← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.

стр. 12426

ومن الردود لابن القيم على هؤلاء الذين ينكرون حجية الأخبار قوله في مختصر الصواعق: (١). إن الرجل لو قرأ بعض المصنفات في النحو أو الطب أو غيرهما أو قصيدة من الشعر كان من أحرص الناس على فهم معنى ذلك وكان من أثقل الأمور عليه قراءة كلام لا يفهمه. فإذا كان السابقون يعلمون أن هذا كتاب الله وكلامه فكيف لا يكونون أحرص الناس على فهمه ومعرفة معناه. قال البخاري: كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم لم يكن بينهم رأي ولا تيأس مثل المتأخرين، ويوضح لنا أبو شامة الفرق الشاسع بين موقف الصحابة والسلف من العلم وموقف المتأخرين فيقول: إن العلم قد درست أعلامه، وقل في هذا الزمان إتقانه وإحكامه وأدى به الإهمال إلى عدم احترامه، وقل إجلاله وإعظامه وكاد يجهل حلاله وحرامه. هذا مع حث الشارع عليه، ووصف العلماء القائمين بخشيتهم إياه، ورفعه درجاتهم قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) وقد كان من مضى من الأئمة المجتهدين قائمين بنشر علوم الاجتهاد في جميع الآفاق، وهم في ذلك متفاضلون: فمنهم المحكم لأمر الكتاب. ومنهم القائم بأمر السنة. ومنهم الممعن في استنباط الأحكام. وقل من اجتمع فيه القيام بجميع ذلك. قال المزني: سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر. قد كان العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يقفوا عليه من

стр. 12427

الحديث، لأن الأحاديث لم تكن حينئذ بينهم مدونة إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلاد (أي لم تكن مدونة منهجيا، بل كانت مكتوبة في صحف متفرقة). فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل " أعلموني بالحديث الصحيح أصر عليه " وفي رواية: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه. ثم جمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في الكتاب، ونوعوها وقسموها، وسهلوا الطريق إليها فبوبوها، وترجموها وبينوا ضعف كثير منها وصحته، وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم وفي علل الأحاديث. ولم يدعوا للمشتغل شيئا يتعلل به خاصة في زماننا هذا إذا أراد الإنسان أن يعرف الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ في كل باب من أبواب الفقه وغيره أمكن له ذلك بكل سهولة، وذلك لتوافر دواوين السنة المشهورة في كل مكان، وهي مخدومة بفهارس متنوعة تسهل للباحث الوقوف على المطلوب بأسرع وقت ممكن ولله الحمد.

стр. 12428

الاستدلال بالإجماع والقياس كان النبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح في خطبة يوم الجمعة «خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١)». ولم يقل وكل ضلالة في النار: يقول ابن تيمية (٢). بل يضل عن الحق من قصد الحق، وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب وخطؤه مغفور له.

стр. 12429

وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد فعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها. والمقصود هنا أن الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة وأن الإجماع - إجماع الأمة - حق، فإنها لا تجتمع على ضلالة وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة. والآية المشهورة التي نستدل بها على الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (١) ومن الناس من يقول: إنها لا تدل على مورد النزاع. وآخرون يقولون بل تدل على اتباع المؤمنين مطلقا، وتكلفوا لذلك ما تكلفوه. والقول الثالث الوسط أنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى. فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس. فثبت أن بعض المجتهدين قد يفتي بعموم أو قياس ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه. فلما تنازعوا في (الحرام) احتج من جعله يمينا بقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) وكذلك لما تنازعوا في المبتوتة: هل لها نفقة أو سكنى؟ (٤). احتج هؤلاء بحديث فاطمة، وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية. وأولئك قالوا: بل هي لهما.

стр. 12430

ودلالة النصوص قد تكون خفية، فخص الله بفهمهما بعض الناس. كما قال علي: (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه). وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه كتيمم الجنب، فإنه بين في القرآن في آيتين. ولما احتج أبو موسى على ابن مسعود بذلك قال الحاضر: ما درى عبد الله ما يقول إلا أنه قال: لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد المرء البرد أن يتيمم. وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر: إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله تعالى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١) وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة؟. وقد احتجت طائفة بوجوب العمرة بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) واحتج بهذه الآية على منع الفسخ: أي فسخ العمرة عن الحج. وآخرون يقولون: إنما أمر بالإتمام فقط، أي إتمام الأركان والمناسك إذا دخل فيهما.

стр. 12431

الأخذ بالآثار وهو موافق للأصول : قول القائل التوضؤ من لحوم الإبل على خلاف القياس فهذا إنما قاله لأنها لحم، واللحم لا يتوضأ منه. وصاحب الشرع بين لحم الغنم، ولحم الإبل. كما فرق بين مطاعن هذه ومبارك هذه. فأمر بالصلاة في هذا، ونهى عن الصلاة في هذا. فدعوى المدعي أن القياس التسوية بينهما من جنس قول الذين قالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) والفرق بينهما ثابت في نفس الأمر. كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم.

