كشاف المراجع
١ - القرآن الكريم.
٢ - أخبار النساء - لابن قيم الجوزية - تحقيق نزار رضا منشورات - دار مكتبة الحياة - بيروت، لبنان.
٣ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.
تأليف محمد ناصر الدين الألباني - الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩هـ.
الناشر المكتب الإسلامي.
٤ - الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني.
من منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي، باكستان.
تحقيق أبي الوفاء الأفغاني - طبع بمطبعة إدارة القرآن، كراتشي.
٥ - إعانة الطالبين لأبي بكر بن محمد شطا.
طبع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية - عيسى الحلبي وشركاه.
٦ - إعلام الموقعين عن رب العالمين تأليف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية.
راجعه طه عبد الرؤوف سعيد - الناشر مكتبة الكليات الأزهرية - طبع سنة ١٣٨٨هـ بشركة الطباعة الفنية المتحدة.
стр. 12392
٧ - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع لمحمد الشربيني الخطيب.
طبع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية - عيسى الحلبي وشركاه.
٨ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.
للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي.
صححه وحققه محمد حامد الفقي، الطبعة الأولي سنة ١٣٧٤هـ.
٩ - بجيرمي علي الخطيب - حاشية الشيخ سليمان البجيرمي المسماة بتحفة الجبيب على شرح الخطيب.
الطبعة الأخيرة سنة ١٣٧٠هـ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي.
١٠ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع.
للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني.
الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ - الناشر دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان.
١١ - بداية المجتهد لمحمد بن أحمد بن رشد.
الطبعة الرابعة ١٣٩٥ هـ شركة مطبعة ومكتبة مصطفى الحلبي.
١٢ - بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك للشيخ أحمد بن محمد الصاوي المالكي الطبعة الأخيرة سنة ١٣٧٢ هـ.
ملتزم الطبع والنشر مكتبة ومطبعة الحلبي.
١٣ - تاج العروس شرح القاموس للإمام محب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي - الطبعة الأولي بالمطبعة الخيرية سنة ١٣٠٦ من منشورات دار مكتبة الحياة.
١٤ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق.
تأليف فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي.
طبع دار المعرفة بيروت، لبنان.
١٥ - الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة - تحقيق أحمد محمد شاكر.
طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت
١٦ - حاشية البيجوري علي بن قاسم.
طبع سنة ١٣٤٣هـ - بمطبعة مصطفى الحلبي بمصر.
١٧ - حاشية ابن عابدين لمحمد أمين الشهير بابن عابدين.
الطبعة الثانية سنة ١٣٨٦هـ - طبع دار الفكر.
١٨ - حاشية العدوي على شرح أبي الحسن للشيخ علي الصعيدي العدوي
طبع دار إحياء الكتب العربية.
١٩ - روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي.
الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ - الناشر المكتب الإسلامي.
٢٠ - سنن ابن ماجه للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني.
تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي طبع دار إحياء التراث العربي سنة ١٣٩٥هـ
٢١ - شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني - للعلامة أحمد بن أحمد البرنس المعروف بزروق
стр. 12393
مع شرح العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي. طبع بالمطبعة الجمالية بمصر سنة ١٣٣٢هـ.
٢٢ - الشرح الصغير على أقرب المسالك لأحمد الدردير.
مطبعة عيسى البابي الحلبي.
٢٣ - صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
الناشر المكتبة الإسلامية - إستانبول - تركيا سنة ١٩٨١م.
٢٤ - صحيح مسلم بشرح النووي.
طبع المطبعة المصرية ومكتبتها.
٢٥ - العناية شرح الهداية - مع فتح القدير لابن الهمام.
طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت، لبنان.
٢٦ - عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي.
الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٩هـ طبع دار الفكر للنشر والتوزيع.
٢٧ - الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيثمي وبهامشه فتاوى الرملي - طبع سنة ١٤٠٣هـ.
الناشر دار الباز للنشر والتوزيع. المروة، مكة المكرمة.
٢٨ - الفتاوى الهندية - تأليف الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند.
الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ طبع دار إحياء التراث العربي بيروت، لبنان.
٢٩ - فتح الجواد بشرح الإرشاد لأحمد شهاب الدين بن حجر الهيثمي
الطبعة الثانية ١٣٩١هـ شركة مكتبة مصطفى الحلبي.
٣٠ - الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني
تأليف أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي.
الطبعة الأولى والطبعة الثانية - طبع دار إحياء التراث العربي.
٣١ - فتح القدير لكمال الدين محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن الهمام - طبع دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان.
٣٢ - الفروع لمحمد بن مفلح - راجعه عبد الستار أحمد فراج
طبع عالم الكتب الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٥ هـ.
٣٣ - الفروق للإمام أحمد بن إدريس القرافي
عالم الكتب بيروت.
٣٤ - فيض القدير شرح الجامع الصغير للعلامة المناوي - الطبعة الثانية سنة ١٣٩١هـ دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت.
٣٥ - قليوبي وعميرة على منهاج الطالبين للإمامين شهاب الدين القليوبي والشيخ عميرة. طبع مطبعة دار إحياء الكتب العربية. عيسى الحلبي وشركاه - مصر.
٣٦ - القوانين الفقهية لابن جزي.
الناشر عباس أحمد الباز. المروة - مكة المكرمة.
٣٧ - الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل.
الناشر المكتب الإسلامي. الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٥هـ.
٣٨ - الكافي في فقه أهل المدينة لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر - تحقيق
стр. 12394
الدكتور محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني.
الناشر مكتبة الرياض الحديثة - الطبعة الأولى ١٣٩٨هـ.
٣٩ - كشاف القناع عن متن الإقناع للشيخ منصور البهوتي راجعه وعلق عليه هلال مصيلحي.
الناشر مكتبة النصر الحديثة بالرياض.
٤٠ - الكفاية شرح الهداية مع فتح القدير لابن الهمام.
طبع دار إحياء التراث العربي.
٤١ - كفاية الطالب لرسالة ابن أبي زيد القيرواني لأبي الحسن علي بن محمد - الناشر مكتبة محمد علي صبيح.
