لقد كان يطبق مبدأ: السمع والطاعة، للخليفة القائم، ولا يرضى بالفتنة ولا يشارك بها بقلبه ولا بلسانه ولا بسيفه، ولا يسكت عن الذين يثيرونها عن حسن نية أو عن سوء نية ويقاومهم ولا يخشى في الحق لومة لائم، فإذا استنفد كل طاقاته في إطفاء نيران الفتنة دون جدوى، اعتزل الفتنة وأصحابها ولو خلف وراءه كل ما يملك من منصب ومال ومتاع، فأصبح فجأة رجلا بلا غد، فذلك أهون عليه من أن يقتل مسلما أو يقاتل مسلما مهما تكن الأسباب الداعية لهذا الاقتتال.
وقد اجتهد أبو موسى لنفسه ولمن حوله، فصدع بالرأي الذي استقر عليه اجتهاده ولم يخفه عن أحد مسئولا أو غير مسئول، وللمجتهد إذا أصاب أجران، فإذا أخطأ فله أجر واحد، فهو مأجور على كل حال.
وما كان أبو موسى يشك لحظة واحدة في أفضلية علي بن أبي طالب ﵁، ولا بأحقيته بالخلافة، ولكن كان في نفسه شيء من قضية الاقتتال بين المسلمين.
ولا يمكن لمسلم أن يشك في إخلاص علي للإسلام والمسلمين ولا أن يشكك به، ولكنه كان مجتهدا، فساقه اجتهاده إلى ما ساقه إليه، وللمجتهد أجره في كل حال.
لقد كان أبو موسى على درجة عالية من الذكاء والفطنة، فما غلبه على أمره عمرو بن العاص، ولكنه انصاع لاجتهاده، فكان ما كان.
стр. 12252
الإداري
أ- كتب النبي ﷺ إلى أهل اليمن كتابا يخبرهم فيه بشرائع الإسلام وفرائض الصدقة والمواشي والأموال، ويوصيهم بأصحابه
стр. 12253
ورسله خيرا، وكان رسوله إليهم معاذ بن جبل ومالك بن مرارة الرهاوي.
وقد حمل معاذ ومالك هذا الكتاب النبوي إلى اليمن في شهر شوال أو شهر ذي القعدة من السنة التاسعة الهجرية.
وبعث النبي ﷺ أبا موسى مع معاذ أميرا وقاضيا (١)، وقال لهما: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا (٢)». وفي السنة العاشرة الهجرية، أسلم باذان الذي كان عامل كسرى على اليمن، وبعث إلى النبي ﷺ بإسلامه (٣)، وكان رسول الله ﷺ قد جمع لباذان الفارسي حين أسلم وأسلمت اليمن، عمل اليمن كلها، وأمره على جميع مخاليفها، فلم يزل عامل رسول الله ﷺ على اليمن أيام حياته، ولم يعزله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه شريكا حتى مات باذان، فلما مات فرق عمل اليمن بين جماعة من أصحابه، وكان ذلك بعد حجة الوداع سنة عشر الهجرية، فكان من عماله ﵊ أبو موسى الأشعري (٤)، وبهذا أصبح أبو موسى عاملا من عمال النبي ﷺ (٥)، بالإضافة إلى واجباته الأخرى فولاه ﵊:
стр. 12254
زبيد وعدن ورمع (١) والساحل.
ولم يعزل عن عمله في اليمن، كما لم يعزل غيره من عمالها في حياة النبي ﷺ (٢).
وبقي أبو موسى على زبيد وعدن ورمع والساحل طيلة أيام أبي بكر الصديق ﵁ (٣).
وآثر أبو موسى بعد وفاة أبي بكر الصديق أن يصبح غازيا على أن يبقى واليا، ولكن لا ندري بالضبط متى ترك ولايته في اليمن، وأول ما ورد اسمه في الولاية، هو توليته البصرة بعد عزل المغيرة بن شعبة عنها، وكان ذلك سنة سبع عشرة الهجرية. فقد بعث عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، فقال: " يا أبا موسى! إني مستعملك، إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل الله بك"، فقال: "يا أمير المؤمنين! أعني بعدة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به"، فقال له: "خذ من أحببت "، فاستعان بتسعة وعشرين رجلا، منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر.
стр. 12255
وخرج أبو موسى، حتى أناخ بالمربد (١)، فبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال: "ولله ما جاء أبو موسى زائرا، ولا تاجرا، ولكنه جاء أميرا". وجاء أبو موسى إلى المغيرة بن شعبة ودفع إليه كتابا من عمر، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس: أربع كلم، عزل فيها، وعاتب، واستحث، وأمر، وهذا نص الكتاب: "أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم إليه ما في يدك، والعجل ".
وكتب عمر مع أبي موسى كتابا هذا نصه موجه إلى أهل البصرة: "أما بعد فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمتكم، وليحصي لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقي لكم طرقكم " (٢).
وفي أيام أبي موسى على البصرة، خرج رجل من أهل البصرة، يقال له: أبو عبد الله، وهو نافع أبو عبد الله بن كلدة الثقفي، إلى المدينة المنورة، فقال لعمر بن الخطاب: "إن قبلنا أرضا بالبصرة ليست من أرض الخراج، ولا تضر بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها، واتخذ فيها قضبا (٣) لخيلي، فافعل"، وكان أبو عبد الله أول من افتلى الفلا (٤)، فكتب عمر إلى أبي موسى: "إن كان كما يقول، فاقطعها له". وفي رواية أن كتاب عمر كان: "إن عبد الله سألني أرضا على شاطئ دجلة، فإن لم تكن أرض جزية ولا أرضا يجري إليها ماء جزية فأعطها إياه".
стр. 12256
وكان أبو موسى قد فتح أصبهان سنة إحدى وعشرين الهجرية برفقة عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فعقدا مع أهلها هذه المعاهدة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب من عبد الله للفاذوسفان وأهل أصبهان وحواليها:
إنكم آمنون ما أديتم الجزية بقدر طاقتكم في كل سنة، تؤدونها إلى الذي يلي بلادكم عن كل حالم، ودلالة المسلم، وإصلاح طريقه، وقراه يوما وليلة، وحملان الراجل إلى مرحلة، لا تسلطوا على مسلم، وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم، فإذا غيرتم شيئا أو غيره مغير منكم ولم تسلموه، فلا أمان لكم، ومن سب مسلما بلغ منه، فإن ضربه قتلناه، وكتب عبد الله بن قيس وشهد، وعبد الله بن ورقاء، وعصمة بن عبد الله (١).
وفي سنة اثنتين وعشرين الهجرية أمره عمر بن الخطاب على الكوفة بطلب من أهلها بعد عمار بن ياسر، فأقام على الكوفة عاما أو بعض عام، ثم عزله وصرفه إلى البصرة (٢) من جديد، في سنة اثنتين وعشرين الهجرية (٣)، مما يدل على بقائه في الكوفة أقل من عام.
وبقي أبو موسى على البصرة إلى وفاة عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثلاث وعشرين الهجرية، وقد كتب عمر في وصيته لمن يتولى الخلافة من بعده: "لا يقر لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين (٤) "، وهذا دليل على أن عمر كان يثق به ثقة مطبقة، وأن ثقته به أعظم من ثقته بعماله الآخرين.
стр. 12257
وفي سنة تسع وعشرين الهجرية، عزل عثمان بن عفان ﵁ أبا موسى عن البصرة بعبد الله بن عامر بن كريز القرشي العبشمي (١) وقيل كان ذلك لثلاث سنين مضت من خلافة عثمان، وأرجح الرواية الأولى، فقد عمل على البصرة ست سنين، وما كان عثمان ليعزله بعد ثلاث سنين خلافا لوصية عمر.
فلما خرج من البصرة حين نزع عنها، لم يكن معه إلا ستمائة درهم عطاء عياله (٢)، ولكن كان معه ما هو أثمن من كل مادة في الدنيا، هي قولة الحسن البصري فيه: "ما أتاها - يعني البصرة - راكب خير لأهلها منه (٣) "، فقد ذهبت المادة، وبقي هذا الثناء المستطاب.
