وشرع للناس كما جاء في كتاب الله ذكر الله عند الذبح وشرع لهم ذكر الله عند رمي الجمار.
فكل أنواع مناسك الحج ذكر الله قولا وعملا، فالحج بأعماله وأقواله كله ذكر الله ، وكله دعوة إلى توحيده والاستقامة على دينه والثبات على ما بعث به رسوله محمد ﵊. فأعظم أهدافه توجيه الناس إلى توحيد الله والإخلاص له والاتباع لرسوله ﷺ فيما بعث الله به من الحق والهدى في الحج وغيره.
فالتلبية أول ما يأتي به الحاج والمعتمر يقول: لبيك اللهم لبيك. . لبيك لا شريك لك لبيك، يعلن توحيده لله وإخلاصه وأن الله سبحانه لا شريك له، وهكذا في طوافه يذكر الله ويعظمه ويعبده بالطواف وحده، ويسعى فيعبده بالسعي وحده دون كل من سواه، وهكذا بالتحليق والتقصير، وهكذا بذبح الهدايا والضحايا، كل ذلك لله وحده، وهكذا بأذكاره التي يقولها في عرفات وفي مزدلفة وفي منى، كلها ذكر الله وتوحيد له ودعوة إلى الحق وإرشاد للعباد، وأن الواجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يتكاتفوا في ذلك ويتعاونوا، وأن يتواصوا بذلك، وهم يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم.
وهذه المنافع كثيرة جدا أجملها الله في الآية وفصلها في مواضع كثيرة، منها الطواف وهو عبادة عظيمة ومن أعظم أسباب تكفير الذنوب وحط الخطايا، وهكذا السعي وما فيهما من ذكر الله والدعاء، وهكذا ما في عرفات من ذكر الله والدعاء، وما في مزدلفة من ذكر الله والدعاء، وما في ذبح الهدايا من ذكر الله وتكبيره وتعظيمه، وما يقال عند رمي الجمار من تكبير الله وتعظيمه، وكل أعمال الحج تذكر بالله وحده وتدعو المسلمين جميعا إلى أن يكونوا جسدا واحدا وبناء واحدا في اتباع الحق والثبات عليه، والدعوة إليه والإخلاص لله سبحانه في جميع الأقوال والأعمال، وهم يتلاقون على هذه الأراضي المباركة يريدون التقرب إلى الله وعبادته سبحانه، وطلب غفرانه وعتقه لهم من النار، ولا شك أن هذا مما يوحد القلوب ويجمعها على طاعة الله والإخلاص له واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه؛ ولهذا قال : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)
стр. 12462
فأخبر سبحانه أنه مبارك بما يحصل لزواره والحاجين إليه من الخير العظيم من الطواف والسعي وسائر ما شرعه الله من أعمال الحج والعمرة، وهو مبارك تحط عنده الخطايا، وتضاعف عنده الحسنات وترفع فيه الدرجات، ويرفع الله ذكر أهله المخلصين الصادقين ويغفر لهم ذنوبهم ويدخلهم الجنة فضلا منه وإحسانا إذا أخلصوا له واستقاموا على أمره، وتركوا الرفث والفسوق. كما قال ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١)» والرفث: هو الجماع قبل التحلل وما يدعو إلى ذلك من قول وعمل مع النساء كله رفث، والفسوق: جميع المعاصي القولية والفعلية يجب على الحاج تركها والحذر منها، وهكذا الجدال يجب تركه إلا في خير، كما قال جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢).
الحج كله دعوة إلى طاعة الله ورسوله، دعوة إلى تعظيم الله وذكره، دعوة إلى ترك المعاصي والفسوق، دعوة إلى ترك الجدال الذي يجلب الشحناء والعداوة، ويفرق بين المسلمين. أما الجدال بالتي هي أحسن فهذا مأمور به في كل زمان ومكان كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وهذا طريق الدعوة في كل زمان ومكان، في البيت العتيق، وغيره يدعو إخوانه بالحكمة وهي العلم: قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ . وبالموعظة الحسنة الطيبة اللينة التي ليس فيها عنف ولا إيذاء، ويجادل بالتي هي أحسن عند الحاجة؛ لإزالة الشبهة وإيضاح الحق فيجادل بالتي هي أحسن بالعبارات الحسنة والأساليب الجيدة المفيدة التي تزيل الشبهة وتوجه إلى الحق دون عنف وشدة، فالحجاج في أشد الحاجة إلى الدعوة والتوجيه إلى الخير والإعانة على الحق، فإذا التقى مع إخوانه من سائر أقطار الدنيا وتذاكروا فيما يجب عليهم وما شرع الله لهم، كان ذلك من أعظم الأسباب في توحيد كلمتهم واستقامتهم على دين الله
стр. 12463
وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى.
فالحج فيه منافع عظيمة، فيه خيرات كثيرة فيه دعوة إلى الله وتعليم وإرشاد وتعارف وتعاون على البر والتقوى بالقول والفعل المعنوي والمادي. هكذا يشرع لجميع الحجاج والعمار أن يكونوا متعاونين على البر والتقوى متناصحين على طاعة الله ورسوله، مجتهدين فيما يقربهم إلى الله متباعدين عن كل ما حرم الله، وأعظم ما أوجب الله توحيده، وإخلاص العبادة له في كل مكان وفي كل زمان ولا سيما في هذه البقعة العظيمة المباركة، فإن من الواجب إخلاص العبادة لله وحده في كل مكان وفي كل زمان، وفي هذا المكان أعظم وأوجب، فيخلص لله عملا وقولا من طواف وسعي ودعاء وغير ذلك، وهكذا بقية الأعمال كلها لله وحده جل وعلا مع الحذر من معاصي الله ، ومع الحذر من ظلم العباد وإيذائهم بقول وعمل، فالمؤمن يحرص كل الحرص على نفع إخوانه والإحسان إليهم وتوجيههم إلى الخير، وبيان ما قد يجهلون من أمر الله وشرعه مع الحذر من إيذائهم وظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله بل يحب له كل خير ويكره له كل شر أينما كان ولا سيما في بيت الله العتيق وفي حرمه الأمين وفي بلد رسوله ﷺ ، فإن الله جعل هذا الحرم آمنا، جعله آمنا من كل ما يخافه الناس، فعلى المسلم أن يحرص على أن يكون مع أخيه في غاية من الأمانة ينصحه ويرشده ولا يغشه ولا يخونه ولا يؤذيه لا بقول ولا بعمل، فقد جعل الله هذا الحرم آمنا كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ (٢) فالمؤمن يحرص كل الحرص على تحقيق هذا الأمن وأن يكون بنفسه حريصا على الإحسان لأخيه وإرشاده إلى ما ينفعه ومساعدته دينا ودنيا على كل ما فيه راحة ضميره وإعانته على أداء
стр. 12464
المناسك كما أنه يحرص كل الحرص على البعد عن كل ما حرم الله من سائر المعاصي، ومن جملة ذلك إيذاء العباد فإن ذلك من أكبر المحرمات وإذا كان مع حجاج بيت الله الحرام ومع العمار صار الظلم أكثر إثما وأشد عقوبة وأسوأ عاقبة.
