← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

وعتبة هذا، قال الحافظ المنذري (١) في مختصر السنن لأبي داود: هو [أبو] (٢) العباس بن أبي حكيم الهمداني الشامي وثقه غير واحد، وضعفه (٣) غير واحد (٤) (٥). قلت: وقد حكم الترمذي على هذا الحديث بأنه حسن غريب (٦). إذا عرفت ذلك، فالمعنى الذي لأجله استحق هذا (٧) الأجر العظيم والثواب، وساوى فضل خمسين من الصحاب؛ إنما هو لعدم المعاون والمساعد على فعل الخير (٨) كما ذكره (٩) أبو سليمان الخطابي (١٠) وأبو الفرج عبد الرحمن بن رجب (١١) وغيرهما فالمستقيم على المنهج السوي والطريق النبوي عند فساد الزمان ومروج الأديان، غريب ولو عند الحبيب، إذ قد توفرت الموانع وكثرت الآفات، وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التغيير في الدين والتبديل، واتباع الهوى والتضليل، وفقد المعين وعز من يلوذ به الموحد (١٢).

стр. 12322

وصار الناس كالشيء المشوب، ودارت بين الكل رحى الفتن والحروب، وانتشر شر المنافقين وعيل صبر المتقين، وتقطعت أسباب (١) المسالك للسالك (٢) وترادفت الضلالات والمهالك، ومنع الخلاص ولات حين مناص. فالموحد بينهم أعز من الكبريت الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا داع (٣) ولا قابل لما يقول ولا واع (٤)، قد نصبت له رايات الخلاف ورمي بقوس العداوة والاعتساف، ونظرت إليه شزرا العيون (٥). وأتاه الأذى من كل منافق مفتون (فاشتدت عليه الكربة) (٦) واستحكمت له الغربة، وأفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام وعراه من الانثلام (٧) والباطل قد اضطرمت ناره، وتطاير في الآفاق شراره، ومع هذا كله / فهو على الدين الحنيف مستقيم ولحجج الله [١ / ب] وبراهينه مقيم. فبالله قل لي: هل يصدر هذا إلا عن يقين (٨) وصدق راسخ في الجنان، وكمال توحيد وصبر وإيمان (٩) ورضى وتسليم لما قدره الرحمن، وقد وعد الله الصابرين جزيل الثواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١٠). وقد قال بعض العلماء رحمه الله تعالى: من اتبع القرآن والسنة وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة لم يسبقه الصحابة إلا بكونهم رأوا رسول الله ﷺ انتهى. وفي ذلك الزمان فالكل له أعوان وإخوان

стр. 12323

ومساعدون ومعاضدون، ولهذا قال علي بن المديني ﵀ كما ذكره عنه ابن الجوزي في صفة (١) الصفوة - ما قام أحد بالإسلام بعد رسول الله ﷺ ما قام أحمد بن حنبل! قيل: يا أبا الحسن، ولا أبو بكر الصديق؟!. قال: إن أبا بكر الصديق له (٢) أصحاب وأعوان، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب. انتهى (٣). وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟. قال: (النزاع من القبائل (٥)». ورواه أبو بكر الآجري الحنبلي (٦) وعنده: «قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس (٧)».

стр. 12324

ورواه غيره: قال: «الذين يفرون بدينهم من الفتن (١)». ورواه الترمذي عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده (٢) عن النبي ﷺ بلفظ: «الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي (٣)». ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص (٤) [٢ / أ]، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال «طوبى للغرباء!) قيل: ومن الغرباء؟ قال: (قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم (٥)». قال الأوزاعي (٦) في تفسيره (٧): أما أنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة، حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد أو رجلان (٨). وروى البخاري عن

стр. 12325

مرداس الأسلمي. . . (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يذهب الصالحون الأول ويبقي حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله باله (٢)». وكان الحسن البصري ﵀ يقول لأصحابه: يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل (٣) الناس (٤). وقال يونس بن عبيد (٥): ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها (٦). وروى أبو القاسم الطبراني وغيره -بإسناد فيه نظر- (٧) من حديث (٨) أبي أمامه الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء إقبالا وإدبارا وإن لهذا الدين إقبالا وإدبارا، وإن من إقبال الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قمعا وقهرا واضطهدا، ألا وإن من إدبار الدين أن تجفوا القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفقيه والفقيهان وهما مقهوران ذليلان إن تكلما فأمرا بمعروف ونهيا عن منكر قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على الحق أعوانا وأنصارا (٩)» وروى الطبراني

