← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

الجزية، أو القتال، طبقها أبو موسى كأحسن ما يكون التطبيق قائدا. وكانت الحروب القديمة بخاصة، بحاجة إلى قادة، يعلمون بعقولهم وسيوفهم، بعقولهم: لإعداد الخطط العسكرية، وتبليغها، وتنفيذها، وإدارة المعارك، ومفاوضة الأعداء قبل نشوب القتال للصلح، وفرض السلام بالحكمة والحسنى والمنطق، ويعملون بسيوفهم في المعركة: يبارزون الأبطال، ويصاولون الأعداء. والحق أن أبا موسى كان مثالا رائعا للقائد المتميز الذي يعمل بعقله وسيفه معا في آن واحد، العقل أولا، والسيف ثانيا وأخيرا، لذلك انتصر في كل معاركه التي خاضها، ولم ينكص له لواء واحد طيلة حياته العسكرية الطويلة، التي امتدت أكثر من عشرين سنة متواصلة. وليس من الغريب أن يفتح أبو موسى تسع مناطق صلحا، ومنطقة واحدة عنوة، فهذا دليل قاطع على أنه كان يعمل بعقله أولا وقبل كل شيء، والسيف ثانيا وأخيرا، والقول أن ما عمله هو مجرد تطبيق عملي لتعاليم القتال في الإسلام حق لا ريب فيه، ولكن تطبيق هذه التعاليم بمثل هذا النجاح الباهر والنسبة العالية من الصلح لا يقدر عليه كل مسلم حق، ولا يقدر عليه إلا من تميز بالعقل الراجح والإيمان العميق، وهو ما تميز به أبو موسى في هذا المجال. وعقليته المتميزة، جعلته سريع القرار سليمه، والسرعة في إصدار القرار ضرورية في القتال، لتطور أحوال المعركة بسرعة خاطفة في كثير من الأحيان مما يجعله قادرا على مواكبة المعركة في الوقت والمكان الجازمين. وكان ذا إرادة قوية، إذا قرر فلا بد من أن يضع قراره في حيز التنفيذ فيصبح عملا ولا يبقى كلاما. وكان ذا شخصية رصينة، فلا يصدر أمرا لا يمكن تنفيذه، بل يصدر أوامر قابلة للتنفيذ بسهولة ويسر، أو بصعوبة وعسر، على كل فهي أوامر يمكن تنفيذها وكفى، وشخصيته الرصينة كفيلة بحمل رجاله الذين صدرت الأوامر إليهم والمسؤولين عن تنفيذها، على وضعها في حيز التطبيق العملي

стр. 12287

الجاد المثمر بما يمكن من السرعة والإتقان. وكان يتحلى بمزايا الضبط المتين، ويؤمن بمبادئ السمع والطاعة، فلا مخالفة، ولا تردد في التنفيذ، ولا دعوة إلى فتنة ولا مشاركة فيها باللسان أو اليد أو السيف أو بها جميعا، ولا التشجيع عليها من قريب أو بعيد ولا بالتلميح أو التصريح. كما فرض على نفسه مختارا مبدأ السمع والطاعة للخليفة القائم، فكان دائما مع الخلفاء على أعدائهم، كذلك فرض على رجاله السمع والطاعة لقيادته، فلم نسمع عن مخالفة واحدة لأوامره قائدا وإداريا، مع أنه كان على البصرة والكوفة وعلى جيش البصرة وجيش الكوفة، والبصرة والكوفة لا ترضيان عن قائد ولا أمير، ولا يرضى عنهما قائد ولا أمير. وكان يتحمل المسؤولية إلى الحدود التي لا مخالفة في تحملها لأوامر رؤسائه، إذا هو لا يطيق خلاف ذوي الأمر المسؤول أمامهم مباشرة كالخليفة أو قائده العام، فهو من هذه الناحية قائد متبع وليس قائدا مبتدعا. وإذا اقتضى الأمر مخالفة أوامر رئيسه المباشر، فهو يعرض الأمر للرئيس ويعرض له ظروفه ويبسط له عذره، ثم ينتظر جواب رئيسه ويعمل بما يأمره به نصا وروحا، بدون مخالفة ولا خلاف. وكانت له نفسية لا تتبدل في حالتي الرخاء والشدة، فهو بخير في الحالتين، إذا أصابه الخير شكر، وإذا أصابه الشر صبر، ولا يبطره الرخاء، ولا تجزعه الشدة. وكان يعرف نفسيات رجاله وقابلياتهم، فيكلف كل واحد منهم بما يتفق مع نفسيته ويناسب قابليته، ولا يحمله ما يكره أو ما لا يطيق. وكان موضع ثقة رؤسائه من خلفاء وأمراء وقادة، لأنه كان مطيعا بعيدا عن خلق المشاكل، وكان يبادلهم الثقة بثقة مثلها، فيخلص في عمله وفي أداء واجبه فيرضيهم بالأعمال كما يرضيهم بالطاعة المطلقة. وكان موضع ثقة رجاله، لا يستطيعون إلا الإعجاب به والتقدير له، لأنه يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، ولا يفعل في الخفاء ما لا يفعله في العلن. كما