فالحج والعمرة نسكان عظيمان من أعظم العبادة التي يترتب عليها خير عظيم ومنافع جمة وعواقب حميدة لسائر المسلمين في سائر أقطار الدنيا، فالصلوات الخمس يجتمع فيها العباد في كل بلد يتعارفون ويتناصحون ويتعاونون على البر والتقوى، لكن الحج يجتمع فيه العالم كله من كل مكان، فإذا كانت الصلوات هي من الخير العظيم لاجتماعهم عليها في أوقات خمسة، فهكذا الحج في كل عام فيه خير عظيم والأمر فيه أوجب وأعظم من جهة دعوة الناس إلى الخير؛ لأنهم يأتون من كل فج عميق، وقد لا تلقى أخاك الذي تراه في الحج بعد ذلك.
وهكذا المرأة عليها أن تحرص وأن تبذل وسعها في إرشاد أخواتها في الله مما علمها الله، فالرجل يرشد لإخوانه وأخواته في الله من حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله ﷺ ، والمرأة كذلك ترشد لأخواتها وإخوانها في الله مما تعلم من الحجاج والعمار، هكذا يكون الحج وهكذا تكون العمرة فيهما التعاون والتواصي بالحق والتناصح والإرشاد إلى الخير وبذل المعروف وكف الأذى أينما كان الحجاج والعمار، في المسجد الحرام وفي خارج المسجد، في الطواف وفي السعي وفي رمي الجمار وفي غير ذلك، يحرص كل واحد على كل ما ينفع أخاه ويدرأ عنه الأذى في جميع أرجاء البلد الكريم، وفي جميع مشاعر الحج يرجو من الله المثوبة ويحذر مغبة الظلم والأذى لإخوانه المسلمين.
وهذا كله داخل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وإنما كان مباركا
стр. 12465
وهدى للعالمين؛ لما يحصل لقاصديه من الخير العظيم في هذا البيت العتيق من الطواف والسعي والتلبية والأذكار العظيمة، يهتدون بها إلى توحيد الله وطاعته، ويحصل لهم من التعارف والتلاقي والتواصي والتناصح ما يهتدون به إلى الحق؛ ولهذا سمى الله بيته مباركا وهدى للعالمين؛ لما يحصل فيه من البركة والخير العظيم من تلبية وأذكار وطاعة عظيمة، تبصر العباد بربهم وتوحيده وتذكرهم بما يجب عليهم نحوه سبحانه ونحو رسوله ﵊، وتذكرهم بما يجب عليهم نحو إخوانهم الحجاج والعمار من تناصح وتعاون وتواص بالحق ومواساة للفقير ونصر للمظلوم وردع للظالم وإعانة على كل وجوه الخير. هكذا ينبغي لحجاج بيت الله الحرام ولعماره أن يوطنوا أنفسهم لهذا الخير العظيم وأن يستعدوا لكل ما ينفع إخوانهم وأن يحرصوا على بذل المعروف وكف الأذى كل واحد مسئول عما حمله الله حسب طاقته كما قال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١).
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وجميع المسلمين لما فيه رضاه وصلاح عباده وأن يوفق حجاج بيته العتيق وعماره لما فيه صلاحهم ونجاتهم ولما فيه قبول حجهم وقبول عمرتهم، ولكل ما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم، كما أسأله سبحانه أن يرد جميع الحجاج إلى بلادهم سالمين موفقين مسترشدين مستفيدين من حجهم ما يسبب نجاتهم من النار ودخولهم الجنة واستقامتهم على الحق أينما كانوا، كما أسأل الله أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير ولكل ما يعين الحجاج على أداء مناسكهم على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وقد فعلت الدولة وفقها الله الشيء الكثير من المشاريع والأعمال التي تساعد الحجاج على أداء مناسكهم وتؤمنهم في رحاب هذا البيت العتيق، فجزاها الله خيرا وضاعف مثوبتها ولا شك أن الواجب على الحجاج أن يبتعدوا عن كل ما يسبب الأذى والتشويش من
стр. 12466
سائر الأعمال كالمظاهرات والهتافات والدعوات المضلة والمسيرات التي تضايق الحجاج وتؤذيهم إلى غير ذلك من أنواع الأذى التي يجب أن يحذرها الحجاج.
وسبق أن وضحنا الواجب على الحجاج بأن يكون كل واحد منهم حريصا على نفع أخيه وتيسير أدائه مناسكه وألا يؤذيه لا في طريق ولا في غيره. كما أسأله أن يوفق الحكومة وأن يعينها على كل ما فيه نفع الحجيج وتسهيل أداء مناسكهم وأن يبارك في جهودها وأعمالها، وأن يوفق القائمين على شئون الحج لكل ما فيه تيسير أمور الحجيج ولكل ما فيه إعانتهم على أداء مناسكهم على خير حال، كما أسأله أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، وأن يصلح لهم البطانة وأن يعينهم على تحكيم شريعة الله في عباد الله، وأن يعيذنا وإياهم من اتباع الهوى ومن مضلات الفتن إنه جل وعلا جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 12467
صفحة فارغة
стр. 12468
التقادم في مسألة وضع اليد
" الجزء الأول "
إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد. . .
بناء على الخطاب رقم ١٩٩٤/ ٢ وتاريخ ١٠/ ١٠ / ١٣٩٨هـ الموجه من سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد إلى سماحة رئيس الدورة الثالثة عشرة وأعضاء المجلس بخصوص اقتراح دراسة التقادم في مسألة وضع اليد. وبناء على موافقة المجلس في الدورة الثالثة عشرة على إدراج هذا الموضوع ضمن المسائل التي تبحث في الدورة الرابعة عشرة وأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تكتب بحثا في ذلك.