٤٢ - لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور - طبع دار صادر - بيروت.
٤٣ - نصاب الاحتساب لعمر بن محمد بن عوض السنامي.
تحقيق ودراسة الدكتور مريزن سعيد مريزن عسيري.
الناشر مكتبة الطالب الجامعي مكة المكرمة طبع سنة ١٤٠٥/ ١٤٠٦هـ.
٤٤ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لمحمد بن أبي العباس الرملي.
شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي الطبعة الأخيرة سنة ١٣٨٦هـ.
٤٥ - المبسوط لشمس الدين السرخسي.
الطبعة الثالثة ١٣٩٨هـ طبع دار المعارف - بيروت، لبنان.
٤٦ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٢هـ.
منشورات دار الكتاب العربي بيروت.
٤٧ - المجموع شرح المهذب للإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي.
حققه وعلق عليه محمد نجيب المطيعي.
توزيع المكتبة العالمية بالفجالة بمصر.
٤٨ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد.
الطبعة الأولي والطبعة المصورة عنها سنة ١٣٩٨ هـ.
٤٩ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل - تحقيق زهير الشاويش
الناشر المكتب الإسلامي - طبع سنة ١٤٠٠هـ.
٥٠ - مسند الإمام أحمد وبهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي
الناشر المكتب الإسلامي / بيروت.
٥١ - معالم السنن الإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي
الطبعة الثانية سنة ١٤٠١ هـ - منشورات المكتبة العلمية.
٥٢ - المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب لأحمد بن يحيى الونشريسي.
стр. 12395
خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي
طبع سنة ١٤٠١ هـ دار الغرب الإسلامي - بيروت.
٥٣ - المغني لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة.
الناشر مكتبة الجمهورية العربية ومكتبة الرياض الحديثة.
٥٤ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للشيخ محمد الشربيني الخطيب. الناشر دار إحياء التراث العربي.
٥٥ - المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل - لموفق الدين ابن قدامة المقدسي مع حاشية بخط الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - الطبعة الثانية.
٥٦ - منار السبيل شرح الدليل للشيخ إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان - الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩هـ الناشر المكتب الإسلامي.
٥٧ - منتهى الإرادات لتقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار - تحقيق عبد الغني عبد الخالق - طبع عالم الكتب.
٥٨ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد المغربي المعروف بالحطاب - الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ طبع دار الفكر.
стр. 12396
الدفاع عن السنة النبوية
وطرق الاستدلال
الدكتور الطبلاوي محمود سعد
أستاذ مساعد بكلية التربية
السنة في اللغة: الطريقة محمودة كانت أو مذمومة، ومنه قوله ﷺ «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (١)».
والسنة في اصطلاح المحدثين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة سواء كان قبل البعثة أو بعدها وهي بهذا ترادف الحديث عند بعضهم.
والسنة في اصطلاح الأصوليين: ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
فمثال القول: ما تحدث به النبي ﷺ في مختلف المناسبات مما يتعلق بتشريع الأحكام كقوله ﷺ في الحديث المشهور «إنما الأعمال بالنيات (٢)».
стр. 12397
وقوله «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (١)».
ومثال الفعل: ما نقله الصحابة من أفعال النبي ﷺ من أفعال صدرت عن بعض أصحابه بسكوت منه مع دلالة الرضا.
وقد تطلق السنة عند الأصوليين على ما دل عليه دليل شرعي من الكتاب أو السنة أو اجتهاد الصحابة.
والسنة في اصطلاح الفقهاء ما ثبت عنه ﷺ مما يدل على حكم شرعي وجوبا أو حرمة أو إباحة أو غير ذلك أو ما ثبت عنه ﷺ ولم يكن من باب الفرض أو الواجب.
стр. 12398
جهود العلماء لصيانة السنة ومقاومة حركة الوضع
لقد بذل العلماء منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا جهودا عظيمة لتمييز صحيح الأحاديث متبعين في ذلك التحري في إسناد الحديث، فلا يقبلون منها إلا ما اطمأنوا فيه إلى ثقة الرواة وعدالتهم، وقد أشار الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود قوله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: " سموا لنا رجالكم ".
стр. 12399
ويقول الزهري،: الإسناد من الدين. ويقول ابن المبارك بيننا وبين القوم القوائم أي الإسناد. ويقول سعيد بن المسيب: إني كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
يقول الشيخ مناع القطان:
ومن الخطوات التي اتبعت أيضا: نقد الرواة، قال الغزالي في المستصفى والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالة الصحابة معلومة بتعديل الله إياهم، وثنائه عليهم في كتابه.
فلا يؤخذ حديث الذين يعرف عنهم الكذب، ولا أحاديث البدع ووضع العلماء أمارات للدلالة على أن الحديث موضوع كمخالفته لصريح القرآن، أو فساد معناه، ونشأ من ذلك علم الجرح والتعديل.
وكان لجهود أئمة الحديث وعلمائه في العصور المختلفة أثر كبير في الذب عن السنة النبوية. وفي تخريج الأحاديث، وبيان الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة.
وظهرت كتب كثيرة في هذا الشأن منها:
- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للحافظ السخاوي.
- ونصب الراية لأحاديث الهداية للحافظ الزيلعي.
- والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للحافظ العراقي.
стр. 12400
- وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر العسقلاني.
- وتخريج أحاديث الكشافة للحافظ ابن حجر.
- والمنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزية.
- وتخريج أحاديث الشفاء للسيوطي.
- والموضوعات لابن الجوزي.
- واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي.
- وذيل اللآلئ للسيوطي أيضا.
- والموضوعات الكبرى للشيخ علي القاري الهروي.
- والموضوعات الصغرى له أيضا.
- والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني.
- وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني وقد رد الدكتور مصطفى السباعي في كتابة السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي على ما كتبه أبو رية في كتابه (أضواء على السنة المحمدية)، وكذلك رد على مطاعن بعض المستشرقين في السنة.