стр. 12288

كان يثق برجاله كما يثقون به، والثقة المتبادلة من عوامل النصر، لأن التعاون بين القائد ورجاله يكون صادرا عن القلب، فيكون تعاونا وثيقا إلى أبعد الحدود. وكان موضع حب رؤسائه ومرؤوسيه: موضع حب رؤسائه، لأنه مطيع وبعيد عن الفتنة، ويؤدي واجبه على أحسن ما يرام. وموضع حب مرؤوسيه لأنه لا يظلمهم، ولا يغمط حقوقهم، ويعرف لهم أقدارهم، ولا يحرم أحدهم منصبا ولا عطاء يستحقه، ولا يتأثر بالمحسوبية والمنسوبية والوساطات لتقديم من لا يستحق التقدم، فيحرم المستحق ويقدم غير المستحق، فهو دائما يصون حقوق رجاله ماديا ومعنويا، وبدوره يبادل رؤساءه ومرؤوسيه حبا بحب، ويحب لهم ما يحبه لنفسه. وكانت له قابلية بدنية متميزة تعينه على تحمل المشاق العسكرية، فكان إذا مطرت السماء، قام فيها حتى تصيبه السماء، وكأنه يعجبه ذلك (١)، ولا يتستر من المطر خوف البلل. وكان متقشفا بطبعه في مأكله وملبسه ومسكنه، يكتفي منها بالنزز القليل الذي يسد الحاجة ويستر العورة، ولا يميل إلى الترف والمترفين، وكانت له طاقة نفسة عجيبة على مغالبة اليأس والقنوط والجزع، لهذا نراه قد قضى أكثر حياته مجاهدا، لأنه كان يعتبر الجهاد في سبيل الله من أعظم العبادات، لا يبالي في جهاده أن يكون قائدا عاما، أو قائدا مرؤوسا يضع نفسه بإمرة غيره من القادة، حتى القادة الذين ولاهم هو وبعث بهم إلى ساحات القتال، وهذا ما لا يقدر عليه إلا المجاهدون الصادقون الصابرون المحتسبون الصادقون. وما شخصه أبو موسى، في الحكم والسياسة، ينطبق على ما يقوله رجال

стр. 12289

القانون والسياسة في القرن الأخير نتيجة دراساتهم الجامعية وتجاربهم العلمية ونضوجهم الفكري، ولكن أبا موسى أرسل قولته تلك نتيجة عقليته المتزنة ورأيه السديد وحكمته وتجاربه في حياته العملية. وهذه المزايا الفكرية والعقلية، جعلت قيادته تنجح بالصلح مع الأعداء في تسع مناطق، وتنجح بالقتال في منطقة واحدة، أي أن تسعين بالمائة من نجاحه قائدا كان بالصلح، وعشرة بالمائة فقط نجاحه قائدا بالقتال، وهذا حقق له أهدافه بخسائر قليلة جدا بالأرواح، ولو انعكس الأمر لتضاعفت خسائره لتحقيق تلك الأهداف. وهذا هو فضل العقل المتزن والرأي السديد بالنسبة للقائد، فالخير لا يقتصر عليه، بل يشمل رجاله كافة، فلا يتكبدون خسائر فادحة دون مسوغ، إذ يحقق لهم قائدهم أهدافهم من القتال كاملة، ويحفظ لهم أرواحهم، فلا عجب أن يكون أبو موسى موضع ثقة رجاله ثقة بلا حدود. وعند مقارنة أعماله العسكرية بمبادئ الحرب، نجد أنه: (يختار مقصده ويديمه) ولا يحيد عنه، فهو يعرف ما يريد، ويبذل جهده لتحقيقه، ولا يستطيع عدوه أن يجبره على تبديل رأيه بشكل أو بآخر. مثلا إذا قصد هدفه السوقي، فحاول عدوه افتعال معركة جانبية لصرفه عن هدفه السوقي إلى هدف تعبوي ولا قيمة للهدف التعبوي كما هو معروف، إلا أن أبا موسى لم يكن من أولئك القادة الذين يصرفون عن تحقيق مقصدهم بمثل تلك الأساليب، فكان يمضي قدما لتحقيق هدفه المختار، غير ملتفت إلى ألاعيب خصمه. وكانت معارك أبي موسى كلها (تعرضية)، فلا نعرف له معركة واحدة دفاعية أو انسحابية، فهو قائد تعرضي، يقدر قيمة التعرض في رفع معنويات رجاله من جهة، وزعزعة معنويات أعدائه من جهة أخرى. وكان في تعرضه، يحاول أن: (يباغت) عدوه إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، وقد أفلح في تحقيق هذا المبدأ الحيوي في كثير من عملياته العسكرية، فأجبر عدوه على قبول الصلح أو الفرار من ميدان القتال،