فقد جمعت ما يسر الله في ذلك تحت العناصر الآتية:
١ - الأسباب الشرعية لنقل الملكية مع الأدلة إجمالا.
٢ - أدلة تحريم الاعتداء على أموال الناس.
٣ - تعريف الحيازة.
٤ - موضوع البحث.
٥ - ذكر آراء الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم وشروط ذلك مع الأدلة والتعليل والمناقشة.
وفيما يلي الكلام عليها بالقدر الذي تيسر وسنختم البحث بملخص مختصر تقريبا للموضوع.
أولا: الأسباب الشرعية لنقل الملكية مع الأدلة إجمالا:
من قواعد الشريعة أن نقل الملكية من المالك الشرعي لا يعتبر إلا إذا كان بسبب من الأسباب الشرعية كالبيع والهبة والوصية والميراث والشفعة
стр. 12469
والحيازة والتقادم عند من يقول بذلك على ما سيأتي تفصيله وفيما يلي بيان هذه الأسباب باختصار مع الأدلة:
أ - البيع ومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١).
ب - الهبة بلا شرط فإن كانت بشرط عوض فهي بيع وتدخل في عموم السبب الأول، ودليل الهبة قوله ﷺ : «العائد في هبته كالعائد في قيئه (٢)»، في لفظ: «فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه يقيء ثم يعود فيه (٣)». أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
جـ - الوصية ومن أدلتها قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) البقرة ١٨٠ ثم أخرج الوارث بقوله ﷺ «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (٥)».
د - الميراث: ومن أدلته قوله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر (٦)».
هـ - الشفعة ومن أدلتها حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «جعل - وفي لفظ قضى - النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة له (٧)» أخرجه البخاري وغيره.
والحيازة والتقادم عند من يقول بذلك ومما استدل به لذلك ما روي من قول النبي ﷺ «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» وفي رواية أخرى: «من حاز شيئا على خصمه عشر سنين فهو أحق به (٨)» وفي رواية ثالثة: «من حاز شيئا على خصمه عشر سنين فهو أحق به منه (٩)» وقد ذكر الفقهاء أسبابا أخرى تركنا ذكرها اختصارا؛ لأن البحث لا يتوقف على ذكرها.
стр. 12470
ثانيا: أدلة تحريم الاعتداء على أموال الناس:
سبق في الأمر الأول ذكر جملة من الأسباب الشرعية لنقل الملكية من المالك الشرعي، ونقل الملك بدون سبب شرعي لا يجوز؛ لأنه من الاعتداء على أموال الناس وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الاعتداء على أموال الناس بغير حق وفيما يلي ذكر بعض الأدلة:
أ - من أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) سورة البقرة الآية ١٨٨.
وجه الدلالة أن الآية اشتملت على النهي عن أكل الأموال بالباطل، والنهي يقتضي التحريم، فيكون أكلها محرما. قال القرطبي: والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل في هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به نفس مالكه، وحرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك، إلى أن قال وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه كما قال: (تقتلون أنفسكم) وقال أيضا: (من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل) (٢).
ب - من أدلة السنة قوله ﷺ في خطبة الوداع «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (٣)» إلخ الخطبة.
وقد أخرجها مسلم وأبو داود وغيرهما، وهذا النص واضح في تحريم أموال الناس بعضهم على بعض.
جـ - أما الإجماع فقد ذكره القرطبي في أثناء الكلام على الآية السابقة.
стр. 12471
ثالثا: تعريف الحيازة:
للحيازة معنيان لغوي واصطلاحي وفيما يلي بيان كل منهما.
أ - معنى الحيازة لغة:
١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا: (حوز) الحاء والواو والزاي أصل واحد وهو الجمع والتجمع يقال: لكل مجمع وناحية حوز وحوزة، وحي فلان الحوزة أي المجمع والناحية. . . . . .
وكل من ضم شيئا إلى نفسه فقد حازه حوزا انتهى المقصود (١).
٢ - وقال الفيروز آبادي: " الحوز " الجمع وضم الشيء بالحيازة والاحتياز انتهى (٢).
٣ - وقال ابن منظور: وقال سيبويه: هو تفعيل من حزت الشيء، والحوز من الأرض أن يتخذها الرجل ويبين حدودها فيستحقها ولا يكون لأحد فيها حق معه فذلك الحوز. . . والحوز الجمع وكل من ضم شيئا إلى نفسه من مال وغير ذلك فقد حازه حوزا وحيازة وحازه إليه واحتازه إليه، إلى أن قال ابن منظور: حازه ليحوزه إذا قبضه وملكه واستبد به - إلى أن قال - وحزت الأرض إذا أعلمتها وأحييت حدودها انتهى المقصود (٣).
ب - معنى الحيازة اصطلاحا: يقول الدردير: هي وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه والتصرف يكون بواحد من أمور مسكن وإسكان وزرع وغرس أو بيع وهدم وبناء وقطع شجر وعتق وكتابة ووطء في رقيق (٤) وجاء هذا المعنى في النقول عن المذاهب الأخرى على ما يأتي تفصيله.
стр. 12472
رابعا: موضوع البحث:
شيء معين طالت مدته بيد إنسان وليس لديه إثبات لملكيته سوى طول المدة، وادعى إنسان آخر ملكيته ولديه ما يثبت أنه كان ملكا له بوسيلة من وسائل الملك الشرعية، فهل يحكم به لمن طالت مدة وجوده عنده وهو يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم مع عدم وجود مانع شرعي يمنع من بيده البينة من القيام على من بيده الملك ومطالبته به.
стр. 12473
خامسا: ذكر آراء الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم وشروط ذلك مع الأدلة والتعليل والمناقشة:
تمهيد: هذا العنصر هو أهم عناصر الموضوع وبتتبع اللجنة لما ذكره علماء الفقه الإسلامي، وجدت أنهم خدموه خدمة واسعة ودقيقة واشتملت على تفصيل ما يوضحه من الأقوال ومداركها، ومناقشة هذه المدارك مع ذكر الشروط المشترطة، وقد ذكرت اللجنة جملة من النقول في ذلك عن المذاهب الأربعة بدون تصرف فيها ليطلع أعضاء المجلس على كلام العلماء، وسيكون ترتيب ذكر النقول على حسب الترتيب الزمني للمذاهب الأربعة، فنذكر النقول عن المذهب الحنفي ثم المالكي ثم الشافعي ثم الحنبلي ونذكر أمام كل مذهب تمهيدا يعطي صورة مختصرة له.