وقد اهتم العلماء بالرد على من أنكر حجية السنة وأنها لم تدون إلا في عصر متأخر فتجد هذه الردود على الهجمات الشرسة من المستشرقين ومن ذوي النفوس المريضة الذين يهدفون إلى توهين الثقة في الأحكام الشرعية وحجية السنة تجد هذه الردود في كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
الأعذار في ترك بعض الأحاديث في الاستدلال:
стр. 12401
وقد بين لنا شيخ الإسلام ابن تيمية أعذار الأئمة في ترك بعض الأحاديث النبوية أثناء اجتهاداتهم ووضح أنها ثلاثة أصناف: (١).
أحدها: عدم اعتقاد المجتهد من الأئمة أن النبي ﷺ قال هذا الحديث.
الثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
الثالث:: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأعذار الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة.
- السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالما بموجبه.
وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث.
وقد فات على كثير من العلماء بعض الأحاديث فلم يعلموا بها وكذلك أيضا إحاطة واحد من الصحابة بجميع أحاديث النبي ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه لأنهم بشر ولهم طاقة.
وهو ﷺ كثيرا ما كان معه صاحباه أبو بكر وعمر في أوقات كثيرة، ثم مع ذلك لما «سئل أبو بكر عن ميراث الجدة قال: ما لك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك من سنة رسول الله ﷺ من شيء، ولكن اسأل الناس فسألهم، فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا أن النبي ﷺ أعطاها السدس (٢)» وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن يعلم بسنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى واستشهد بالأنصار.
стр. 12402
ولم يكن عمر يعلم أيضا أن المرأة ترث من دية زوجها بل يرى أن الدية للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان وهو أمير لرسول الله ﷺ على بعض البوادي يخبره «أن رسول الله ﷺ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها (١)»؛ فترك عمر رأيه لذلك وقال " لو لم نسمع بهذا لقضينا خلافه ".
ولما قدم سرغ وبلغه أن الطاعون بالشام، استشار المهاجرين الأولين الذين معه، ثم الأنصار، ثم مسلمة الفتح، فأشار كل عليه بما رأى، ولم يخبره أحد بسنة.
حتى قدم عبد الرحمن بن عوف فأخبره بسنة رسول الله ﷺ في الطاعون وأنه قال «إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه (٢)».
وهكذا تجد عمر بن الخطاب ﵁ كان يقضي بما يعلم ولكن فاته بعض الأحاديث وذلك مثل ما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها وقد كان عند أبي موسى وابن عباس - وهما دونه في كثير من العلم - علما بأن النبي ﷺ قال «هذه وهذه سواء (٣)» يعني الإبهام والخنصر، فبلغت هذه السنة معاوية ﵁ في إمارته فقضى بها، ولم يجد المسلمون بدا من اتباع ذلك. ولم يكن عيبا في عمر ﵁ حيث لم يبلغه الحديث. وغير ذلك كثير.
ويواصل شيخنا ابن تيمية في توضيح الأعذار وأسبابها ويقول (٤) فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة أو إماما معينا فهو مخطئ خطأ فاحشا قبيحا.
стр. 12403
ولا يقولن قائل: الأحاديث قد دونت وجمعت، فخفاؤها والحال هذه بعيد.
ولا نستنتج من كلام ابن تيمية أن الحديث لم يكتب في عهده، بل كان بعض كتاب الوحي يكتبون عن النبي ﷺ الحديث أيضا إلا أن هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين.
ومع هذا فلا يجوز أن يدعي انحصار حديث رسول الله ﷺ في دوواين معينة بل الدوواين تكمل بعضها.
ثم لو فرض انحصارها فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد. وبين لنا ابن تيمية أيضا أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون عالما بالأحاديث كلها فيقول: لا يقولن قائل: من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا.
وإنما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه، بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل.
السبب الثاني: في ترك بعض الأحاديث: أن يكون الحديث قد بلغه، لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو محدث محدثه أو غيره من الإسناد مجهول عنده أو متهم، أو سيئ الحفظ.
وإما لأنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا.
أو لم يضبط لفظ الحديث.
السبب الثالث:
اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره وتحته كلام كثير لا يتسع المقام لذكره.
السبب الرابع: في ترك بعض الأحاديث عند المجتهد أنه يشترط في خبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها غيره.
مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقهيا إذا خالف قياس الأصول.
واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما يعم به البلوى.
стр. 12404
وتجد توضيح ذلك في كتب الأصول.
السبب الخامس:
أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه كما حدث ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ وذلك مثل الحديث المشهور «عن عمر ﵁ أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء فقال: لا يصلي حتى يجد الماء - فقال عمار: يا أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأجنبنا فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ : (إنما يكفيك هكذا) وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه؟ فقال له عمر: اتق الله يا عمار!! فقال إن شئت لم أحدث به.
فقال: بل نوليك من ذلك ما توليت (١)».
فهذه سنة شهدها عمر ثم نسيها حتى أفتى بخلافها وذكره عمار فلم يذكر وهو لم يكذب عمارا بل أمره أن يحدث بها.
وأبلغ من هذا أنه خطب الناس فقال " لا يزيد رجل على صداق أزواج النبي ﷺ وبناته إلا رددته ". فقالت امرأة: يا أمير المؤمنين: " لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ ".
ثم قرأت ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) سورة النساء (آية ٢٠) فرجع عمر إلى قولها وكان حافظا للآية ولكن نسيها.
ويواصل شيخنا ابن تيمية في بيان الأعذار وتوضيح الأسباب في ترك بعض الأحاديث في الاستدلال فيقول (٣).
стр. 12405
السبب السادس:
عدم معرفته بدلالة الحديث، تارة لكون اللفظ الذي في الحديث غريبا عنده.
مثل لفظ المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة والملامسة والمنابزة، والغرر، إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها. وإن كان لها معان مشهورة.
وكالحديث المرفوع «(لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) (١)» فإنهم فسروا الإغلاق بالإكراه ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير.
كما سمع بعضهم آثارا في الرخصة في النبيذ فظنوه بعض أنواع المسكر، لأنه لغتهم، وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد.
وتارة لكون اللفظ مشتركا، أو مجملا، أو مترددا بين حقيقة ومجاز فيحمله على الأقرب عنده، وإن كان المراد هو الآخر.