ولما عزل عن البصرة سار منها إلى الكوفة، فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، وطلبوا من عثمان أن يستعمله عليهم، فاستعمله (٤)، وكان قد سكن الكوفة بعد خروجه من البصرة، فتفقه أهل الكوفة به (٥)، وقد استعمله عثمان على الكوفة بعد سعيد بن العاص نزولا عند رغبة أهل الكوفة، وكتب إليهم:
стр. 12258
"بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد، فقد أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأفرشنكم (١) عرضي، ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه، أنزل فيه عندما أحببتم، حتى لا يكون لكم علي حجة" (٢)، وكان ذلك سنة أربع وثلاثين الهجرية (٣) ومعنى ذلك أن أبا موسى، بقي بلا عمل للخليفة عثمان نحو أربع سنوات، قضاها في تعليم القرآن وتحفيظه وفي تفقيه أهل الكوفة.
وكان أبو موسى، حين أعاد أهل الكوفة سعيد بن العاص من الطريق قبل دخول الكوفة إلى عثمان، قد جمع أهل الكوفة الحانقين على سعيد وغير الحانقين عليه، وخطبهم، وأمرهم بالجماعة وبلزوم الجماعة وبطاعة عثمان، فأجابوا إلى ذلك، وقالوا: "صل بنا "، فقال: "لا! إلا على السمع والطاعة لعثمان "، قالوا: "نعم"، فصلى بهم، وأتاه ولايتهم من عثمان، فوليهم (٤).
ولم يزل أبو موسى على الكوفة، حتى استخلف علي بن أبي طالب ﵁ سنة خمس وثلاثين الهجرية (٥) فأقره علي بن أبي طالب عليها.
فلما سار علي إلى البصرة ليمنع طلحة والزبير عنها، أرسل إلى أهل الكوفة يدعوهم لينصروه، فمنعهم أبو موسى وأمرهم بالقعود في الفتنة، فعزله علي
стр. 12259
عنها (١) وكان قد أقره عليها قبل ذلك، بينما عزل غيره من عمال عثمان (٢).
ب - فما هي إنجازات أبي موسى، كما يعبر عن ذلك المحدثون؟ كتب أبو موسى إلى عمر: "إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ "، فجمع عمر الناس لمشورة، فقال بعضهم: "أرخ لمبعث النبي ("، وقال بعضهم: "لمهاجرة رسول الله ﷺ "، فقال عمر: " نؤرخ لمهاجرة رسول الله (فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل (٣) ".
لقد كان لأبي موسى فضل المطالبة بوضع التأريخ للمسلمين، فكان التأريخ الهجري الذي بدأ العمل به على عهد عمر بن الخطاب، ولا يزال معمولا به حتى الآن.
وكان عمر بن الخطاب أول من سمي بأمير المؤمنين، وكان أبو موسى أول من دعا له بهذا الاسم على المنبر، وأول من كتب إليه: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبي موسى الأشعري، فلما قرئ ذلك على عمر قال: "إني لعبد الله، وإني لأمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين (٤) ".
وأصبحت السنة التي سنها أبو موسى متبعة في الدعاء وفي الأسلوب الكتابي أيضا.
وفي سنة ثماني عشرة الهجرية، أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط، وهو عام الرمادة، وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد، فسمي: عام الرمادة، واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها من قبحها، وإنه لمقفر (٥).
стр. 12260
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى وهو على البصرة: "إن العرب هلكت، فابعث إلي بطعام " فبعث إليه بطعام، وكتب إليه: "إني قد بعثت إليك بكذا وكذا من الطعام، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الأمصار، فيجتمعون في يوم، فيخرجون فيه، فيستسقون "، فكتب عمر إلى أهل الأمصار، فخرج أبو موسى فاستسقي ولم يصل (١). وهذا دليل على أن الزراعة والإنتاج الزراعي كان بازدهار بحيث يغطي حاجة المنطقة ويفيض على ما تحتاج إليه، فتصدر إلى المناطق الأخرى.
ولا عجب في ازدهار الزراعة والمحاصيل الزراعية في ولاية البصرة على عهد أبي موسى، فقد كان يهتم بالري الذي هو العمود الفقري للزراعة، وبخاصة في الأرض السيحية التي تسقى بمياه النهر ولا تزدهر بدونه، فقد قاد أبو موسى نهر الأبلة من موضع الإجانة إلى البصرة وكان شرب الناس قبل ذلك من مكان يقال له: دير قاووس (٢)، فوهته في دجلة فوق الأبلة بأربعة فراسخ، يجري في سباخ لا عمارة على حافته، وكانت الأرواح (٣) تدفنه (٤).
ولم يقتصر نشاط أبي موسى في الري على حفر نهر الأبلة، بل امتد إلى حفر نهرين آخرين سجلهما له البلدانيون العرب، ولا ندرى عدد الأنهار التي حفرها ولم يسجلها البلدانيون له.
стр. 12261
فقد قدم الأحنف بن قيس التميمي (١) على عمر بن الخطاب في أهل البصرة فجعل عمر يسألهم رجلا رجلا، والأحنف لا يتكلم، فقال له عمر: "ألك حاجة؟ " فقال: "بلى يا أمير المؤمنين! إن مفاتيح الخير بيد الله، وإن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة والجنان الملتفة، وإنا نزلنا أرضا نشاشة (٢) لا يجف مرعاها، ناحيتها من قبل المشرق البحر الأجاج، ومن ناحية المغرب الفلاة العجاج، فليس لنا زرع ولا ضرع، تأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مري النعامة، يخرج الرجل الضعيف منا فيستعذب الماء من فرسخين، والمرأة كذلك فتربق (٣) ولدها ربق العنز تخاف بادرة العدو وأكل السبع؛ فإلا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا، نكن كقوم هلكوا"، فألحق عمر ذراري أهل البصرة في العطاء، وكتب إلى أبي موسى يأمره أن يحفر لهم نهرا، فذكر جماعة من أهل العلم أن دجلة العوراء، وهي دجلة البصرة، كانت خورا (٤)، والخور طريق للماء لم يحفره أحد، تجري إليه الأمطار ويتراجع ماؤها فيه عند المد وينضب في الجزر، وكان يحده مما يلى البصرة خور واسع كان يسمي في الجاهلية: الإجانة، وتسميه العرب في الإسلام: خزاز، وهو على مقدار ثلاثة فراسخ من البصرة، ومنه يبتدئ النهر الذي يعرف اليوم بنهر الإجانة.
فلما أمر عمر أبا موسى بحفر نهر، ابتدأ بحفر نهر الإجانة، ففأره (٥) ثلاثة فراسخ، حتى بلغ به البصرة (٦). وكان أهل البصرة قبل حفر هذا
стр. 12262
النهر يستقون ماءهم من الأبلة، وكان يذهب رسولهم إذا قام المتهجدون من الليل، فيأتي بالماء بعد صلاة العصر (١).
وهكذا يسر أبو موسى ماء الشرب لأهل البصرة من جهة، ويسر لهم ماء السقي من جهة أخرى.
أما النهر الثالث الذي حفره أبو موسى بالبصرة، فهو نهر معقل، نسبة إلى الصحابي الجليل معقل بن يسار بن عبد الله المزني، وهو نهر معروف بالبصرة، فمه عند نهر الإجانة الذي ذكرناه قبل قليل. فقد أمر عمر بن الخطاب أبا موسى أن يحفر نهرا بالبصرة، وأن يجريه على يد معقل بن يسار المزني، فنسب إليه. وفي رواية أخرى أن زياد بن أبي سفيان (٢) هو الذي حفره (٣)، ولا تناقض بين الروايتين، فأبو موسى حفره، وزياد جدد حفره، لأن الأنهار في تلك المناطق تحتاج إلى إدامة حفرها باستمرار، وإلا طمرت واندرست، فخلط الذين كتبوا على هذا النهر بين الجهدين: جهد أبي موسى، وجهد زياد.