стр. 12474
النقول عن المذهب الحنفي:
تمهيد: الحنفية يبنون القول بإثبات الملكية بالتقادم على الاجتهاد ومدته ست وثلاثون سنة وعلى الأمر السلطاني فيحدد المدة التي لا تسمع الدعوى بعدها، وهذه المدة لا يمكن ضبطها نظرا لاختلاف السلاطين واختلاف اجتهاد السلطان نفسه، فقد تكون المدة خمس عشرة سنة، وقد تكون عشر سنوات، وقد تكون أقل من ذلك على ما يأتي تفصيله في النقول، وقد وقع اختيار اللجنة على ثلاثة نقول من الدر المختار وشرحه ومن مجلة الأحكام العدلية وشرحها والثالث من مرشد الحيران وشرحه وقد ذكرناها على هذا الترتيب.
стр. 12475
جاء في الدر المختار ورد المحتار:
стр. 12476
(قوله بعد خمسة عشر سنة) المناسب خمس عشرة بتذكير الأول وتأنيث الثاني؛ لكون المعدود مؤنثا وهو سنة وأجاب ط بأنه على تأويل السنة بالعام أو الحول (قوله فلا تسمع الآن بعدها) أي لنهي السلطان عن سماعها بعدها، فقد قال السيد الحموي في حاشية الأشباه: أخبرني أستاذي شيخ الإسلام يحيى أفندي الشهير بالنقاري أن السلاطين الآن يأمرون قضاتهم في جميع ولاياتهم ألا يسمعوا دعوى بعد مضى خمس عشرة سنة، سوى الوقف والإرث اهـ.
ونقل في الحامدية فتاوى من المذاهب الأربعة بعدم سماعها بعد النهي المذكور لكن هل يبقى النهي بعد موت السلطان الذي نهى بحيث لا يحتاج من بعده إلى نهي جديد، أفتى في الخيرية بأنه لا بد من تجديد النهي، ولا يستمر النهي بعده، وبأنه إذا اختلف الخصمان في أنه منهي أو غير منهي، فالقول للقاضي ما لم يثبت المحكوم عليه النهي، وأطال في ذلك وأطاب فراجعه، وأما ما ذكره السيد الحموي أيضا من أنه قد علم من عادتهم يعني سلاطين آل عثمان نصرهم الرحمن من أنه إذا تولى سلطان عرض عليه قانون من قبله وأخذ أمره باتباعه فلا يفيد هنا؛ لأن معناه أن يلتزم قانون أسلافه بأن يأمر بما أمر به وينهى عما نهوا عنه، ولا يلزم منه أنه إذا ولى قاضيا ولم ينهه عن سماع هذه الدعوى أن يصير قاضيه منهيا بمجرد ذلك، وإنما يلزم منه أنه إذا ولاه ينهاه صريحا؛ ليكون عاملا بما التزمه من القانون كما اشتهر أنه حين يوليه الآن يأمره في منشوره بالحكم بأصح أقوال المذهب، كعادة من قبله.
وتمام الكلام على ذلك في كتابنا تنقيح الحامدية فراجعه وأطلنا الكلام عليه أيضا في كتابنا تنبيه الولاة والحكام: (قوله إلا في الوقف والإرث ووجود عذر شرعي) استثناء الإرث موافق لما مر عن الحموي ولما في الحامدية عن فتاوى أحمد أفندي المهمنداري مفتي دمشق أنه كتب على ثلاثة أسئلة أنه تسمع دعوى الإرث ولا يمنعها طول المدة ويخالفه ما في الخيرية حيث ذكر أن المستثنى ثلاثة: مال اليتيم والوقف والغائب ومقتضاه أن الإرث غير مستثنى، فلا تسمع دعواه بعد هذه المدة وقد نقل في الحامدية عن المهمنداري أيضا أنه كتب على سؤال آخر فيمن تركت دعواها الإرث بعد بلوغها خمس
стр. 12477
عشرة سنة بلا عذر أن الدعوى لا تسمع إلا بأمر سلطاني، ونقل أيضا مثله فتوى تركية عن المولى أبي السعود، وتعريبها إذا تركت دعوى الإرث بلا عذر شرعي خمس عشرة سنة، فهل لا تسمع الجواب؟ لا تسمع إلا إذا اعترف الخصم بالحق ونقل مثله شيخ مشياخنا التركماني عن فتاوى عبد الله أفندي مفتي الروم، وهذا الذي رأينا عليه عمل من قبلنا، فالظاهر أنه ورد نهي جديد بعدم سماع دعوى الإرث والله سبحانه أعلم.
(تنبيهات) الأول قد استفيد من كلام الشارح أن عدم سماع الدعوى بعد هذه المدة إنما هو للنهي عنه من السلطان، فيكون القاضي معزولا عن سماعها؛ لما علمت من أن القضاء يتخصص؛ فلذا قال: إلا بأمر، أي فإذا أمر بسماعها بعد هذه المدة تسمع، وسبب النهي قطع الحيل والتزوير، فلا ينافي ما في الأشباه وغيرها من أن الحق لا يسقط بتقادم الزمان اهـ. ولذا قال في الأشباه أيضا ويجب عليه سماعها اهـ. أي يجب على السلطان الذي نهى قضاته عن سماع الدعوى بعد هذه المدة أن يسمعها بنفسه، أو يأمر بسماعها كيلا يضيع حق المدعي، والظاهر أن هذا حيث لم يظهر من المدعي أمارة التزوير، وفي بعض نسخ الأشباه ويجب عليه عدم سماعها، وعليه فالضمير يعود للقاضي المنهي عن سماعها، لكن الأول هو المذكور في معين المفتي.
الثاني: أن النهي حيث كان للقاضي لا ينافي سماعها من المحكم، بل قال المصنف في معين المفتي: إن القاضي لا يسمعها من حيث كونه قاضيا، فلو حكمه الخصمان في تلك القضية التي مضى عليها المدة المذكورة فله أن يسمعها.
الثالث: عدم سماع القاضي لها إنما هو عند إنكار الخصم، فلو اعترف تسمع كما علم مما قدمناه من فتوى المولى أبي السعود أفندي؛ إذ لا تزوير مع الإقرار.
