(ب) نفقات تنفيذ قرارات المؤتمر ومهمات المجلس الأعلى العالمي تغطى من الصندوق المركزي للمساجد، ومما تأخذه الرابطة على عاتقها من هذه النفقات في هذا المجال.
(جـ) نفقات المساجد المحلية في كل بلد تغطى كما يلي:
١ - إنشاء المساجد في محل الحاجة وترميمها وصيانتها تقوم بنفقاته وزارات الأوقاف وفروعها الإدارية بحسب ميزانيتها، وتعاون فيه أيضا الصناديق المحلية للمساجد.
٢ - أما نشاطات المساجد المحلية وأداء رسالتها فما كان من قبيل الشعائر والوظائف الأساسية كالأئمة والخطباء والمدرسين والمؤذنين وسائر موظفي المساجد وكمفروشات هذه المساجد مما يقع عادة على عاتق وزارات الأوقاف وفروعها الإدارية فتلتزم به وتتحمله ميزانياتها كالمعتاد. وما كان من نشاطات أخرى كالمحاضرات وتسجيلاتها وتأسيس المكتبات وسائر وجوه النشاط الذي يدخل في رسالة المسجد ووسائلها المتطورة فيتحمله الصندوق المحلي مما يقدمه إليه الصندوق المركزي لهذه الغايات.
стр. 1227
سابعا: فيما يتصل بموضوع التخطيط الهندسي للمساجد
يوصي المؤتمر بما يلي:
١ - اعتبار المسجد مركزا لحياة المجتمع الإسلامي حيث الواجبات الاجتماعية هي امتداد للواجبات الدينية. وعلى هذا الأساس يجب أن يكون موقع المسجد في قلب المدينة أو الحي بارزا سواء كان في القرية أو الحي أو مقر العمل.
٢ - البساطة في التصميم والتنفيذ ومراعاة البيئة التي يشيد فيها المسجد مع استخدام الأساليب الحديثة في مجالات الهندسة والتشييد.
٣ - أن يصمم المسجد ليخدم مجموعة من الأغراض اللازمة لحياة المسلمين مثل:
(أ) أن يكون المصلى مستوفيا للشروط الصحية من تهوية وإضاءة وتدفئة.
(ب) أن يكون للنساء قسم خاص من المصلى يمكن الوصول إليه والخروج منه بدون الحاجة إلى الاختلاط مع الرجال.
(جـ) أن يشمل المسجد إلى جانب المصلى مكتبة وقاعة للمطالعة والمحاضرات وصالات للاجتماعات.
стр. 1228
(د) أن يحتوي المسجد على مكان لتعليم القرآن ولمساعدة الطلاب في دروسهم.
(هـ) أن توجد إلى جوانبه ملاعب وصالات لرعاية الصغار أثناء أوقات فراغهم وخاصة العطلات الصيفية.
(و) أن يجهز قسم بالمعدات الخاصة لتعليم النساء أمور التدبير المنزلي.
(ز) أن يلحق به مستوصف لمعالجة الحالات البسيطة وكذلك غرفة معدة لتغسيل وتكفين الموتى.
(ح) من الضروري عند التصميم مراعاة حرمة المساجد بحيث لا تجاور أماكن اللهو وما من شأنه أن ينال من حرمة بيوت الله.
(ط) - وجود أماكن للضيافة ملحقة بالمسجد.
٤ -
١ - أن تقوم رابطة العالم الإسلامي بحث الجهات المسئولة عن بناء المساجد في العالم الإسلامي على تحسين وتطوير الأجهزة الفنية التي تشرف على بناء المساجد بها وعلى إعطاء العناية اللائقة بأعمال تصميم المساجد.
٢ - أن تقوم رابطة العالم الإسلامي بحث الجهات المسئولة عن بناء المساجد في العالم الإسلامي على طرح تصميمات المساجد الرئيسية التي تزمع تشييدها في مسابقات بين المعماريين المسلمين.
٣ - أن تتبنى رابطة العالم الإسلامي مسابقات معمارية في مجال تصميم المساجد على اختلاف مستوياتها وذلك على مستوى المعماريين المسلمين.
стр. 1229
ثامنا: فيما يتعلق بموضوع المسجد الأقصى
يوصي المؤتمر بما يلي:
أولا. العمل على تقوية روح الجهاد عند المسلمين، وبذل الجهود في سبيل تشكيل كتائب الجهاد الإسلامية لاستنقاذ المقدسات بالتعاون مع المجاهدين من أجل فلسطين.
ثانيا. العمل الجاد على تسخير جميع ما يملكه المسلمون من إمكانات وغيرها في سبيل استرداد مقدساتهم الإسلامية. ورفض جميع القرارات التي تفرط بأي جزء من أجزاء الأراضي المغتصبة أو أي حق من حقوق شعبها.
стр. 1230
ثالثا. تدريب الجيل الناشئ تدريبا عسكريا إسلاميا، وجعل هذا التدريب جزءا أساسيا من مناهج التعليم في المرحلة الإعدادية وما تليها من مراحل دراسية في البلاد الإسلامية التي لا يكون التدريب العسكري فيها إلزاميا وتعميم فكرة حركة الأشبال التي تعمل على إعداد أشبال الأمة إعدادا عسكريا وذلك لتخريج أفواج من المجاهدين المخلصين.
رابعا. شرح القضية التي نكب بها المسلمون في المسجد الأقصى وغيره من البقاع السليبة شرحا وافيا لأبناء الأمة الإسلامية وغيرهم، ويمكن تحقيق هذا الهدف إذا تعاونت وسائل الإعلام مع منابر المساجد ومناهج التعليم على تحقيقه.
خامسا. العمل على وقوف المسلمين صفا واحدا في وجه أي دولة يثبت أنها قد انتهكت حرمة مسجد من مساجد المسلمين، ومقاومة هذه الدولة بكل ما يستطيع المسلمون فرضه عليها من عقوبات.
سادسا. تشكيل لجنة دائمة تحمل اسم " لجنة المسجد الأقصى " يكون مقرها رابطة العالم الإسلامي، وتكون مهمتها متابعة تنفيذ هذه التوصيات.
стр. 1231
تاسعا: توصيات عامة
١ - مطالبة الحكومات الإسلامية بتحكيم الشريعة الإسلامية وتطبيقها في جميع أمور الدين والدنيا ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١)
٢ - مطالبة الحكومة التركية بفتح جامع أيا صوفيا وإعادته للعبادة باعتباره أول مسجد صلى به المسلمون بعد فتح استانبول على يد القائد البطل محمد الفاتح.
٣ - رجاء الرابطة بطبع موسوعة لجميع المساجد في العالم الإسلامي تحوي كل المتطلبات التي تلزم الباحث.
٤ - حث الحكومات الإسلامية على فتح بيوت للطلبة المسلمين في البلدان الأجنبية والعناية بالطالبات المسلمات وعدم السماح بسفرهن إلا في الضرورة القصوى مع ذي محرم.
٥ - إن مؤتمر رسالة المسجد يتابع بقلق الأحداث الدامية في لبنان، وبدافع مع إيمانه برسالة الإسلام السمحة يتوجه إلى جميع اللبنانيين بنداء أخوي لإيقاف الاقتتال.
وفي ختام هذه التوصيات يحرص المؤتمرون على أن يؤكدوا التزامهم بالعمل - كل في محيطه - على وضع هذه التوصيات موضع التنفيذ على المستويين الحكومي والشعبي، إيمانا منهم بأن رسالة المسجد في أمتنا هي رسالة الإسلام.
стр. 1232
كما يحرص المؤتمرون على أن يعربوا عن تقديرهم العميق للبلد الإسلامي الشقيق المضياف المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها جلالة خادم الحرمين الشريفين الملك خالد بن عبد العزيز وولي عهده سمو الأمير فهد بن عبد العزيز.
ولا ينسى المؤتمرون أن يسجلوا بالشكر والتقدير الجهود الموفقة التي تبذلها الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، ويخصون بالشكر معالي أمينها العام الشيخ محمد صالح القزاز وجميع العاملين معه لمبادراتهم الكريمة إلى مثل هذه الدعوات.
والله وحده المسئول أن يهدينا سواء السبيل ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .
مكة المكرمة
١٥ - ١٨ رمضان ١٣٩٥ هـ
стр. 1233
كتب من التراث
إصلاح المساجد
من
البدع والعوائد
للشيخ العلامة محمد جمال الدين القاسمي
تقديم: ناجي الطنطاوي
стр. 1234
من
البدع والعوائد
للشيخ العلامة محمد جمال الدين القاسمي
في غمرة الحديث عن المسجد ورسالته ومكانته الرفيعة في الإسلام، أود أن أتحدث إلى القراء الكرام عن كتاب من الكتب القيمة التي تتحدث عن جانب هام من جوانب هذا الموضوع، أطلق عليه مؤلفه اسم (إصلاح المساجد من البدع والعوائد) ألفه علامة الشام الشيخ (محمد جمال الدين القاسمي) -عليه رحمة الله-، وهو كما يقول مقدم الكتاب الأستاذ الكبير (محب الدين الخطيب) -رحمه الله تعالى- (مصباح من مصابيح الإصلاح الإسلامي، التي ارتفعت فوق دياجير حياتنا الحاضرة) ويقول عن الكتاب بعد ذلك: (ونظنه الكتاب الوحيد المعروف بالعربية في هذا الموضوع).
ولا أحسب أن في هذا الوصف مغالاة ولا شططا في الإطراء، ذلك لأن الموضوع في حد ذاته مبتكر، ولأن الكتاب حافل بالحديث عن المساجد في شتى النواحي ومختلف المجالات.
وقال المؤلف في آخر الكتاب: (تم جمعا وتسويدا في (٢٤) رمضان عام (١٣٢٣) بمنزلنا بدمشق الشام ثم زاد المؤلف عليه زيادات كثيرة بعد التاريخ المذكور حتى عام (١٣٣٠).