стр. 12326

أيضا عن ابن مسعود ﵁ في ذكر أشراط الساعة قال: «وإن من أشراطها أن يكون المؤمن [٢ / ب] في القبيلة أذل من النقد (١)». والنقد: هي الغنم الصغار (٢). . . وروى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر (٣)». . . وروى الحافظ ابن عساكر عن أنس أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته (٤)». وروى الحافظ ابن أبي الدنيا عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء. قيل مم ذلك يا رسول الله؟ قال: مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره (٥)». وقال ابن مسعود: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمة (٦). فقد تبين بما أوردناه، واتضح مما قررناه، وظهر مما سطرناه: ما سأل عنه السائل وفقه الله.

стр. 12327

وإلى هذا الذي ذكرنا أشار ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية حيث قال: فالحائز الخمسين أجرا لم يحز ... ها في جميع شرائع الإيمان هل حازها في بدر أو أحد (١) ... أو الفتح المبين وبيعه الضوان بل حازها إذا كان قد عدم المعين ... وهم فقد كانوا أولي أعوان والرب ليس يضيع ما يتحمل ... المتحملون لأجله من شأن فتحمل العبد الوحيد (٢) رضاه مع ... فيض العدو وقلة الأعوان مما يدل على يقين صادق ... ومحبة وحقيقة العرفان في كل يوم فرقة تغزوه إن ... يرجع (٣) يوافيه الفريق الثاني (٤) فسل الغريب المستضام عن الذي ... يلقاه بين عدأ بلا حسبان

стр. 12328

هذا وقد بعد المدى وتطاول ال ... عهد الذي هو موجب الإحسان ولذاك كان كقابض جمرا (١) فسل ... أحشاءه (٢) عن حر ذي النيران والله أعلم بالذي في قلبه ... يكفيه علم الواحد المنان في القلب أمر ليس يقدر قدره ... إلا الذي آتاه للإنسان بر وتوحيد وصبر مع رضى ... والشكر والتحكيم للقرآن سبحان قاسم فضله بين العباد ... فذاك مولى الفضل والإحسان (٣)

стр. 12329

فصل: وقد ورد في فضل القائم بالسنة ومضاعفة الأجر له عند فساد الزمان غير ما تقدم. فروى الطبراني في الأوسط (٧٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي له أجر شهيد (١)»

стр. 12330

وروى مسلم في صحيحه عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي (١)». وعن الحسن البصري ﵀ قال: لو أن رجلا من الصدر الأول بعث ما عرف من الإسلام شيئا إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لئن عاش إلى (٢) هذه المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعه، وصاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله. وقلبه يحن إلى ذلك السلف ويتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبيلهم كان له أجر عظيم) وروى المبارك بن فضالة (٣) -أحد علماء الحديث بالبصرة - عن الحسن (٤) البصري: (أنه ذكر الغني المترف الذي له سلطان يأخذ المال ويدعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال الذي خرج بسيفه (٥) على المسلمين وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين. ثم قال: سنتكم -والله الذي لا إله إلا هو- بينهما وبين (٦) الغالي [٣ / ب] والجافي والمترف والجاهل فاصبروا عليها؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس الذين لم يأخذوا مع أهل الأتراف أترافهم (٧)، ولا مع أهل البدع أهواءهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم فكذلك فكونوا إن شاء الله.

стр. 12331

ثم قال: (والله لو أن رجلا أدرك هذه المنكرات يقول هذا: هلم إلي أو يقول هذا: هلم إلي!! فيقول لا أريد [إلا] (١) سنة محمد ﷺ : يطلبها ويسأل عنها. إن هذا [ليعرض له] (٢) أجر (٣) عظيم. فكذلك فكونوا إن شاء الله (٤). وعن مورق (٥) ﵀ قال: المتمسك بطاعة الله إذا جبب (٦) الناس عنها كالكار بعد الفار. قال أبو السعادات ابن الأثير في النهاية: أي إذا ترك الناس الطاعات ورغبوا عنها (٧). كان المتسمك بها له ثواب كثواب الكار في الغزو بعد أن فر الناس عنه.