стр. 12290

والمباغتة -كما نعلم- من أهم مبادئ القتال على الإطلاق. وكان يعمل على: (تحشيد قوته) للمعركة، وقد أدى حين كان على البصرة دورين مهمين لهما علاقة مباشرة بالناحية العسكرية من حياة أبي موسى العامة، هما: دور حشد القوة وإرسالها إلى ميادين القتال بقيادة أحد القادة المرؤوسين، ودور قيادة رجاله من أهل البصرة الذين حشدهم للقتال. ولا بد أن نعرف أن واجب التحشد الذي نهض به أبو موسى في تلك الأيام كان في أوج مد الفتح الإسلامي العظيم، وأن أهل البصرة كان لهم الأثر الحاسم في فتوح المشرق الإسلامي، مما يشير إلى دور أبي موسى المتميز في تحشيد القوة، فقد بذل قصارى جهده بأحسن طريقة وأسلوب في حشد المجاهدين وتسييرهم إلى ميادين الجهاد بالعدد والعدد الكاملين وبالقيادات المتمرسة المقتدرة. وكان يطبق مبدأ: (الاقتصاد بالمجهود) فلا يعطي خسائر بالأرواح دون مسوغ، وقد لمسنا بوضوح نجاحه في إقرار الصلح في أكثر أيام قيادته وعدم اللجوء إلى السلاح إلا مضطرا، وكان أهم أسباب هذا المسلك الذي سلكه في قيادته هو الاقتصاد بالمجهود في تحقيق أهدافه من القتال بالسلام لا بالحرب، حفاظا على أرواح الرجال أن تزهق بدون استنفاد الجهود كافة في بقائها على قيد الحياة. وكان: (يتعاون) تعاونا وثيقا صادقا مع غيره من القادة المسلمين بكل رحابة صدر وعن طيب خاطر، كما أنه كان يحمل قواته على التعاون فيما بينها تعاونا وثيقا صادقا، وبدون تعاون وثيق يصعب إحراز النصر. وكان يطبق مبدأ: (الأمن) تطبيقا مثاليا، فقد حمى رجاله بشتى الوسائل والأساليب، لكيلا يباغتهم عدوهم، ولا نعرف أن رجاله بوغتوا من عدوهم في يوم من الأيام. كما بذل قصارى جهده لمنع عدوه من الحصول على المعلومات عن قواته، فحرم عدوه من رصد حركاتها ونياتها. وكانت خططه العسكرية التي يعدها لتحقيق أهدافه من القتال تتسم: (بالمرونة)، صالحة للتطبيق في كل وقت، كما أنها صالحة للتحوير في حالة

стр. 12291

تبدل الموقف من حال إلى حال. فقد كان يسبق النظر، ويحسب لكل ما يتوقع حسابه، ويدخل في خططه أسوأ الاحتمالات، فإذا وقعت كان مستعدا لها بالمعالجة المدروسة المستحضرة، وإذا لم تقع لم يخسر شيئا في استعداداته الرصينة. وإذا كان أبو موسى يطبق كل هذه المبادئ القتالية، فهو بدون شك: (يديم المعنويات) إدامة مستمرة بالنصر، والمعنويات ترتكز على أساسين: الإيمان، والنصر، وقد تيسرا في أيام أبي موسى تيسرا عظيما، فلا عجب أن ترتفع المعنويات إلى عنان السماء. وقد كان أبو موسى يديم معنويات رجاله، بشجاعته الشخصية النادرة، وقيادته الحكيمة المتزنة، ومواعظه الحسنة المستمرة، وبمثاله الشخصي لرجاله في الورع والتقوى، وبانتصاراته المتعاقبة الباهرة. وكان يطبق مبدأ: (الأمور الإدارية)، فلا ينقص رجاله ما يأكلون ويلبسون ولا ما يتسلحون به ولا ما يحملون عليه، وتصل أعطياتهم إلى من يعولون، فلا يكون المجاهد في ميدان الجهاد، ويبقى قلقا على أهله وذويه في شيء. وبعد النصر كان يقسم بالسوية، فينال كل مجاهد ما يستحقه من الغنائم: للفارس حقه، وللراجل حقه، بموجب تعاليم الدين الحنيف. لقد كان أبو موسى يطبق كل مبادئ القتال تطبيقا سليما. وكان أبو موسى يتمتع بماض ناصع مجيد، فهو صحابي جليل، قديم الإسلام، ومن أصحاب الأيام، شجاع مقدام، قاض ومعلم، ومحدث وفقيه. والرجل الذي يقاتل تحت راية قائد له ماض ناصع مجيد، غير الرجل الذي يقاتل تحت راية قائد ليس له في سجل الباقيات الصالحات ذكر مستطاب أو ليس له أي ذكر على الإطلاق. وكان بالإضافة إلى تلك المزايا، يساوي نفسه برجاله، بل كان يستأثر دونهم بالخطر ويؤثرهم بالأمن، ويؤثرهم على نفسه بالخير المادي، ويكتفي هو بالقليل القليل.

стр. 12292

وكان يستشير رجاله بكل أمر من أموره وبكل موقف من مواقفه، فإذا استقر الرأي على قرار، عمل بمشورتهم وعزا الفضل لذوي الفضل. لقد كان أبو موسى قائدا لامعا حقا.