الرابع: عدم سماعها حيث تحقق تركها هذه المدة، فلو ادعى في أثنائها لا يمنع بل تسمع دعواه ثانيا ما لم يكن بين الدعوى الأولى والثانية هذه المدة، ورأيت بخط شيخ مشايخنا التركماني في مجموعته أن شرطها أي شرط الدعوى مجلس القاضي فلا تصح الدعوى في مجلس غيره كالشهادة، تنوير
стр. 12478
وبحر ودرر. قال: واستفيد منه جواب حادثة الفتوى، وهي أن زيدا ترك دعواه على عمرو مدة خمس عشرة سنة ولم يدع عند القاضي بل طالبه بحقه مرارا في غير مجلس القاضي، فمقتضى ما مر لا تسمع لعدم شرط الدعوى فليكن على ذكر منك؛ فإنه تكرر السؤال عنها وصريح فتوى شيخ الإسلام علي أفندي أنه إذا ادعى عند القاضي مرارا ولم يفصل القاضي الدعوى ومضت المدة المزبورة تسمع؛ لأنه صدق عليه أنه لم يتركها عند القاضي اهـ. ما في المجموعة، وبه أفتى في الحامدية.
ثم لا يخفى أن ترك الدعوى إنما يتحقق بعد ثبوت حق طلبها، فلو مات زوج المرأة أو طلقها بعد عشرين سنة مثلا من وقت النكاح، فلها مؤخر المهر؛ لأنه حق طلبه إنما ثبت لها بعد الموت أو الطلاق لا من وقت النكاح، ومثله ما يأتي فيما لو أخر الدعوى هذه المدة لإعسار المديون، ثم ثبت يساره بعد هاوية يعلم جواب حادثة الفتوى، سئلت عنها حين كتابتي لهذا المحل، في رجل له دكان وقف مشتمل على منجور وغيره وضعه من ماله في الدكان بإذن ناظر الوقف نحو أربعين سنة، وتصرف فيه هو وورثته من بعده في هذه المدة، ثم أنكر الناظر الآن وأنكر وضعه بالإذن، وأراد الورثة إثباته وإثبات الإذن بوضعه.
والذي ظهر لي في الجواب سماع البينة في ذلك؛ لأنه حيث كان في يدهم ويد مورثهم هذه المدة بدون معارض لم يكن ذلك تركا للدعوى، ونظير ذلك ما لو ادعى زيد على عمرو بدار في يده، فقال له عمرو: كنت اشتريتها منك من عشرين سنة وهي في ملكي إلى الآن وكذبه زيد في الشراء فتسمع بينة عمرو على الشراء المذكور بعد هذه المدة؛ لأن الدعوى توجهت عليه الآن وقبلها كان واضع اليد بلا معارض، فلم يكن مطالبا بإثبات ملكيتها فلم يكن تاركا للدعوى.
ومثله فيما يظهر أن مستأجر دار الوقف يعمرها بإذن الناظر وينفق عليها مبلغا من الدراهم يصير دينا له على الوقف، ويسمى في زماننا مرصدا ولا يطالب به ما دام في الدار، فإذا خرج منها فله الدعوى على الناظر بمرصده المذكور وإن طالت مدته حيث جرت العادة بأنه لا يطالب به قبل خروجه، ولا سيما إذا كان في كل سنة يقتطع بعضه من أجرة الدار فليتأمل.
الخامس: استثناء
стр. 12479
الشارح العذر الشرعي أعم مما في الخيرية من الاقتصار على استثناء الوقف ومال اليتيم والغائب؛ لأن العذر يشمل ما لو كان المدعى عليه حاكما ظالما كما يأتي، وما لو كان ثابت الإعسار في هذه المدة ثم أيسر بعدها فتسمع كما ذكره في الحامدية.
السادس: استثناء مال اليتيم مقيد بما إذا لم يتركها بعد بلوغه هذه المدة وبما إذا لم يكن له ولي كما يأتي، وفي الحامدية لو كان أحد الورثة قاصرا والباقي بالغين تسمع الدعوى بالنظر إلى القاصر بقدر ما يخصه دون البالغين.
السابع: استثنوا الغائب والوقف ولم يبينوا له مدة فتسمع من الغائب ولو بعد خمسين سنة، ويؤيده قوله في الخيرية من المقرر أن الترك لا يتأتى من الغائب له أو عليه؛ لعدم تأتي الجواب منه بالغيبة والعلة خشية التزوير ولا يتأتى بالغيبة الدعوى عليه، فلا فرق فيه بين غيبة المدعي والمدعى عليه اهـ.
وكذا الظاهر في باقي الأعذار أنه لا مدة لها؛ لأن بقاء العذر وإن طالت مدته يؤكد عدم التزوير بخلاف الوقف، فإنه لو طالت مدة دعواه بلا عذر ثلاثا وثلاثين سنة لا تسمع، كما أفتى به في الحامدية أخذا مما ذكره في البحر في كتاب الدعوى عن ابن الغرس عن المبسوط، إذا ترك الدعوى ثلاثا وثلاثين سنة، ولم يكن مانع من الدعوى ثم ادعى لا تسمع دعواه؛ لأن ترك الدعوى مع التمكن يدل على عدم الحق ظاهرا اهـ.
وفي جامع الفتوى عن فتاوى العتابي قال المتأخرون من أهل الفتوى: لا تسمع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة إلا أن يكون المدعي غائبا أو صبيا أو مجنونا وليس لهما ولي أو المدعى عليه أميرا جائرا اهـ.
ونقل ط عن الخلاصة: لا تسمع بعد ثلاثين سنة اهـ. ثم لا يخفى أن هذا ليس مبنيا على المنع السلطاني بل هو المنع من الفقهاء، فلا تسمع الدعوى بعده وإن أمر السلطان بسماعها.
الثامن: سماع الدعوى قبل مضي المدة المحدودة مقيد بما إذا لم يمنع منه مانع آخر يدل على عدم الحق ظاهرا لما سيأتي في مسائل شتى آخر الكتاب من أنه لو باع عقارا أو غيره وامرأته أو أحد أقاربه حاضر يعلم به، ثم ادعى ابنه مثلا أنه ملكه لا تسمع دعواه، وجعل سكوته كالإفصاح قطعا للتزوير والحيل بخلاف الأجنبي فإن سكوته ولو جارا لا يكون رضا إلا إذا سكت الجار وقت البيع والتسليم
стр. 12480
وتصرف المشتري فيه زرعا وبناء فلا تسمع دعواه على ما عليه الفتوى قطعا للأطماع الفاسدة اهـ.