ويقول الأستاذ خير الدين الزركلي في (الأعلام) عن المؤلف أنه (إمام الشام في عصره علما بالدين، وتضلعا
стр. 1235
في فنون الأدب، مولده في دمشق عام (١٢٨٣) ووفاته فيها عام (١٣٣٢) كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد، اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين، فقبضت عليه الحكومة وسألته فرد التهمة فأخلى سبيله واعتذر إليه (والي دمشق) فانقطع في منزله للتصنيف وإلقاء الدروس في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب) ثم يقول صاحب الأعلام: (اطلعت له على اثنين وسبعين مصنفا منها كتاب: دلائل التوحيد، وكتاب الفتوى في الإسلام، وشرح لقطة العجلان، وكتاب موعظة المؤمنين، وكتاب تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب، وكتاب قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث، وكتاب إصلاح المساجد، وكتاب محاسن التأويل اثنا عشر مجلدا في تفسير القرآن الكريم وأكثرها مطبوع وبعضها لا يزال مخطوطا).
وقام بنشر الكتاب المكتب الإسلامي في بيروت، وطبعه طبعة أنيقة للمرة الثانية عن نسخه مكتوبة بخط المؤلف محفوظة عند ولده صديقنا الأستاذ ظافر القاسمي، وكتب مقدمته الباحث الإسلامي الكبير محب الدين الخطيب، ﵀، وقام بتخريج أحاديثه والتعليقات عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وتمت طباعته عام (١٣٩٠).
ويضم الكتاب (٢٧٢) صفحة بالحجم المتوسط، وهو يدور حول الدعوة إلى إصلاح حال المساجد في الشام، وفي كثير من بلاد الإسلام الأخرى، وتنقيتها من البدع والخرافات، وكثير من الزيادات المخالفة للدين التي أدخلت على المساجد عبر عصور الجهل السابقة. . فتراكمت فيها وكثرت والتزم كثير من العوام بها وراحوا يقاتلون كل داع يدعو إلى إزالتها.
ويقتضي واجب الإقرار بالحق هنا أن أصرح بأن المساجد في أنحاء المملكة خالية بحمد الله من البدع الكثيرة التي ابتليت بها بلاد المسلمين، ولا ريب أن هذه نعمة من نعم الله عليها.
وقبل أن يتحدث المؤلف عن البدع التي شاهدها في المساجد، عقد فصلا ضافيا تكلم فيه على الابتداع في الدين، وما ورد من الترهيب فيه والنهي عنه، وعن تقسيم البدع إلى حسنة وسيئة، وعن حدود كل منهما، وما يجب على العلماء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعما استحدث في الدين مما يخالف أحكامه، ومما قاله في هذا الصدد " لا يخفي أن مدار العبادات إنما هو على المأثور في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة مع الإخلاص في القلب وصحة التوجه إلى الله تعالى، ولكل مسلم الحق في إنكار كل عبادة لم ترد
стр. 1236
في الكتاب والسنة في ذاتها أو صورتها، فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه لنا ديننا وأتم علينا به نعمته، فكل من يزيد فيه شيئا فهو مردود عليه. . لأنه مخالف للآية الشريفة والحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)» وكل البدع التي منها حسن ومنها سيئ فهي الاختراعات المتعلقة بأمور المعاش ورسائله ومقاصده وهي المراد بحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (٢)» ولولا ذلك لكان لنا أن نزيد في ركعات الصلاة أو سجداتها. ثم شرع المؤلف من بعد ذلك في الحديث عن البدع والمحدثات التي ابتكرها الناس في صلاة الجمعة وذكر منها دعاء المؤذن بين الخطبتين إثر جلوس الخطيب عقب الخطبة الأولى، والتمسح بالخطيب إذا نزل عن المنبر، وما يفعله جماعة المؤذنين عند صعود الخطيب المنبر من الصلاة على النبي ﷺ جهرا، وما يتكلفه الخطيب من رفع صوته في الصلاة على النبي ﷺ في أثناء الخطبة.
وعقد فصلا عما أحدثه الناس في الصلاة، كالجهر بالنية قبل تكبيرة الإحرام، إذ يحدث تشويشا على الناس وهو مكروه لأن محلها القلب، ومثل إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع والسجود وكثرة الحركات في الصلاة وهو مبطل للصلاة، ومثل رفع الجماعة الأولى لانتظار الثانية وذلك في المساجد التي تتعدد فيها الجماعات الحنفية والشافعية وغيرهما لأنه ورد في الحديث الصحيح: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (٣)» وأن الذي يجلس أثناء صلاة الجماعة يعتبر معرضا عنها ومخالفا للجماعة. ومنها صلاة جماعتين فأكثر في وقت واحد ومكان واحد ويشوش بعضهم على بعض، وهو ينافي غرض الشارع في مشروعية الجماعة. . الذي هو جمع قلوب المؤمنين، وتأليفهم. وقد ورد في الحديث الصحيح «ستكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد تفريق أمة محمد وهم جميع فاقتلوه كائنا من كان (٤)».
ومنها ما اعتاده بعض الجهلة من أئمة المساجد في صلاة التراويح من تخفيفها إلى هيئة يقعون بسببها في الإخلال بأركان الصلاة وسننها. . كترك الطمأنينة في الركوع والسجود وسرد القراءة وإدماج حروف التلاوة بعضها ببعض رغبة في العجلة. وهذا كله من مكايد الشيطان، ومنها انفراد بعض المقتدين بصلاة الوتر بعد التراويح عند مخالفة مذهبهم لمذهب الإمام، والسبب في ذلك هو أن الحنفية يرون صلاة الوتر ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة خلافا للشافعي مع أن كلا الوجهين صواب، وأن الصلاة وراء المخالف في المذهب مطلوبة لما فيها من وحدة جماعة المسلمين وتجنب التفرقة والمخالفة.
стр. 1237
وعقد فصلا عن البدع المادية في المساجد كزخرفتها وإنفاق الأموال على تزيينها، ونقل عن بعض العلماء قوله في هذا الشأن " إنكم تبذلون أموالكم لإحالة الدين إلى العبادات الصورية كما حصل في إشراك كل الأمم السابقة التي اعتاضت عن جمال العقيدة بجمال جدران المعابد، وعن نور الإيمان بأنوار الهياكل، حتى جعلوا شعائر الدين أشبه باحتفالات الولائم وأقرب لاجتماعات المآدب لشدة ما تلتهي الأذهان بالنقوش والزخارف " وتحدث عن تنوير المساجد في الأشهر رجب وشعبان ورمضان، وعن زيادة التنوير ليلة أول جمعة من رجب وفي ليلة النصف من شعبان وما يفعله الناس في الليلة من نشر فضائلها وقراءة الأدعية فيها وبخاصة دعاؤها المشهور وهو لم يرد من طريق صحيح ويتضمن بعض الأحاديث الموضوعة، وروي عن زيد بن أسلم قوله ما أدركنا أحدا من مشايخنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان ولا يرون لها فضلا عن سواها، وقيل لابن أبي مليكة إن زيادا النميري يقول: أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: لو سمعته وبيدي عصا لضربته، ومنها الزيادة في تنوير المساجد في رمضان ولم يكن ذلك من فعل السلف مع ما فيه من السرف وإضاعة المال، خاصة وأنه من مال الوقف الذي لا يختلف أحد في منعه ولو شرطه الواقف.
وعقد فصلا عن الأدعية والأذكار والقصص في المساجد، إذ يقوم المنشدون في المسجد فينشدون القصائد الملحونة والموشحات المحرفة بأنغام منوعة تتخللها زعقات مزعجة وصيحات مهولة بأدعية وأذكار مختلفة، ثم يرقصون بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، معتقدين أن ذلك من صالح الأعمال، ويضربون بالدف وغيره من آلات، وهذا كله من المنكرات والضلالات، ويستحق فاعله الطرد والتأديب لأنه استخف بما أمر الله بتعظيمه، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١) وقد نهى النبي ﷺ عن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر والقراءة ونهى عن إنشاد الضالة فيه. وورد في الحديث: «من رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاث (٢)» وحمل الإمام الشافعي ﵁ أحاديث الجهر على من يريد التعليم والوعظ والإرشاد، ومنها الاحتفال بقراءة قصة المولد النبوي في ربيع الأول والاجتماع لها وما يحدث في هذا الاجتماع من المخالفات والاختلاط والمنكرات مع عدم صحة القصة، وقد عد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا العمل من البدع التي لم يستحسنها السلف ولم يفعلوها، ومنها ما يفعله كثير من الناس من الجلوس في المسجد على شكل حلقات والتحدث فيها بأمور الدنيا، وقد ورد في الحديث الصحيح: «إنه يأتي على الناس زمان يحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم».
ومنها جلوس جماعة القصاص في المساجد في حلقات كحلقات الدروس ويعظون الناس ويمزحون كلامهم بالبدعة ويكذبون في إيراد الأحاديث الموضوعة والأخبار المزيفة ويأتون بالعجائب التي يبرأ منها الدين وينكرها
стр. 1238
الشرع، وهم يتعلقون بحبال الأباطيل والخرافات والأوهام ويذكرون الأحاديث الموضوعة ويختلقون على النبي ﷺ ما تسول لهم أنفسهم من الأكاذيب، ويركبون لها الأسانيد الملفقة. وقد ورد «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (١)». . .
وفي فصل الأذان ذكر بدعة وجود أذانين بين يدي الخطيب في بعض الجوامع يقوم أحدهما أمام المنبر والثاني على السدة العليا، لأن الأذان المشروع بين يدي الخطيب، ومن ذلك إنشاد الشعر عند الصلاة على الجنازة والنياحة وذكر الأوصاف التي يكون أكثرها كذبا. ومنها التبليغ جماعة خلف الإمام، ومنها مسح العينين بالسبابتين عند قول المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله، ومنها التسبيح والنشيد ورفع الصوت بهما قبل أذان الفجر وقبل أذان الجمعة وهو ما يسمى بالتذكير، ومنها زيادة الصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان جهرا، وليس لذلك أصل في الشرع ولم يكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه، ومنها ما يفعله بعض المؤذنين بالزعق بالتأمين عقب بعض الصلوات، ويجهر بعض المقتدين بالذكر والصلوات عقب تسليم الإمام، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) ومنها أناشيد وداع رمضان حيث يجتمع المؤذنون وينشدون الأشعار في التأسف والتحسر على قرب انتهاء رمضان بألحان مختلفة وأصوات مرتفعة وزعيق وصياح، ويجتمع حولهم النساء والرجال والولدان والرعاع، ويكثر الاختلاط والهرج وينشأ عن ذلك هتك حرمة المسجد مما لو رآه السلف لضربوا على أيدي من ابتدعه.