стр. 12293

السفير كان أبو موسى من سفراء النبي ﷺ أرسله ومعاذ بن جبل إلى جملة اليمن داعين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن: ملوكهم، وسوقتهم (١)، وكان إرسالهما إلى اليمن معا في وقت واحد (٢)، وروى الإمام أحمد بن حنبل، «أن النبي ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن فقال لهما: " بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا (٣)»، وقصدا اليمن في شهر شوال أو ذي القعدة من السنة التاسعة الهجرية، كما ذكرنا ذلك من قبل. فما هي المزايا التي اجتمعت في أبي موسى، فأهلته ليصبح سفيرا نبويا؟ من مزاياه الإيمان الراسخ بالإسلام، والانتماء القاطع لهذا الدين، وإثبات إيمان أبي موسى وانتمائه حديث معاذ، فهو معروف بإيمانه، ولا يجادل في صدق إيمانه اثنان، ويتفق من يحبه ومن لا يحبه بأنه مؤمن صادق الإيمان، وأنه ربط مصيره بالإسلام، يخلص له أكثر مما لأمه وأبيه وذويه وفصيلته التي تؤويه، وولاؤه كله للإسلام، فإذا تعارض ولاؤه لدينه بولائه لأقرب المقربين إليه، فضل دون تردد ولاءه للإسلام على ولائه لأقرب المقربين إليه: بل إذا تناقض ولاؤه لمصلحته الذاتية بولائه لدينه لم يختر إلا الولاء لدينه حتى إذا سحقت مصلحته الذاتية من أجل المصلحة العامة للمسلمين فإنه لا يتردد لحظة في سحق مصلحته الذاتية إعلاء لكلمة الله، لتكون كلمة الله هي العليا.

стр. 12294

ومن مزاياه سفيرا نبويا، الفصاحة، والعلم، وحسن الخلق، وقد كانت الفصاحة في أيام أبي موسى، وهو من العرب الذين نشئوا في محيط عربي خالص، بعيد عن الاختلاط بالعجم، هي السائدة بين العرب، وكان اللحن قليلا بينهم، وهو الذي قيل في وصف فصاحته: " ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلا بالجزار الذي لا يخطئ المفصل " (١). وكتب أبو موسى إلى رجل من المسلمين: " أما بعد، فإني عاهدتك على أمر وبلغني أنك تغيرت، فإن كنت على ما عهدتك فاتق الله ودم، وإن كنت على ما بلغني فاتق الله وعد " (٢) وفصاحته بالإضافة إلى حكمته واضحة في هذا الكتاب. وقال أحدهم لأبي موسى في طاعون وقع: " اخرج بنا إلى وابق نبدو بها "، فقال: " إلى الله آبق لا إلى وابق " (٣)، وفصاحته في هذا الخطاب واضحة وإيجازه البليغ واضح أيضا. وقد كان أبو موسى عالما كما فصلنا ذلك في فقرة: (العالم) خلال الحديث عنه إنسانا، وقد كان من علماء الأمة المعدودين، ومن الذين يفتون على عهد النبي ﷺ ومن قضاته وقضاة الخلفاء الراشدين الأربعة ومن أبرز معلمي القرآن الكريم والفقهاء والمحدثين، وقد خلفه النبي ﷺ في مكة بعد غزوة الطائف يعلم أهلها القرآن ويفقههم في الدين، وبعثه إلى اليمن داعيا وقاضيا، وكان يفتي في المدينة ويقتدي به على عهد رسول ﷺ (٤)، وكل ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على علمه وفضله، فقد كان من قادة الفكر الإسلامي الأولين الذين بنوا صرحه العظيم على عهد النبي ﷺ

стр. 12295

وخدموه بكل أمانة وصدق وإخلاص فانتشر الذين تلقوا العلم عليهم في البلاد ونشروا عملهم شرقا وغربا. وكان على جانب عظيم من حسن الخلق، تتمثل فيه المثل العليا الإسلامية التي وردت في الكتاب العزيز والسنة النبوية، فكان أبو موسى حسن الحلق تمثل بشرا سويا، يمشي على الأرض، ويرتاد الأسواق، ويأكل الطعام ولكنه أسوة حسنة لغيره في الخلق الكريم. ومن مزاياه سفيرا نبويا، الصبر الجميل، والحكمة البالغة لقد وردت كلمة: صبر، ومشتقاتها في أربع ومائة آية من آيات الذكر الحكيم (١)، ومن الطبيعي أن يتأثر أبو موسى بتعاليم القرآن التي تأمر بالصبر وتبشر الصابرين، وتنهى عن الجزع واليأس والقنوط وتخوف الذين يجزعون وييأسون ويقنطون، وسيرته تدل على أنه كان من أكابر الصابرين، فقد صبر على أيام العسر والشدة في حياته، وما أكثرها وأعسرها وأشدها، ولا نعلم في سيرته موقفا واحدا انهار فيه، فقد صبر في الضراء صبر المؤمنين المحتسبين الشاكرين، فكان شاكرا في السراء والضراء وحين البأس لأنه كان من الصابرين. ويبدو أنه بالإضافة إلى تأثره البالغ بتعاليم الإسلام في الصبر الجميل، كان بطبيعته له استعداد على الصبر، فهو هادئ الطبع رضي النفس غير متسرع ولا عصبي المزاج، فهو من أولئك النفر الصابرين بطبعهم، فزادته تعاليم الإسلام في الصبر نورا على نور. أما تمتعه بالحكمة البالغة، فيكفي أن ندلل على ذلك بنجاحه الباهر في أعماله الكثيرة داعيا وقاضيا وواليا ومعلما ومرشدا ومجاهدا وجنديا وإنسانا، وفي السلم والحرب. فقد بعثه الني ﷺ إلى اليمن قاضيا وأميرا ومعلما، وبعد