стр. 12332

فصل: ولنذكر طرفا مما ورد (١) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ له تعلق بما تقدم. قال الله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) وقال تعالى

стр. 12333

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وقال تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤). والآيات في هذا الباب كثيرة. وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [٤ / أ] سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٥)». وروى مسلم أيضا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٦)». وروى (٧) الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله تعالى بعذاب

стр. 12334

من عنده) فقلت: يا رسول الله! أما فيهم يومئذ صالحون! قال: (بلى!) قلت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: (يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان (٢)». وروى البخاري ومسلم (٣) «عن زينب بنت جحش قالت: قلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: (نعم! إذا كثر الخبث (٤)» وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم تدعون فلا يستجاب لكم (٥)». وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبي عبيدة بن عبد الله بن (٦) مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيرا فإذا كان

стр. 12335

الغد: جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا. أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم (١)». وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: كنت عاشر عشرة -رهط من المهاجرين- عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا بوجهه فقال: «يا معشر المهاجرين. خمس خصال! وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها، إلا ابتلاهم الله بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم من المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيدهم. وما لم يعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل بأسهم بينهم (٢)»

стр. 12336

وروى البخاري عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا!. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا (١)» قال النووي: القائم في حدود الله معناه: المنكر لها، القائم في [٥ / أ] دفعها وإزالتها والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه (٢). انتهى والأحاديث في هذا كثيرة، قد أفردنا لها رسالة مستقلة (٣) وجمعنا فيها جميع ما ورد، وتقنصنا (٤) سائر ما شرد ولله الحمد فلتراجع.

стр. 12337

المسألة الثانية: سألت عن قول الجد (١) ﵀ في ثماني الحالات: كما جرى لسعد مع أمه! ما الذي جرى لسعد مع أمه؟؟ فالجواب: سعد: هو ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة ﵁. وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أبي أمية وقصته معروفة. قال الحافظ الطبراني: حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن سعد ﵁ قال: كنت بارا

стр. 12338

بوالدتي، فقالت لي أمي: يا سعد! ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟! لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب [ولا أستظل] (١) حتى أموت. فتعير بي. ويقال: قاتل أمه. فقلت لا تفعلي يا أمه؛ فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوما وليلة لا تأكل ولا تشرب ولم تستظل. فأصبحت وقد اشتد جهدها، فمكثت يوما آخر وليلة لا تأكل فأصبحت وقد اشتد جهدها. فقلت: يا أمه، والله لو كان لك مائة نفس! فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء. فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فأكلت. ورواه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه وزهير بن حرب حدثنا الحسن بن موسى حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب حدثني مصعب بن سعد عن أبيه فذكره بنحو هذا السياق وفيه: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا (٢) فاها بعصا، ثم أوجروها (٣) فنزلت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٤) الآية. وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

стр. 12339

الخلوة وما يترتب عليها من أحكام فقهية بقلم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن الطريفي الأستاذ المشارك بقسم الدراسات الإسلامية بالكلية المتوسطة بالرياض مقدمة في أهمية المحافظة على أعراض المسلمين وسد باب الفساد الموصل إليها . جاء الإسلام لحفظ الضروريات الخمس، ومنها حفظ النسل فصان العرض وحماه بمنع اختلاط الأنساب ومنع الفاحشة المؤدية إلى ذلك فقال سبحانه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١). ولما كان للزنا وسائله وذرائعه فقد حرم كل وسيلة موصلة إليه، باعتبار أن المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، فالطرق