تلك ثلاثة أنهار للبصرة عرفت لأبي موسى، حفرها على عهد الفاروق عمر وحده، وقد كان على البصرة في عهد عمر خمس سنوات امتدت من سنة سبع عشرة الهجرية إلى سنة ثلاث وعشرين الهجرية، أمضى منها سنة على الكوفة بعيدا عن البصرة، وقد بقي على البصرة ست سنوات في عهد عثمان بن عفان، ولا بد أنه بذل نشاطا باهرا في حفر أنهار جديدة وفي تطهير أنهار قديمة، ولا عبرة بسكوت الذين سجلوا نشاط أبي موسى في حفر الأنهار عن تسجيل ما حفره من أنهار، فما كل شيء جرى سجل
стр. 12263
ولكن إذا افترضنا أن هذه الأنهار الثلاثة هي كل ما حفره أبو موسى في سني ولايته على عهد عمر، وأنه لم يحفر أنهارا إضافية بعد عمر لسبب أو لآخر، فإن حفر ثلاثة أنهار ليس قليلا، وبخاصة إذا تذكرنا الوسائل البدائية المستعملة أيام أبي موسى بالحفر، وأن القادرين على الحفر في شغل شاغل عن الحفر بالجهاد والفتوح.
وكان من ثمرات نشاط أبي موسى في حفر الأنهار، أن البصرة أصبحت مصدرة للطعام إلى المسلمين المحتاجين إليه، واكتفى المسلمون ذاتيا بما لديهم، ولم يبقوا محتاجين إلى استيراد الطعام من الأجانب، فلا شيء بلا ثمن، وثمنه الضغط السياسي كما هو معلوم، كما كان يمارسه الأجانب على العرب في الجاهلية، وبخاصة في سنوات القحط والجفاف.
ولم يكن أبو موسى متفرغا للقضايا الإدارية في البصرة، بل كان مسئولا مسئولية مباشرة عن الجهاد والفتوح بما فيه حشد الرجال وقيادتهم فالأمير يومها إداري قائد.
فقد تولى البصرة سنة سبع عشرة الهجرية لعمر، فحشد الرجال بأمر عمر لفتوح المشرق، فشاركوا في فتح رامهرمز، بقيادة أحد قادته المرءوسين، ثم شهد فتح تستر قائدا لمجاهدي البصرة، فلما فتحت المدينة انصرف أبو موسى إلى البصرة.
وبقي سنة ثماني عشرة الهجرية وتسع عشرة الهجرية وعشرين الهجرية يحشد الرجال لفتوح أرض فارس في المشرق، وفي سنة إحدي وعشرين شهد معركة نهاوند وهي معركة فتح الفتوح، على أهل البصرة، فلما فتح المسلمون نهاوند، انصرف أبو موسى ففتح الدينور صلحا وسيروان صلحا أيضا، ووجه أحد رجاله ففتح الصميرة مدينة مهرجان قذق صلحا. كما شارك أبو موسى في هذه السنة، أي سنة إحدى وعشرين الهجرية في فتح أصبهان، كما فتح قم وقاشان قبل عودته إلى البصرة.
ونقل أبو موسى إلى الكوفة سنة اثنتين وعشرين الهجرية، فبقي فيها عاما أو بعض عام، ثم أعيد سنة اثنتين وعشرين الهجرية أيضا إلى البصرة.
стр. 12264
وفي سنة ثلاث وعشرين الهجرية، شارك أبو موسى في فتح شيراز وأرجان وسينيز، واستعاد فتح مدينة سابور سنة ست وعشرين الهجرية على عهد عثمان.
لقد فتح أبو موسى الأهواز والسوس وأصبهان والدينور وماسبذان وسيروان وقم وقاشان، وشارك في فتح تستر ونهاوند، واستعاد فتح سابور.
ويتضاعف إعجابنا بأبي موسى وتقديرنا لنشاطه في خدمة الإسلام والمسلمين، إذا ذكرنا فتوحه الواسعة إلى جانب أعماله الإدارية، فنحير بأيهما نكون أكثر إعجابا: بأعماله العسكرية، أم بأعماله الإدارية.
وما يخطر على البال هو: كيف تيسر له الوقت الكافي للنهوض بكل هذه الأعمال الكبيرة؟! لقد كان أبو موسى حصيفا في إدارته وقيادته، ويتمتع بعقلية متزنة وفكر صائب ورأي سديد، يدلنا على ذلك ما رواه عنه طارق بن شهاب البجلي قال: "أتينا أبا موسى، وهو بداره بالكوفة لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم أن تخفوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تنزهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء. سأخبركم بما يكره مما يتقى، من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك لو أنه خرج لم يصبه فإذا لم يظن هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزه عنه (١) "، فهو يفسح المجال للابتعاد عن المرض والأخذ بالوسائل، مع الثقة المطلقة بقضاء الله وقدره.
ومما يدل على عقليته المتزنة الراجحة، بقاؤه في البصرة والكوفة بدون مشاكل خطيرة مع أهل هذين البلدين، وقد كان لهما مشاكل - وبخاصة الكوفة - مع من سبق أبا موسى في ولايتهما ومع من لحقه أيضا كما هو معروف.
стр. 12265
ولم تخل إمارته على البصرة والكوفة من مشاكل فحسب، بل العكس هو الذي حدث، فقد كان أهل البلدين يطالبون الخليفة بعودته إليهما كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
فقد سأل عمر أهل الكوفة: "من تريدون؟ "، فقالا: "أبا موسى "، فأمره عليهم بعد عمار بن ياسر، وكان ذلك في سنة اثنتين وعشرين الهجرية (١).
وقد اختاره أهل الكوفة واليا عليهم في عهد عثمان، فنزل عثمان على إرادة أهل الكوفة، وولى على الكوفة أبا موسى (٢)، وكان ذلك سنة أربع وثلاثين الهجرية (٣)، ومن النادر أن يرضى أهل الكوفة عن أمير!! ولما بعث علي بن أبي طالب عمارة بن شهاب (٤) وكانت له هجرة، واليا على الكوفة خلفا لأبي موسى، علم وهو في طريقه إليها، أن أهلها لا يريدون بأميرهم أبي موسى بديلا، فرجع عمارة إلى علي بن أبي طالب بالخبر (٥)، كما اختير من الناس ليمثل أهل العراق في التحكيم، ولم يكن اختياره من علي كما ذكرنا، كل ذلك يدل على مبلغ ثقة الناس بأبي موسى ومقدار شعبيته القوية، فهو أمير وقائد شعبي بحق، كما نعبر عن أمثاله اليوم، إن كان له أمثال! تلك هي مجمل إنجازات أبي موسى إداريا: تعليم للقرآن والحديث النبوي والفقه، وتحفيظ للقرآن الكريم حتى بلغ الحفاظ عشرات المئات، فهو قائد مدرسة علمية فذة، وإصلاح زراعي، وتعمير، وإرواء، وبناء: بنى أبو موسى مسجد البصرة ودار الإمارة بلبن وطين (٦)، وعدل، واستقرار، فهو
стр. 12266
إدارى حازم حصيف. وجهاد، وفتوح عشر مناطق شاسعة، إحداها الأهواز فهو قائد لامع قدير.
لا عجب أن يقول عمر عن أبي موسى: "إنه كيس (١) "، ويقول عنه الحسن البصري: "ما أتاها راكب -يعني البصرة - خير لأهلها منه (٢) ".
ومضت القرون الطويلة، والكلمات التي قيلت في أبي موسى باقية، لأنها كلمات صادقة، ولأن الذي قيلت فيه يستحقها.
إن في ذلك لعبرة، فهل من معتبر!!
стр. 12267
الورع
صنفان من الناس يصعب الكتابة عنهم: الذين لهم ثروة عظيمة من الأعمال العظيمة، والذين لم يصنعوا شيئا في حياتهم له قيمة مادية أو معنوية. والصعوبة في الصنف الأول الحيرة في انتقاء الأعمال التي يمكن أن توصف، والصعوبة في الصنف الثاني الحيرة في إخفاء الخواء الذي لا يمكن أن يعرف.
وأبو موسى من الصنف الأول الذي تتسم كل حياته بالورع، فما يدري الذي يكتب سيرته ما يأخذ وما يدع، وقد حسبت أن أبسط فقرة من فقرات سيرته هي الحديث عن ورعه، ولكنني احترت حين وصلت هذه الفقرة لتزاحم أعماله التي كانت نتيجة من نتائج ورعه، فما أدري ما أغفل ولا أدري ما أسجل.