стр. 12432

فقال «الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل والسكينة في أهل الغنم (١)». وروى في الإبل «أنها جن خلقت من جن». فالإبل فيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في ذلك من إطفاء القوة الشيطانية ما يزيل المفسدة. بخلاف من لم يتوضأ منها فإن الفساد حاصل معه. وكذلك التوضؤ من مس الذكر ومس النساء هو من هذا الباب، لما فيه من تحريك الشهوة، فالتوضؤ مما يحرك الشهوة كالتوضؤ من الغضب، والغضب من الشيطان. والإبل نهى الرسول عن الصلاة في أعطانها للزوم الشيطان لها. بخلاف الصلاة في مباركها في السفر، فإنه جائز، لأنه عارض، وكذلك الحمام بيت الشيطان (٢). وقد تنازع العلماء في الوضوء من النجاسة الخارجة من غير السبيلين كالفصاد والحجامة، والجرح، والقيء والوضوء من مس النساء لشهوة وغير شهوة، والتوضؤ من مس الذكر، والتوضؤ من القهقهة. فبعض الصحابة كان يتوضأ من مس الذكر، كسعد، وابن عمر، وكثير منهم لم يتوضأ منه. والوضوء منه هل واجب أو مستحب؟ فيه عن مالك وأحمد، روايتان. وإيجابه قول الشافعي. وعدم الإيجاب مذهب أبي حنيفة. ولا يقدر أحد قط أن ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يأمر

стр. 12433

أصحابه بالوضوء من مس النساء، ولا من النجاسات الخارجة، لعموم البلوى بذلك. وقوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) المراد به الجماع كما فسره بذلك ابن عباس وغيره. والمقصود هنا: التنبيه على فساد قول من يدعي التناقض في معاني الشريعة أو ألفاظها. يقول ابن تيمية: والأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر ولا النساء ولا خروج النجاسات من غير السبيلين ولا القهقهة، ولا غسل الميت، فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح. بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب. لكن الاستحباب متوجه ظاهر فيستحب أن يتوضأ. والصحابة نقل عنهم فعل الوضوء، لا إيجاب الوضوء، وكذلك القهقهة في الصلاة ذنب، ويشرع لكل من أذنب أن يتوضأ. وفي استحباب الوضوء من القهقهة وجهان لمذهب أحمد وغيره وأما الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاة فيه أحاديث متعددة، وهو قول الجمهور وهو عندهم أظهر وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي وأحمد والله أعلم (٢). وأما المتنازع فيه فمثل ما يأتي حديث بخلاف أمر فيقول القائلون: هذا بخلاف القياس، أو بخلاف قياس الأصول. وهذا له أمثلة من أشهرها: المصراة.

стр. 12434

فإن النبي ﷺ قال «لا تصروا الإبل ولا الغنم (١)». فمن ابتاع مصراة، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، «إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر (٢)» وهو حديث صحيح. فقال قائلون: هذا يخالف قياس الأصول من وجوه، وذكروا وجوها خمسة أوردها ابن تيمية ورد عليها ثم قال: فقال المتبعون للحديث: بل ما ذكرتموه خطأ والحديث موافق للأصول. . ولهذا كان من موارد الاجتهاد أن جميع الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر. وقصة داود وسليمان ﵉ من هذا الباب فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم، وهو بستانهم. قالوا: وكان عينا، والحرث اسم للشجر والزرع، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة، ولم يكن لهم مال إلا الغنم، فأعطاهم الغنم بالقيمة. وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية، يأخذون منفعتها عوضا عن المنفعة التي فاتت من حين تلف الحرث إلى أن يعود. وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن كان أتلف له شجرا، فقال يغرسه حتى يعود كما كان. وهذا موجب الأدلة، فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان قال تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤)

стр. 12435

ونظير هذا ما ثبت بالسنة اتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة، وهو قول كثير من السلف. فقال طائفة من الفقهاء: المساواة متعذرة في ذلك فيرجع إلى التعزير. فيقال لهم: ما جاءت به الآثار هو موجب القياس. ومن المعلوم الأمر بضرب يقاربه ضربه أقرب إلى العدل والمماثلة من عقوبة التعزير (١). يقول ابن تيمية: وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها. . . وكان القياس مع قولهم، لا ضده. واعتبر هذا بمسائل الأيمان بالنذر، والعتق والطلاق. وكذلك مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد.

стр. 12436

صفحة فارغة

стр. 12437

من قرارات المجمع الفقهي القرار الأول بشأن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة لا بالحساب الفلكي الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع في دورته الرابعة المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة ما بين السابع والسابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١هـ. على صورة خطاب الدعوة الإسلامية في سنغافورة المؤرخ في ١٦ شوال ١٣٩٩هـ الموافق ٨ أغسطس ١٩٧٩م الموجه لسعادة القائم بأعمال سفارة المملكة العربية السعودية هناك والذي يتضمن أنه حصل خلاف بين هذه الجمعية وبين المجلس الإسلامي في سنغافورة في بداية شهر رمضان ونهايته سنة ١٣٩٩هـ - الموافق ١٩٧٩م حيث رأت الجمعية ابتداء شهر رمضان وانتهاءه على أساس الرؤية الشرعية وفقا لعموم الأدلة الشرعية بينما رأى المجلس الإسلامي في سنغافورة ابتداء ونهاية رمضان المذكور بالحساب الفكلي معللا ذلك بقوله (بالنسبة لدول منطقة آسيا حيث كانت سماؤها محجبة بالغمام وعلى وجه الخصوص سنغافورة فالأماكن لرؤية الهلال أكثرها محجوبة عن الرؤية وهذا يعتبر من المعذورات التي لا بد منها لذا يجب التقدير عن طريق الحساب). وبعد أن قام أعضاء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بدراسة وافية لهذا الموضوع على ضوء النصوص الشرعية قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي

стр. 12438

تأييده لجمعية الدعوة الإسلامية فيما ذهبت إليها لوضوح الأدلة الشرعية في ذلك. كما يقرر أنه بالنسبة لهذا الوضع الذي يوجد في أماكن مثل سنغافورة وبعض مناطق آسيا وغيرها، حيث تكون سماؤها محجوبة بما يمنع الرؤية فإن للمسلمين في تلك المناطق وما شابهها أن يأخذوا برؤية من يثقون به من البلاد الإسلامية التي تعتمد على الرؤية البصرية للهلال دون الحساب بأي شكل من الأشكال عملا بقوله ﷺ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١)» وقوله ﷺ «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (٢)» وما جاء في معناهما من الأحاديث. [توقيع] ... - ... [توقيع] نائب الرئيس ... - ... رئيس مجلس المجمع الفقهي محمد علي الحركان ... - ... عبد الله بن حميد [توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع] عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... مصطفى الزرقاء ... محمد محمود الصواف [توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع] صالح بن عثيمين ... محمد بن عبد الله بن السبيل ... مبروك العوادي [توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع] محمد الشاذلي النيفر ... عبد القدوس الهاشمي ... محمد رشيدي [غائب عن التوقيع] ... [توقيع] ... [توقيع] أبو الحسن علي الحسني الندوي ... أبو بكر محمود جومي ... حسنين محمد مخلوف [توقيع] ... [توقيع] ... [توقيع] محمد رشيد قباني ... محمود شيت خطاب ... محمد سالم عدود

стр. 12439

قرار هيئة كبار العلماء رقم ٢ وتاريخ ١٣/ ٨ / ١٣٩٢ في مسألة اعتبار اختلاف مطالع الأهلة من عدمه الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فبناء على خطاب المقام السامي رقم ٢٢٤٥١ وتاريخ ٦/ ١١ / ١٣٩١هـ المتضمن إحالة موضوع الأهلة إلى هيئة كبار العلماء نظرا إلى أن الموضوع عند دراسة مجلس رابطة العالم الإسلامي في جلسته المنعقدة في ١٥ شعبان عام ١٣٩١هـ واطلاعها على قرار اللجنة الفقهية المنبثقة من المجلس قررت الموافقة على القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع إلا أن بعض أعضاء المجلس التأسيسي رأى التريث في الأمر وزيادة البحث والتقصي في هذا الموضوع. بناء على ذلك عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان ١٣٩٢هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع إثبات الأهلة المشتمل على الفقرتين التاليتين: أ) حكم اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره. ب) حكم إثبات الهلال بالحساب. وكذا قرار رابطة العالم الإسلامي الصادر منها في دورتها الثالثة عشرة المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩١هـ، ومرفقه بحث اللجنة الفقهية المشكلة من بعض أعضاء مجلس الرابطة في الموضوع وبعد دراسة المجلس للموضوع وتداول الرأي فيه قرر ما يلي: أولا - اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسا وعقلا ولم يختلف فيها أحد وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه. ثانيا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم

стр. 12440

والدين وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع ومنهم من لم ير اعتباره واستدل كل فريق بأدلته من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١) وبقوله ﷺ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (٢)». الحديث. وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال به. وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظرا لاعتبارات قدرتها الهيئة، ولأن هذا الخلاف في مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه ليس له آثار تخشى عواقبها. وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرنا لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة. . فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة إذ لكل منهما أدلته ومستنداته. ثالثا: أما ما يتعلق بإثبات الأهلة بالحساب فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (٣)». الحديث. ولقوله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه (٤)». . الحديث. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،،.

стр. 12441

صفحة فارغة

стр. 12442

نداء وتذكير لمساعدة المجاهدين الأفغان والمجاهدين في فلسطين سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها المسلمون في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد قال سبحانه في محكم كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وقال : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥). وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦).