стр. 12340

والأسباب تعد تابعة لها في الحرمة، فوسائل المحرمات والمعاصي يكون حكمها في المنع الكراهية بحسب إفضائها إلى غايتها وارتباطاتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها، ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه، وإباحة الوسائل والذرائع المفضية إلى الحرام غير مقبولة؛ لأن ذلك لو قبل لكان من باب التناقض، وفيه إغراء للنفوس بارتكاب الحرام، وحكمة التشريع تأبى ذلك كل الإباء. فلو نظرنا إلى حال ملوك الدنيا لوجدناهم يأبون منع جندهم أو رعيتهم أو أهلهم من شيء ثم يباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه، ولو فعل ذلك لعد من باب التناقض وحصل من الرعية والجند ضد ما هو مقصود. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. وإذا كان هذا هو حال أهل الدنيا فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة، والمصلحة، والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها (١). ومن هذه الذرائع ما ثبت عنه ﷺ من تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ومن في حكمها ولو في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين، سدا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع (٢)، وحسما لمادة وسائل الفساد ودفعا لها، متى ما كان الفعل وسيلة لمفسدة، وإن كان منها سالما في فترة من الفترات (٣)

стр. 12341

الفصل الأول: تعريف الخلوة وبيان المراد بها الخلوة في اللغة: يقال: خلا المكان والشيء إذا لم يكن فيه أحد. ويقال: خلا الرجل إذا وقع في موضع خال لا يزاحم فيه. كما يقال: اخل بأمرك أي تفرد به وتفرغ له، وخلا الرجل بصاحبه وإليه ومعه. والخلوة الاجتماع معه في خلوة قال تعالى ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ (١) ويقول الرجل لرجل: اخل معي حتى أكلمك أي كن معي خاليا (٢) وفي المعجم الوسيط (٣). (الخلوة مكان الانفراد بالنفس أو بغيرها. والخلوة الصحيحة في الفقه: إغلاق الرجل الباب على زوجته وانفراده بها). قال ابن مفلح في كتابه الفروع (٤): " الخلوة هي التي تكون في البيوت أما الخلوة في الطرقات فلا تعد من ذلك ". قلت: ويدخل في حكم البيوت كل مكان فيه مانع لدخول الغير، لسبب مقصود أو غير مقصود، كغرف المكاتب والعيادات الطبية، وغرف التصوير والسيارات وهلم جرا.

стр. 12342

الفصل الثاني: أحكام الخلوة والسفر بالمرأة الأجنبية وفيه مطلبان: المطلب الأول: الخلوة بالأجنبية وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: المراد بالمرأة الأجنبية . المرأة الأجنبية هي من ليس بزوجة ولا ذات قرابة محرمة للنكاح بسبب مباح أو نسب. ولذلك نرى العلماء جعلوا زوجة الأخ في حكم الأجنبية (١)، وكذلك بنت الزنا سواء كانت من مائه أو من ماء غيره (٢)، والمخطوبة تعد هي الأخرى في حكم الأجنبية فلا تصح بهن الخلوة لعدم المحرمية، والمخطوبة لم يرد الشرع إلا بحل النظر إليها. أما الخلوة بها فبقيت على التحريم، لأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور، ولا سيما في زمن يقل فيه وازع الإيمان، ويكثر به الفساد وقد ورد عن جابر ﵁ (٣) أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان (٤)» كما يعد في حكم الأجنبيات بنات العم، وبنات الخال فلا يحل لأي مما مضى الخلوة بهن، أو الدخول عليهن، إلا إذا دخل مع غيره من المحارم من غير خلوة ولا ريبة (٥)

стр. 12343

المبحث الثاني: في حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية . اتفق جميع العلماء على حرمة خلو الرجل بامرأة ليست له زوجة، ولا ذات رحم محرم. وهذه الحرمة مطلقة، سواء أمنت الفتنة أو لم تؤمن، وسواء وجدت العدالة أو لم توجد. قال السنامي في نصاب الاحتساب (١): " ويحتسب على الرجل والمرأة إذا كانا في خلوة وكانا أجنبيين. . . إلا إذا كان له على المرأة حق، فله أن يلازمها ويجلس معها، ويقبض على ثيابها، وهذا ليس بحرام، فإن هربت وخلت الخربة فأراد الرجل أن يدخل تلك الخربة لا بأس به، إذا كان الرجل يأمن على نفسه من ذلك، فيكون بعيدا عنها يحفظها بعينه، لأن هذه الخلوة ضرورة ". وقد أوجب العلماء نهي النساء عن اجتماعهن مع الرجال، اجتماع ملاصقة، لأن ذلك محرم، واستباحته كفر، وفعله مع الاعتقاد بتحريمه عصيان لله (٢)، وأطلقوا حرمة الخلوة مع الشهوة فحرموا الخلوة بكل حيوان يشتهي المرأة وتشتهيه كالقرد (٣) والخلوة بشهوة لرجل مع رجل أو امرأة مع امرأة (٤)، ولذلك حرموا خلوة النساء بعضهن ببعض إذا خيف عليهن المساحقة انظر (٥)