لقد كان أبو موسى بعد إسلامه وإقباله على تعلم القرآن الكريم، معلما للقرآن الكريم وللفقه الإسلامي، وظل معلما وهو أمير ومجاهد وقائد، لم
стр. 12268
تشغله واجبات الإمارة والجهاد والقيادة عن واجبه الأصلي وهو التعليم، فكان معلما في بيته، معلما في ديوانه، معلما مع رفاقه في السلاح، معلما في قيادته. وكما كان يعلم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والفقه الإسلامي، كان يعلم الورع في بيته وفي ديوانه، ومع المجاهدين، وفي مقر قيادته.
والورع لا يمكن أن يعلم بالأفكار النظرية، بل يعلم بالسلوك العلمي، فهو مما لا يمكن تعليمه بالكتب، بل بالقدوة الحسنة، فتنتقل سمات الورع من نفس إلى نفس بالعدوى التي تنبعث عن القدوة الحسنة، كما ينتقل العلم من عقل إلى عقل بالتلقي الذي يصدر عن الكتب، فكان أبو موسى معلم كتاب يصقل العقول بالعلم، ومعلم تقوى يصقل النفوس بالورع.
ومضى أبو موسى إلى ربه، وبقي منه ورعه المسجل في الكتب، ولا تفيد كتب الورع كما يفيد شيوخ الورع، لأن الكتب تخاطب العقول والشيوخ يناغون القلوب، وليس من رأى كمن سمع، ولكن عسى أن ينتفع بورع أبي موسى المكتوب أهل القلوب، وما لا يدرك كله لا بأس بالانتفاع ببعضه، فشيء مهما يقل أفضل من لا شيء.
فقد جعل أبو موسى من نفسه أسوة حسنة لأهله، قال أنس بن مالك: "قال الأشعري وهو على البصرة: جهزني فإني خارج يوم كذا وكذا، وجعلت أجهزه، فجاء ذلك اليوم وقد بقي من جهازه شيء لم أفرغ منه، فقال: يا أنس! إني خارج. فقلت: لو أقمت حتى أفرغ من بقية جهازك.
فقال: إني قد قلت لأهلي: إني خارج يوم كذا وكذا، وإني إن كذبت أهلي كذبوني، وإن خنتهم خانوني، وإن أخلفتهم أخلفوني، فخرج وقد بقي من حوائجه بعض شيء لم يفرغ منه (١) ".
وفي الصحيحين: البخاري ومسلم، من حديث أبي موسى قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، ونخن ستة نفر على بعير
стр. 12269
نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت: غزوة ذات الرقاع؛ لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق ". قال أبو بردة بن أبي موسى: "فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، (٤)» كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه، وما أفشى أبو موسى شيئا من عمله ليفاخر به أو لينال سمعة وشرفا، فقد كان ذلك معروفا مشهورا، لكنه أراد أن يعلم أهله والمسلمين كيف أصبح حال النبي ﷺ وحال أصحابه من فقر وتقشف، وكيف أصبح عليه حال المسلمين بعد الفتوح من غنى وترف، فهو يريد لهم التقشف ويحذرهم الترف الذي يؤدي بهم إلى التفسخ والانحلال.
وعن القدوة الحسنة في الجليس الصالح، خطب أبو موسى يوما فقال: إن الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من الجليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر إلا يحذك يعبق بك من ريحه، ألا وإن مثل الجليس السوء كصاحب الكير إلا يحرق ثيابك يعبق من ريحه، ألا وإنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كمثل ريشة بأرض فضاء تضربها الريح ظهرا لبطن، ألا وإن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال:
стр. 12270
"كونوا أحلاس (١) البيوت (٢) "، فكل قرين بقرينه يقتدي، منه يقتبس، وبه يتأثر.
وعن أبي بردة بن أبي موسى قال: "حدثتني أمي قالت: خرج أبو موسى حين نزع عن البصرة، وما معه إلا ستمائة درهم عطاء عياله (٣) "، وهذا مثال رفيع للنزاهة، ينبغي أن يقتضي به أهله والمسلمون كافة حكاما ومحكومين، وبخاصة وأنه كان أمير البصرة وقائدا لجيوشها في أيام مد الفتح الإسلامي، حيث أصبح المجاهدون في يسر وغنى، بعد أن كان آباؤهم في عسر وفقر.
وكان أبو موسى يقول: "إنما أهلك من كان قبلكم هذا الدينار والدرهم، وهما مهلكاكم " (٤) فما خرب ضمائر كثير من الناس غير المال الحرام.
وبلغ أبا موسى أن ناسا يمنعهم من صلاة الجمعة أن لا ثياب لهم، فلبس عباءة ثم خرج فصلى بالناس (٥)، وهو أمير.
وعن أنس بن مالك أنه قال: "كنا مع أبي موسى في مسير له، فسمع الناس يتحدثون، فسمع فصاحة، فقال: ما لي يا أنس! هلم فلنذكر ربنا، فإن هؤلاء يكاد أحدهم أن يفري الأديم (٦) بلسانه. ثم قال: يا أنس! ما أبطأ بالناس عن الآخرة، وما ثبرهم عنها (٧)؟ قلت: الشهوات والشيطان. قال: لا والله! ولكن عجلت لهم الدنيا وأخرت الآخرة، ولو عاينوا ما عدلوا وما ميلوا (٨) وصدق أبو موسى، فالناس أو أكثرهم
стр. 12271
يحبون العاجلة، وقديما قالوا: "عصفور في اليد، خير من عشرة على الشجرة "، والمؤمن كأبي موسى يؤثر الآخرة على الدنيا، وما عند الله على ما عند الناس.
وذكر أحد الثقاة الذين صاحبوا أبا موسى في سفره، فقال: "كنا مع أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في سفر، فآوانا الليل إلى بستان حرث فنزلنا فيه، فقام أبو موسى من الليل يصلى- وذكر من حسن صوته ومن حسن قراءته- ثم قال: وجعل لا يمر بشيء إلا قاله ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وأنت المؤمن تحب المؤمن، وأنت المهيمن تحب المهيمن، وأنت الصادق تحب الصادق (١) "، وقد كان أبو موسى مؤمنا صادقا حقا.
وكان أبو موسى يتوخى اليوم الحار الشديد الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان، فيصومه (٢)، تقربا إلى الله.
وصام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال (٣)، فقيل له: "لو أجممت (٤) نفسك "، فقال: "أيهات (٥)، إنما يسبق من الخيل المضمرة (٦) "، وربما خرج من منزله فيقول لامرأته: "شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر " (٧)، يريد: أن العمل الصالح هو السبيل للنجاة من جهنم، ولا يكون إلا بالتعب والدأب والإيمان.
وكان إذا نام، لبس ثيابا عند النوم مخافة أن تنكشف عورته (٨)، وكان
стр. 12272
يقول: "إني لأغتسل في البيت المظلم، فأحني ظهري حياء من ربي "، وكان إذا صلى في بيت مظلم، تجاذب وحنى ظهره حتى يأخذ ثوبه ولا ينتصب قائما، وكان يقول: "إني لأغتسل في البيت الخالي، فيمنعني الحياء من ربى أن أقيم صلبي". ورأى قوما يقفون في الماء بغير أزر، فقال: "لأن أموت ثم أنشر، أحب إلى من أن أفعل مثل هذا" (١)، وهذا دليل على شدة حيائه.
وكان أبو موسى ممن يتقنون قراءة القرآن من الصحابة، ويتميز بحسن صوته في القراءة، وقد «مر النبي ﷺ ومعه عائشة ﵂ ذات ليلة، وأبو موسى يقرأ القرآن في بيته، فقاما فاستمعا لقراءته، ثم إنهما مضيا فلما أصبح لقي أبو موسى النبي ﷺ ، فقال له: "يا أبا موسى! مررت بك البارحة ومعي عائشة وأنت تقرأ في بيتك، فقمنا فاستمعنا لقراءتك "، فقال أبو موسى: "يا نبي الله! أما إني لو علمت بمكانك، لحبرت لك القرآن تحبيرا (٣)»، وقد أصبح معلما للقرآن الكريم على عهد النبي ﷺ ومن بعده، وأصبحت له مدرسة في القراءة القرآنية في البصرة، يتمسكون بها، ويدافعون عنها، ويتحيزون لها.