стр. 12296

عام تقريبا أضاف إليه واجبا جديدا هو توليته جزءا من اليمن، ولو لم ينجح في واجباته الأولى لما أضاف إليه واجبات جديدة، وبقي على عمله في اليمن أيام أبي بكر الصديق ﵁ ثم أصبح قاضيا لعمر بن الخطاب وواليا على البصرة وعلى الكوفة ثم على البصرة، فلما رحل عمر كان في وصيته إ قرار أبي موسى أربع سنوات على عمله وإقرار عماله الآخرين سنة واحدة، وهذا التمييز في المدة دلالة على نجاحه في عهد عمر بن الخطاب نجاحا لم يصل إليه غيره من الولاة. وبقي على البصرة أيام عثمان بن عفان، فلما أعفي من ولاية البصرة وأوى إلى الكوفة، اختاره أهل الكوفة أميرا عليهم وحملوا عثمان على إقرار اختيارهم له، وهو أول وال في الإسلام يولى باختيار الناس له لا بتوليته من الخليفة. وكان بإمكانه أن يبقى على الكوفة في عهد علي بن أبي طالب، ولكنه اختار لنفسه الاعتزال عن الفتنة، فنحي عن الكوفة، ولكن أهل الكوفة اختاروه ليمثلهم في التحكيم، وحملوا عليا على إقرار هذا الاختيار. أما نجاحه في القتال، فيكفي أن نذكر، أنه فتح تسع مناطق بالصلح، وفتح منطقة واحدة بالقتال. ونجاح أبي موسى في أعماله الكثيرة في أيام السلام، وبخاصة في البصرة والكوفة، وهما المصران اللذان لا يرضيان عن وال ولا يرضى عنهما وال وإدارتهما من أصعب الأمور وأعقدها، دليل على حكمته البالغة. ونجاحه في أعماله العسكرية حشدا وجهادا وقيادة، وتحقيق أهدافه بالصلح في تسعين بالمائة من المناطق التي فتحها، وبذلك أنجز فتوحه بخسائر في الأرواح لا تكاد تذكر، دليل على حكمته البالغة. ومن مزاياه سفيرا نبويا، سعة الحيلة، فقد كان ألمعي الذكاء، متزن العقل، سديد الرأي، يتسم بالأناة والصبر والحكمة، لذلك كان واسع الحيلة، يجد لكل معضلة مخرجا، ولكل مشكلة حلا مناسبا، وبخاصة وهو يستعين بالشورى على إيجاد الحلول المناسبة، فلا يستقل بإعطاء القرار دون

стр. 12297

رجاله، ويشاركهم في وضع الحلول للمشاكل والمعضلات. ومن مزاياه سفيرا نبويا، رواء مظهره، فقد كان شكله إنسانا ليس جميلا، ولكنه مقبول غير منفر على العموم، بسيط الثياب ولكنها نظيفة، نظيف البدن يديم نظافته بالوضوء. وعلى كل حال، فقد كانت سفارته إلى اليمن، لا إلى دولة أجنبية كالفرس والروم، أو إلى عرب لهم صلة مباشرة بالفرس والروم، فقد كان رواء مظهر سفراء النبي ﷺ إلى أولئك الملوك والأمراء متميزا، أما سفراء النبي ﷺ إلى ملوك العرب وأمرائهم في الجزيرة العربية، فلم يكن رواء المظهر للسفير النبوي شرطا أساسيا. لقد كان أبو موسى سفيرا، راسخ الانتماء للدين الحنيف، عميق الإيمان بالإسلام، فصيحا، عالما، حسن الخلق، صابرا، حكيما، يتسم بسعة الحيلة ورواء مظهره مقبول، لذلك نجح في سفارته نجاحا كبيرا.

стр. 12298

أبو موسى في التاريخ يذكر التاريخ لأبي موسى، أنه كان من المسلمين الأولين الذين اعتنقوا الإسلام بمكة المكرمة قبل الهجرة إلى الحبشة. وأنه له فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ : هاجر ثلاث هجرات، هجرة من اليمن إلى رسول الله ﷺ بمكة، وهجرة إلى الحبشة من بلده اليمن، وهجرة من الحبشة إلى المدينة (١) ويذكر له، أنه نال شرف الصحبة، وشرف الجهاد تحت لواء النبي ﷺ .

стр. 12299

ويذكر له، أنه علم أهل مكة القرآن والفقه في الدين بعد عودة النبي ﷺ من غزوة الطائف إلى المدينة المنورة. ويذكر له، أن النبي ﷺ أرسله ومعاذ بن جبل إلى اليمن داعين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن. ويذكر له أنه كان من عمال النبي ﷺ وقضاته ودعاته. ويذكر له، أنه كان يفتي بالمدينة المنورة، ويقتدي به من أصحاب رسول الله ﷺ ، على عهد رسول الله ﷺ . ويذكر له، أنه كان أول عامل في الإسلام، اختاره الناس عاملا لهم، وحملوا الخليفة على إقرار اختيارهم. ويذكر له، أنه فتح عشر مناطق واسعة من بلاد فارس تسع مناطق منها صلحا، ومنطقة واحدة بالقتال. ويذكر له، أنه كان أحد الحكمين في التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان لإيقاف الاقتتال بين المسلمين. ويذكر له، أنه اعتزل الفتنة الكبرى مع من اعتزل من كبار الصحابة، فلم يشارك فيها بلسانه ولا بيده ولا بسيفه. ويذكر له، أنه كان أحد علماء الأمة الستة، وأحد قضاة الأمة الأربعة (١)، وأحد معلمي القرآن الكريم الكبار، وأحد المحدثين الأولين، وأحد أساطين الفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية الأقدمين.