стр. 12443

وثبت عن المصطفى ﵊ أنه قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (١)» وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٢)» وقال ﷺ : «من جهز غازيا فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (٣)» وقال ﵊: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٤)». والآيات والأحاديث في فضل الجهاد والإنفاق فيه والتشجيع على ذلك كثيرة معلومة. فمساعدة المجاهدين والمهاجرين الأفغان والمجاهدين داخل فلسطين بالمال والنفس من أفضل القربات ومن أعظم الأعمال الصالحات وهم من أحق الناس بالمساعدة من الزكاة وغيرها. ومن حكمة الزكاة في الإسلام والصدقات أن يشعر المسلم برابطة تجذبه نحو أخيه لأنه يشعر بما يؤلمه. ويحس بما يقع عليه من كوارث ومصائب. فيرق له قلبه ويعطف عليه. ليدفع مما آتاه الله بنفس راضية وقلب مطمئن بالإيمان. والمجاهدون الأفغان والمهاجرون منهم والمجاهدون في داخل فلسطين وفقهم الله جميعا يعانون مشكلات عظيمة في جهادهم لأعداء الإسلام فيصبرون عليها رغم أن عدوهم وعدو الدين الإسلامي يضربهم بقوته وأسلحته. ولكل ما يستطيع من صنوف الدمار وهم بحمد الله صامدون وصابرون على مواصلة الجهاد في سبيل الله كما تتحدث عنهم الأخبار والصحف ومن شاركهم في الجهاد من الثقات، لم يضعفوا ولم تلن شكيمتهم ولكنهم في أشد الضرورة إلى دعم إخوانهم المسلمين ومساعدتهم بالنفوس والأموال في قتال عدوهم عدو الإسلام والمسلمين وتطهير بلادهم من رجس الكفرة وأذنابهم من الشيوعيين واليهود. وقد من الله عليهم بالاجتماع وجمع الشمل على التصميم في مواصلة الجهاد. فالواجب على إخوانهم المسلمين من الحكام والأثرياء أن يدعموهم ويعينوهم ويشدوا أزرهم حتى يكملوا مسيرة الجهاد ويفوزوا إن شاء الله بالنصر المؤزر على أعدائهم أعداء الإسلام.

стр. 12444

وإني أهيب بجميع إخواني المسلمين من رؤساء الحكومات الإسلامية وغيرهم من الأثرياء في كل مكان بأن يقدموا لإخوانهم المجاهدين الأفغان والمجاهدين في فلسطين مما أتاهم الله من فضله ومن الزكاة التي فرضها الله في أموالهم حقا لمن حددهم الله جل وعلا في سورة التوبة وهم ثمانية. قد دخل إخواننا المجاهدون والمهاجرون الأفغان والمجاهدون في فلسطين من ضمنهم. والله ﵎ قد فرض حقا في مال الغني لأخيه المسلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم كقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (١) ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥). وهو سبحانه يثيب المسلم على ما يقدم لإخوانه ثوابا عاجلا وثوابا أخرويا يجد جزاءه عنده في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كما أنه يدفع عنه في الدنيا بعض المصائب التي لولا الله سبحانه ثم الصدقات والإحسان لحلت به أو بماله فدفع الله شرها بصدقته الطيبة وعمله الصالح. يقول الله : ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٦). ويقول : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٧).

стр. 12445

ويقول الرسول ﷺ : «ما نقص مال من صدقة (١)» ويقول صلوات الله وسلامه عليه: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (٢)». ويقول ﷺ في الحديث الصحيح: «اتقوا النار ولو بشق تمرة (٣)». وإخوانكم المجاهدون الأفغان والمجاهدون في داخل فلسطين أيها المسلمون يقاسون آلام الجوع والجراح والقتل والتشريد فهم في أشد الضرورة إلى الكساء والطعام. وفي أشد الضرورة إلى الدواء كما أنهم في أشد الضرورة إلى هذه الأشياء وإلى السلاح الذي يقاتلون به أعداء الله وأعداءهم. فجودوا عليهم أيها المسلمون مما أعطاكم الله واعطفوا عليهم يبارك الله لكم ويخلف عليكم ويضاعف لكم الأجور كما جاء في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر. فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى. ثم خطب فقال: والآية التي في الحشر تصدق رجل من ديناره من درهمه. من ثوبه من صاع بره. من صاع تمره. حتى قال: ولو بشق تمرة. فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت عنها. ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ تهلل كأنه مذهبه فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده

стр. 12446

من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (١)» رواه مسلم في صحيحه. ثم هذه النفقة أيها المسلمون تؤجرون عليها وتخلف عليكم كما تقدم في قوله سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٢). وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣). وقال النبي ﷺ في الحديث القدسي: «يقول الله يا ابن آدم أنفق ننفق عليك (٤)». ونسأل الله أن يضاعف أجر من ساهم في مساعدة إخوانه المجاهدين ويتقبل منه وأن يعين المجاهدين الأفغان والمجاهدين في فلسطين وسائر المجاهدين في سبيله في كل مكان على كل خير ويثبت أقدامهم في جهادهم ويمنحهم الفقه في الدين والصدق والإخلاص وأن ينصرهم على أعداء الإسلام أينما كانوا إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 12447

تصويب واعتذار توضح مجلة البحوث الإسلامية لقرائها الكرام ولفضيلة الشيخ / صالح بن عثيمين ولفضيلة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين عما حصل من خطأ في كتابة اسم فضيلة الشيخ في توقيعات قرارات المجمع الفقهي المنشورة في العدد (٢٥) الصفحات (٣٤٠ و٣٤١ و٣٤٥) والعدد (٢٦) الصفحات (٣٣٣ و٣٤٣ والعدد (٢٧) الصحفات (٣٤٢ و٣٤٥) والصواب هو / الشيخ صالح بن عثيمين. ونعتذر للإخوة القراء وللشيخين الفاضلين ونوضح أن ذلك الخطأ كان نتيجة لتشابه الاسمين لدى مصحح المجلة.