وكان لشدة ورعه يقول: "لئن يمتلئ منخري من ريح جيفة، أحب إلى من أن يمتلئ من ريح امرأة (٤) "، بالحرام طبعا، أما بالحلال فالأمر مختلف جدا. وقال أبو موسى لرجل: "ما لي أرى عينك نافرة؟! "، فقال: "إني التفت التفاتة، فرأيت جارية لبعض الجيش، فلحظتها لحظة فصككتها (٥)
стр. 12273
صكة، فنفرت، فصارت إلى ما ترى"، فقال: "استغفر ربك، ظلمت عينك، إن لها أول نظرة، وعليك ما بعدها (١) "، يريد الابتعاد عن إمعان النظر في أعراض الناس خوف الفتنة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وقال أبو بردة بن قيس أخو أبي موسى: "قلت لأبي موسى الأشعري في طاعون وقع: اخرج بنا إلى وابق (٢) نبدو (٣) بها، فقال أبو موسى: "إلى الله آبق (٤)، لا إلى وابق (٥) "، فهو متوكل على الله وهو حسبه، والتوكل مزية من مزايا الورع، والورع حال من أحواله.
وطالما أتحف الناس من حوله بوعظه ومواعظه في دروسه وخطبه، فمن خطبه في البصرة قوله: "أيها الناس، ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أجري فيها السفن لسارت" (٦)، يريد أن يخوفهم من أهوال النار ليشجعهم على العمل الصالح الذي يدخلهم الجنة.
وجمع أبو موسى القراء يوما، فقال: "لا تدخلوا علي إلا من جمع القرآن "، فدخل عليه زهاء ثلاثمائة من القراء، فوعظهم قائلا: "أنتم قراء أهل البلدة فلا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب " (٧)، فقد نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم، لما تطاول عليهم الأمد، بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء
стр. 12274
المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد (١)، فهو يشير بموعظته إلى الآية الكريمة: ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).
ومن مواعظه قوله: "تخرج نفس المؤمن وهي أطيب ريحا من المسك، فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتلقاهم ملائكة دون السماء، فيقولون: من هذا معكم؟ فيقولون: فلان، ويذكرونه بأحسن عمله، فيقولون: حياكم الله وحيا من معكم، فتنفتح له أبواب السماء، فيشرق وجهه، فيأتي الرب ولوجهه برهان مثل الشمس. وأما الآخر، فتخرج روحه وهي أنتن من الجيفة، فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتلقاهم ملائكة دون السماء، فيقولون: من هذا معكم؟! فيقولون: فلان، ويذكرونه بأسوأ عمله، فيقولون: ردوه فما ظلمه الله شيئا " (٣)، وقرأ أبو موسى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤).
وصلى أبو موسى يوما، ثم خرج إلى الناس، فقال: "يا أيها الناس! إنكم اليوم في زمان للعامل فيه لله تعالى أجر، وسيكون بعدكم زمان يكون للعامل فيه لله تعالى أجران (٥) "، يريد: أنكم من التابعين قريبون من عهد النبي ﷺ ، ورأيتم قسما من أصحابه، فأنتم متأثرون بذلك فلكم أجر واحد، لأن ظروفكم أفضل من زمان يدب إليه الفساد، فيكون للعامل فيه أجران، لقلة العاملين، وسوء ظروفهم، وفساد الناس.
стр. 12275
وكثيرا ما كان يعتمد الأسلوب القصصي في مواعظه، ليعمق تأثيرها في العقول والنفوس معا، فلما حضرته الوفاة قال: "يا بني! اذكروا صاحب الرغيف! كان رجل يتعبد في صومعة إزاء سبعين سنة، لا ينزل إلا في يوم واحد فشبه الشيطان في عينه امرأة، فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبا، فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد. فآواه الليل إلى دكان كان عليه اثنا عشر مسكينا، فأدركه العياء، فرمى بنفسه بين رجلين منهم، وكان ثم راهب يبعث إليهم كل ليلة بأرغفة، فيعطي كل إنسان رغيفا، فجاء صاحب الرغيف فأعطي كل إنسان رغيفا، ومر على ذلك الرجل الذي خرج تائبا، فظن أنه مسكين، فأعطاه فقال المتروك لصاحب الرغيف: ما لك لم تعطني رغيفي ما كان بك عنه غنى؟ فقال: أتراني أمسكته عنك، والله لا أعطيك شيئا، فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى الرجل الذي ترك، فأصبح التائب ميتا، فوزنت السبعون سنة. . بالسبع الليالي، فرجحت السبع الليالي، ثم وزنت السبع الليالي بالرغيف، فرجح الرغيف! فيا بني! اذكروا صاحب الرغيف! " (١).
ومن أقواله: "ومن ينتظر من الدنيا، إلا كلا محزنا، أو فتنة تنتظر (٢) "، في وصف الدنيا التي لا تأتي إلا بالمصائب والأحزان، ولا يجدي معها إلا الصبر الجميل.
ولا يمكن التخلي عن فقرة ورعه، دون تذكر موقفه من الفتنة الكبرى واعتزاله القتال دون أن يتخلى عن علي بن أبي طالب لأنه الخليفة، ولا عن الكوفة لأنها مقر الخلافة، فكان ولاؤه لعلي في كل شيء إلا القتال، لأن الاقتتال كان بين المسلمين، وورعه يحول دون أن يقاتل مسلما أو يقتل
стр. 12276
مسلما، أو يشجع على الاقتتال بين المسلمين، أو يسكت عن هذا الاقتتال ولا يأمر بأعلى صوته وبأصرح عبارته بالكف عن الاقتتال.
وقد ضحى بسبب اعتزاله الفتنة، وأمره بالابتعاد عنها ومقاومتها، بمنصبه وحظوته وبكل المظاهر الدنيوية، لأن التزامه بالورع كان أغلى عليه من كل ما في الدنيا من مناصب ومظاهر ومتاع.
كما أن موقفه في التحكيم، أملاه عليه ورعه، وما غلبه عمرو بن العاص، بل غلبه ورعه، فخسر كل ما يملك، وهام على وجهه هاربا، حتى استقر في مكة مبتعدا عن العدو والصديق، إن كان قد أبقى له قول الحق صديقا.
ولم يحقد معاوية على أبي موسى، أنه كان متيقنا أنه كان يتصرف بوحي ورعه، فحفظ له حرمته في حياته وبعد موته. قال أبو بردة (١): "دخلت على معاوية بن أبي سفيان حين أصابته قرحته، فقال: هلم يا ابن أخي، تحول فانظر، فتحولت فنظرت فإذا هي قد سبرت (٢) -يعنى قرحته- فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، فدخل يزيد بن معاوية، فقال له معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئا، فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخا لي، غير أني قد رأيت من القتال ما لم ير" (٣).
وهذا هو منتهى الاستقامة والثبات على المبدأ، لا يميل مع الريح حيث تميل، ولكن يبقى مع الحق وحده، مهما يتحمل في سبيل الحق من أهوال.
هذا هو مبلغ ورع أبي موسى، لذلك كان موضع ثقة النبي ﷺ والخلفاء من بعده، وقد كتب عمر في وصيته: "أن لا يقر لي عامل
стр. 12277
أكثر من سنة، إلا أبا موسى فليقر أربع سنين (١) ". كما كان موضع ثقة الناس به. وقد يكون أول عامل اختاره الناس عاملا على بلدهم بعد أن رفضوا استقبال عاملهم السابق، وحملوا الخليفة على توليته عليهم وإعفاء عاملهم الذي كان قبله.
والقول بأن المناصب تولى لذوي الكفايات العالية، بحيث يكون الرجل المناسب في المنصب المناسب، قول لا غبار عليه، يتفق اتفاقا كاملا مع ما كان عليه الأمر على عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده.
ولكن هذا القول لا يغني عن كل قول، فالواقع أن الذي يولى لا بد أن يتيسر فيه شرطان: الكفاية العالية، والورع المطلق، فلا بد من أن يكون الوالي ذا كفاية وورعا.
وهذان الشرطان في أبي موسى، هما اللذان جعلاه موضع ثقة رؤسائه ومرءوسيه في وقت واحد، ولم ييسرا له النجاح في واجباته الكثيرة المتشابكة فحسب، بل يسرا له التميز في النجاح.