стр. 12300

ويذكر له، أنه كان من ألمع ولاة المسلمين الأولين، ومن أقدر الإداريين حكما وبناء وفتحا. ويذكر له، أنه كان إماما في علوم القرآن وتعليمه، إماما في الحديث النبوي الشريف، إماما في الورع والتقوى، إماما في القضاء، إماما في الإدارة وأن مناقبه كثيرة جدا. ويذكر له، أنه كان يصدر في كل أعماقه عن عقيدة راسخة يؤمن بها أعمق الإيمان، ويضحي من أجلها كل التضحية، فلا يميل مع الهوى، ولا يرجو لنفسه من متاع الدنيا ما يرجوه لأنفسهم أكثر الناس، فاعتزل الفتنة خوفا من الله لا خوفا على نفسه، فخسر كل شيء وربح نفسه. رضي الله عن الصحابي الجليل، المؤمن الصادق، الورع التقي، العالم المحدث، المعلم الفقيه، القاضي العادل، والإداري الحازم، البطل الشجاع، المجاهد الصابر، القائد الفاتح، أبي موسى الأشعري.

стр. 12301

فصل الجواب عن استحقاق المتأخر فضل الصحاب تأليف الشيخ حسن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب تحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان مقدمة بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ والحياة الدنيا تقترب من نهايتها، وتتدافع نحو مصيرها المكتوب «بعثت أنا والساعة كهاتين (١)» ودائما إنما تكون خاتمة الشيء في ظروف خاصة تتسم بالضعف الشديد، بعد أن يفقد الكثير مما كان يمتلك من مقومات البقاء، وتتقاصر خطاه المثقلة. وحالة التدهور والتلاشي مقرونة بمظاهر تغاير تماما ما يمتع به إبان الشباب والعنفوان. وهذا الانحدار المتزامن مع الانسحاب من شتى ميادين الحياة أمر متوقع وسنة كونية مطردة.

стр. 12302

فقد آن للحياة الدنيا أن تخلد إلى الراحة، وتتوقف عن رحلتها الممتدة عبر حقب التاريخ. وحياة الإنسان القصيرة نموذج شديد الشبه بعمر الحياة. فغالبا ما تنتهي حياته بالهرم والضعف وتداعي المقاومة، فتتسلط عليه الأمراض وتجتاحه العلل، ويصبح هدفا سهلا للأوبئة والأدواء. وهكذا الحياة: يكثر خبثها وتتعاظم شرورها، وتزداد الفتن التي تغشى الناس كقطع الليل المظلم تموج موج البحر ويرقق بعضها بعضا، (١) ويخرج في المجتمع أقوام ينادون باطراح السنة ونبذ هدي المصطفى ﷺ ويشنون حربا شعواء على المتمسكين بالسنة أو المنتمين إليها (٢). حتى يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر فرارا بدينه (٣) وذلك بسبب ما أصاب الناس من الوهن والتخاذل. غير أنه لا يزال هناك طائفة مستمرة على الالتزام بشرع الله تقاوم الانحراف بكل ما تستطيع. وقد تكفل الله أن يكونوا ظاهرين على الحق لا يضرهم انصراف الناس

стр. 12303

عنهم ولا يقعدهم مخالفة المخالف (١) فهم غرس من غرس الله يستعملهم في طاعته.

стр. 12304

موضوع الرسالة: سؤالان اثنان بعث بهما الشيخ راشد بن مبارك إلى الشيخ حسن. أحدهما: عن معنى حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ فيما يقع آخر الزمان من الفتن والبلايا وكيف المخرج منها. والثاني: عن قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ مع والدته التي أبت الدخول في الإسلام. وقد شغل الجواب عن السؤال الأول معظم الرسالة. حيث تكلم أولا عن رواة الحديث والمخرجين له من أهل المصنفات ثم بين السبب الذي من أجله نال العامل في آخر الزمان أجر خمسين من الصحابة. وعقد بعده فصلا في بيان فضل القائم بالسنة ومضاعفة أجره. ثم أعقبه بفصل خاص ذكر فيه طرفا مما ورد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعلاقته الوثيقة بما سبق وأحال من أراد الزيادة على رسالة أخرى أفردها لهذا الموضوع. أما السؤال الثاني فأجاب عنه باختصار مكتفيا بذكر نص القصة دون أن يعلق عليها بشيء.

стр. 12305

أهمية الرسالة: أظن أنه ليس هناك ما يدعو إلى التنبيه على أهمية الرسالة فمن دقق فيما حوله وبذل جهدا ولو ضئيلا في التعرف على ما يدور من القمة إلى القاعدة تبين له بوضوح الحاجة الماسة لمثلها فنسأل الله السلامة والعافية.