وفي فصل نعي الموتى ورثائهم في المساجد والمآذن يذكر ما يفعله الناس من رفع الأصوات أمام الميت بالأناشيد عند دخول المسجد وفي داخله، ويرفع المؤذنون أصواتهم بنعي الميت ورثائه بألفاظ الحزن والنوح فيشوشون على المصلين والقارئين وقد ورد في الحديث «إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية (٣)» واستفتى الإمام النووي ﵀ في القراءة على الجنائز بالتمطيط والتغني فأجاب أن هذا منكر ظاهر مذموم فاحش وهو حرام بإجماع العلماء. ومنها الجلوس للتعزية في المسجد، مع أن الاجتماع للعزاء مكروه ولو كان خارج المسجد، ومنها دفن الميت في المسجد أو بناء مسجد عليه، وقد ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد عدم جوازه وأفتى بوجوب هدم المسجد إذا بني على قبر، ونبش الميت إذا دفن في المسجد كما نص عليه الإمام أحمد ﵀ وغيره فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر ولعن رسول الله ﷺ من اتخذ القبر مسجدا أو أوقد عليه سراجا.
стр. 1239
ومنها نعي الإمام الشهيد الحسين ﵇ على المنابر في جمعة عاشوراء.
ثم يتحدث المؤلف عما ينبغي أن يفعله الماكث في المسجد من الإكثار من العبادة والتلاوة والعمل الصالح، ومنع بعض الناس عن سكنى المساجد والاعتزال عن طلب الكسب واتخاذها تكايا للفقراء وللصوفية، ووجوب منع المجاذيب والصبيان من دخولها، ومنع التكسب وسؤال الناس فيها والاجتماع فيها لرفع الوباء.
ثم يتحدث في فصل آخر عما هو مشروع في زيارة المساجد الثلاثة: المسجد الأقصى والحرم المكي والحرم المدني والمزارات الموجودة فيها.
ثم يتكلم عن النذر للمساجد والنذر لإسراج الأضرحة والقبور ولقراءة المولد فيها وعدم جواز ذلك، ويختم كتابه بذكر الأحكام الفقهية الواردة في بناء المساجد وتنظيفها وصيانتها عن الأذى، والعناية بها وعدم زخرفتها وعدم جواز البيع والتكسب فيها، ومنع ما يؤذي المصلين فيها وإباحة المناظرة في مسائل الفقه فيها، وعقد النكاح ومجالس القضاء وتعليم العلم فيها، وكراهة الخوض في أمور الدنيا وفضول الكلام فيها، ويفصل القول في أحكام الوقف المتعلقة بالمساجد، ولولا خوف الإطالة لأوردنا طرفا منها.
وعلى الجملة فالكتاب يعتبر من الكتب القيمة، ومن اطلع عليه عرف الجهد الذي بذله مؤلفه فيه، وعرف منزلته في العلم وأحكام الشرع وهو جدير بالإطلاع عليه وقراءته لأنه فريد في موضوعه، رحم الله مؤلفه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.
стр. 1240
كتب تصدر قريبا
نظام الأسرة عند ابن تيمية
في
الزواج وآثاره
الدكتور محمد أحمد الصالح
يصدر قريبا كتاب نظام الأسرة عند ابن تيمية في الزواج وآثاره، لفضيلة الشيخ " الدكتور " محمد بن أحمد الصالح الذي نال به درجة العالمية " الدكتوراه " في الفقه المقارن مع مرتبة الشرف الأولى، وكانت اللجنة مشكلة من الأساتذة: الشيخ " الدكتور " محمود شوكت العدوي، والشيخ " الدكتور " عبد العال أحمد عطوة، والشيخ عبد الغني محمد عبد الخالق، وقد ناقشت هذه الرسالة موضوع الكتاب في الثالث والعشرين من شهر شعبان ١٣٩٥ (٣٠/ ٨ / ١٩٧٥) بقاعة الشيخ محمد عبده بإدارة جامعة الأزهر.
وتقع الرسالة (موضوع الكتاب) في مجلدين كبيرين، وسفرين عظيمين، عدد صفحاتهما نحو ٦٨٨ صفحة.
وأن مؤلفه الفاضل قد اهتم في مقدمته بشرح أهمية موضوعه وقيمته، وبالغ خطورته، وجميل عائدته، وجليل فائدته، وتنوع ثمرته. وأشاد بفضل ابن تيمية وعلمه، واجتهاده وفقهه، وأن الله قد وفقه وفتح عليه
стр. 1241
حتى استقل بالاجتهاد في كثير من المسائل الفقهية الخلافية، التي اشتد خلافه فيها، وامتحن بسببها. حتى أصبح من أفاضل المجتهدين، وأماثل المجددين.
وبين خطته وطريقته في بحث قضايا هذا الموضوع ومسائله، وإظهار آراء ابن تيمية فيها. كما بين كيفية التعبير عنها، وكيفية تبويبها وترتيبها.
وذكر أهم عناصرها، ورءوس مباحثها. وأشار إلى طبيعة الكتب التي تمثل هذا الفقه وتعبر أصدق التعبير عنه. وإلى الصعوبة التي صادفها في البحث عن مطبوعها ومخطوطها، والجهد الذي بذله في سبيل الوصول إلى حقائقها، ثم عرضها في الصورة الكريمة السليمة، الدقيقة الأمينة.
أما القسم الأول فتاريخي فقهي: وهو مشتمل على المقدمة والباب الأول
أما المقدمة فقد عقدها في التعريف بابن تيمية والكلام على حياته من جوانبها المتعددة
وقد مهد لذلك بكلام مختصر مفيد، عن حياة المسلمين الدينية في عصر رسول الله ﷺ ، وعصر أصحابه وكبار من أتى بعدهم وبخاصة الأئمة الأربعة الذين كان ابن تيمية متمذهبا على مذهب رابعهم، وإن كان غير متعصب له ولا مقيد بموافقته، إذا ما تبين له - عن طريق اجتهاده - أن مخالفته متعينة. وعن بعض أحوالهم السياسية، وبخاصة الحروب الصليبية قبل ابن تيمية الذي أدركها قبل انتهائها بنحو تسع وعشرين سنة.
ثم تكلم - كلاما مقتصدا جيدا - عن عصر ابن تيمية (الذي تناول جزءا كبيرا من القرن السابع، وجزءا غير يسير من القرن الثامن)، من الناحية السياسية والاجتماعية والفكرية والعلمية.
شرع يتكلم عن حياة ابن تيمية خاصة.
فبين اسمه ونسبه، وكنيته ولقبه، والبلدة (حران) التي ولد بها، وانتسب إليها. وقام بالتعريف بأسرته، وذكر تاريخ ولادته، وتبيين نشأته وتربيته، وأبرز صفاته وعاداته.
стр. 1242
وتكلم عن طلبه للعلوم الشرعية والعربية، وغيرها: مما يتصل بها، ويعين على طلبها. وعن رحلته في سبيل أخذها ومعرفتها، وتلقيها عن كبار الشيوخ وأئمتها حتى بلغ في ذلك الغاية، وأدرك المنزلة السامية، وصار من كبار أئمة الأمة.
وترجم لشيوخه وأساتذته، وعلى رأسهم والده الأجل: شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام، الفقيه الكبير الحنبلي، المتوفى سنة ٦٨٢ هـ. تراجم صحيحة، مركزة مفيدة.
ثم تكلم عن مكانة ابن تيمية العلمية والدينية، وجهاده المشرف لأهل البدع والمنكرات، ومحاربته لأهل الزيغ والفساد، وطوائف الشرك والإلحاد. وبخاصة التتار ودخلاء الصوفية. وعن المحن القاسية التي صادفته، والمصائب التي ألمت به، فتحملها وصبر عليها. فنال عظيم الأجر بصبره، وصار من أشهر المكافحين في عصره.
ثم تكلم عن تاريخ وفاته، ومكان دفنه. وعن أثر هذه الوفاة على أهل دمشق وغيرهم: من المحبين له، المقدرين فضله، المعجبين بآرائه، المنتفعين بآثاره.
وتعرض للكلام عن آراء ابن تيمية في الدولة والخلافة، وذكر بعض آرائه الفقهية التي عرف بها، ولاقى العديد من المحن بسببها.
ثم ذكر أهم آثار ابن تيمية العلمية، وأعظم مؤلفاته الفنية. وختم هذه المقدمة العظيمة، ببيان أشهر تلاميذ ابن تيمية، والتعرف بأجل أصحابه.
стр. 1243
الباب الأول
عقد الزواج
وقد اشتمل على تمهيد مفيد: بين فيه أن الزواج أساس الأسرة ودعامتها، والقاعدة التي يقوم المجتمع السليم عليها، وأن الشريعة الإسلامية قد عنيت بأمره، أكثر من عناية الشرائع السابقة به. وبين فيه كذلك الصفات الشريفة التي تؤهل المرأة للزواج المثالي الذي يستقر أمره، ويتحقق أثره. ثم اشتمل على فصول سبعة على أكبر جانب من الأهمية، وأوفر قدر من الفائدة، بين فيها آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في أحكامه وآراء غيره ممن وافقه أو خالفه، مع الموازنة بينها. وتقرير أدلتها ومناقشتها:
(١) الفصل الأول: في أحكام الخطبة في نظر الشيخ تقي الدين بن تيمية وغيره.