وقد ذكرنا ما فيه الكفاية عن كفاية أبي موسى في الحديث عن أبي موسى: الإدراي، وبقي أن نتحدث عن ورع أبي موسى بإيجاز شديد، بعد أن تحدثنا على أدلة ذلك الورع الأصيل.
إن الورع درجات، أعلاها هو أن يطبق الورع على نفسه أولا أحوال الورع، وأن يأمر به غيره من الناس ويكون مثالا شخصيا يقتدى به في اقتباس أحوال الورع، وأن يكون مستعدا أن يضحي بكل ما يملك من غال ونفيس من أجل ورعه، ولا يضحي بورعه من أجل ما يملك من غال ونفيس.
ذلك هو الورع في أعلى درجاته، وهذا هو ما طبقه أبو موسى على نفسه حاكما ومحكوما، ورئيسا ومرءوسا، وقائدا وجنديا، ومرشدا وقاضيا،
стр. 12278
فكان بحق كما وصفوه: العامل المعلم صاحب القراءة والمزمار، الرايض نفسه بالسياحة في المضمار.
لقد أتعب أبو موسى نفسه في حياته، وأتعب من جعله أسوة حسنة له في حياته وبعد رحيله، وخسر كل شيء مادي يملكه، ولكنه ربح نفسه، وقد مات كثير من أصحاب السلطان والأموال وهم أحياء، فلا ذكر لهم بالخير والثناء، لأنهم ربحوا السلطة والمال، وخسروا أنفسهم، وبقي ذكر أبي موسى عطرا في التاريخ وبين الناس، وتلك هي عبرته لأصحاب القلوب العامرة بالإيمان ولأصحاب الجيوب المتخمة نفوسهم بالظلام.
وهل يستوى أصحاب القلوب وأصحاب الجيوب؟
стр. 12279
الرجل
نزل أبو موسى الكوفة، وابتنى بها دارا، وله بها عقب (١)، وقد نزل الكوفة بعد أن عزله عثمان بن عفان عن البصرة سنة تسع وعشرين الهجرية كما ذكرنا.
وبعد التحكيم الذي كان فيه ممثلا لعلي بن أبي طالب وأهل العراق، وعمرو بن العاص ممثلا لمعاوية بن أبي سفيان وأهل الشام، هرب أبو موسى من مثابة التحكيم مباشرة إلى مكة المكرمة خوفا من أنصار علي المتحمسين له ولكنه عاد إلى الكوفة بعد استشهاد علي بن أبي طالب ومبايعة معاوية بن أبي سفيان بالخلافة ودخوله الكوفة سنة إحدى وأربعين الهجرية (٢)، فاستقبل معاوية أبا موسى بالنخيلة، وعلى أبي موسى عمامة سوداء وجبة سوداء ومعه عصا سوداء (٣). كما ذكرنا ذلك قبل قليل.
стр. 12280
ولما حضر أبا موسى الموت، جمع بنيه فقال: "انظروا إذا أنا مت، فلا تؤذنن بي أحدا ولا يتبعني صوت ولا نار، وليكن ممسى أحدكم بحذاء ركبتي من السرير". ولما أغمي عليه بكت ابنة الدومي أم أبي بردة، فقال: "أبرأ إليكم ممن حلق وسلق وخرق (١) وأغمي عليه، فبكوا عليه، فقال: "أما علمتم ما قال رسول الله ﷺ ؟ "، فذكروا ذلك لامرأته، فسألته، فقال: "من حلق وخرق وسلق". وأغمي على أبي موسى، فبكوا عليه، فأفاق فقال: "إني أبرأ إليكم مما برئ منه رسول الله ﷺ : من حلق وخرق وسلق "، وأغمي عليه في مرضه، فصاحت عليه أم بردة، فأفاق، فقال: إني بريء ممن حلق وسلق وشق "، يقول ذلك للخامشة وجهها. وقال: "إذا حفرتم لي، فأعمقوا لي قعره"، وقال: "أعمقوا لي قبري (٢) ".
ومات أبو موسى سنة ثنتين وخمسين الهجرية في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقال بعض أهل العلم: "إنه مات قبل هذا الوقت بعشر سنين، سنة ثنتين وأربعين الهجرية (٣). وقيل: مات سنة أربع وأربعين الهجرية (٤)، وقيل: سنة خمسين الهجرية أو سنة اثنتين وخمسين الهجرية (٥)، وأكثر المصادر تتفق على أن وفاته كانت سنة ثنتين وأربعين الهجرية أو سنة أربع وأربعين الهجرية، وهي المصادر القديمة ومصادر المحدثين: القديمة منها قريبة العهد من الذين سجلت سيرهم، والمحدثون الموثوق بهم معروفون بصدقهم ودقتهم.
стр. 12281
يؤيد ذلك ما جاء في مصادر المحدثين، أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة (١)، ولو مات في الخمسينات، لكان مولده سنة ثلاث عشرة قبل الهجرة، فمتى أسلم في مكة، والمعروف أنه أسلم قديما، فإذا قدرنا أنه أسلم في السنة الخامسة من الرسالة، أو السنة الثامنة قبل الهجرة، فمعنى ذلك أنه أسلم وهو في الخامسة من عمره، وهذا غير منطقي ولا معقول. فلا بد أنه توفي في سنة اثنتين وأربعين الهجرية أو سنة أربع وأربعين الهجرية (٢)، وأرجح ما اقتنع به البخاري من أن وفاته سنة أربع وأربعين الهجرية، لأن البخاري شيخ المحدثين وأكثرهم دقة وتوثيقا، فيكون مولد أبي موسى سنة تسع عشرة قبل الهجرة، أي قبل البعثة النبوية بست سنوات، فإذا أسلم في الخامسة من البعثة، فمعنى ذلك أنه أسلم في الحادية عشرة من عمره، وأن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن في السنة التاسعة الهجرية وهو ابن ثمان وعشرين سنة وأنه عاش ثلاثا وستين سنة قمرية، وعاش إحدى وستين سنة شمسية (٦٠٣م-٦٦٤م).
ويبدو أنه كان ميسور الحال في مكة، فقد كان يمتلك بئرا فيها بالمعلاة، ولم يكن في حينه يمتلك بئرا من الآبار المعدودة غير الميسورين.
تزوج أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب (٣)، كما تزوج ابنة الدومي (٤)، ولا نعرف عن زوجاته الأخريات شيئا.
وأكبر أولاده: إبراهيم، «قال أبو موسى: "ولد لي غلام، فأتيت به رسول الله ﷺ ، فسماه: إبراهيم، وحنكه بتمرة (٥)».
стр. 12282
وأبو بكر بن أبي موسى، واسمه كنيته، وكان أسن من أبي بردة. وأبو بردة بن أبي موسى، وأمه ابنة الدومي. وموسى بن أبي موسى، وأمه أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب (١)، وكان أبو بكر أحول، فهو معدود من الحولان الأشراف (٢)، وكان أبو بردة بن أبي موسى قاضيا للحجاج بن يوسف الثقفي، ولاه بعد شريح (٣)، واسم أبي بردة عامر. ومحمد بن أبي موسى، وعبد الله بن أبي موسى، ولأولاد أبي موسى في البصرة والكوفة عدد، ومنهم بالأندلس (٤).
وأبو موسى رجل خفيف الجسم، قصير، أثط.
وقد مات أبو موسى بالكوفة، وقيل: إنه مات بمكة (٥)، والأول أصح، لأنه لقي معاوية بالنخيلة قبل موته بقليل، والنخيلة قريبة من الكوفة كما ذكرنا، وقد مات بداره في الكوفة (٦)، ودفن بـ (الثوية) بالكوفة.
وكان قد نزل الكوفة، وابتنى بها دارا (٧)، ليأوي إليها أهله وولده، ولا نعلم أنه خلف غير هذه الدار في الكوفة، ويبدو أنه كان ميسورا قبل إسلامه، فقد كان من أصحاب الآبار المعروفة في حينه، وكانت في تلك الأيام غالية الثمن، تدر على صاحبها المال الوفير، مما يدل على أنه لم يزدد بعد إسلامه غنى، بل أنفق ما كان يملك قبل إسلامه بعد إسلامه في
стр. 12283
سبيل الله، وقد رأينا كيف خرج من البصرة حين نزع عنها وما معه إلا ستمائة درهم عطاء عياله، مما يدل على نزاهته المثالية المطلقة، وكان بمقدوره أن يصبح غنيا من عطائه أميرا ومن الغنائم في الفتوح، ولكنه كان كما يبدو لا يبقي لديه شيئا (١).