وأطال في تحقيقه في الخيرية من كتاب الدعوى فقد جعلوا مجرد سكوت القريب أو الزوجة عند البيع مانعا من دعواه بلا تقييد باطلاعه على تصرف المشتري، كما أطلقه في الكنز والملتقى، وأما دعوى الأجنبي ولو جارا فلا بد في منعها من السكوت بعد الاطلاع على تصرف المشتري ولم يقيدوه بمدة، وقد أجاب المصنف في فتاواه فيمن له بيت يسكنه مدة تزيد على ثلاث سنين ويتصرف فيه هدما وعمارة مع اطلاع جاره على ذلك، بأنه لا تسمع دعوى الجار عليه البيت أو بعضه على ما عليه الفتوى، وسيأتي تمام الكلام على ذلك آخر الكتاب في مسائل شتى قبيل الفرائض إن شاء الله تعالى فانظره هناك فإنه مهم. . حاشية ابن عابدين / مجلد ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.
стр. 12481
ب - وجاء في مجلة الأحكام العدلية وشرطها:
١ - أنواع مرور الزمن:
إن مرور الزمن على نوعين:
النوع الأول: مرور الزمن الذي حكمه اجتهادي ومدته ست وثلاثون سنة؛ ولذلك فالدعوى التي تترك ستا وثلاثين سنة بلا عذر لا تسمع مطلقا؛ حيث إن ترك الدعوى تلك المدة مع الاقتدار عليها وفقدان العذر يدل على عدم الحق. إن اعتبار نهاية مدة مرور الزمن ستا وثلاثين سنة بني على المادة (الـ ٦٦١) (علي أفندي ورد المحتار بزيادة).
النوع الثاني: مرور الزمن المعين من قبل السلطان. إن عدم استماع الدعوى في مرور الزمن الذي هو من هذا النوع مبني على المادة (الـ١٨٠١) من المجلة؛ فلذلك إذا تحقق في دعوى مرور زمن من هذا النوع وأمر من قبل السلطان باستماع تلك الدعوى فتسمع.
وللسلطان أن يمنع قاضيا من استماع الدعوى التي يقع فيها مرور زمن من
стр. 12482
هذا النوع وأن يأذن قاض آخر بسماع مثل هذه الدعوى؛ ولذلك فالفتاوى التي أفتى بها مشايخ الإسلام بعدم استماع الدعوى في مثل هذا النوع من مرور الزمن قد ذكر فيها بأنها لا تسمع بلا أمر (علي أفندي).
إن هذا النهي هو في حق القاضي وليس في حق الحكم؛ فلذلك إذا فصل الحكم دعوى مر عليها خمس عشرة سنة فصحيح وينفذ حكمه (الحموي). حتى لو أن شخصين عينا القاضي حكما بفصل دعوى، فللحكم المذكور أن يفصل تلك الدعوى ولو مر عليها خمس عشرة سنة (رد المحتار).
إن مرور الزمن لا يثبت حقا: يعني أن العقود كالبيع والإجارة مع كونها مثبتة وموجودة لكل واحد من العاقدين منفعة ومضرة، إلا أن مرور الزمن لا يثبت حقا للطرف الذي يريد الاستفادة منه؛ فلذلك إذا رد القاضي دعوى دائن بسبب وقوع مرور الزمن فيها يبقى المدعى عليه مدينا للمدعي ويكون قد هضم حق المدعي.
стр. 12483
٢ - الدعاوى الممنوع استماعها:
١ - الدعاوى الواقع فيها مرور زمن وهي المبينة في هذا الباب.
٢ - دعوى المواضعة والاسم المستعار في الأموال غير المنقولة.
٣ - قد منع بتاريخ ٢٧ جمادى الآخرة سنة ١٣٢٠ وفي ١٧ أيلول سنة ١٣١٨ دعاوى بيع وشراء العقار ما لم يكن البيع والشراء وقعا بمعاملة رسمية أي في دوائر التمليك (دفتر خاقاني).
٤ - قد منع سماع دعوى الرهن والشرط والوفاء والاستغلال غير المندرجة في السند بتاريخ ٢٨ رجب سنة ٩١، و٢٨ أغسطس سنة ٩٠.
٥ - قد منع بتاريخ ١٨ صفر سنة ٣٠٦، و١٢ تشرين الأول سنة ٣٠٤ سماع دعوى فراغ الأراضي الأميرية بشرط الإعاشة الغير المندرج بسند الطابو.
стр. 12484
٦ - قد منع استماع دعوى فراغ المستغلات الموقوفة مجانا بشرط الإعاشة الغير المندرج في سند التصرف.
٧ - قد منع في ٢٦ صفر سنة ٧٨ سماع دعوى الفراغ وفاء الذي لم يندرج في سند الطابو.
٨ - لا تسمع دعوى الخليط والشريك بحق الرجحان بعد خمس سنوات حسب قانون الأراضي.
٩ - إذا تفرع متصرف الأرض بالأراضي الأميرية التي عليها أبنية أو أشجار لآخر فلا تسمع دعوى صاحب الأبنية والأشجار بحق الرجحان بتلك الأراضي بعد مرور عشر سنوات على الفراغ.
١٠ - إذا تفرغ أحد بالأرض التي بتصرفه بموجب سند طابو الواقعة في حدود القرية لآخر من أهالي قرية أخرى، فلمن كان له احتياج للأرض من أهالي تلك القرية أن يدعي تلك الأرض إلى سنة ببدل المثل ولا تسمع دعواه بعد مرور سنة حسب قانون الأراضي.
١١ - إن الأراضي الأميرية التي تصبح مملوكة كعدم وجود أصحاب انتقال لها لا تسمع فيها دعوى حق الطابو الذي يثبت لصاحب الأبنية والأشجار في تلك الأرض بعد مرور عشر سنوات.
١٢ - كذلك لا تسمع دعوى حق الطابو بالأراضي المذكورة من الخليط والشريك بعد مرور خمس سنوات.
١٣ - كذلك لا تسمع دعوى حق الطابو في الأراضي المذكورة من الأشخاص المحتاجين للأراضي بعد مرور سنة.
