتنة ولا يشارك بها بقلبه ولا بلسانه ولا بسيفه، ولا يسكت عن الذين يثيرونها عن حسن نية أو عن سوء نية ويقاومهم ولا يخشى في الحق لومة لائم، فإذا استنفد كل طاقاته في إطفاء نيران الفتنة دون جدوى، اعتزل الفتنة وأصحابها ولو خلف وراءه كل ما يملك من منصب ومال ومتاع، فأصبح فجأة رجلا بلا غد، فذلك أهون عليه من أن يقتل مسلما أو يقاتل مسلما مهما تكن الأسباب الداعية لهذا الاقتتال.
وقد اجتهد أبو موسى لنفسه ولمن حوله، فصدع بالرأي الذي استقر عليه اجتهاده ولم يخفه عن أحد مسئولا أو غير مسئول، وللمجتهد إذا أصاب أجران، فإذا أخطأ فله أجر واحد، فهو مأجور على كل حال.
وما كان أبو موسى يشك لحظة واحدة في أفضلية علي بن أبي طالب ﵁، ولا بأحقيته بالخلافة، ولكن كان في نفسه شيء من قضية الاقتتال بين المسلمين.
ولا يمكن لمسلم أن يشك في إخلاص علي للإسلام والمسلمين ولا أن يشكك به، ولكنه كان مجتهدا، فساقه اجتهاده إلى ما ساقه إليه، وللمجتهد أجره في كل حال.
لقد كان أبو موسى على درجة عالية من الذكاء والفطنة، فما غلبه على أمره عمرو بن العاص، ولكنه انصاع لاجتهاده، فكان ما كان.
стр. 12252
الإداري
أ- كتب النبي ﷺ إلى أهل اليمن كتابا يخبرهم فيه بشرائع الإسلام وفرائض الصدقة والمواشي والأموال، ويوصيهم بأصحابه
стр. 12253
ورسله خيرا، وكان رسوله إليهم معاذ بن جبل ومالك بن مرارة الرهاوي.
وقد حمل معاذ ومالك هذا الكتاب النبوي إلى اليمن في شهر شوال أو شهر ذي القعدة من السنة التاسعة الهجرية.
وبعث النبي ﷺ أبا موسى مع معاذ أميرا وقاضيا (١)، وقال لهما: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا (٢)». وفي السنة العاشرة الهجرية، أسلم باذان الذي كان عامل كسرى على اليمن، وبعث إلى النبي ﷺ بإسلامه (٣)، وكان رسول الله ﷺ قد جمع لباذان الفارسي حين أسلم وأسلمت اليمن، عمل اليمن كلها، وأمره على جميع مخاليفها، فلم يزل عامل رسول الله ﷺ على اليمن أيام حياته، ولم يعزله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه شريكا حتى مات باذان، فلما مات فرق عمل اليمن بين جماعة من أصحابه، وكان ذلك بعد حجة الوداع سنة عشر الهجرية، فكان من عماله ﵊ أبو موسى الأشعري (٤)، وبهذا أصبح أبو موسى عاملا من عمال النبي ﷺ (٥)، بالإضافة إلى واجباته الأخرى فولاه ﵊:
стр. 12254
زبيد وعدن ورمع (١) والساحل.
ولم يعزل عن عمله في اليمن، كما لم يعزل غيره من عمالها في حياة النبي ﷺ (٢).
وبقي أبو موسى على زبيد وعدن ورمع والساحل طيلة أيام أبي بكر الصديق ﵁ (٣).
وآثر أبو موسى بعد وفاة أبي بكر الصديق أن يصبح غازيا على أن يبقى واليا، ولكن لا ندري بالضبط متى ترك ولايته في اليمن، وأول ما ورد اسمه في الولاية، هو توليته البصرة بعد عزل المغيرة بن شعبة عنها، وكان ذلك سنة سبع عشرة الهجرية. فقد بعث عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، فقال: " يا أبا موسى! إني مستعملك، إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل الله بك"، فقال: "يا أمير المؤمنين! أعني بعدة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به"، فقال له: "خذ من أحببت "، فاستعان بتسعة وعشرين رجلا، منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر.
стр. 12255
وخرج أبو موسى، حتى أناخ بالمربد (١)، فبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال: "ولله ما جاء أبو موسى زائرا، ولا تاجرا، ولكنه جاء أميرا". وجاء أبو موسى إلى المغيرة بن شعبة ودفع إليه كتابا من عمر، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس: أربع كلم، عزل فيها، وعاتب، واستحث، وأمر، وهذا نص الكتاب: "أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم إليه ما في يدك، والعجل ".
وكتب عمر مع أبي موسى كتابا هذا نصه موجه إلى أهل البصرة: "أما بعد فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليحصي لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقي لكم طرقكم " (٢).
وفي أيام أبي موسى على البصرة، خرج رجل من أهل البصرة، يقال له: أبو عبد الله، وهو نافع أبو عبد الله بن كلدة الثقفي، إلى المدينة المنورة، فقال لعمر بن الخطاب: "إن قبلنا أرضا بالبصرة ليست من أرض الخراج، ولا تضر بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها، واتخذ فيها قضبا (٣) لخيلي، فافعل"، وكان أبو عبد الله أول من افتلى الفلا (٤)، فكتب عمر إلى أبي موسى: "إن كان كما يقول، فاقطعها له". وفي رواية أن كتاب عمر كان: "إن عبد الله سألني أرضا على شاطئ دجلة، فإن لم تكن أرض جزية ولا أرضا يجري إليها ماء جزية فأعطها إياه".