وقد مهد لبيان ذلك، بأمر لا بد منه ويجب تقديمه، وهو:
تعريف الخطبة وشرح حقيقتها، وبيان مدى أهميتها في نظر الشارع. وقد تضمن هذا الفصل بيان حكم النظر للمخطوبة وأهميته ودقته، وما يجوز النظر إليها منها. وحكمة مشروعيته. وبيان شروط الخطبة، وحكم خطبة المعتدة. وبيان ما تحصل به الخطبة. ثم بيان حكم الخطبة على خطبة الغير، وحكم العقد للخاطب الثاني. وبيان حكم ما يبذله الخاطب: من الهدايا والنفقة.
(٢) الفصل الثاني: في حقيقة لفظ " النكاح " وصفته، وبيان المراد منه. وبيان أهمية النكاح ومدى الحاجة إليه.
(٣) الفصل الثالث: في بيان أركان النكاح: من صيغة العقد، واتصال الإيجاب والقبول، وأهلية المتعاقدين. وما يتعلق بذلك كله.
(٤) الفصل الرابع: في بيان شروط النكاح اللازمة له: من الولي، والرضا بالزواج، وإعلان النكاح وإظهاره أو الإشهاد عليه، وكفاءة الزوج للزوجة. وهو أخطر فصول هذا الباب وأجلها فائدة.
(٥) الفصل الخامس: في الكلام على الشروط في عقد النكاح، وبيان ما يحل منها ويحرم، وما يصح ويفسد. مع بيان ما يترتب على عقد الزواج المطلق، وحكم تعليقه على شرط.
(٦) الفصل السادس: في الكلام على الأنكحة المحرمة، وبيان المختلف في صحته من هذه الأنكحة: من نكاح التحليل، ونكاح الشغار، ونكاح المتعة.
стр. 1244
(٧) الفصل السابع: في الكلام على المحرمات في النكاح.
وقياس مهد لذلك بتمهيد جميل، يبن فيه قيود حرية الفرد في اختيار الزوجة التي ترجع إلى الدين، أو إلى أجناس الشعوب، أو إلى القرابة. في نظر القوانين السابقة.
ثم بين أن التحريم إما تحريم مؤبد، وإما تحريم مؤقت. وأفاض في بيان ذلك وتفضيل القول فيه، وفي سائر ما يتصل به، إفاضة بالغة.
القسم الثاني: فقهي صرف
وهو عبارة عن الباب الثاني الذي عقده للكلام على الآثار المترتبة على عقد الزواج، في نظر ابن تيمية وغيره من الفقهاء، مع الموازنة بين هذه الآراء. وقد احتوى فصولا خمسة مهمة، تضمنت فوائد جمة، وأمورا يجهل الكثيرون حقائقها وأحكامها، أو لا يعرفون شيئا صحيحا عنها:
(١) الفصل الأول: في بيان أحكام الصداق المختلفة، والتي يمكن تطبيقها عليها، والتي تتعلق به. وذلك بعد التعريف به، وشرح حقيقته.
(٢) الفصل الثاني: في بيان حقوق كل من الزوجين قبل الآخر.
(٣) الفصل الثالث: في الكلام عن أحكام نفقة الزوجة والأقارب.
(٤) الفصل الرابع: في مبحث النسب وما يثبت به.
(٥) الفصل الخامس: في بيان أحكام الحضانة وتطبيقها وشروطها وسائر ما يتعلق بها. بعد شرح حقيقتها.
نقد تكلم فيها عن فقه ابن تيمية واجتهاده، وأصول استبيانه. وعن الكثير من آرائه، وأشهر اختياراته. وعن مكانته الفقهية والاجتماعية ومنزلته بين مجتهدي الأمة.
стр. 1245
وقد تضمنت بعض التفصيل المفيد فائدة جيدة، لبعض ما سبق أن ذكره وتكلم عنه، في مقدمة القسم الأول من رسالته. وبعد أن انتهى الباحث من الكلام على مباحث الرسالة كلها: مقدماتها ومقاصدها. . قام بوضع فهارس خمسة جيدة نافعة: (١) الفهرس الأول: خاص بالآيات القرآنية التي ورد اقتباسها أو الاستشهاد بها.
(٢) الفهرس الثاني: خاص بالأحاديث النبوية، وآثار الصحابة، التي دار معظم الاستدلال والاحتجاج عليها.
(٣) الفهرس الثالث: خاص بالأعلام الواردة بالرسالة، وقد رتبها على حروف المعجم، وجعلها قسمين: قسما خاصا بالرجال، وقسما خاصا بالنساء.
(٤) الفهرس الرابع: خاص بمصادر البحث ومراجعه، التي رجع إليها، واعتمد في كتابته عليها، مطبوعة أو مخطوطة، متداولة أو نادرة.
وقد أجاد في صنعه إجادة فائقة، حيث رتب هذه المصادر حسب الفنون، ثم على الحروف. وذكر أسماءها التي اشتهرت بها، ومكان طبعها وتاريخه، أو مكان وجودها والرقم الدال عليها. كما ذكر أسماء مؤلفيها ونسبهم، وأرخ وفاة أكثرهم.
(٥) الفهرس الخامس: خاص بموضوعات الرسالة ومباحثها، الكلية والجزئية، أو الاحتمالية والتفصيلية. وهو جامع لها، ويعطي قارئه صورة صحيحة عنها.
هذا بيان موجز عن محتويات هذا الكتاب، القوي في موضوعه، الجيد في صنعه، الحسن في طبعه، الجليل في نفعه، الذي امتاز بوفرة معلوماته وصحتها، وكثرة مراجعه ومصادره. ودقة إحالاته وسلامتها.
والذي رتبت مباحثه العامة ترتيبا لا بأس به في الجملة، ونظمت مباحثه الخاصة تنظيما في غاية الحسن والدقة.
стр. 1246
ولقد بذل صاحبه الفاضل جهدا عظيما ظاهرا في جميع عناصره، وضم شتاتها، وتكوين مباحثه، وترتيب مسائله، وتفصيل القول فيما تناوله وتعرض لبحثه: من حقائق تاريخية، ومباحث لغوية أو اصطلاحية، ومسائل فقهية أو أصولية أو غيرها من المسائل العلمية. وفي التعبير عن معلوماته الجمة بالعبارات العلمية الدقيقة، والصيغ الفنية السليمة، أو الإشارات الحسنة الطريفة. وفي شرح الخلاف في: جميع المسائل الخلافية، وتحرير محل الخلاف فيها، وتبيين سائر الأقوال المتعلقة بها، وتقرير أقوى أو أصح الأدلة التي استند أصحابها إليها، وتوجيه دلالتها، والتصريح بالمذاهب المختارة منها، مع تقويتها، وتفنيد أدلة غيرها وقد عنى عناية فائقة بتخريج شواهد الرسالة القرآنية والحديثية وما إليها، على كثرتها تخريجا في غاية السلامة، ونهاية الصحة. يشهد له بالكفاءة الممتازة، والقدرة على التتبع والإحاطة. كما عني بالتعريف بسائر الطوائف والفرق الإسلامية وغير الإسلامية الذين ورد لهم ذكر في الأمور التاريخية، أو المباحث الفقهية. وبالترجمة الصحيحة الصادقة لجميع الأعلام الذين استشهد بأقوالهم، أو ذكروا في بعض الأحاديث النبوية أو الآثار أو النصوص العلمية، وهم كثرة بالغة، وقد أتى في هذه التراجم بالأشياء المفيدة، وذيل كل ترجمة بأهم مراجعها الوثيقة.
ولقد ناقشت اللجنة صاحب هذه الرسالة، مناقشة معتدلة هادئة، بناءة مثمرة، موجهة مرشدة، تهدف إلى تصحيح الخطأ، أو تقويم زلل، أو تكميل نقص، أو سد خلل، أو كشف غامض، أو إزالة لبس، إن كان قد وقع فيها شيء من ذلك. كما تهدف إلى اختيار عقلية، والتأكد من صحة نظرية، أو ثبوت بعض الحقائق العلمية. وهذا هو الواجب في كل مناقشة مخلصة.
والكتاب يدل على إخلاص المؤلف للعلم، ونصحه للدين، ورغبته الصادقة في التجويد والتوثيق، كما يتميز بتصحيح العبارة واتقانها، وتأكيد المعلومات وتثبيتها.
كما يتبين - من تعقيب المؤلف على شيخ الإسلام ابن تيمية، ومناقشته للكثير من أقواله، ونقضه لبعض أدلته - أنه عاقل مفكر، وعالم منصف، وباحث مخلص وكاتب حر: يرجو الوصول إلى الحق، ولا يهمه مخالفته للغير، متى تبين له - في وضوح وجلاء - أن الحق قد جانبه، وأن الصواب في رأي غيره. والحق أحق أن يتبع، والصواب أولى أن يعتقد. فابن تيمية عظيم بلا شك، ولكن الحق أعظم منه، على حد قول القاضي عبد الجبار المعتزلي الشافعي، الذي كان يخالف بعض آراء إمامه الأصولية والفقهية، ويقول: " الشافعي عظيم، ولكن الحق أعظم منه ". وهكذا تكون الشجاعة الأدبية، والصراحة الإسلامية.
стр. 1247
هذه مجرد لمحات من كتاب تربو صفحاته على ٦٨٨ صفحة نرشحه للقراءة على مستوى العالم الإسلامي. كما نرجو لمثل هذا الكتب أن يترجم إلى اللغة الإنجليزية ليتمكن من قراءته كثير من أبناء الشعوب الإسلامية الناطقة بهذه اللغة وغيرهم من أبناء الشعوب والجنسيات والأديان المختلفة، لعله يرشدهم إلى عمق الفقه الإسلامي قديمه وحديثه.
стр. 1248
كتب أجنبية
محمود لطفي السراميجي (١).