ومناقب أبي موسى كثيرة (٢)، ذكرنا بعضها في سيرته إنسانا، فإذا لم يخلف شيئا من متاع الدنيا، فقد خلف الذكر المستطاب ومضى الذين خلفوا المتاع، ومضى متاعهم، وبقي الذين خلفوا الذكر الحسن بما خلفوه، وشتان بين الذكر الباقي والمتاع الفاني، وتلك هي عبرة العمل الصالح في هذه الحياة للذين يريدون أن يعملوا قبل الرحيل.
стр. 12284
القائد .
«سيد الفوارس أبو موسى (١)»، تلك هي قولة رسول الله ﷺ في أبي موسى الأشعري، وهي شهادة تقلد أبا موسى أرفع وسام معروف من أوسمة الشجاعة الخارقة.
وكانت هذه الشهادة النبوية نتيجة من نتائج المواقف البطولية لأبي موسى، فقد ولى النبي ﷺ أبا عامر الأشعري عم أبي موسى سرية لمطاردة المنهزمين من المشركين في غزوة حنين، فقتل تسعة من أبطال المشركين في المبارزة، ثم قتله العاشر، لأنه كان بطل أبطالهم، ولكن أبا موسى قتل قاتل عمه (٢)، وقاد رجال السرية إلى نصر حاسم كان يمكن أن يؤدي قتل قائدها أبي عامر الأشعري إلى هزيمة شنعاء، كما
стр. 12285
كان يحدث في الحروب القديمة عند قتل القائد، إذ تنهار معنويات رجاله، ويهربون من ساحة القتال.
كما أنه قتل في معركة واحدة تسعة من المشركين (١)، فكان يضرب لرجاله بشجاعته في القتال أروع الأمثال.
لقد كانت الحروب القديمة بحاجة إلى قائد يتميز بالشجاعة والإقدام؛ لأنه كان عليه أن يتقدم الصفوف، ويبارز أعداءه إذا ما دعي للمبارزة، فإذا لم يدع إليها واقتضت ظروف المعركة أن يرفع معنويات رجاله ويزعزع معنويات عدوه بالدعوة إلى مبارزة قائد أعدائه وأبطاله، فلا بد أن يبادر هو بالدعوة للمبارزة، وهذا ما يحتاج إلى الشجاعة والإقدام.
وقد كان أبو موسى بحق شجاعا مقداما، أثبتت أيامه في المعارك إنه ليس فارسا فحسب، بل سيد الفوارس، في أيام كانت الشجاعة فيها هي القاعدة، والجبن هو الاستثناء.
ولكنه لم يكن يعتمد الشجاعة وحدها في قتاله، بل كان يعتمد الشجاعة والعقل: يبدأ بالعقل، فيحاول أن يحقق أهدافه من عدوه بالمفاوضات وعقد الصلح وإشاعة السلام والتعاون الوثيق بين الغالب والمغلوب، نتيجة للمعاملة بالحسنى وتحكيم النطق والعقل. ولكن إذا لم ينجح في عروضه السلمية للصلح ووضع حد للقتال، ولم يبق أمامه إلا الأسنة مركبا، أقدم على ركوبها غير متردد، بشجاعة وإقدام: " نزل أبو موسى بأصبهان، فعرض عليهم الإسلام، فأبوا، فعرض عليهم الجزية، فصالحوه على ذلك، فباتوا على صلح، حتى إذا اصبحوا على غدر، فبارزهم القتال، فلم يكن أسرع من أن أظهره الله عليهم (٢) ".
تلك هي سياسته في القيادة، وذلك هو منهجه القيادي: العقل أولا، والشجاعة ثانيا، وتلك هي تعاليم الإسلام الجازمة في القتال: الإسلام، أو
стр. 12286
الجزية، أو القتال، طبقها أبو موسى كأحسن ما يكون التطبيق قائدا.
وكانت الحروب القديمة بخاصة، بحاجة إلى قادة، يعلمون بعقولهم وسيوفهم، بعقولهم: لإعداد الخطط العسكرية، وتبليغها، وتنفيذها، وإدارة المعارك، ومفاوضة الأعداء قبل نشوب القتال للصلح، وفرض السلام بالحكمة والحسنى والمنطق، ويعملون بسيوفهم في المعركة: يبارزون الأبطال، ويصاولون الأعداء. والحق أن أبا موسى كان مثالا رائعا للقائد المتميز الذي يعمل بعقله وسيفه معا في آن واحد، العقل أولا، والسيف ثانيا وأخيرا، لذلك انتصر في كل معاركه التي خاضها، ولم ينكص له لواء واحد طيلة حياته العسكرية الطويلة، التي امتدت أكثر من عشرين سنة متواصلة.
وليس من الغريب أن يفتح أبو موسى تسع مناطق صلحا، ومنطقة واحدة عنوة، فهذا دليل قاطع على أنه كان يعمل بعقله أولا وقبل كل شيء، والسيف ثانيا وأخيرا، والقول أن ما عمله هو مجرد تطبيق عملي لتعاليم القتال في الإسلام حق لا ريب فيه، ولكن تطبيق هذه التعاليم بمثل هذا النجاح الباهر والنسبة العالية من الصلح لا يقدر عليه كل مسلم حق، ولا يقدر عليه إلا من تميز بالعقل الراجح والإيمان العميق، وهو ما تميز به أبو موسى في هذا المجال.
وعقليته المتميزة، جعلته سريع القرار سليمه، والسرعة في إصدار القرار ضرورية في القتال، لتطور أحوال المعركة بسرعة خاطفة في كثير من الأحيان مما يجعله قادرا على مواكبة المعركة في الوقت والمكان الجازمين.
وكان ذا إرادة قوية، إذا قرر فلا بد من أن يضع قراره في حيز التنفيذ فيصبح عملا ولا يبقى كلاما.
وكان ذا شخصية رصينة، فلا يصدر أمرا لا يمكن تنفيذه، بل يصدر أوامر قابلة للتنفيذ بسهولة ويسر، أو بصعوبة وعسر، على كل فهي أوامر يمكن تنفيذها وكفى، وشخصيته الرصينة كفيلة بحمل رجاله الذين صدرت الأوامر إليهم والمسؤولين عن تنفيذها، على وضعها في حيز التطبيق العملي
стр. 12287
الجاد المثمر بما يمكن من السرعة والإتقان.
وكان يتحلى بمزايا الضبط المتين، ويؤمن بمبادئ السمع والطاعة، فلا مخالفة، ولا تردد في التنفيذ، ولا دعوة إلى فتنة ولا مشاركة فيها باللسان أو اليد أو السيف أو بها جميعا، ولا التشجيع عليها من قريب أو بعيد ولا بالتلميح أو التصريح. كما فرض على نفسه مختارا مبدأ السمع والطاعة للخليفة القائم، فكان دائما مع الخلفاء على أعدائهم، كذلك فرض على رجاله السمع والطاعة لقيادته، فلم نسمع عن مخالفة واحدة لأوامره قائدا وإداريا، مع أنه كان على البصرة والكوفة وعلى جيش البصرة وجيش الكوفة، والبصرة والكوفة لا ترضيان عن قائد ولا أمير، ولا يرضى عنهما قائد ولا أمير.
وكان يتحمل المسؤولية إلى الحدود التي لا مخالفة في تحملها لأوامر رؤسائه، إذا هو لا يطيق خلاف ذوي الأمر المسؤول أمامهم مباشرة كالخليفة أو قائده العام، فهو من هذه الناحية قائد متبع وليس قائدا مبتدعا. وإذا اقتضى الأمر مخالفة أوامر رئيسه المباشر، فهو يعرض الأمر للرئيس ويعرض له ظروفه ويبسط له عذره، ثم ينتظر جواب رئيسه ويعمل بما يأمره به نصا وروحا، بدون مخالفة ولا خلاف.