كما حمل جماعة من الصحابة الخيط الأبيض، والخيط الأسود على الحبل. وهذا باب واسع أيضا.
السبب السابع: في ترك بعض الأحاديث:
اعتقاده ألا دلالة في الحديث.
السبب الثامن أيضا:
اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مراده، مثل معارضة العام بالخاص، أو المطلق بالمقيد وهكذا.
стр. 12406
السبب التاسع والعاشر:
اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه، أو تأويله إن كان قابلا للتأويل.
كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث بظاهر القرآن، واعتقادهم أن ظاهر القرآن مقدم على نص الحديث.
وللإمام الشافعي في هذه القاعدة كلام معروف، وللإمام أحمد في رسالته المشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله ﷺ .
وقد أورد فيها من الدلائل ما يضيق هذا الموضوع عن ذكره (١).
كتب الحديث وأوائل المصنفات:
قال الشافعي يرحمه الله: ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ مالك.
وهو كما قال الشافعي ﵁، من حيث إنه أول كتاب ظهر، ويعلق شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:
وهذا لا يعارض ما عليه أئمة الإسلام من أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من صحيح البخاري ومسلم.
مع أن الأئمة على أن البخاري أصح من مسلم.
ولا يشك أحد أن البخاري أعلم من مسلم بالحديث والعلل والتاريخ، وأنه أفقه منه.
وكتب الأحاديث التي بين أيدينا أيضا ليست على درجة واحدة في الرتبة إذ البخاري وأبو داود أفقه أهل الصحيح والسنن المشهورة كما يقول ذلك ابن تيمية ويعلل ذلك فيقول:
стр. 12407
وإنما كان هذان الكتابان كذلك لأنه جرد فيها الحديث الصحيح المسند عن رسول الله ﷺ .
وأما الموطأ ونحوه فإنه صنف على طريقة العلماء المصنفين إذ ذاك.
وأول ما نزل القرآن على النبي ﷺ كان الاهتمام به أكثر فإن الناس على عهد رسول الله ﷺ كانوا يكتبون القرآن فقط فكان الرسول في أول نزول الوحي لا يشغلهم بغيره، وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن وقال: «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه (١)».
ولكن الصحابة في عهده ﷺ بدأوا يكتبون الأحاديث حيث أذن في الكتابة لعبد الله بن عمرو وقال: «اكتبوا لأبي شاه (٢)».
وكتب لعمرو بن حزم كتابا (قالوا: كان النهي أولا خوفا من اشتباه القرآن بغيره، ثم أذن لهم ﷺ بكتابة الحديث عنه لما أمن منهم اختلاطه بالقرآن.
فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله ﷺ وكتبوا أيضا غيره من الكتب والرسائل للملوك والأكاسرة والقياصرة وحكام البلاد.
ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفه إلى زمن تابع التابعين حتى صنف العلم بعد ذلك.
فأول من صنف ابن جريج شيئا في التفسير وشيئا في الأموات وصنف
стр. 12408
سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة، ومعمر وأمثال هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين.
وصنف بعد ذلك عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب ووكيع بن الجراح، عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور وغير هؤلاء.
فهذه الكتب التي كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي التي أشار إليها الشافعي ﵀ فقال: ليس بعد القرآن كتاب أكثر صوابا من موطأ مالك فإن حديثه أصح من حديث نظائره وكذلك الإمام أحمد لما سئل عن حديث مالك ورأيه، وحديث غيره ورأيهم، رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم.
وهذا يصدق الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة (١)».
فقد روى عن غير واحد، كابن جريح وابن عيينة وغيرهما أنهم قالوا هو مالك (٢).
ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم. وتكلم إما بظن أو هوى.
فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس. لاعتقاده صحتهما، وإن
стр. 12409
كان أئمة الحديث لم يصححوهما.
يعلق ابن تيمية ويقول:
وقد بينا هذا في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وبينا أن أحدا من أئمة الإسلام لا يخالف حديثا صحيحا بغير عذر، بل لهم نحو عشرين عذرا. مثل أن يكون أحدهم لم يبلغه الحديث، أو بلغه من وجه لم يثق به، أو لم يعتقد دلالته على الحكم، أو اعتقد أن ذلك الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه كالناسخ أو ما يدل على الناسخ، وأمثال ذلك.
والأعذار يكون العالم فيها مصيبا فيكون له أجران ويكون فيها مخطئا فيثاب على اجتهاده، وخطؤه مغفور له.
لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) البقرة ٢٨٦ وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء وقال: «قد فعلت (٢)» ولأن العلماء ورثة الأنبياء.
стр. 12410
أئمة الحديث والفقه واختلاف ميولهم
من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد.
وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما.
حتى إن الشافعي لما ناظر محمد بن الحسن حين رجح محمد لصاحبه على صاحب الشافعي، فقال له الشافعي: بالإنصاف أو المكابرة؟
فقال له: بالإنصاف.
فقال: ناشدتك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟
стр. 12411
فقال: بل صاحبكم.
فقال: صاحبنا أعلم بسنة رسول الله ﷺ أم صاحبكم.
فقال: بل صاحبكم.
فقال: صاحبنا أعلم بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ أم صاحبكم.
فقال: بل صاحبكم.
فقال: ما بقي بيننا وبينك إلا القياس. ونحن نقول بالقياس. ولكن من كان بالأصول أعلم كان قياسه أصح.
ويعلق شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:
والإمام أحمد كان يعلم أن مذهب أهل المدينة وعلمائها أقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب أهل الكوفة وعلمائها.
وأحمد كان يحب الشافعي ويثني عليه ويدعو له ويذب عنه عندما يطعن في الشافعي، أو من ينسبه إلى بدعة. ويذكر تعظيمه للسنة واتباعه لها ومعرفته بأصول الفقه كالناسخ والمنسوخ. والمجمل والمفسر، ويثبت خبر الواحد ومناظرته عن مذهب أهل الحديث من خالفه بالرأي وغيره.
وكان الشافعي يقول: سموني ببغداد ناصر الحديث. . وقد رحل إلى مالك وأحذ عنه الموطأ.