كيف صرت مسلما
استرعى انتباهي وأنا أطالع كتيبا صغير الحجم كبير المعنى أصدرته رابطة العالم الإسلامي بالإنجليزية وعنوانه " Islam Our Choice " الإسلام الذي اخترناه. استرعى انتباهي مقال كتبه العالم المستشرق المجري الدكتور عبد الكريم جرمانوس، والدكتور جرمانوس لم يكن اسمه الأول عندما ولد في المجر عبد الكريم، وإنما كان اسمه " جوليوس " وقد درس الأستاذ الدكتور اللغات التركية والفارسية والعربية التي قادته لدراسة الاستشراق وشئون العالم الإسلامي، وقد أدت به إجادته لهذه اللغات إلى البحث عن الحقيقة، فهو وإن كان عالما كبيرا إلا أن روحه ظمأى إلى الحقيقة - الحقيقة الكلية التي تبحث عن سر هذا الكون وسر الخالق العظيم، وسر رسالة الإسلام وكنهه وجوهره، فإن روح هذا الباحث المفكر قد أدت به في النهاية إلى اعتناق الإسلام وتسمى باسم عبد الكريم فمرحبا به وأكرم به وأنعم، وأكثر الله من أمثاله من العلماء الذين جمعوا بين نور العقل ونور القلب، بين نور البصر ونور البصيرة - أقول: إن هذه المقالة قد شدتني، وبهرني صدق هذا الرجل، وروحانيته وصفاء سريرته، فرأيت أن أترجمها من الإنجليزية إلى العربية
стр. 1249
وقد أكون قد سبقت إلى هذا الفضل، ولكن التكرار للشيء الجميل ليس عيبا، بل هو فضيلة ولقد رأينا أن نستزيد منها ونستضئ بنورها خدمة للحق وللحقيقة - هدانا الله جميعا إلى الإيمان وزادنا الله منه فهو خير زاد. يقول الدكتور جرمانوس:
كان ذلك في ظهيرة يوم مطير وكنت بعد مراهقا، إنني كنت أتابع سجلا مصورا - أحداث معاصرة ممزوجة بروح القصص، ووصف لبلاد بعيدة كانت تملأ صفحاته، قلبت الصفحات بغير ما اكتراث وفجأة وقعت عيناي على لوحة محفورة من الخشب، فشدت هذه اللوحة انتباهي وكانت الصورة تمثل منازل ذات أسقف مسطحة (١) وكانت تبرز بين هذه الأسقف بين الحين والآخر قباب ترتفع خفيفا ويزينها هلال في أعلاها، وكان منظر الرجال فوق هذه الأسطح وهم يجلسون القرفصاء متشحين بملابس غريبة وهم جالسون في صفوف منتظمة تثير الاستغراب ولقد شدتني الصورة بشكل غير عادي. لقد كانت شيئا مختلفا عن الشكل العام للمدينة الأوربية. لقد كان منظرا شرقيا في مكان ما في الشرق العربي حيث كان الراوي في الصورة يحكي قصصا خيالية لقوم يتشحون من قمم رأسهم لأخمص قدميهم، ولقد خيل لي أني أسمع حديث هذا القاص وأتابع مع مستمعيه العرب حديثه هذا، وأنا بعد فتى يجلس على كرسي وثير في المجر ولقد استبد بي حنين طاغ أن أعرف سر هذا النور الذي بدد الظلام في هذه الصورة.
وبدأت أدرس التركية وبدا لي أن أدب اللغة التركية لا يحتوي إلا القليل من الكلمات التركية، فالشعر التركي غني بعناصر فارسية، والنثر غني بمصادر عربية، ولقد حاولت أن أتمكن من هذه اللغات الثلاث حتى أدخل هذا العالم الروحاني الذي أشرق بنوره على الإنسانية.
وخلال عطلة من عطلات الصيف أسعدني الحظ أن أسافر إلى البوسنة أقرب إقليم شرقي إلينا، وبعدما وضعت متاعي في أحد الفنادق اندفعت خارجا لأرى هؤلاء المسلمين الذي عرفت لغتهم التركية خلال الكتابة العربية المعقدة في صفحات من كتب النحو - ولقد كان ذلك في الليل وفي الشوارع الضعيفة الإضاءة استطعت أن اكتشف مقهى متواضعا كان يجلس فيه رجلان من أهل البوسنة على مقاعد منخفضة من القش يستمتعان بشراب القهوة، وكانا يلبسان السراويل التقليدية المنتفخة التي كانت مشدودة إلى الوسط بأحزمة عريضة رصعت بالخناجر اللامعة، ولقد أعطاني منظر غطاء رأسيهما وزيهما الغريب شعورا بالخوف من مظهرهما المرعب، وبقلب تزداد سرعة دقاته خوفا، دخلت المقهى وجلست بخجل شديد في ركن بعيد، ولقد نظر الرجلان لي بعين محبة للاستطلاع، فتذكرت حينئذ القصص الدموية التي قرأتها في الكتب المتعصبة التي تتحدث عن تعصب المسلمين وقد
стр. 1250
لاحظت أنهما يهمسان لبعضهما البعض، وكان حديثهما بالطبع هو حضوري الذي لم يكن متوقعا، فامتلأت خيالاتي الصبيانية بمشاعر الهلع، فقد تصورت أنهما يريدان أن يغمدا خنجريهما في صدر الكافر المتطفل، ولقد وددت لو خرجت سالما من هذا المكان المخيف ولكني لم أجرؤ على الحركة.
وبعد ثوان أحضر لي النادل فنجانا من القهوة ذات الرائحة القوية النفاذة، وأشار إلى الرجلين اللذين أرعبني منظرهما، فنظرت إليهما بوجه مذعور فحياني أحدهما بسلام جميل وتبعه بإشارة ودية، وبتردد اغتصبت ابتسامة مرتعشة من بين شفتي المرتعشتين، فقام الرجلان اللذان خلتهما عدوان لي واقتربا من مائدتي الصغيرة وماذا بعد؟ لقد كان قلبي الذي يزداد خفقانه يسأل - هل جاءا لقتلي؟ وتبع ذلك سلام ثان وجلسا حولي، وأعطاني أحدهما سيجارة اكتشفت في ضوئها الخافت أن مظهرهما العسكري يخفي روحا مضيافة عطوفة، وعندئذ جمعت قواي وخاطبتهما بالتركية الركيكة التي أعرفها، فكان لذلك فعل السحر فأضاء وجهاهما بمودة تفيض بالحنان ودعياني إلى منزليهما، وبدلا من الخناجر التي تصورتها تخترق أحشائي فقد غمراني بكرمهما - ولقد كان ذلك أول لقاء لي مع المسلمين.
وجاءت السنون ومرت الأعوام تفيض بالعديد والكثير من الأحداث من رحلات ودراسات تفتح أمام عيني المتطلعة مشاهد وتجارب جديدة، وقد عبرت كل أقطار أوربا ودرست في جامعة اسطنبول واستمتعت بروائع الآثار التاريخية لآسيا الصغرى وسوريا، ولقد درست التركية والفارسية والعربية، واستطعت أن أكون أستاذا للدراسات الإسلامية في جامعة بودابست، وبكل ما حصلته من معرفة حسية تراكمت على مدى القرون وآلاف الكتب لكثير من العلماء قرأتها بكل شغف، فإن روحي رغم ذلك بقيت ظمأى ولقد وجدت خيطا رفيعا جافا في كتب العلم والمعرفة، ولكن روحي كانت تتطلع إلى الجنة الدائمة الخضرة من التجربة الروحية، لقد ارتوى عقلي ولكن روحي بقيت ظمأى ولقد كان علي أن أجرد نفسي من كل ما تعلقت به حتى أستطيع أن أستعيد ذلك عن طريق التأمل والتجربة الباطنية لتصفو روحي بنار المعاناة كما يستحيل الحديد الغفل صلبا مرنا بتعريضه لصدمة شديدة من الماء البارد.
وذات ليلة تمثل لي الرسول محمد في مخيلتي وكانت لحيته الطويلة مخضبة بالحناء، وكان رداؤه بسيطا ولكنه مناسب وجميل وتنبعث منه رائحة طيبة وكانت عيناه تلمع بالنور الرائق وخاطبني بصوت كله رجولة: " علام القلق؟ الطريق أمامك. . الطريق القويم مفتوح أمامك مأمون كوجه البسيطة فلتسر فيه بخطى ثابتة بنور الإيمان ".
وصحت في حلمي الجليل باللغة العربية " يا رسول الله إنه لسهل بالنسبة لك يا من سما وعلا ويا من قهرت كل الأعداء ووضعتك العناية الإلهية على طريقك، ولقد كللت جهودك بالمجد ولكن علي أنا أن أعاني ومن يدري متى أجد الراحة؟ ".
стр. 1251
فنظر إلي في ثبات وغاب في تفكير عميق، وبعد برهة تكلم ثانية ولقد كانت كلماته بالعربية واضحة ترن كأنها أجراس الفضة فألقى إلي لسانه النبوي الذي حمل أوامر الله فملأ صدري وقلبي بحمل ثقيل ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ (١) ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (٢) ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (٣) ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (٤)
غمغمت في ألم. . . " أنا لا أستطيع أن أنام. أنا لا أستطيع أن أفهم الأسرار التي غلفت بحجب كثيفة، وصحت من أعماقي. . . يا محمد يا رسول الله خذ بيدي " واندفعت من حلقي شهقة عنيفة متقطعة - لقد كنت ثقل ثقل كابوس شديد - كنت أخشى غضب الرسول الكريم وعندئذ شعرت كما لو كنت قد غبت في الأعماق وفجأة صحوت كانت عروق صدغي تنبض بالألم، وكان جسدي يسبح في عرق كثيف، وكانت كل أطرافي تئن من الألم، ولفني سكون الموتى وشعرت أني حزين ووحيد.