стр. 12344

المبحث الثالث: الخلوة لغرض التعليم والعلاج. طلب العلم يعد من الأمور المشروعة لكن إذا صاحبه أمر محرم حرم، لا لذاته وإنما للأمر المحرم المصاحب له. ولذا نرى علماء المالكية يرون حرمة مباشرة الرجال للنساء لغرض تعليمهن، وقالوا: إن مسؤولية تعليم البنت على أبيها ثم على زوجها، ولا يجوز لهما إنابة الأجنبي في ذلك، لأن مثل هذه الإنابة لا تصح مطلقا، ولا يعني هذا منعهن من سؤال العلماء فالسؤال جائز لكن من وراء حجاب كما أمر الله تعالى (١) فالعالم لا بأس أن تأتيه الأجنبية إلى منزله، فتسأل بمحضر زوجته أو ابنته. فيجيبها بما عنده، وهو يكف بصره عن النظر إليها بشرط أن لا يسمع منها إلا ما لسماعه ضرورة من حديثها (٢)، ويرى الشافعية حرمة الخلوة بالأجنبية لغرض التعليم مع الشهوة مطلقا وإن وجد محرم، وأجازوها بوجود محرم إذا أمنت الفتنة (٣). أما الخلوة للعلاج فحرام عندهم إذ قالوا بعدم جواز الخلوة بالمرأة للعلاج إلا بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة على القول الراجح عندهم بجواز خلوة أجنبي بامرأتين (٤).

стр. 12345

والحنابلة منعوا الخلوة بالمرأة لغرض التعليم أو العلاج (١) إلا بحضور محرم أو زوج لأنه لا يأمن مع الخلوة مواقعة المحظور لما ورد عنه ﷺ من حديث جابر ﵁ (٢) مرفوعا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم فإن ثالثهما الشيطان (٣)» ومما مضى نعلم أن الفقهاء قرروا حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية لغرض التعليم والعلاج غير أن الشافعية أجازوا الخلوة -لأجل التعليم- بأكثر من امرأة إذا أمنت الفتنة. لكنني لا أذهب إلى رأي الشافعية لإمكانية تعليم الرجل للنساء عن طريق الرائي المغلق، وقول الشافعية بخلوة رجل بامرأتين فأكثر قد يكون له وجه في العلاج إذا تعذر وجود المحرم لبعض الحالات فيجوز للحاجة بشروطها وهي أمن الفتنة ووجود عدد من النساء الثقات يتعذر من وجودهن مواطأة الفاحشة ووجه استثناء العلاج لأن بعض حالات العلاج قد يصعب وجود المحضر كالعمليات الجراحية التي يتعذر وجود محرم في أثنائها فإنقاذ المرأة واجب فيكتفى لتحصيل هذا الواجب بأدنى درجات الأمن.

стр. 12346

المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة الكبيرة. ذهب الحنفية إلى أن العجوز الشوهاء تعد في حكم الأجنبية فيحرم على الرجل الشاب الخلوة بها كما يحرم على غيره (١). وبهذا قال الشافعية فلم يعتبروا الجمال، لأن الطبع يميل إليها فضبط التحريم بالأنوثة (٢).