واجتمع بمحمد بن الحسن وكتب كتبه وناظره، وعرف أصول أبي حنيفة وأصحابه (١).
стр. 12412
والبخاري (٢٥٦) وأبو داود إمامان في الفقه من أهل الاجتهاد.
وأما مسلم (٢٦١)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة وأبو يعلى (١) والبزار (٢) ونحوهم، فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء.
ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق. . .
بل هم يميلون إلى قول أئمة الحديث، كالشافعي، وأحمد وإسحاق، وأبي عبيد، وأمثالهم.
ومنهم من له اختصاص ببعض الأئمة كاختصاص أبي داود ونحوه بأحمد بن حنبل وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك وأمثاله - أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق - كأبي حنيفة والثوري.
وقبيل نهاية القرن الثاني وجدت شرذمة أنكرت حجية السنة كمصدر للتشريع ووجدت طائفة أخرى أنكرت حجية غير المتواتر منها.
فالإمام الشافعي ذكر في الأم: باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها، وباب حكاية قول من رد خبر الخاصة.
فالخوارج يأخذون بالسنة النبوية ويؤمنون بها مصدرا للتشريع الإسلامي إلا أنهم نقل عنهم رد ما روي بعض الصحابة، وخاصة بعد التحكيم.
قال الأستاذ السباعي: إن الخوارج على اختلاف فرقهم يعدلون الصحابة جميعا قبل الفتنة، ثم يكفرون عليا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما.
وبذلك ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة لرضاهم بالتحكيم.
стр. 12413
وقد استدرك الدكتور الأعظمي على الأستاذ السباعي في قوله بأن هذا الكلام يستدعي النظر.
فقال الأعظمي:
مما لا ريب فيه أن كتب الخوارج قد انعدمت بانعدام مذهبهم ما عدا الأباضية وهم فرقة من الخوارج وبمراجعة كتبهم نجدهم يقبلون الأحاديث النبوية: ويروون عن علي وعثمان وعائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك وغيرهم رضوان الله عيهم أجمعين.
ومما كتبوه في أصول الفقه تبين أنهم أخذوا بخبر الآحاد.
قال السالمي: إذا عارض الآحاد القياس ففي تقديم أيهما على الآخر مذاهب، ذكر المصنف منها ثلاثة أحدها وهو قول الأكثر من أصحابنا والمتكلمين وهو قول عامة الفقهاء من قومنا أن يقدم الخبر على القياس، فيكون العمل به أولى من العمل بالقياس.
ويقول الأعظمى:
استنتج الشيخ الخضري من كتابات الشافعي - ومال إلى ذلك السباعي أيضا - بأن الفرقة التي ردت الأخبار كلها هي المعتزلة.
ذكر السباعي نقولا عن الآمدي، وابن حزم، وابن القيم.
ثم قال: وهذه النقول - كما ترى - متضاربة لا تعطينا حكما صحيحا في المسألة ثم نقل مذهب النظام من: الفرق بين الفرق للبغدادي مبينا أنه أنكر المعجزات، وأنكر حجية الإجماع والقياس، وأنكر الحجة من الأخبار التي توجب العلم الضروري ثم ذكر أن أكثر المعتزلة متفقون على تكفير النظام.
يعلق الدكتور الأعظمي على الشيخ السباعي فيقول: وبوب الحسين البصري المعتزلي في كتابه في أصول الفقه (المعتمد) بقوله: باب في أن خبر الواحد لا يقتضي العلم. قال أكثر الناس: إنه لا يقتضي العلم، وقال آخرون يقتضي العلم، واختلف هؤلاء فلم يشترط قوم من أهل العلم اقتران قرائن به
стр. 12414
وقيل إنه يشترط ذلك في التواتر أيضا، ومثل ذلك بأن نخبر بموت زيد. . . .
وترى الجنازة على بابه، مع علمنا بأنه ليس في داره مريض سواه. . . كما أورد أبو الحسين المعتزلي في كتابه أبوابا أخرى مثل باب في جواز ورود التعبد بأخبار الآحاد، وباب في التعبد بخبر الواحد.
فهذه النصوص تعطي فكرة واضحة عن مذهب المعتزلة بأنهم كانوا يأخذون بالأحاديث النبوية وما يقال عن النظام فهو مضطرب. وإن ثبت عنه رد السنة فهو مذهبه.
وهو في هذا لا يمثل جمهور المعتزلة.
يقول الأعظمي: والذي نميل إليه - بعد هذه الشواهد - أن المعتزلة كانوا مع جمهور الأمة في الأخذ بالأحاديث النبوية وربما طعنوا في صحة بعض الأحاديث عندما وجدوها تقف في سبيل نظرياتهم، لكنه لم يكن من مذهبهم رد الأحاديث جملة.
ويوضح لنا ذلك الدكتور الأعظمي يقول:
في عهد الاستعمار بدأ المستعمرون ينشرون أفكارهم الخبيثة للقضاء على مقومات الإسلام، ومنها ترك الأحاديث النبوية ففي العراق وجد من دعا إلى نبذ السنة وفي مصر حدث مثل ذلك فالدكتور توفيق صدقي كتب مقالتين في مجلة المنار بعنوان (الإسلام هو القرآن وحده) واستدل بالآيات القرآنية لعدم الحاجة إلى السنة النبوية حسب زعمه.
وأيد السيد رشيد رضا الدكتور توفيق صدقي بكتاباته إلى حد كبير إذ قسم الأحاديث النبوية إلى قسمين: المتواتر وغير المتواتر وكان يرى رشيد رضا أن ما نقل إلينا بالتواتر كعدد ركعات الصلاة، والصوم، وما شاكل ذلك فهذا يجب قبوله ويسميه الدين العام أما ما نقل بغير هذه الصفة فهو دين خاص لسنا ملزمين بالأخذ عنه.
стр. 12415
ويبدو أنه رجع عن موقفه في آخر عمره كما يذكر الأستاذ مصطفى السباعي ﵀.