стр. 12448

صفحة فارغة

стр. 12449

حديث شريف عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما (١)» رواه البخاري

стр. 12450

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) سورة البقرة / ١٨٨

стр. 12451

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 12452

مجلة البحوث الإسلامية مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير د. محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 12453

المحتويات الافتتاحية: من أهداف الحج توحيد كلمة المسلمين على الحق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ موضوع العدد: التقادم في مسألة وضع اليد "الجزء الأول" اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٩ الفتاوى: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦٧ فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٩٩

стр. 12454

البحوث: مصرف المؤلفة قلوبهم الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع ١١١ الوقاية من الجريمة في التشريع الجنائي الإسلامي الدكتور محمد بن سعد الشويعر ١٢٥ حتمية تطبيق شرع الله في الأرض الدكتور / صالح بن غانم السدلان ١٦٩ النسخ في القرآن الكريم الشيخ عبد الله بن حمد الشبانة ٢٠٧ مخطوطة "الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل" تحقيق: الدكتور عواد بن عبد الله بن محمد المعتق ٢٧٩ نحو مجتمع أفضل الشيخ / محمد المجذوب ٣١٥ من قرارات المجامع الفقهية ٣٣١ بيان بطلان ما يعتقده بعض الناس سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٤٥ بيان هيئة كبار العلماء في تأييد ما اتخذه ولي الأمر من إجراءات لحماية المملكة ٣٤٩

стр. 12455

صفحة فارغة

стр. 12456

الافتتاحية من أهداف الحج توحيد كلمة المسلمين على الحق الحمد لله الذي جعل البيت مثابة للناس وأمنا، وجعله مباركا وهدى للعالمين، وأمر عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء من بعد أن يوجه الناس، ويؤذن فيهم بالحج بعد ما بوأ له مكان البيت؛ ليأتوا إليه من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، الذي بعث رسله، وأنزل كتبه؛ لإقامة الحجة وبيان أنه سبحانه هو الواحد الأحد المستحق أن يعبد، والمستحق لأن يجتمع العباد على طاعته واتباع شريعته وترك ما خالف ذلك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله الذي أرسله سبحانه رحمة للعالمين وحجة على العباد أجمعين، بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأمره أن يبلغ الناس مناسكهم ففعل ذلك قولا وعملا عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.

стр. 12457

لقد حج ﵊ حجة الوداع وبلغ الناس مناسكهم قولا وعملا، وقال للناس: «خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا (١)» فشرح لهم أعمال الحج وأقوال الحج وجميع مناسكه بقوله وفعله ﵊، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين من ربه ﵊، فسار خلفاؤه الراشدون وصحابته المرضيون ﵃ جميعا على نهجه القويم، وبينوا للناس هذه الرسالة العظيمة بأقوالهم وأعمالهم، ونقلوا إلى الناس أقواله وأعماله ﵊ بغاية الأمانة والصدق، ﵃ وأرضاهم وأحسن مثواهم. وكان أعظم أهداف هذا الحج توحيد كلمة المسلمين على الحق وإرشادهم إليه حتى يستقيموا على دين الله وحتى يعبدوه وحده وحتى ينقادوا لشرعه، فمن أجل ذلك رأيت أن تكون كلمتي في هذا المقام بهذا العنوان (من أهداف الحج توحيد كلمة المسلمين على الحق) وللحج أهداف كثيرة يأتي بيان كثير منها إن شاء الله. فمعلوم أن الله جل وعلا شرع الحج لعباده وجعله الركن الخامس من أركان الإسلام لحكم كثيرة وأسرار عظيمة ومنافع لا تحصى، وقد أشار الله جل وعلا إلى ذلك في كتابه العظيم حيث يقول جل وعلا: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). فبين أن هذا البيت أول بيت وضع للناس أي في الأرض للعبادة والتقرب إلى الله بما يرضيه، كما ثبت في الصحيحين في حديث أبي ذر ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله أخبرني عن أول مسجد وضع في