стр. 12347

وهو القول الصحيح عند الحنابلة إذ قالوا بحرمة الخلوة بالأجنبية ولو كانت عجوزا شوهاء (١). أما المالكية فيرون جواز خلوة الشيخ الهرم بالمرأة الشابة أو المتجالة (٢) وكذلك خلوة الشاب بالمرأة المتجالة (٣) وهذا هو القول الثاني عند الحنابلة (٤). قلت: وضبط حرمة الخلوة بالأنوثة أولى لانضباط العلة فهي لا تختلف باختلاف محالها، ومن السهل التحقق من وجودها، أما الجمال فلا يمكن ضبطه لاختلافه باختلاف الأحوال والأشخاص بل ويختلف في نظرة الناس، باعتبار هذا جمالا، أو ليس بجمال فالجميل قد يكون عند البعض قبيحا، والقبيح قد يكون عند آخر جميلا، وكما يقال لكل ساقطة في الحي لاقطة.

стр. 12348

المبحث الخامس: الخلوة بذوي العيوب المانعة من النكاح. يرى الحنفية أن الشيخ الذي لا يجامع مثله بمنزلة المحرم (١) فتصح الخلوة معه. وذهب الشافعية إلى أن الخصي والمجبوب والمخنث والشيخ الفاني، يعد كل منهم في حكم الأجنبي بخلاف الممسوح ذكره وأنثياه الذي لا ميل له للنساء، فتصبح الخلوة معه لانتفاء مظنه الفتنة، غير أنه يشترط أن يكون مسلما عفيفا (٢). ومنع الحنابلة المرأة من الخلوة بالخصي والمجبوب، لأن العضو وإن تعطل أو عدم فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقبل وغيرها.

стр. 12349

وكذا لا يباح خلوة الرجال بالرتقاء من النساء لهذه العلة (١)

стр. 12350

المبحث السادس: خلوة الرجل بأكثر من امرأة ذهب الحنفية إلى حرمة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية وإن كان معها أخرى. وفي إمامة البحر عن الإسبيجاني (ويكره أن يؤم النساء وليس معهن رجل ولا محرم، ولا امرأة هو محرم لها) فعلة الكراهية التحريمية هنا الخلوة وهذا النص يفيد أن الخلوة لا تنتفي بوجود امرأة أخرى ولا تعتبر من محارم الرجل مما يدل على عدم صحة خلوة الرجل بامرأة أخرى وإن وجدت معها امرأة ثقة (١). ومنع الشافعية الخلوة بالمرأة إذا لم يوجد معها امرأة ثقة وعند الحنابلة يحرم خلوة الرجل مع عدد من النساء (٢) وأجاز المالكية خلوة الرجل بالمرأتين (٣) وقيد الشافعية الجواز بكون مع الرجل امرأة ثقة فقالوا بجواز الخلوة للعلاج ونحوه لأن المرأة تستحي من الأخرى، فلا تمكن من نفسها بحضرة غيرها فاستحياؤها أكثر من استحياء الرجل بشرط أن تكون المرأة ثقة، فالمرأة قد لا تستحي من غير الثقة فإذا لم يكن ثقات فلا تصح الخلوة (٤). والجواز قول عند الحنابلة إذا وجدت امرأة ثقة قادرة على الحماية والرعاية (٥) قلت: وعلى القول باشتراط المرأة الثقة لإباحة الخلوة لا بد من شرطين آخرين:

стр. 12351

١ - الحاجة لهذه الخلوة فإن لم توجد حاجة فلا تصح. ٢ - تعذر وجود المحرم بسبب مشروع وإلا فالقول بالحرمة المطلقة أولى.

стр. 12352

المبحث السابع: خلوة المرأة بأكثر من رجل. ذهب الشافعية إلى حرمة خلوة رجلين أو رجال بامرأة ولو بعدت مواطأتهم على الفاحشة؛ لأن الرجل قد يمن من نفسه فعل الفاحشة بحضرة (١) الآخر وبهذا قال الحنابلة في الراجح عندهم إذ تحرم خلوة الأجانب بالأجنبية وليس فيهم محرم وهذا هو القول المشهور في المذهب (٢) وقيد المالكية منع خلوة الرجلين بالمرأة إن كانا أحدهما شابا، لأن معهما شيطانين ومع المرأة شيطان (٣) والحنفية قالوا: تنتفي الخلوة بوجود رجل آخر إذ قالوا " يكره للرجل أن يؤم النساء في بيت وليس معهن رجل ولا محرم ومعنى هذا جواز خلوة الرجلين بالمرأة" (٤). قلت: ومذهب الحنفية قد لا يدل على حل خلوة الرجلين بالمرأة إذ أنهم قالوا بذلك إذا كن أكثر من امرأة فلا بد من رجلين معهن وهي حالة من حالات الخلوة فالرجل الواحد لا يكفي مع عدد من النساء، والحنابلة قالوا يتوجه وجه بجواز خلوة الرجال بالأجنبية لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: لم أر إلا خيرا فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله -صلى الله