وشهد يوم الجمعة التالي منظرا غريبا في مسجد الجمعة الكبير في دلهي. كان رجل أجنبي أصفر الشعر شاحب الوجه يشق طريقه مصحوبا ببعض كبار العلماء - كان يشق طريقه خلال الجمع الحاشد من المؤمنين - كنت أرتدي رداءا هنديا وغطاء رأس هندي، وعلقت على صدري الأوسمة التي منحنيها السلاطين الأتراك، وحلق في المؤمنون بدهشة واستغراب شديدين، وشقت مجموعتنا الصغيرة الطريق مباشرة إلى المنبر الذي كان يحوطه كبار العلماء الأجلاء الذين استقبلوني بعطف شديد وسلام عال، وجلست بجوار المنبر وتركت عيناي تتجولان في قبلة المسجد الجملية الزخرفة، وفي وسط الباحة كانت ضبابير النحل البرية قد بنت بيوتها وكانت تطير دون أن يزعجها أحد حولنا.
وفجأة تلي الآذان ونقل المكبرون الواقفون في أماكن مختلفة من المسجد - نقلوا الآذان إلى كل ركن بعيد من أركان المسجد وقام ما يقرب من أربعة آلاف من الرجال كالجنود عند سماعهم هذا النداء السماوي تجمعوا واقفين في صفوف منتظمة وأدوا الصلاة في خشوع عميق وكنت واحدا منهم وكانت لحظة جليلة وبعد أن ألقيت الخطبة أخذني الشيخ عبد الحي من يدي وقادني على درجات المنبر وبدأ الحشد الكبير من الناس يتحرك - آلاف من العمائم البيضاء كانت أشبه بحقل من الورود البيضاء يتطلعون مهمهمين إلي، وأحاطني العلماء الكبار ذوو اللحى الرمادية الوقورة بعيون تفيض عطفا وتشجيعا، فأمدني عطفهم بثبات غير عادي ودون تشنج أو خوف صعدت ببطء إلى الدرجة السابعة من المنبر ومن فوق المنبر نظرت إلى هذا الجمع الحاشد الذي كان يموج تحتي كأنه بجر حي وهؤلاء الذين وقفوا بعد ذلك مادين أعناقهم نحوي، الشيء الذي جعل الممر كله حركة ما شاء الله، صاح واحد من الواقفين حولي وصافحتني العيون كلها بحرارة ومودة.
أيها السادة الكرام - هكذا بدأت بالعربية - لقد حضرت من بلاد بعيدة لأحوز علما لا يتيسر لي في وطني، ولقد أتيت ملتمسا منكم الإلهام ولقد لبيتم ندائي وتابعت قولي فبدأت أتحدث عن الإسلام ودوره الذي أداه في تاريخ العالم، وعن المعجزة التي طوعها الله لرسوله وشرحت أسباب تأخر المسلمين المعاصرين وعن الأسباب التي
стр. 1252
تمكنهم من استعادة أمجادهم، إنه لحكمة إسلامية أن كل شيء بأمر الله ولكن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) وبنيت حديثي على هذه الآية القرآنية وأردفتها بثناء على إحياء التقوى ومحاربة الرذيلة.
وبعدها جلست وصحيت من لحظة الجاذبية المغناطيسية التي بعثتها كلمتي على صيحة " الله أكبر " تبعث من كل ركن من أركان المسجد، وكان التأثير بالغا ولا أستطيع أن أتذكر سوى أن الشيخ إسلام قد أخذني من فوق المنبر متأبطا ذراعي وجرني جرا خارج المسجد.
وسألته: لماذا هذه العجلة؟
ووقف الرجال أمامي يحتضنوني وكان كثير من الأخوة الذين طحنتهم الدنيا ينظرون إلي بعيون يملؤها الأمل - لقد كانوا يسألونني البركة ويريدون أن يقبلوا يدي. يا إلهي لا تدع النفوس الطاهرة ترفعني أكثر مما استحق، أنا لست إلا حشرة بين آلاف الكائنات فوق ظهر الأرض، لست إلا باحثا عن النور، لست إلا إنسانا ضعيفا كغيري من الكائنات البائسة "! ولقد أخجلتني تنهدات وآمال أولئك الأبرياء كما لو كنت قد غششتهم أو سرقتهم وقلت: كم هو حمل ثقيل به حمل رجل الدولة الذي يثق فيه الناس ويرجون منه الأمل والمعونة ويعتبرونه خيرا منهم! ولقد حررني الشيخ إسلام من أحضان إخوتي الجدد ودفعني في عربة وقاد بي إلى البيت.
وفي اليوم التالي والأيام التالية له تجمع الناس حولي يهنئونني ويباركونني، ولقد جمعت من حرارة محبتهم وشدة عواطفهم دفئا يكفيني لعمري كله ".
стр. 1253
إعداد: إسماعيل راجي الفاروقي.
المسلمون في أمريكا
إن أهمية أمريكا للإسلام لا يمكن المبالغة فيها، فأمريكا أعظم قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم. وهي رأس الرمح للحضارة الغربية والمسيحية، كما أنها الأم المولدة لحركات العصر الحديث. لذلك لا تستطيع أية حركة إسلامية إغفالها، فإن كانت الحركة الإسلامية حقا، لا بد لها من أن تكون عالمية وأن تستهدف الأرض كلها. إذ لا بد لها من مواجهة أمريكا وتصفية الحساب معها.
ومن جهة أخرى فإن العالم الإسلامي يعتمد بالضرورة على أمريكا لمساعدته في التنمية. وقد مرت عشرات من السنين والعالم الإسلامي يقذف بآلاف من أبنائه للتعلم والدرس والتمرين في علوم الغرب وفنونه الحديثة. فالعالم الإسلامي إذا لا يرتبط بأمريكا من حيث هي قوة وكيان خارجي فحسب، بل من حيث إنها قوة داخلية تزدهر وتنمو.
فما هي رؤيا المسجد لأمريكا؟ وعلى أية أسس تعتمد؟.
حقا، إن أعظم فتح في التاريخ لهو الفتح الذي يدخل أمريكا في الإسلام. ولكن هل فتح مثل هذا ممكن؟.
стр. 1254
هل يجوز لنا أن نأمل أن أمريكا، بكل ما لها من سلطة وديناميكية، بكل ما فيها من خبرات كانت بالفعل أم بالقوة، ستدخل يوما ما في الإسلام وتصبح ركنا من أركان الإسلام؟ هل يجوز لنا أن نتطلع إلى اليوم الذي يدخل فيه الشعب الأمريكي بمئات ملايينه في الإسلام فتصبح أمريكا دولة إسلامية وأرضا تعلو فيها كلمة الله وشعبا يجاهد في سبيل الله، ويسير في خطى رسوله الكريم ﷺ ؟.
نعم، بالتأكيد، هذه رؤيا ليست فقط مرغوبة بل هي ممكنة. بل ضرورية.
هذه الرؤيا ممكنة لأسباب ثلاثة:
أولا. إن المسيحية بفرعيها الكاثوليكي والبروتستنتي، تضمحل باستمرار منذ قرون. فنشأة العلمانية، والمادية، والعلوم الطبيعية والعقلانية، والحرية الشخصية، رافقها سقوط معاكس في المسيحية. ذلك أنها تؤمن بما يناقض هذه الحركات جميعا. فهي تؤمن بسلطة عرفية للكنيسة وبعلم لاهوت لا عقلاني، وباحتكار الحياة الدينية عن طريق القداس. وهي تتنكر للحياة والأرض بإيمانها بمملكة أخرى غير الأرض وخارج الزمان والمكان الذي نعرف، وهي المملكة التي تصبو إليها دون الدنيا. أما فصل المسيحية للروح عن المادة فقد أدى في العهد الحديث إلى ثورة العرب ضد الدين وانغماسه في طلب اللذة والسعادة المادية. وكذلك، أدى إصرار المسيحية الغالي على الخلاص الفردي والقيم الشخصية إلى حرية مبالغ فيها أصبحت فوضى وانعدامية. لهذه الأسباب، يرفض الإنسان الغربي أن يستمد وحيه من المسيحية. سواء فيما يتعلق بحياته الشخصية أو بحياته الاجتماعية، أو بحياة المجتمع ككل.
ثانيا. إن سعي الغرب للسيطرة على الطبيعة عن طريق العلوم أحرز أعظم المكاسب وحقق أبعد الأهداف. فقد أخذت هذه العلوم الإنسان إلى القمر، واستكشف ما وراء ذلك، وأشفت معظم الأمراض واستعمرت الأرض مستغلة قوى الطبيعة ومسخرة إياها لخدمة الإنسان. إلا أن جميع هذه المنجزات حصلت استنادا على التفريق والفصل النهائي بين " ما يكون " و " ما يجب أن يكون "، بين الظاهرة أو الواقعة من جهة، والقيمة من جهة أخرى. وهذا الفصل هو الذي حرر السعي العلمي من جميع القيود ولكنه أفلت منه زماما شيطانيا جديدا. وبالتالي، فسد المسعى وتحولت النعمة إلى نقمة، وتملك الإغلال الخلقي من كل سعي مادي.
فاليوم، الرجل الغربي ثائر ضد تغلبه على الطبيعة وقواها. وهو مثقل بشعوره بالإثم، لا يعرف أين يتجه؟ يوشك أن يستسلم لقدر لا يقوى على فهمه، ويعرف أنه لا شر يكن له إلا المآسي.
стр. 1255
ثالثا إن عدم أخلاقية العلوم الطبيعية في الغرب، وإفلاس المسيحية كدين، حرما الرجل الغربي من تحقيق ذاته الروحية وإحلال السعادة في حياته، لهذا تراه يقدم على الأديان الأخرى الغريب منها، كالهندوكية والبوذية والصينية واليابانية والبدائية، والمعروف لديه كالمسيحية يرجع بها إلى تفهمات الأوائل البدائيين. كل هذا دون جدوى. لأن الإنسان الغربي متعلق بالأرض والحياة تعلقا لا ينفصم ولا يكل، بينما تقوم الحياة والأرض بخدعة وإفساد مساعيه. والمسيحية، تتنكر لمسعاه الدنيوي تماما كما تقضي الأديان الجديدة عليه وتحمله إثمها. فضميره ممزق وشخصيته مفصومة، لا ينفعه دينه ولا تدينه بل يزيدانه شقاء على شقاء.