стр. 12306

المؤلف: هو العلامة الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا نعرف شيئا عن تاريخ ولادته ربما كانت في نهاية العقد الأول من القرن الثالث عشر بعد وفاة جده الإمام محمد.

стр. 12307

أسرته: نشأ ﵀ في أسرة علمية فاضلة فوالده العلامة الشيخ الجليل حسين بن محمد (ت ١٢٢٤) قاضي الدرعية أيام الإمام عبد العزيز بن محمد (ت ١٢١٨) وإخوته علي وعبد الرحمن وحمد وعبد الملك كلهم علماء أجلاء ورجال نجباء (١).

стр. 12308

شيوخه: قرأ على العديد من علماء عصره منهم والده (١) وعمه العلامة عبد الله بن محمد (٢) (ت ١٢٤٣) وابن عمه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٣) (ت ١٢٨٥).

стр. 12309

أعماله: تولى القضاء بمدينة الرياض في عهد الإمام تركي بن عبد الله (١) (ت ١٢٤٩).

стр. 12310

وفاته: لم تطل مدته فاخترمته المنية وهو بعد في ريعان الشباب سنة ١٢٤٥ (١) هـ

стр. 12311

أولاده: له من الأبناء الشيخ عبد الله. وصفه ابن بشر بأنه الشيخ العالم الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، تفقه على ابن عمه الشيخ عبد الرحمن بن حسن واستعمله الإمام فيصل بن تركي (ت ١٢٨٢) قاضيا في بلد منفوحة. والشيخ حسين. يقول عنه ابن بشر: وهو إلى الآن في الطلب يترقى (١) وقد انقرضت ذريته الآن (٢)

стр. 12312

آثاره العلمية: له مسائل وفتاوى في التوحيد والأصول والفقه، نشر بعضها ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية التي رتبها الشيخ سليمان بن سحمان وأشرف على طباعتها الأستاذ رشيد رضا سنة ١٣٤٦هـ على نفقة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وهي مفرقه في الجزء الأول من صفحة ٤٢٦ إلى صفحة ٤٨١. وفي الجزء الرابع من صفحة ٧٤٠ إلى صفحة ٧٧٣.

стр. 12313

وصف النسخ: اعتمدت في تحقيق الرسالة على نسختين إحداهما: بعنوان فصل الجواب عن استحقاق المتأخر فضل الصحاب، وتقع في خمس ورقات من القطع الصغير ومسطراتها ١٨ سطرا. عثرت عليها ضمن أوراق بمكتبة الشيخ المعمر عبد العزيز بن صالح بن مرشد مكتوبة

стр. 12314

سنة ١٢٥٩هـ بقلم الشيخ محمد بن سعد العجيري وعليها بعض الهوامش المنقولة من حفظ المؤلف. وهي نسخة جيدة تامة؛ ولذلك جعلتها أصلا. والثانية: مطبوعة في الجزء الأول من مجموعة الرسائل والمسائل النجدية وتقع في أربع ورقات من صفحة ٤٣٧ إلى صفحة ٤٤٤ ولم يذكر الناشر شيئا عن الأصل الذي اعتمد عليه، وهي نسخة ناقصة سقط من منتصفها ما يوازي ربع الرسالة تقريبا.

стр. 12315

عنوان الرسالة: انفردت النسخة الخطية بذكره وأهملته المطبوعة. وتسمية مثل هذه الرسائل الصغيرة لم يكن معتادا عند أئمة الدعوة مما يؤكد أنه ربما كان من صنع الناسخ. وعلى أية حال فهو عنوان مطابق بوجه عام لمضمونها فأثبته كما جاء في المخطوطة.

стр. 12316

التوثيق: أشار المؤلف إلى اسمه في صدر الرسالة، كما أنه قد أثبت ذلك على طرة المخطوط ولم يذكر فيما سوى ذلك. وإذا علمنا أن كتب التراجم أغفلت ترجمته على انفراد وكل ما وصلنا عنه نتف مفرقة استأثر عنوان المجد بالنصيب الأوفر منها تبين لنا السبب في عدم نسبته إليه.

стр. 12317

منهج التحقيق: حاولت بقدر الإمكان أن يخرج النص على هيئة أقرب ما تكون إلى الصورة التي تركها المؤلف، وقمت بعزو الآيات وتخريج الأحاديث والآثار

стр. 12318

مع نقل ما قاله أهل العلم فيها وترجمت للأعلام ممن يحتاج إلى تعريف إلى غير ذلك مما يتطلبه التحقيق. أسأل الله أن ينفع بها وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله حمدا كثيرا طيبا كما يحب ويرضى. كتبه: الوليد بن عبد الرحمن الفريان. الرياض: ١٥/ ٣ / ١٤٠٩ هـ.