стр. 12353

عليه وسلم- على المنبر فقال: لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أول اثنان (٢)» قال النووي: المغيبة هي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد. . ثم إن ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك (٣). قال القاضي تعليقا على هذا الوجه القائل بجواز خلوة الرجال بالأجنبية " من عرف بالفسق منع من الخلوة بالأجنبية والأشهر والتحريم مطلقا وذكره جماعة إجماعا" (٤). قلت: والمنع أولى من القول بالجواز وهو الأحوط لصيانة العرض وأبعد عن الريبة وأسلم للذمة.

стр. 12354

المبحث الثامن: الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية: بعد أن علمنا حقيقة الخلوة وما يتفرع عنها من أحكام قررت تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية في جميع حالاتها السابقة فما هوا المستند الشرعي لذلك؟ لقد حصل تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية باتفاق المسلمين (١) وقد دلت على ذلك النصوص الشرعية ومنها: ١ - ما ورد عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم فإن ثالثهما الشيطان (٢)».

стр. 12355

ففي هذا الحديث بيان أن من مقتضى الإيمان عدم الخلوة بالأجنبية، لا سيما وأن في الخلوة مشاركة للشيطان في هذا الاجتماع، وهو لا يوجد إلا ليوقع في الحرام، مما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية. ٢ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم (١)». ففي هذا الحديث نهى عن المبيت عند المرأة الأجنبية والمبيت يقتضي الخلوة وهذا النهي يقتضي التحريم مما يدل على حرمة الخلوة بالأجنبية. ٣ - عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال «إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت (٣)» ففي هذا الحديث نهي عن الدخول على النساء، والدخول يعني الخلوة بهن والنهي يقتضي التحريم، مما يدل على حرمة الخلوة بالأجنبية. جاء في فيض القدير أثناء شرحه لهذا الحديث (وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرز منه أي اتقوا الدخول على النساء ودخول النساء عليكم وتضمن منع الدخول منع الخلوة بالأجنبية من باب أولى والنهي ظاهر العلة، والقصد به غير ذوات المحرم. . أي دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة فهو محرم شديد التحريم، وإنما بالغ في الزجر بتشبيهه بالموت لتسامح الناس في ذلك حتى كأنه غير أجنبي من المرأة، وخرج هذا مخرج قولهم الأسد الموت أي لقاؤه يفضي إليه، وكذا دخول الحمو عليها

стр. 12356

يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه وقد بالغ مالك في هذا الباب حتى منع ما يجر إلى التهم، كخلوة امرأة بابن زوجها وإن كانت جائزة، لأن موقع امتناع الرجل من النظر بشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعة منه لأمه، هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية وذاك أنست به النفس الشهوانية، والحمو أخو الزوج وقريبه (١) والخوف من الحمو بهذا النهي جاء لأن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكثر، لتمكنه من الوصول إلى المرأة، والخلوة بها من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي (٢). ٣ - لأن الأصل كلما كان سببا للفتنة ينبغي حسم مادته، وسد ذريعته، ودفع ما يفضي إليه إذا لم يكن منه مصلحة راجحة (٣)، مما يدل على حرمة الخلوة بالأجنبية.

стр. 12357

المطلب الثاني: السفر بالمرأة الأجنبية: سفر المرأة بدون محرم لها لا بد أن يقتضي خلوة الغير بها إما أثناء السفر أو بعده فالسفر مظنة الخلوة وإن سافرت مع عدد من النساء أو الرجال في الطائرة أو القطار أو السيارة لذا يحسن بنا أن نعرف مدى حكم سفر المرأة بدون محرم لها فأقول وبالله التوفيق: ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز للحرة أن تسافر بغير محرم، فسفرها مع غير المحرم خلوة محرمة (١).