стр. 12458

الأرض، قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟ قال: أربعون عاما، قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد (١)». فبين ﵊ أن أول بيت وضع للناس هو المسجد الحرام، وهو وضع للعبادة والتقرب إلى الله كما قال أهل العلم. وهناك بيوت قبله للسكن، ولكن المقصود أنه أول بيت وضع للعبادة والطاعة والتقرب إلى الله بما يرضيه من الأقوال والأعمال، ثم بعده المسجد الأقصى بناه حفيد إبراهيم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم جدده في آخر الزمان بعد ذلك بمدة طويلة نبي الله سليمان ﵊، ثم بعد ذلك كل الأرض مسجد. ثم جاء مسجد النبي ﵊ وهو المسجد الثالث في آخر الزمان على يدي نبي الساعة محمد ﵊، فبناه بعدما هاجر إلى المدينة هو وأصحابه ﵃، وأخبر ﵊ أنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، فالمساجد المفضلة ثلاثة: أعظمها وأفضلها المسجد الحرام، ثم مسجد النبي ﵊ ثم المسجد الأقصى، والصلاة في هذه المساجد مضاعفة، جاء في الحديث الصحيح أنها في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وجاء في مسجده ﵊ أن الصلاة في مسجده خير من ألف صلاة فيما سواه، وجاء في المسجد الأقصى أنها بخمسمائة صلاة، وهي المساجد العظيمة المفضلة، وهي مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وشرع الله جل وعلا الحج لعباده لما في ذلك من المصالح العظيمة، وأخبرنا نبينا ﷺ أن الحج مفروض على العباد المكلفين المستطيعين السبيل إليه كما دل عليه كتاب الله في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢).

стр. 12459

وخطب النبي ﷺ في الناس فقال: «أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقيل: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: الحج مرة فمن زاد فهو تطوع (١)» فهو فرض مرة في العمر فما زاد على ذلك فهو تطوع على الرجال والنساء المكلفين المستطيعين السبيل إليه، ثم هو بعد ذلك تطوع وقربة عظيمة، كما قال النبي الكريم ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢)» وهذا يعم الفرض والنفل من العمرة والحج، وقال ﵊: «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٣)» وفي اللفظ الآخر: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٤)». وهذا يدل على الفضل العظيم للحج والعمرة وأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. فجدير بأهل الإيمان أن يبادروا لحج بيت الله وأن يؤدوا هذا الواجب العظيم أينما كانوا وإذا استطاعوا السبيل إلى ذلك، وأما ما بعد ذلك فهو نافلة وليس بفريضة ولكن فيه فضل عظيم كما في الحديث الصحيح: «قيل يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: حج مبرور (٥)» متفق على صحته. وقد حج ﵊ حجة الوداع وشرع للناس المناسك بقوله وفعله وخطب بهم في حجة الوداع في يوم عرفة خطبة عظيمة ذكرهم فيها بحقه سبحانه وتوحيده، وأخبرهم فيها أن أمور الجاهلية موضوعة، وأن الربا موضوع، وأن دماء الجاهلية موضوعة، وأوصاهم فيها بكتاب الله وسنة رسوله والاعتصام بهما، وأخبر أنهم لن يضلوا ما اعتصموا بهما، وبين حق الرجل على زوجته وحقها عليه وبين أمورا كثيرة ﵊. ثم قال: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء، ثم ينكبها إلى الأرض ويقول: اللهم اشهد اللهم اشهد (٦)» عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. ولا شك أنه

стр. 12460

بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﵊ على خير الوجوه وأكملها ونشهد له بذلك كما شهد له صحابته ﵃ وأرضاهم. وقد بين ﵊ مناسك الحج وأعماله بأقواله وأفعاله، وكان خروجه من المدينة في آخر ذي القعدة من عام عشر محرما بالحج والعمرة قارنا من ذي الحليفة، وساق الهدي ﵊ وأتى مكة في صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، ولم يزل يلبي من الميقات من حين أحرم من ذي الحليفة بتلبيته المشهورة: لبيك اللهم لبيك. . لبيك لا شريك لك لبيك. . إن الحمد والنعمة لك والملك. . لا شريك لك، بعدما لبى بالحج والعمرة ﵊، وكان قد خير أصحابه في ذي الحليفة بين الأنساك الثلاثة، فمنهم من لبى بالعمرة، ومنهم من لبى بهما، وكان ﷺ يرفع صوته بالتلبية، وهكذا أصحابه ﵃، ولم يزل يلبي حتى وصل إلى بيت الله العتيق وبين للناس ما يقولونه في الأذكار والدعاء في طوافهم وسعيهم في عرفات وفي مزدلفة وفي منى، وبين الله جل وعلا ذلك في كتابه العظيم؛ حيث قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) إلى أن قال : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣) الآية. فالذكر من جملة المنافع المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٤) الآية وعطفه على المنافع من باب عطف الخاص على العام. وروي عنه ﵊ أنه قال: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله (٥)».