стр. 12319

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمد الله على نعمه وآلائه وأصلي وأسلم على خاتم رسله وأنبيائه من حسن بن حسين إلى الأخ راشد بن مبارك (١). أولاه الله من نعمه وبارك سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وإن تسأل عني، فأحمد إليك الله وأشكره كما شكره الأواه بخير وعافية ونعم وافية، وقد سألت رحمك الله عن مسألتين والخاطر مشغول، وقد آن بحمد الله أن نشرع في الجواب. المسألة الأولى: ما معنى (٢) قوله ﷺ في حديث أبي ثعلبة «وللعامل منهم أجر خمسين) قيل: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: (أجر خمسين منكم (٣)». كيف ساووا الصحابة ﵃ وهم أفضل الناس، ولن يبلغ من بعدهم أدنى درجة من درجاتهم؟

стр. 12320

فالجواب وبالله التوفيق: اعلم أولا أن الحديث المشار إليه، خرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، كلهم من طريق عتبة بن أبي حكيم (١) عن عمرو بن جارية عن أبي أمية الشعباني عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) أما والله قد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا بد لك منه -وفي بعضها -لا يدان لك به، فعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العوام فإن وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهن كان كمن قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله)، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: (أجر خمسين منكم) (٦)».

стр. 12321

وعتبة هذا، قال الحافظ المنذري (١) في مختصر السنن لأبي داود: هو [أبو] (٢) العباس بن أبي حكيم الهمداني الشامي وثقه غير واحد، وضعفه (٣) غير واحد (٤) (٥). قلت: وقد حكم الترمذي على هذا الحديث بأنه حسن غريب (٦). إذا عرفت ذلك، فالمعنى الذي لأجله استحق هذا (٧) الأجر العظيم والثواب، وساوى فضل خمسين من الصحاب؛ إنما هو لعدم المعاون والمساعد على فعل الخير (٨) كما ذكره (٩) أبو سليمان الخطابي (١٠) وأبو الفرج عبد الرحمن بن رجب (١١) وغيرهما فالمستقيم على المنهج السوي والطريق النبوي عند فساد الزمان ومروج الأديان، غريب ولو عند الحبيب، إذ قد توفرت الموانع وكثرت الآفات، وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التغيير في الدين والتبديل، واتباع الهوى والتضليل، وفقد المعين وعز من يلوذ به الموحد (١٢).

стр. 12322

وصار الناس كالشيء المشوب، ودارت بين الكل رحى الفتن والحروب، وانتشر شر المنافقين وعيل صبر المتقين، وتقطعت أسباب (١) المسالك للسالك (٢) وترادفت الضلالات والمهالك، ومنع الخلاص ولات حين مناص. فالموحد بينهم أعز من الكبريت الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا داع (٣) ولا قابل لما يقول ولا واع (٤)، قد نصبت له رايات الخلاف ورمي بقوس العداوة والاعتساف، ونظرت إليه شزرا العيون (٥). وأتاه الأذى من كل منافق مفتون (فاشتدت عليه الكربة) (٦) واستحكمت له الغربة، وأفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام وعراه من الانثلام (٧) والباطل قد اضطرمت ناره، وتطاير في الآفاق شراره، ومع هذا كله / فهو على الدين الحنيف مستقيم ولحجج الله [١ / ب] وبراهينه مقيم. فبالله قل لي: هل يصدر هذا إلا عن يقين (٨) وصدق راسخ في الجنان، وكمال توحيد وصبر وإيمان (٩) ورضى وتسليم لما قدره الرحمن، وقد وعد الله الصابرين جزيل الثواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١٠). وقد قال بعض العلماء رحمه الله تعالى: من اتبع القرآن والسنة وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة لم يسبقه الصحابة إلا بكونهم رأوا رسول الله ﷺ انتهى. وفي ذلك الزمان فالكل له أعوان وإخوان

стр. 12323

ومساعدون ومعاضدون، ولهذا قال علي بن المديني ﵀ كما ذكره عنه ابن الجوزي في صفة (١) الصفوة - ما قام أحد بالإسلام بعد رسول الله ﷺ ما قام أحمد بن حنبل! قيل: يا أبا الحسن، ولا أبو بكر الصديق؟!. قال: إن أبا بكر الصديق له (٢) أصحاب وأعوان، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب. انتهى (٣). وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟. قال: (النزاع من القبائل (٥)». ورواه أبو بكر الآجري الحنبلي (٦) وعنده: «قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس (٧)».

стр. 12324

ورواه غيره: قال: «الذين يفرون بدينهم من الفتن (١)». ورواه الترمذي عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده (٢) عن النبي ﷺ بلفظ: «الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي (٣)». ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص (٤) [٢ / أ]، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال «طوبى للغرباء!) قيل: ومن الغرباء؟ قال: (قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم (٥)». قال الأوزاعي (٦) في تفسيره (٧): أما أنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة، حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد أو رجلان (٨). وروى البخاري عن

стр. 12325

مرداس الأسلمي. . . (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يذهب الصالحون الأول ويبقي حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله باله (٢)». وكان الحسن البصري ﵀ يقول لأصحابه: يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل (٣) الناس (٤). وقال يونس بن عبيد (٥): ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها (٦). وروى أبو القاسم الطبراني وغيره -بإسناد فيه نظر- (٧) من حديث (٨) أبي أمامه الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء إقبالا وإدبارا وإن لهذا الدين إقبالا وإدبارا، وإن من إقبال الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قمعا وقهرا واضطهدا، ألا وإن من إدبار الدين أن تجفوا القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفقيه والفقيهان وهما مقهوران ذليلان إن تكلما فأمرا بمعروف ونهيا عن منكر قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على الحق أعوانا وأنصارا (٩)» وروى الطبراني
следующие страницы →