стр. 12358

وبذلك قال المالكية (١) وقيدوا التحريم بالمرأة الشابة أما المتجالة فيجوز لها السفر بدون محرم. ومنع الشافعية سفر المرأة بدون محرم لها (٢) وبذلك قال الحنابلة (٣) حتى مع الأمن فقالوا: يحرم على الرجل السفر بأخت زوجته ولو كانت أختها برفقتها مع زوجها (٤). ويرى الحنفية حرمة سفر المرأة ثلاثة أيام فما فوقها بدون محرم واختلفت الروايات عندهم فيما دون ذلك. قال أبو يوسف ﵀: كره لها أن تسافر يوما بغير محرم وهكذا روي عن أبي حنيفة ﵀. قال الفقيه أبو جعفر واتفقت الروايات في الثلاث أما ما دون الثلاث فهو أهون من ذلك (٥). قلت: الأولى منع السفر بدون محرم ولو دون الثلاث، لأن الأزمان تتغير فيكثر الفساق وتنتشر الذئاب الآدمية، والمرأة لا بد لها من حصن يحفظها، وكيف لها ذلك بدون محرم يمنع عنها الردى وتعدي الفساق. ولذلك قال الحنفية: لا يجوز للمرأة أن تسافر مع نساء ثقات لخشية وقوع الفتنة معهم لعدم إمكان استعانتهن بالمفازة بأحد من جماعة المسلمين (٦) فما دون الثلاث مفازة.

стр. 12359

أما سفر المرأة للحج بدون محرم. فبعض الحنفية يرى جواز سفر المرأة مع رجال صالحين (١). وأجاز المالكية سفرها بدون محرم للحج خاصة وقالوا: إذا لم يكن محرم فتخرج مع جماعة النساء (٢) وقيد بعضهم الجواز أن تكون الرفقة مأمونة وإلا لم يجز (٣). وبهذا قال الشافعية فيصح للمرأة أن تسافر للحج مع نساء ثقات، بأن بلغن وجمعن صفات العدالة وإن كن إماء، لانقطاع الأطماع باجتماعهن، فلا تكفي المراهقات إلا أن جعل معهن الأمن، وغير الثقات لا يصح أن تسافر معهن للحج، لأن الفاسقة لا تأنف من منع محرمها بخلاف الرجل وقيل: لا بد من ثلاث نسوة. وقيل: يكفي اثنتان غيرها (٤) والقول الأخير لا يصح، لأنه بذهاب واحدة منهن يخشى على الباقية (٥). وقرر الشافعية أن الواجب عليها الخروج مع واحدة لغرض الحج أو العمرة، بل أجازوا خروجها لوحدها إذا تيقنت الأمن وهو محمل الأخبار الدالة على حل سفرها.

стр. 12360

أما سفرها لغير فرض الحج فحرام مع النسوة مطلقا، وإن قصر السفر أو كانت شوهاء، إذ لا واجب هنا حتى يغتفر لمصلحة تحصيله الاكتفاء بأدنى مراتب الأمن (١). وجعلوا في حكم المحرم جواز سفرها مع الممسوح ذكره وأنثياه ولم يبق فيه ميل للنساء، لانتفاء مظنة الفتنة، لكن بشرط أن يكون مسلما عفيفا (٢). أما الحنابلة فيرون حرمة سفر المرأة مع غير محرمها مطلقا للحج وغيره، فلا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم (٣). ومن يرى أن المرأة يجوز لها السفر للحج بلا محرم فقد استدل بما يلي: أولا: بما روي عن ابن عمر ﵁ قال «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: ما يوجب الحج قال:) الزاد والراحلة (٤)». قالوا: فإذا قدرت المرأة على هذه الاستطاعة وجب أن يلزمها الحج ولو بدون محرم ويتأولون خبر النهي على الأسفار التي هي متطوعة بها دون السفر الواجب إذ لا يشترط له محرم.
следующие страницы →