стр. 12461

وشرع للناس كما جاء في كتاب الله ذكر الله عند الذبح وشرع لهم ذكر الله عند رمي الجمار. فكل أنواع مناسك الحج ذكر الله قولا وعملا، فالحج بأعماله وأقواله كله ذكر الله ، وكله دعوة إلى توحيده والاستقامة على دينه والثبات على ما بعث به رسوله محمد ﵊. فأعظم أهدافه توجيه الناس إلى توحيد الله والإخلاص له والاتباع لرسوله ﷺ فيما بعث الله به من الحق والهدى في الحج وغيره. فالتلبية أول ما يأتي به الحاج والمعتمر يقول: لبيك اللهم لبيك. . لبيك لا شريك لك لبيك، يعلن توحيده لله وإخلاصه وأن الله سبحانه لا شريك له، وهكذا في طوافه يذكر الله ويعظمه ويعبده بالطواف وحده، ويسعى فيعبده بالسعي وحده دون كل من سواه، وهكذا بالتحليق والتقصير، وهكذا بذبح الهدايا والضحايا، كل ذلك لله وحده، وهكذا بأذكاره التي يقولها في عرفات وفي مزدلفة وفي منى، كلها ذكر الله وتوحيد له ودعوة إلى الحق وإرشاد للعباد، وأن الواجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يتكاتفوا في ذلك ويتعاونوا، وأن يتواصوا بذلك، وهم يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم. وهذه المنافع كثيرة جدا أجملها الله في الآية وفصلها في مواضع كثيرة، منها الطواف وهو عبادة عظيمة ومن أعظم أسباب تكفير الذنوب وحط الخطايا، وهكذا السعي وما فيهما من ذكر الله والدعاء، وهكذا ما في عرفات من ذكر الله والدعاء، وما في مزدلفة من ذكر الله والدعاء، وما في ذبح الهدايا من ذكر الله وتكبيره وتعظيمه، وما يقال عند رمي الجمار من تكبير الله وتعظيمه، وكل أعمال الحج تذكر بالله وحده وتدعو المسلمين جميعا إلى أن يكونوا جسدا واحدا وبناء واحدا في اتباع الحق والثبات عليه، والدعوة إليه والإخلاص لله سبحانه في جميع الأقوال والأعمال، وهم يتلاقون على هذه الأراضي المباركة يريدون التقرب إلى الله وعبادته سبحانه، وطلب غفرانه وعتقه لهم من النار، ولا شك أن هذا مما يوحد القلوب ويجمعها على طاعة الله والإخلاص له واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه؛ ولهذا قال : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)

стр. 12462

فأخبر سبحانه أنه مبارك بما يحصل لزواره والحاجين إليه من الخير العظيم من الطواف والسعي وسائر ما شرعه الله من أعمال الحج والعمرة، وهو مبارك تحط عنده الخطايا، وتضاعف عنده الحسنات وترفع فيه الدرجات، ويرفع الله ذكر أهله المخلصين الصادقين ويغفر لهم ذنوبهم ويدخلهم الجنة فضلا منه وإحسانا إذا أخلصوا له واستقاموا على أمره، وتركوا الرفث والفسوق. كما قال ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١)» والرفث: هو الجماع قبل التحلل وما يدعو إلى ذلك من قول وعمل مع النساء كله رفث، والفسوق: جميع المعاصي القولية والفعلية يجب على الحاج تركها والحذر منها، وهكذا الجدال يجب تركه إلا في خير، كما قال جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢). الحج كله دعوة إلى طاعة الله ورسوله، دعوة إلى تعظيم الله وذكره، دعوة إلى ترك المعاصي والفسوق، دعوة إلى ترك الجدال الذي يجلب الشحناء والعداوة، ويفرق بين المسلمين. أما الجدال بالتي هي أحسن فهذا مأمور به في كل زمان ومكان كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وهذا طريق الدعوة في كل زمان ومكان، في البيت العتيق، وغيره يدعو إخوانه بالحكمة وهي العلم: قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ . وبالموعظة الحسنة الطيبة اللينة التي ليس فيها عنف ولا إيذاء، ويجادل بالتي هي أحسن عند الحاجة؛ لإزالة الشبهة وإيضاح الحق فيجادل بالتي هي أحسن بالعبارات الحسنة والأساليب الجيدة المفيدة التي تزيل الشبهة وتوجه إلى الحق دون عنف وشدة، فالحجاج في أشد الحاجة إلى الدعوة والتوجيه إلى الخير والإعانة على الحق، فإذا التقى مع إخوانه من سائر أقطار الدنيا وتذاكروا فيما يجب عليهم وما شرع الله لهم، كان ذلك من أعظم الأسباب في توحيد كلمتهم واستقامتهم على دين الله

стр. 12463

وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى. فالحج فيه منافع عظيمة، فيه خيرات كثيرة فيه دعوة إلى الله وتعليم وإرشاد وتعارف وتعاون على البر والتقوى بالقول والفعل المعنوي والمادي. هكذا يشرع لجميع الحجاج والعمار أن يكونوا متعاونين على البر والتقوى متناصحين على طاعة الله ورسوله، مجتهدين فيما يقربهم إلى الله متباعدين عن كل ما حرم الله، وأعظم ما أوجب الله توحيده، وإخلاص العبادة له في كل مكان وفي كل زمان ولا سيما في هذه البقعة العظيمة المباركة، فإن من الواجب إخلاص العبادة لله وحده في كل مكان وفي كل زمان، وفي هذا المكان أعظم وأوجب، فيخلص لله عملا وقولا من طواف وسعي ودعاء وغير ذلك، وهكذا بقية الأعمال كلها لله وحده جل وعلا مع الحذر من معاصي الله ، ومع الحذر من ظلم العباد وإيذائهم بقول وعمل، فالمؤمن يحرص كل الحرص على نفع إخوانه والإحسان إليهم وتوجيههم إلى الخير، وبيان ما قد يجهلون من أمر الله وشرعه مع الحذر من إيذائهم وظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله بل يحب له كل خير ويكره له كل شر أينما كان ولا سيما في بيت الله العتيق وفي حرمه الأمين وفي بلد رسوله ﷺ ، فإن الله جعل هذا الحرم آمنا، جعله آمنا من كل ما يخافه الناس، فعلى المسلم أن يحرص على أن يكون مع أخيه في غاية من الأمانة ينصحه ويرشده ولا يغشه ولا يخونه ولا يؤذيه لا بقول ولا بعمل، فقد جعل الله هذا الحرم آمنا كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ (٢) فالمؤمن يحرص كل الحرص على تحقيق هذا الأمن وأن يكون بنفسه حريصا على الإحسان لأخيه وإرشاده إلى ما ينفعه ومساعدته دينا ودنيا على كل ما فيه راحة ضميره وإعانته على أداء