هذه الأسباب الثلاثة تجعل استمرار الواقع الديني في الغرب أمرا مستحيلا، لا سيما أمريكا. وهذه الاستحالة هي نفسها إمكانية الدخول في دين الله.
فالإسلام قادر على حل مشكلة الإنسان الغربي. وهو قادر على نشله من الحرج الوجودي الذي يتخبط فيه، فالإسلام يبارك سعيه الدنيوي وتسخيره للطبيعة، ولكنه أيضا يتحكم بهذا السعي والتسخير وإخضاعه إياهما الزمات الأخلاق. ذلك أن الله هو الذي سخر الطبيعة وقواها للإنسان ومنحه أن ينتفع منها ما أراد وما استطاع سبيلا، وذلك أيضا أن الله الذي سخر وبارك المسعى هو مصدر الأخلاق والقيم، وهو الذي عرفنا بأوامره وإرادته عن طريقي الوحي والعقل. فالإسلام يستطيع أن يوحد شطري الشخصية الغربية وهو الذي يقدر على توجيه الإنسان الغربي لحياة السعي ولحياة التقوى وذلك بتوجيه الحياتين لله تعالى.
إلا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يستطيع هذا، وهذا هو معنى ضرورة دخول أمريكا في الإسلام. لا يوجد دين ولا نعرف مذهبا سوى الإسلام يقوى على إعطاء الرجل الغربي كلا المادة والروح، كلا تسخير الطبيعة والانتفاع بالروح، كلا الدنيا والآخرة، كلا السعادتين.
حقا إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقدر على إيقاف الاضمحلال والتدهور في أمريكا. وهو وحده يقوى على بعث روح جيدة فيها تحركها نحو الدنيا والأخلاق معا. . فالإسلام وحده يزكي أموالها وثرواتها وذلك بنقض العنصرية والاستغلال والاستعمار وتصفيتها، وذلك بضمها على خطوط الإنسانية تحت عالمية الإسلام.
أي كسب هذا وأي فتح للحق والأخلاق! أي تقدم في التاريخ البشري! وأي تحقيق لإرادة الله تعالى ووعده! دخول أمريكا في الإسلام!.
стр. 1256
أو ليس إذا من مشيئة الله تعالى أن الأمر في أمريكا لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن قام المسلمون بزرع الإسلام في أمريكا؟ أو ليس من مشيئته تعالى أن يحصل هذا عندما وجد المسلمون بين أيهدهم المال الكافي لتزويد اكبر وأعظم موجة دعوة دينية في التاريخ؟.
ومع هذا فما نحن صانعوه تجاه تحقيق هذا الوعد التاريخي الهائل؟ ألا يحقق دخول أمريكا في الإسلام إعلاء كلمة الله في الدنيا؟ كي يكتب الله لنا نصرا أكيدا وفتحا مبينا، ما الذي نبذله من جهد ونقوم به من عمل؟.
إياكم والظن أن قضية الإسلام تحقق ببناء غرفة أو إضافة حائط لمسجد. إياكم والظن أن إعلاء كلمة الله تحقق بمنح مبلغ من مال لهذا المسجد أو تلك الجماعة. إن قضية الإسلام تحقق فقط بتحقيق رسالته، وتحقق رسالته فقط بالدعوة إليها، لكن الدعوة المطلوبة اليوم ليست دعوة العجزة، ولا دعوة الشعائر ولا دعوة التأخر بل هي دعوة الآلاف من الدكاترة في العلوم الإسلامية، دكاترة في لغات وتاريخ الأمم المدعوة، دكاترة في الأديان وعلوم النفس، دكاترة في ثقافات وعادات الأمم المدعوة. فأين نحن من هذه الآلاف من الدكاترة، هذه الآلاف من جنود الله يقيمون الإسلام في حياتهم كما أقامه صحابة النبي ﷺ ؟.
стр. 1257
عبد العزيز صالح العناني (١).
تقارير
البرازيل
إن الحديث عن المسجد ورسالته حديث طويل ممتد من أعماق التاريخ البعيد إلى وقتنا الحاضر، ويظل بآفاقه وخصوبته ما بقي على الأرض إسلام ومسلمون حتى يرث الله الأرض ومن عليها. . وفي مثل هذا المقام بين أهل العلم والتخصص تكفي اللمحة الدالة كي نعبر منها إلى جوهر الموضوع وفائدته؟.
ويكفي المساجد تيها وفخارا أن ينسبها الحق ﵎ إليه فتكون أشرف البقاع بهذا النسب حيث يجعلها بيوته ويعتبر عمارها وزوارها والقائمين فيها وعليها ضيوفه المكرمين وعباده المقربين (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها.
رواه أبو نعيم " الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية " ص ٣٢.
ويقفها على ذاته يذكر فيها اسمه ولا يشاركه فيها غيره ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣)
ولا عجب - بعد ذلك - أن تكون تلك النوعية المتجردة هي المنطلق لذوي الخير والراغبين فيه، الباحثين عن الحق يرجون وصله ورضاه.
стр. 1258
ولا غرابة - بعد ذلك - في أن يكون إنشاء ذلك الحقل التربوي هو العمل الأول الذي أسس عليه رسول الله ﷺ دولته وبدأ فيه جولته وانطلاقته فور هجرته المباركة.
ومن خلال هذه الأهمية الهامة للمسجد نراه وقد أحيط بسياج عجيب من الرعاية التي تضفي عليه من الجلال والهيبة ما يجبر على إعظامه وتوقيره والتعاطف معه بأجمل المشاعر.
فهو يحس ويؤمن أن مجرد الاتجاه إلى هذا البيت الكريم يقتضيه أن يتطهر وأن يسكن ويتوقر، وأن مجرد السعي نحوه يحط من سيئاته ويكثر من حسناته ويرفع من درجاته، وأن مجرد الوقوف على أبوابه يتطلب منه المناجاة والدعوات، بل وتنظيم الخطوات في تقديم يمينه، فما أن يسعد بالدخول حتى يشرع في تحية مولاه بالخشوع والصلاة، ثم هو في صلاة ولو كان ينتظر الصلاة، وحسبه أن أصبح في وجود له حصانته وحرمته، فلا يجرؤ أحد أن يمر يبن يديه، ولا أن يرفع صوته بالتشويش عليه، بل تنقطع جميع المحادثات ولو كانت عادية إلا ما كان منها علما أو ذكرا أو خيرا من أمور تعبدية. ويكفي المؤمن شعورا أنه في مجال: عمارته دليل الإيمان وبرهان الفلاح والهدى، سواء في ذلك العمارة الإنشائية أو العمارة الاستعمالية بالتردد والعبادة والإفادة وفصل القول: إنه بهذا التعلق القلبي الزكي يصل إلى درجة وهي غاية الغايات، حين يسمع بشرى نبيه ﷺ «ورجل قلبه معلق بالمساجد (١)» ضمن الأنواع السبعة النادرة التي يظلها الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
ومن خلال هذا الطهر والصفاء يتعرف الإنسان على نفسه، وفي هذا الإطار الروحي الكريم يتعرف على إخوانه المسلمين، بل وفي هذه الضيافة المباركة يتعرف على ربه. . وفي ظلال تلك السماوات يدرك المؤمن ما عليه من واجبات وماله من حقوق فينسجم في جميع أحواله مع نفسه ومجتمعه ودينه في وحدة متناسقة يتحقق فيها بوصف المؤمنين الذين ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
وإذا توفر هذا الوعي الراشد في أفراد المجتمع وأدركوا بالتطبيق العملي أن " المسجد " محراب صلاة ولقاء بالله وعز ومناجاة وموضع ذكر وفكر ومكان علم وتعليم ودار اعتكاف وتربية وميدان جندية وقيادة وضبط ودقة وإحكام، وأنه دار إفتاء ومجلس شورى وصالة قضاء ينصف فيها المظلوم ويستوي لديها الحاكم والمحكوم، وأنه دار لقاء وتعارف وحب وإيثار وتعاطف. يربط الأواصر ويصلح الباطن والظاهر.
فماذا تبتغي المجتمعات من سعادة حين تدرك الحسنى وزيادة.
стр. 1259
ما يجب أن يكون
هذا الذي عرضنا إثارة من أثارة ما يريده الله ورسوله للأمة القدوة خير أمة أخرجت للناس، وهو ما كانت عليه المساجد بالفعل في الصدر الأول حتى أشعت على العالمين الخير كله، وهو ما كان ينبغي أن تستمر عليه تلك التجارب المثمرة، ولسنا بحاجة إلى استعراض ما آلت إليه الأمور من فوارق ندت به الفروع عن أصولها شكلا وموضوعا. فتلك أمور توافقت منها الشكوى حيث عمت بها البلوى، ولله در الداعين لهذا الخير والإصلاح يرتقون به فتوق هذه الأمة، ويردونها إلى ماضيها المجيد وتجاربها الإيجابية الرائدة، وقد حالفهم التوفيق حيث يجمعون مسئولية المساجد من أطراف الأرض في رحاب المسجد الإمام بيت الله الحرام أول بيت وضع للناس هدى للعالمين، عسى أن تعمنا بركاته وخيراته والله الهادي إلى سواء السبيل.
ولعل فيما سبق لمسا إجماليا للأثر التاريخي والروحي والفكري من " رسالة المسجد ".
стр. 1260
إعداد الأئمة
وهذا موضوع له خطره وأهميته، فإن القيادة غير المعدة ربما ضرت أكثر مما نفعت وكما يقال: " إن زلة العالم يزل بها عالم "، وحين يضعف الإعداد فما أكثر الزلل ورب زلة واحدة تفتح أبواب فتنة، وأرجو أن تسمح الفرصة بتقديم نموذج يتضح فيه مقصدي: فقد طالعتنا الصحافة بعجائب في الأشهر الماضية تتحدث عن الإسلام بألسنة بعض دعاته تجافي روح الإسلام وأصوله وأسلوبه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وإن توفر حسن النية لا يعفي من المسئولية على طول المدى.