١٤ - لا تسمع دعوى الربح الملزم زيادة عن تسعة في المائة سنويا.
١٥ - إذا وجد بين ورثة المتوفى شخص لم يبلغ خمس عشرة سنة فلا تسمع دعواه البلوغ وقد منع حكام الشرع من استماع دعواه.
стр. 12485
- السنة التي تعتبر في مرور الزمن:
تعتبر في مرور الزمن السنة العربية أي القمرية وليست السنة الشمسية؛ فلذلك يجب حساب مدة مرور الزمن بالسنة القمرية، مثلا إذا كان السند المحتوي الدين مؤرخا بتاريخ السنة الشمسية ولم يؤرخ بالسنة القمرية فيحسب مرور ذلك بالسنة القمرية.
مبدأ ومنتهى مرور الزمن:
إن مبدأ مرور الزمن يبتدئ من ثبوت الحق ومنتهاه إقامة الدعوى في حضور القاضي فلذلك يجب حساب مبدئه ومنتهاه على الوجه المشروح.
إذا أثبت من ادعى مرور الزمن مدعاه بالبينة فبها، أما إذا لم يثبت فهل له تحليف خصمه اليمين؟ أي إذا قال المدعى عليه: إنني متصرف في هذا العقار ست عشرة سنة بلا نزاع وأنت سكت وأنكر المدعي تصرف المدعى عليه هذه المدة ولم يثبت المدعى عليه بالبينة تصرفه هذا، فهل للمدعى عليه أن يحلف خصمه اليمين على عدم العلم بتصرفه ست عشرة سنة؟ لم أر صراحة في هذه المسألة إلا أن الفقهاء قد بينوا تحت قاعدة عمومية المسائل التي يجب فيها اليمين وهي: ٤ - كل موضع يلزم فيه الخصم إذا أقر يستحلف إذا أنكر. ويستثنى من هذه القاعدة ثلاث مسائل ومرور الزمن ليس منها (صرة الفتاوى في الدعوى) فعلى ذلك يلزم اليمين في هذه المسألة حسب هذه القاعدة أن بينة مرور الزمن مرجحة.
ترجح بينة مرور الزمن على بينة أن المدة التي مرت أقل من مدة مرور الزمن، سواء كان المدعى به ملكا أو وقفا أو أرضا أميرية. مثلا إذا ادعى ذو اليد بأن الملك العقار المدعى به هو في تصرفه بلا نزاع زيادة عن خمس عشرة سنة، وأن دعوى المدعي غير مسموعة وادعى المدعي الخارج بأن مدة تصرف المدعى عليه هي عشر سنوات، وأن دعواه مسموعة وأقام البينة على
стр. 12486
ذلك فترجح بينة ذي اليد (الطريقة الواضحة).
إذا أقام زيد على عمرو دعوى فادعى عمرو أنه مر خمس عشرة سنة وادعى زيد بأنه لم تمر خمس عشرة سنة وأقام البينة على ذلك، فأيهما كان مشهورا ومعروفا يعمل بها. أما إذا أثبت زيد أنه قدم الدعوى قبل مرور خمس عشر فيعمل بها (أبو السعود).
وإن صدور الحكم بالمدعى به لا يمنع وقوع مرور الزمن فلذلك لو استحصل أحد حكما بمطلوبه ولم يطلبه مدة خمس عشرة سنة، ولم يضع أعلام الحكم لأجل تنفيذه في الإجراء يحصل مرور الزمن في حالة تصرف المدعى عليه بلا نزاع، أما إذا كان معروفا ومشهورا أن تصرف المدعى عليه في ذلك العقار بالوكالة عن المدعي فلا يتحقق مرور الزمن.
مثلا إذا ادعى المدعي قائلا: إن العقار الفلاني الذي في يدك هو ملكي وبعد أن أنكر المدعى عليه ادعى أنه متصرف في العقار المذكور منذ خمس عشرة سنة بلا نزاع، فأجابه المدعي: نعم إنك متصرف منذ خمس عشرة سنة، ولكن إن تصرفك هذا بالوكالة عني وكان مشهورا ومعروفا أن تصرفه بالوكالة عن المدعي فيسقط ادعاء المدعى عليه بمرور الزمن؛ لأن التصرف كما يكون أصالة يكون نيابة كالوكالة (البحر وأبو السعود).
المادة (١٦٦٠): (لا تسمع الدعاوى الغير العائدة لأصل الوقف أو للعموم كالدين والوديعة والعقار الملك والميراث والمقاطعة في العقارات الموقوفة أو التصرف بالإجارتين والتولية المشروطة والغلة بعد تركها خمس عشرة سنة).
لا تسمع الدعاوى الغير العائدة لأصل الوقف أو للعموم كالدين ولو كان دية، والوديعة والعارية والعقار الملك والملك الذي لم يكن عقارا كالحيوان والأمتعة الأخرى والميراث والقصاص والمقاطعة في العقارات الموقوفة ودعوى التصرف بالمقاطعة ودعوى التصرف بالإجارتين والتولية المشروطة والغلة بعد أن تركت خمس عشرة سنة.
стр. 12487
أما مدة مرور الزمن في الدعاوى الأخرى كالطلاق والنكاح والوصية فالتفصيلات عنها مفقودة.
ولكن يمكن أن يقال: إن الخصومات التي لم يمنع استماع الدعاوى فيها بمرور الزمن يجب استماعها ما لم يقع مرور زمن اجتهادي.
مدد مرور الزمان: إن مدد مرور الزمن في الدعاوى الحقوقية في هذا الحال على خمسة أقسام:
القسم الأول: مرور زمن الست والثلاثين سنة، وهذا يكون في دعوى أصل الوقف وفي دعوى صاحب الأرض برقبة الأرض. انظر المادة (الـ١٦٦١) وشرح المادة (الـ١٦٦٢).
القسم الثاني: مرور زمن الخمس عشرة سنة، وهذا قد عدد قسم منه آنفا وقسم منه مذكور في المادة (الـ١٦٦٢).
القسم الثالث: مرور زمن العشر سنوات، وهذا مذكور في المادة (الـ١٦٦٢).
القسم الرابع: مرور زمن السنتين، فحسب ذيل قانون الأراضي لا تسمع دعوى التصرف في الأراضي الخالية والمحلولة التي فوضت من طرف الحكومة للمهاجرين، والتي زرعت منهم أو أنشئت عليها أبنية بعد مرور سنتين بلا عذر.