ويذكر الشيخ الأعظمي أن الأستاذ أحمد أمين كتب فصلا عن السنة النبوية في كتابه (فجر الإسلام) خلط فيه الحق بالباطل، وكذلك نشر إسماعيل أدهم رسالة سنة ١٣٥٣ عن تاريخ السنة وقال:
الأحاديث الموجودة حتى في الصحيحين ليست ثابتة الأصول والدعائم بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع.
بعد هؤلاء تسلم الراية أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية وخلط ما قال كل من إسماعيل أدهم وتوفيق صدقي ورشيد رضا، وذكر أبو رية أن السنة العملية للرسول ﷺ هي السنة المعترف بها.
أما بالنسبة لأحاديث الآحاد فيقول: " ومن صح عنده شيء منها رواية ودلالة عمل به ولا تجعل تشريعا عاما تلزمه الأمة إلزاما تقليدا لمن أخذ به " واتهم أبو رية الشيخ محمد عبده أيضا بأنه قال:
إن المسلمين في هذا العصر ليس لهم إمام إلا القرآن، وفي الهند أنتجت الروح الانهزامية رجالا مثل السيد أحمد خان وعبد الله الجكر الوي وأحمد الدين الأهرتري وآخرين وغلام أحمد برويز الذي يقلد توفيق صدقي تقليدا تاما. مع دعوى الاجتهاد والانفراد لأنه ينكر إنكارا تاما أن يكون للأحاديث أية قيمة تشريعية، فلا يرفض أخبار الآحاد فحسب بل يرفض ما نقل إلينا بالتواتر مثل الصلوات الخمس وعدد ركعاتها إلى آخره.
ثم استعرض الدكتور الأعظمي في صفحات عدة حجج منكري السنة قديما وحديثا وقد رد على هذه الحجج وفندها (١).
стр. 12416
ويقول الأعظمي: أما الشيعة فيهم فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا كما بين ذلك النوبختي في كتابه فرق الشيعة.
والموجود من الشيعة حاليا في العالم الإسلامي أكثرهم من الاثني عشرية، وهم يذهبون إلى الأخذ بالسنة النبوية وانظر كتبهم في الأحاديث كالكافي للكليني وغير ذلك.
لكن الاختلاف بيننا وبينهم في طريق إثبات السنة نفسها.
وبما أنهم يحكمون بالردة على كافة الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ عدا عدة أشخاص يتراوح عددهم بين ثلاثة إلى أحد عشر.
لذلك لا يقبلون الأحاديث المروية عن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. بل يعمدون إلى روايات منقولة عن أهل البيت فقط - حسب نظرهم - ويجمل الشيخ الأعظمي الهدف من تعليقاته فيقول:
وخلاصة القول: أجمعت الأمة الإسلامية من سالف الدهر حتى الآن على الأخذ بالسنة النبوية، وأنها مصدر التشريع، والمسلمون ملزمون بها.
ووجد قديما بعض الأشخاص أو بعض الفرق التي طعنت في السنة النبوية، ولكنها انتهت بنهاية القرن الثاني.
أو على الأكثر بنهاية القرن الثالث وما بقي لهم وجود.
وقد استيقظت الفتنة مرة أخرى في القرن الماضي بتأثير من الاستعمار الغربي (١).
стр. 12417
لا فرق بين السنة والكتاب في الحلال والحرام:
يقول الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى: لكأني برسول الله ﷺ استشف حجاب الغيب فرأى في القرون من بعده، قوما يفرقون بين كتاب الله وسنة رسوله ولا يعملون إلا بما نص عليه القرآن وحده. فإذا هو يصور لنا هؤلاء تصويرا ينبئنا عن فداحة خطئهم.
стр. 12418
وضلالهم عن الصراط المستقيم فيقول ﷺ «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، فإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله (١)».
ويفسر الإمام الشافعي اعتناء النبي ﷺ بضم سنته إلى كتاب الله في الحلال والحرام، وفي كل أمر تشريعي ذي بال بأن رسول الله ﷺ لم يحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولم يحرم إلا ما حرم الله في كتابه ثم يؤكد (الشافعي) بلهجة جازمة حاسمة أن جميع ما تقوله الأئمة شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقرآن.
ويقول الدكتور صبحي الصالح: ويكاد غير الشافعي يغلو في تفسير هذه الظاهرة حين يعد السنة " وحيا ينزل به جبريل على رسول الله كما ينزل عليه القرآن، ويعلمه إياه كما يعلمه القرآن، ويصرح أبو البقاء بهذا التفسير حين يقول في كلياته دون تجوز ولا اتساع:
والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في كونهما وحيا منزلا من عند الله بدليل قوله تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) إلا أنهما يتفارقان من حيث إن القرآن هو المنزل للإعجاز والتحدي به بخلاف الحديث، وأن ألفاظ القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ وليس لجبريل ﵇ ولا للرسول ﵊ أن يتصرفا فيه أصلا.
وأما الأحاديث فيحتمل أن يكون النازل على جبريل منها معنى صرفا فكساه حلة العبارة.
ثم يدلي الدكتور صبحي الصالح برأيه في هذه المسألة إذ يقول:
стр. 12419
ولقد نكون أشد ميلا - من ناحية الوحي - إلى التفرقة بين نزول القرآن على قلب النبي وإلهامه النطق ببعض الأحاديث ثم نجنح - بسبب هذه التفرقة إلى استقلال القرآن وحده بظاهرة الوحي على النحو الذي أوضحناه في كتابنا مباحث علوم القرآن: إذ كان ﵇ يفرق بوضوح بين الوحي الذي ينزل عليه وبين أحاديثه الخاصة التي كان يعبر عنها بإلهام من الله فمما يجول في نفسه من خواطر وأفكار كان ذا صفة إنسانية محضة لا يمكن أن يختلط بالكلام الرباني. وإنما السنة هي حكمة كما سميت في القرآن في قوله تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) فقد اختار معظم العلماء المحققين أن الحكمة في الآية هي شرح آخر غير القرآن، وهي مجموعة ما اطلع الله عليه رسوله من مقاصد الشرع وتعاليمه وأسراره التي لا يمكن أن تكون غير سنة الرسول القولية والفعلية.