стр. 12464

المناسك كما أنه يحرص كل الحرص على البعد عن كل ما حرم الله من سائر المعاصي، ومن جملة ذلك إيذاء العباد فإن ذلك من أكبر المحرمات وإذا كان مع حجاج بيت الله الحرام ومع العمار صار الظلم أكثر إثما وأشد عقوبة وأسوأ عاقبة. فالحج والعمرة نسكان عظيمان من أعظم العبادة التي يترتب عليها خير عظيم ومنافع جمة وعواقب حميدة لسائر المسلمين في سائر أقطار الدنيا، فالصلوات الخمس يجتمع فيها العباد في كل بلد يتعارفون ويتناصحون ويتعاونون على البر والتقوى، لكن الحج يجتمع فيه العالم كله من كل مكان، فإذا كانت الصلوات هي من الخير العظيم لاجتماعهم عليها في أوقات خمسة، فهكذا الحج في كل عام فيه خير عظيم والأمر فيه أوجب وأعظم من جهة دعوة الناس إلى الخير؛ لأنهم يأتون من كل فج عميق، وقد لا تلقى أخاك الذي تراه في الحج بعد ذلك. وهكذا المرأة عليها أن تحرص وأن تبذل وسعها في إرشاد أخواتها في الله مما علمها الله، فالرجل يرشد لإخوانه وأخواته في الله من حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله ﷺ ، والمرأة كذلك ترشد لأخواتها وإخوانها في الله مما تعلم من الحجاج والعمار، هكذا يكون الحج وهكذا تكون العمرة فيهما التعاون والتواصي بالحق والتناصح والإرشاد إلى الخير وبذل المعروف وكف الأذى أينما كان الحجاج والعمار، في المسجد الحرام وفي خارج المسجد، في الطواف وفي السعي وفي رمي الجمار وفي غير ذلك، يحرص كل واحد على كل ما ينفع أخاه ويدرأ عنه الأذى في جميع أرجاء البلد الكريم، وفي جميع مشاعر الحج يرجو من الله المثوبة ويحذر مغبة الظلم والأذى لإخوانه المسلمين. وهذا كله داخل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وإنما كان مباركا

стр. 12465

وهدى للعالمين؛ لما يحصل لقاصديه من الخير العظيم في هذا البيت العتيق من الطواف والسعي والتلبية والأذكار العظيمة، يهتدون بها إلى توحيد الله وطاعته، ويحصل لهم من التعارف والتلاقي والتواصي والتناصح ما يهتدون به إلى الحق؛ ولهذا سمى الله بيته مباركا وهدى للعالمين؛ لما يحصل فيه من البركة والخير العظيم من تلبية وأذكار وطاعة عظيمة، تبصر العباد بربهم وتوحيده وتذكرهم بما يجب عليهم نحوه سبحانه ونحو رسوله ﵊، وتذكرهم بما يجب عليهم نحو إخوانهم الحجاج والعمار من تناصح وتعاون وتواص بالحق ومواساة للفقير ونصر للمظلوم وردع للظالم وإعانة على كل وجوه الخير. هكذا ينبغي لحجاج بيت الله الحرام ولعماره أن يوطنوا أنفسهم لهذا الخير العظيم وأن يستعدوا لكل ما ينفع إخوانهم وأن يحرصوا على بذل المعروف وكف الأذى كل واحد مسئول عما حمله الله حسب طاقته كما قال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١). أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين لما فيه رضاه وصلاح عباده وأن يوفق حجاج بيته العتيق وعماره لما فيه صلاحهم ونجاتهم ولما فيه قبول حجهم وقبول عمرتهم، ولكل ما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم، كما أسأله سبحانه أن يرد جميع الحجاج إلى بلادهم سالمين موفقين مسترشدين مستفيدين من حجهم ما يسبب نجاتهم من النار ودخولهم الجنة واستقامتهم على الحق أينما كانوا، كما أسأل الله أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير ولكل ما يعين الحجاج على أداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وقد فعلت الدولة وفقها الله الشيء الكثير من المشاريع والأعمال التي تساعد الحجاج على أداء مناسكهم وتؤمنهم في رحاب هذا البيت العتيق، فجزاها الله خيرا وضاعف مثوبتها ولا شك أن الواجب على الحجاج أن يبتعدوا عن كل ما يسبب الأذى والتشويش من
следующие страницы →