وكانت له نفسية لا تتبدل في حالتي الرخاء والشدة، فهو بخير في الحالتين، إذا أصابه الخير شكر، وإذا أصابه الشر صبر، ولا يبطره الرخاء، ولا تجزعه الشدة.
وكان يعرف نفسيات رجاله وقابلياتهم، فيكلف كل واحد منهم بما يتفق مع نفسيته ويناسب قابليته، ولا يحمله ما يكره أو ما لا يطيق.
وكان موضع ثقة رؤسائه من خلفاء وأمراء وقادة، لأنه كان مطيعا بعيدا عن خلق المشاكل، وكان يبادلهم الثقة بثقة مثلها، فيخلص في عمله وفي أداء واجبه فيرضيهم بالأعمال كما يرضيهم بالطاعة المطلقة. وكان موضع ثقة رجاله، لا يستطيعون إلا الإعجاب به والتقدير له، لأنه يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، ولا يفعل في الخفاء ما لا يفعله في العلن. كما
стр. 12288
كان يثق برجاله كما يثقون به، والثقة المتبادلة من عوامل النصر، لأن التعاون بين القائد ورجاله يكون صادرا عن القلب، فيكون تعاونا وثيقا إلى أبعد الحدود.
وكان موضع حب رؤسائه ومرؤوسيه: موضع حب رؤسائه، لأنه مطيع وبعيد عن الفتنة، ويؤدي واجبه على أحسن ما يرام. وموضع حب مرؤوسيه لأنه لا يظلمهم، ولا يغمط حقوقهم، ويعرف لهم أقدارهم، ولا يحرم أحدهم منصبا ولا عطاء يستحقه، ولا يتأثر بالمحسوبية والمنسوبية والوساطات لتقديم من لا يستحق التقدم، فيحرم المستحق ويقدم غير المستحق، فهو دائما يصون حقوق رجاله ماديا ومعنويا، وبدوره يبادل رؤساءه ومرؤوسيه حبا بحب، ويحب لهم ما يحبه لنفسه.
وكانت له قابلية بدنية متميزة تعينه على تحمل المشاق العسكرية، فكان إذا مطرت السماء، قام فيها حتى تصيبه السماء، وكأنه يعجبه ذلك (١)، ولا يتستر من المطر خوف البلل. وكان متقشفا بطبعه في مأكله وملبسه ومسكنه، يكتفي منها بالنزز القليل الذي يسد الحاجة ويستر العورة، ولا يميل إلى الترف والمترفين، وكانت له طاقة نفسة عجيبة على مغالبة اليأس والقنوط والجزع، لهذا نراه قد قضى أكثر حياته مجاهدا، لأنه كان يعتبر الجهاد في سبيل الله من أعظم العبادات، لا يبالي في جهاده أن يكون قائدا عاما، أو قائدا مرؤوسا يضع نفسه بإمرة غيره من القادة، حتى القادة الذين ولاهم هو وبعث بهم إلى ساحات القتال، وهذا ما لا يقدر عليه إلا المجاهدون الصادقون الصابرون المحتسبون الصادقون.
وما شخصه أبو موسى، في الحكم والسياسة، ينطبق على ما يقوله رجال
стр. 12289
القانون والسياسة في القرن الأخير نتيجة دراساتهم الجامعية وتجاربهم العلمية ونضوجهم الفكري، ولكن أبا موسى أرسل قولته تلك نتيجة عقليته المتزنة ورأيه السديد وحكمته وتجاربه في حياته العملية.
وهذه المزايا الفكرية والعقلية، جعلت قيادته تنجح بالصلح مع الأعداء في تسع مناطق، وتنجح بالقتال في منطقة واحدة، أي أن تسعين بالمائة من نجاحه قائدا كان بالصلح، وعشرة بالمائة فقط نجاحه قائدا بالقتال، وهذا حقق له أهدافه بخسائر قليلة جدا بالأرواح، ولو انعكس الأمر لتضاعفت خسائره لتحقيق تلك الأهداف.
وهذا هو فضل العقل المتزن والرأي السديد بالنسبة للقائد، فالخير لا يقتصر عليه، بل يشمل رجاله كافة، فلا يتكبدون خسائر فادحة دون مسوغ، إذ يحقق لهم قائدهم أهدافهم من القتال كاملة، ويحفظ لهم أرواحهم، فلا عجب أن يكون أبو موسى موضع ثقة رجاله ثقة بلا حدود.
وعند مقارنة أعماله العسكرية بمبادئ الحرب، نجد أنه: (يختار مقصده ويديمه) ولا يحيد عنه، فهو يعرف ما يريد، ويبذل جهده لتحقيقه، ولا يستطيع عدوه أن يجبره على تبديل رأيه بشكل أو بآخر. مثلا إذا قصد هدفه السوقي، فحاول عدوه افتعال معركة جانبية لصرفه عن هدفه السوقي إلى هدف تعبوي ولا قيمة للهدف التعبوي كما هو معروف، إلا أن أبا موسى لم يكن من أولئك القادة الذين يصرفون عن تحقيق مقصدهم بمثل تلك الأساليب، فكان يمضي قدما لتحقيق هدفه المختار، غير ملتفت إلى ألاعيب خصمه.
وكانت معارك أبي موسى كلها (تعرضية)، فلا نعرف له معركة واحدة دفاعية أو انسحابية، فهو قائد تعرضي، يقدر قيمة التعرض في رفع معنويات رجاله من جهة، وزعزعة معنويات أعدائه من جهة أخرى.
وكان في تعرضه، يحاول أن: (يباغت) عدوه إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، وقد أفلح في تحقيق هذا المبدأ الحيوي في كثير من عملياته العسكرية، فأجبر عدوه على قبول الصلح أو الفرار من ميدان القتال،
стр. 12290
والمباغتة -كما نعلم- من أهم مبادئ القتال على الإطلاق.
وكان يعمل على: (تحشيد قوته) للمعركة، وقد أدى حين كان على البصرة دورين مهمين لهما علاقة مباشرة بالناحية العسكرية من حياة أبي موسى العامة، هما: دور حشد القوة وإرسالها إلى ميادين القتال بقيادة أحد القادة المرؤوسين، ودور قيادة رجاله من أهل البصرة الذين حشدهم للقتال. ولا بد أن نعرف أن واجب التحشد الذي نهض به أبو موسى في تلك الأيام كان في أوج مد الفتح الإسلامي العظيم، وأن أهل البصرة كان لهم الأثر الحاسم في فتوح المشرق الإسلامي، مما يشير إلى دور أبي موسى المتميز في تحشيد القوة، فقد بذل قصارى جهده بأحسن طريقة وأسلوب في حشد المجاهدين وتسييرهم إلى ميادين الجهاد بالعدد والعدد الكاملين وبالقيادات المتمرسة المقتدرة.
وكان يطبق مبدأ: (الاقتصاد بالمجهود) فلا يعطي خسائر بالأرواح دون مسوغ، وقد لمسنا بوضوح نجاحه في إقرار الصلح في أكثر أيام قيادته وعدم اللجوء إلى السلاح إلا مضطرا، وكان أهم أسباب هذا المسلك الذي سلكه في قيادته هو الاقتصاد بالمجهود في تحقيق أهدافه من القتال بالسلام لا بالحرب، حفاظا على أرواح الرجال أن تزهق بدون استنفاد الجهود كافة في بقائها على قيد الحياة.
وكان: (يتعاون) تعاونا وثيقا صادقا مع غيره من القادة المسلمين بكل رحابة صدر وعن طيب خاطر، كما أنه كان يحمل قواته على التعاون فيما بينها تعاونا وثيقا صادقا، وبدون تعاون وثيق يصعب إحراز النصر.
وكان يطبق مبدأ: (الأمن) تطبيقا مثاليا، فقد حمى رجاله بشتى الوسائل والأساليب، لكيلا يباغتهم عدوهم، ولا نعرف أن رجاله بوغتوا من عدوهم في يوم من الأيام. كما بذل قصارى جهده لمنع عدوه من الحصول على المعلومات عن قواته، فحرم عدوه من رصد حركاتها ونياتها.
وكانت خططه العسكرية التي يعدها لتحقيق أهدافه من القتال تتسم: (بالمرونة)، صالحة للتطبيق في كل وقت، كما أنها صالحة للتحوير في حالة