ومنذ عامين اكتشفت جماعة تنكر السنة النبوية بزعامة الدكتور أحمد صبحي منصور أستاذ التاريخ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وذلك من خلال كتاب له باسم (الأنبياء في القرآن الكريم)، الذي تضمن هجوما صارخا على السنة النبوية، وقد تبين أن المذكور له آراء مخالفة لأهل السنة منها أن المسلم العاصي مخلد في النار وأن الرسول ﷺ لا شفاعة له، وأنكر قصة المعراج وقال: إن القرآن لم يذكر إلا قصة الإسراء، واعتبر أحاديث المعراج باطلة، وأنكر حكم القتل على المرتد. وقال إن القرآن لم يشتمل على ذلك.
стр. 12420
وأول من فند آراء الدكتور صبحي وأبطلها الدكتور عبد الجليل شلبي الأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية إذ يقول إن الدكتور صبحي منصور شكك في مسائل إسلامية كثيرة بعضها متعلق بالعقيدة وبعضها متعلق بشخصية الرسول، وعميد كلية اللغة العربية الدكتور سعد ظلام غضب لهذه الآراء وقدم الكتاب الذي يتضمن هذه الآراء عن الرسول وعن السنة إلى مجمع البحوث الإسلامية الذي بدوره حوله إلى لجنة خاصة لمناقشته وتفنيد ما في الكتاب، ومن العلماء الذين قدموا تقريرا في هذا الكتاب الذي يشكك في السنة النبوية الدكتور الطيب النجار ونشرت صور من التقارير بينت بطلان آراء الدكتور صبحي منصور الذي اتهم الرسول ﷺ بكتمان الوحي وكذلك أيضا كان رأي الدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي مصر بأن هذا الرجل وجماعته ينكرون السنة، وكذلك أيضا رأي الشيخ عبد الله المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر ببطلان هذه الآراء، وكذلك الدكتور عبد الصبور مرزوق قال إن الدكتور صبحي منصور لن يكون الأول والأخير في محاولات النيل من السنة المطهرة، والأستاذ فهمي هويدي بين أن السنة كانت هدفا منذ بعيد لسهام هؤلاء المغرضين وقد فند آراء الدكتور صبحي كثير من العلماء والمفكرين وردوا عليها (١).
والحملات على السنة النبوية لها جذور قديمة عند المعتزلة والرافضة والخوارج وإن البغدادي قد ذكرها ورد عليها في كتابه (الفرق بين الفرق)، وابن حزم قد تصدى لها في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) ومن قبله الإمام الشافعي قد فندها ورد عليها.
وهذه الآراء الباطلة قد رددها كثير من المستشرقين وروجوها في كتبهم وفي مقدمتهم (جولد تسهير وشبرنجر وفون كريمر) وغيرهم.
стр. 12421
وقد سار على نهجهم الأستاذ أحمد أمين في كتابه المشهور فجر الإسلام الصادر في سنة ١٩٢٨ حيث أفرد في هذا الكتاب ست عشرة صفحة عن قضية (الموضوعات) وعدم التدوين وعرض الأقوال التي تنتقد أبا هريرة ويشكك فيه، وقد سار على منوال المستشرقين أيضا الشيخ محمود أبو رية في كتابه (أضواء على السنة).
وشن حملة جارحة على أبي هريرة أشهر رواة الحديث عن رسول الله ﷺ .
ومثل هذه الحملات على السنة النبوية قد أثارت الغضب عند العلماء الذين فندوا هذه الآراء الباطلة وكانت ردودهم حاسمة أمثال الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة).
وهو مرجع نفيس أنجزه في بداية الأربعينات والشيخ الدكتور مصطفى السباعي في كتابه المشهور (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)، والشيخ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه الذي نال به جائزة الملك فيصل.
стр. 12422
(دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه).
وهكذا مازال الدفاع مستمرا عن السنة النبوية المطهرة إلى يوم الدين. واتجه بعض الكتاب الباحثين في سنة رسول الله ﷺ إلى تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وسنة غير تشريعية، يقول الدكتور فتحي عبد الكريم: " إن أحدث ما كتب في هذا الموضوع - فيما نعلم - هو مقال الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا في العدد الافتتاحي من مجلة المسلم المعاصر تحت عنوان السنة التشريعية وغير التشريعية (في مجلة المسلم المعاصر، العدد الافتتاحي ص٢٩). . وقد سبق ذلك المقال بحث آخر في نفس الموضوع للدكتور عبد الحميد متولي في كتابه (مبادئ نظام الحكم في الإسلام) كتب يقول: " في مؤلفات فقهاء الشريعة الإسلامية نجد بصدد الكلام عن السنة مبحثا خاصا وهو: بما يعد من السنة تشريعا عاما وما لا يعد كذلك ".
стр. 12423
واستخلص الدكتور متولي من ذلك أن السنة القولية وحدها هي التي تعد تشريعا دون السنة الفعلية والسنة التقريرية.
وينتهي صاحب البحث إلى القول بأن ثمة أحاديث كثيرة صدرت عن الرسول ﷺ ولم تكن تشريعا أصلا، أي لا تعد تشريعا أبديا أو وقتيا.
" والبحثان المتقدمان متأثران بما كتبه كل من فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) وما كتبه الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي في كتابه (حجة الله البالغة) ".
" فقد كتب فضيلة الشيخ محمود شلتوت بحثا تحت عنوان: السنة تشريع وغير تشريع ".
" وكتب الدهلوي في المبحث السابع ما يأتي:
اعلم أن ما روي عن النبي ﷺ ودون في كتب الحديث على قسمين، أحدهما: ما سبيله تبليغ الرسالة وفيه قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)
ثانيا: ما ليس من باب تبليغ الرسالة.
مما سبق يتبين أن الأبحاث المتقدمة تشترك في إثارة قضية هامة هي أن السنة ليست كلها تشريعا لازما ".
وبناء على ذلك فإن كتاب (السنة تشريع لازم ودائم) فقد خصصه مؤلفه للرد على هذه القضايا ردا شافيا وافيا، وقد أوجزنا ما قاله.
وأما القول بأن السنة قد تأخر تدوينها فزالت الثقة بضبطها وأصبحت مجالا للظن والظن لا يجوز في دين الله.