ذلك أن خلال موجات الحوار المتبادلة بين رجالات الدين المسلمين والمسيحيين قد عرض بعض دعاتنا موضوعا أسماه (توحيد الإسلام والمسيحية) في لقاء ضم أربعة منهم: عالمان مسلمان وقسان مسيحيان. ونافح فيه ودافع وكرر فكرة " التوحيد بين الديانتين " خلال حديثه خمس مرات فضلا عن العنوان والحوار البناء الذي يكشف عن جوهر الإسلام بالبيان لمن جهل بعض حقائقه أو خفيت عليه بعض حكمه وتشريعاته. والذي يدفع عنه بعض الشبهات التي ألصقها به خصومه يكون جميلا بل هو واجب المسلمين ومسئولية العلماء نحو الحقائق التي شرفهم الله بحمل أمانتها. الحوار الذي أجراه علماؤنا المجاهدون في الرياض وباريس والفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في جنيف، والمجلس الأوربي في ستراسبورغ حول حقوق الإنسان ومصادر التشريع وموقف الإسلام من العلم وقضية السلام العالمي وقضايا المرأة والأحوال الشخصية وأسلوبه في " وحدة الأسرة البشرية إلخ. . .
стр. 1261
أما أن تتمتع القضايا الأم تحت عناوين مستحيلة يسمح الداعية فيها لنفسه أن يسوي بين القرآن والإنجيل كمرجع للبحث متناسيا الفروق الجوهرية كي نصل - على حد تعبيره - إلى " أن الديانتين واحدة في الأصل والمبدأ والغاية ".
ثم ينطلق من مطالبة القرآن لنا أن نؤمن بالرسالات السابقة ورسلها وكتبها إلى القول " فكل مسلم مسيحي وزيادة، وعليه فأي غضاضة على مسيحي العرب في هذا المشرق أن يكونوا مسلمين مسيحيين كما نحن مسلمون مسيحيون، إذ لا يخرج المسيحي لو أسلم عن مسيحيته الحقيقية أصلا ولا عن نصرانيته الحقة أبدا ".
ونحن بحمد الله مؤمنون بالرسل جميعا ولا نفرق بين أحد منهم، ولكننا لسنا مسيحيين لأننا آمنا بعيسى ﵇ رسولا، ولسنا يهودا لأننا آمنا بموسى ﵇ رسولا، فإن قضية الإيمان قضية تصديق، ارتباطها بالقلب وما اعتبرنا مسلمين إلا بالانقياد التطبيقي لما جاء به رسولنا ﷺ من تشريع، وهذا مجاله الجوارح عملا وتركا تجاوبا مع الأمر والنهي، وهذا سبيل تباينت فيه الأديان ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (١) ٤٨ المائدة.
وكيف ينسى الداعية - مهما حسنت نيته - أن الشرائع ينسخ اللاحق منها السابق، وهذا نص كريم ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢)
ثم كيف يوصف المسلمون بأنهم " مسلمون مسيحيون " وقد ناداهم ربهم في قالب المنة والتكريم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) ٣ المائدة.
ورب الأديان الذي أنزلها لم يعتمد في كتابه الخاتم سواه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) ١٩ آل عمران. . . بل حسم الأمر غاية حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٥) ٨٥ آل عمران. . . ظن أخونا الداعية أنه بهذا يستميلهم أو ينال رضاهم، ونسي أن القضية مطروقة وقديمة وأن الله ﵎ خاطب سيد المرسلين بقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٦) ١٢٠ البقرة. ثم ينادي داعيتنا الكريم باسم الإسلام " مسيحيي العرب في هذا الشرق " أن يتبعوا سيدا من قومهم وسلالة أجدادهم وآثارها جنسية وقومية ووطنية إلخ. وفاته أن معتنقي المسيحية في العالم أضعاف العرب وكذلك الحال في المسلمين، وفاته أن هذا الأسلوب يتجافى مع روح الإسلام الحقة ويخالف طبيعة رسالته العامة، وأن مهمة سيدنا محمد ﷺ كما حكاها القرآن الكريم ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٧) ٩ الصف. . . وأن الرسول ﷺ قد أدى ذلك البلاغ وسجل القرآن له ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٨) ١٥٨ الأعراف.
стр. 1262
وأنه ﷺ كان يعطي هذا الجانب (أعني عرض الدعوة وإبلاغها) أعظم الاهتمام والعناية في إطار من أربعة أضلاع تكون سياجا منيعا لحماية الحق وحفظ كيانه والاعتراف بفضله حتى من معارضيه.
الأول: (الحسنى) في ظلال ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ٦ العنكبوت.
الثاني: (العدل والمساواة) في ظلال ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) ٦٤ آل عمران. . . ولم يقل مسلمون مسيحيون.
الثالث: (رفض الهوى والمساومات) في ظلال ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣) ١٥ الشورى.
الرابع: (الحسم الواضح) في ظلال ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٤) وإذا استدعى الأمر ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٥)
وبهذا المسلك الموقن سد رسول الله ﷺ الثغرات دون أهل الهوى والغرض، لكن العرض الضعيف يطمع ويفتح أبواب الفتنة والحق، أقول لقد قرأت الحوار وطالعته كما طالعت بعض التعليقات حوله بشعور أليم وقلب أسيف لما أثار من فرص موهومة بدا فيها الباطل صاحب وجهة نظر، وجرأت أهله على الرفض الصريح بل وعلى الغمز أحيانا. . ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)
ومن أجل ذلك وأمثاله أركز كل التركيز على موضوع إعداد الداعية شكلا وموضوعا علما وسلوكا. . والله المستعان.
стр. 1263
مقترحات
١ - طبع رسائل جيب متتابعة تعرض تاريخ المسجد هنا وهناك من لطائف وقصص ونوادر حتى تكون نماذج تحتذى في رفق.
٢ - الاستعانة في مجال الوسائل بالفيلم السينمائي لعرض أفلام تصاغ خصيصا في التربية الصالحة وشرح بعض الغزوات وبعض العبادات في مراحلها كمناسك الحج وتعليم الصلاة للصغار وتقديم بعض الصور الأخلاقية ومقاومة الانحراف والجريمة بإعداد وإخراج مناسب، وإذا نجح فسوف يخرج تلقائيا إلى مجالات خارج المسجد وربما تبناه الإعلام العام مثل التلفزيون فيغزو كل بيت وكل أسرة.
٣ - من الوسائل الناجحة التي لجأ إليها التبشير الأمريكي الاهتمام بالصحة بين الطبقات الكادحة وهو موضوع إنساني يستميل القلوب والمشاعر فلا بأس أن نفيد منه.
٤ - من وسائل إعداد الأئمة أن تسجل بعض الخطب الجيدة وتوزع عليهم أو يستمعوا إليها في ندوات تجمعهم حسب ظروفهم وإمكاناتهم.
٥ - أيضا جولات تدريبية لا بأس أن تنتهي بإجراء مسابقة بينهم في الموضوعات أو الكتب التي طرحت عليهم في التدريب مع شيء من التشجيع الأدبي والمادي للمتفوقين أو للجميع.
٦ - معسكرات عمل وتطبيق وممارسة يختلط فيها الأئمة ويتفاعلون. . إلخ.
٧ - أصبح من الضروري في المرافق الملحقة بالمسجد بعض وسائل الترفيه المفيد من مكتبات وندوات بل وبعض الملاعب بالقدر المتاح للشباب، وبعض المدارس أو الفصول الدراسية الملحقة، أيضا شيء من الجانب العلاجي كالمستوصفات أو المشافي حسب ظروف المكان والبيئة والطاقة.
٨ - ربط مصالح الناس بالمسجد كإجراء عقود الزواج وما شابه.
٩ - وجوب تحذير المسلمين من طغيان الاهتمام بالبنيان على الجانب الروحي من بناء الإنسان في مثل الحديث التالي: عن أبي قلابة. . قال أنس: إن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على الناس زمان يتباهون في المساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا» رواه البخاري. . انظر نيل الأوطار ج ٢ - ١٦٩ باختصار. هذا وبالله التوفيق.
стр. 1264
صفحة فارغة
стр. 1265
أنباء إسلامية دولية
استقبل معالي وزير الإعلام السعودي: الدكتور محمد عبده يماني في شهر صفر من عام ١٣٦٩ هـ الماضي رواد الفضاء الأميركيين يرافقهم الدكتور فاروق الباز عالم الفضاء المصري، وقد وجه معاليه إليهم هذه الكلمة القيمة.
إننا في المملكة العربية السعودية نشعر بسعادة كبيرة لما وفق الله إليه من تحقيق هذه النتائج التي كان فيها الخير الكثير للإنسانية جمعاء، ولا شك أن النتائج التي جاءت لمشروعات الفضاء. . كان بها آثار إيجابية على الإنسانية بصورة عامة، ونحن أيضا نفخر بهذا العمل لأننا جزء منه. فلقد ساهم أجدادنا كما تعلمون في هذا العمل وكانوا حلقة من الحلقات الأساسية، التي ساهمت في وضع أول إنسان على القمر، فقد كان هناك اهتمام كبير بعلوم الفضاء في البلاد الإسلامية. . كان لنا مراصد في طليطلة، وسمرقند، وبغداد، ومناطق كثيرة من العالم الإسلامي وبدأت هذه الجهود كما تعلمون عبر عصور تاريخية، وساهموا في وضع أجزاء أساسية من علوم الفضاء وعلم الفلك، منهم: أبو الحسن عبد الرحمن الرازي، فقد رصد ما يزيد عن ألف نجم، وحدد أماكنها جميعا بالنسبة لمبادرة الاعتداليين، وعين أقدار النجوم بدقة، قبل أن يوجد الحاسب الإلكتروني، ولا تختلف حساباته، كما تعلمون، عن ما هو معتمد لديكم اليوم، وهو الذي ذكر سديم المرآة المسلسلة قبل موبوس بأكثر من ستة قرون، وهو الذي حدد دائرة البروج ومبادرة الاعتداليين بدرجة كل ستة وستين عاما، وهو أيضا من الذين تحدثوا عن النجوم