فهذا قول من لم يقف على ما بذله الصحابة رضوان الله عليهم وخاصة كتاب الوحي في عصر النبي ﷺ .
стр. 12424
فقد نقلت السنة بالضبط والحفظ، والكتابة أحيانا من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الأول حيث دون الزهري السنة بأمر عمر بن عبد العزيز.
أما ما دس على السنة من كذب فقد تصدى له العلماء وبينوه بما لا يترك مجالا للشك حتى إن النفس لتطمئن إلى السنة إلى حد يكاد يصل إلى درجة اليقين.
انظر في ذلك (كتاب الوحي) للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وانظر له أيضا (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه).
стр. 12425
أخبار الرسول وحي كالقرآن:
وهل يخفى على ذي عقل سليم أن تفسير القرآن بهذه الطريق خير من أقوال أئمة الضلال وشيوخ التجهم والاعتزال كبشر المريسي، والجبائي، والنظام والعلاف وأضرابهم من أهل التفرق والاختلاف.
فإذا كانت أخبار الرسول ﷺ لا تفيد علما فجميع ما يذكره هؤلاء لا يفيد علما ولا ظنا.
والله أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل عليه القرآن، والحكمة هي السنة كما قال غير واحد من السلف. فإن الله تعالى قال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (١)
والمراد بالسنة ما أخذ عن رسول الله ﷺ سوى القرآن، كما قال ﷺ «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه (٢)».
قال الأوزاعي عن حسان بن عطية كان جبرائيل ينزل بالقرآن والسنة يعلمه إياها، كما يعلمه القرآن.
فهذه الأخبار التي زعم هؤلاء أنه لا يستفاد منها علم، نزل بها جبريل من عند الله .
стр. 12426
ومن الردود لابن القيم على هؤلاء الذين ينكرون حجية الأخبار قوله في مختصر الصواعق: (١).
إن الرجل لو قرأ بعض المصنفات في النحو أو الطب أو غيرهما أو قصيدة من الشعر كان من أحرص الناس على فهم معنى ذلك وكان من أثقل الأمور عليه قراءة كلام لا يفهمه.
فإذا كان السابقون يعلمون أن هذا كتاب الله وكلامه فكيف لا يكونون أحرص الناس على فهمه ومعرفة معناه. قال البخاري: كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم لم يكن بينهم رأي ولا تيأس مثل المتأخرين، ويوضح لنا أبو شامة الفرق الشاسع بين موقف الصحابة والسلف من العلم وموقف المتأخرين فيقول: إن العلم قد درست أعلامه، وقل في هذا الزمان إتقانه وإحكامه وأدى به الإهمال إلى عدم احترامه، وقل إجلاله وإعظامه وكاد يجهل حلاله وحرامه.
هذا مع حث الشارع عليه، ووصف العلماء القائمين بخشيتهم إياه، ورفعه درجاتهم قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)
وقد كان من مضى من الأئمة المجتهدين قائمين بنشر علوم الاجتهاد في جميع الآفاق، وهم في ذلك متفاضلون:
فمنهم المحكم لأمر الكتاب.
ومنهم القائم بأمر السنة.
ومنهم الممعن في استنباط الأحكام.
وقل من اجتمع فيه القيام بجميع ذلك.
قال المزني: سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر.
قد كان العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يقفوا عليه من
стр. 12427
الحديث، لأن الأحاديث لم تكن حينئذ بينهم مدونة إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلاد (أي لم تكن مدونة منهجيا، بل كانت مكتوبة في صحف متفرقة).
فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل " أعلموني بالحديث الصحيح أصر عليه " وفي رواية: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه.
ثم جمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في الكتاب، ونوعوها وقسموها، وسهلوا الطريق إليها فبوبوها، وترجموها وبينوا ضعف كثير منها وصحته، وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم وفي علل الأحاديث. ولم يدعوا للمشتغل شيئا يتعلل به خاصة في زماننا هذا إذا أراد الإنسان أن يعرف الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ في كل باب من أبواب الفقه وغيره أمكن له ذلك بكل سهولة، وذلك لتوافر دواوين السنة المشهورة في كل مكان، وهي مخدومة بفهارس متنوعة تسهل للباحث الوقوف على المطلوب بأسرع وقت ممكن ولله الحمد.
стр. 12428
الاستدلال بالإجماع والقياس
كان النبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح في خطبة يوم الجمعة «خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١)».
ولم يقل وكل ضلالة في النار: يقول ابن تيمية (٢).
بل يضل عن الحق من قصد الحق، وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب وخطؤه مغفور له.
стр. 12429
وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد فعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها.
والمقصود هنا أن الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة وأن الإجماع - إجماع الأمة - حق، فإنها لا تجتمع على ضلالة وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة.
والآية المشهورة التي نستدل بها على الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (١)
ومن الناس من يقول: إنها لا تدل على مورد النزاع.
وآخرون يقولون بل تدل على اتباع المؤمنين مطلقا، وتكلفوا لذلك ما تكلفوه.
والقول الثالث الوسط أنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى.
فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس.
فثبت أن بعض المجتهدين قد يفتي بعموم أو قياس ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه.
فلما تنازعوا في (الحرام) احتج من جعله يمينا بقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣)
وكذلك لما تنازعوا في المبتوتة: هل لها نفقة أو سكنى؟ (٤).
احتج هؤلاء بحديث فاطمة، وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية.
وأولئك قالوا: بل هي لهما.
стр. 12430
ودلالة النصوص قد تكون خفية، فخص الله بفهمهما بعض الناس. كما قال علي: (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه).
وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه كتيمم الجنب، فإنه بين في القرآن في آيتين.
ولما احتج أبو موسى على ابن مسعود بذلك قال الحاضر: ما درى عبد الله ما يقول إلا أنه قال: لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد المرء البرد أن يتيمم.
وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر: إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله تعالى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١) وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة؟.
وقد احتجت طائفة بوجوب العمرة بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) واحتج بهذه الآية على منع الفسخ: أي فسخ العمرة عن الحج.
وآخرون يقولون: إنما أمر بالإتمام فقط، أي إتمام الأركان والمناسك إذا دخل فيهما.