القسم الخامس: مرور زمن شهر، انظر المادة (الـ١٣٤).
ولنبحث الآن في تفصيل مدد مرور الزمن في الأمور البينة آنفا.
الدين - مثلا لو ادعى أحد على آخر قائلا: أطلب منك أن تؤدي لي كذا مبلغا الذي أخذ أو ثمن المبيع الذي بعته لك فلا تسمع دعواه.
ويفهم من ذكر الدين مطلقا أنه يشمل جميع الديون، سواء كان عائدا للآحاد أي ديون الناس مع بعضهم البعض، أو كان ديون بيت المال من الآحاد
стр. 12488
أو ديون الآحاد من بيت المال خمس عشرة سنة على هذه الديون يحصل فيه مرور الزمن؛ فلذلك قد صدرت إرادة سنية بتاريخ سنة ١٣٠٠ وتشرين الثاني سنة ١٨٩٨ بعد سماع دعوى دين بيت المال بعد مرور خمس عشرة سنة.
الوديعة: إذا ادعى أحد على آخر قائلا: إنني أطلب منك الوديعة التي أودعتها لك قبل خمس عشرة سنة وأنكر المدعى عليه فلا تسمع الدعوى.
العارية: إذا توفيت امرأة وادعت أمها على زوجها قائلة: إنني أعرت ابنتي المتوفاة كذا وكذا وأنكر الزوج فلا تسمع دعواها.
الميراث: إذا ادعى أحد الورثة على آخر قائلا: إنه قد بقي عندك كذا أشياء من مال مورثنا المتوفى قبل خمس عشرة سنة، فأطلب حصتي من تلك الأشياء وأنكر المدعى عليه ذلك فلا تسمع دعواه.
العقار الملك: إذا ادعى أحد بأن العقار كالدار والكرم الذي في تصرف شخص آخر مدة خمس عشرة سنة بلا نزاع بأنه ملكه أو له حصة فيه فلا تسمع دعواه.
كذلك إذا تصرف اثنان بكرم مدة خمس عشرة سنة بالاشتراك، ولم يدعيا على بعضهما البعض في تلك المدة، ثم ادعى أحدهما أن ذلك الكرم ملكه مستقلا فلا تسمع دعواه.
المقاطعة في العقارات الموقوفة - المقاطعة وهي العقار الذي يكون عرصته وقفا، وتكون الأبنية والأشجار والكروم التي عليها العرصة ملكا ويدفع من المتصرف فيها إجارة مقطوعة سنويا لجانب الوقف، وتسمى هذه أيضا إجارة الأرض ويجوز وقف هذا الملك أيضا، يعني إذا وقف أحد بإذن المتولي الذي أحدثه على العرصة الموقوفة أو الشجر الذي غرسه عليها لنفسه، فيصح الوقف سواء كان موقوفا في الجهة الموقوفة عليه العرصة الموقوفة أو وقف على جهة أخرى؛ لأنه وإن كان جهة القرب مختلفة إلا أنهم يجمعان في أصل القرب
стр. 12489
واختلاف الجهة لا أوجب اختلاف الحكم (علي أفندي).
ويمكن تصوير دعوى التصرف في العقارات الموقوفة بمقاطعة على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون المدعى به ملكا، مثلا لو ادعى أحد قائلا: إن داري المملوكة المنشأة على عرصة الوقف الفلاني والمربوطة بكذا مبلغا مقاطعة للوقف، يتصرف بها هذا المدعى عليه منذ خمس عشرة سنة، وحيث إنها ملكي فأطلب تسليمها فإذا أنكر المدعى عليه دعوى المدعي هذه فلا تسمع دعواه وتكون هذه الدعوى دعوى العقار الملك.
الوجه الثاني: يكون المدعى به وقفا، وهذا إما أن يكون بإجارة واحدة فلا يتصور فيه إقامة دعوى التصرف، والدعوى التي تقام من متولي الوقف تكون عائدة إلى أصل الوقف ويكون مرور زمن فيها ستا وثلاثين سنة.
وإما أن تكون بإجارتين وهذه تدخل تحت فقرة (أو التصرف بالإجارتين).
الوجه الثالث: تكون صورة الدعوى على الوجه الآتي يربط كلمة التصرف بكلمة المقاطعة، وهو إن ادعى زيد على عمرو قائلا: إن عرصة هذا الوقف هي تحت التصرف بالمقاطعة بكذا درهما. فإذا لم يمر خمس عشرة سنة فتسمع الدعوى وإلا فلا. أما إذا ادعى أحد قائلا: إن العرصة التي أخذتها من المتولي زيد هي للوقف الفلاني الذي أنا متولى عليه وهي بتصرفك بمقاطعة وادعى أن العرصة ملكه وأنكر المقاطعة فيما أن هذه الدعوى في هذه الصورة تتعلق برقبة الوقف فتسمع الدعوى فيها إلى ست وثلاثين سنة.
الوجه الرابع: إذا لم تربط كلمة تصرف بكلمة مقاطعة فتكون صورة الدعوى على هذا الوجه:
إن العرصة الفلانية التي أخذتها من المتولي زيد هي من مستغلات الوقف الذي تحت توليتي هي تحت تصرفك، وبما أنه يطلب للوقف منك كذا مبلغا بدل مقاطعة فأطلب منك أداء ذلك. وحقيقة هذه الدعوى دعوى دين
стр. 12490
وتدخل في الدين فلذلك يجب أن يكون مقصودا من عبارة (دعوى التصرف في العقارات الموقوفة بالمقاطعة) الوجه الثالث.
دعوى التصرف بالإجارتين في العقارات الموقوفة تكون هذه الدعوى على وجهين:
الوجه الأول: تكون بين المتصرفين، مثلا إذا تصرف أحد بالإجارتين في عقار وقف في مواجهة آخر خمس عشرة سنة، وسكت بلا عذر هذه المدة ثم ادعى بعد ذلك أن العقار المذكور في تصرفه بالإجارتين قبل المدة المذكورة فلا تسمع دعواه، وكما أنه لا تسمع دعواه التصرف مرور خمس عشرة سنة لا تسمع دعواه الفراغ وفاء (جامع الإجارتين).
كذلك إذا تصرف اثنان بالاشتراك في عقار وقف بالإجارتين مدة خمس عشرة سنة، ولم يدع في هذه المدة أحدهما على الآخر وقام أحدهما وادعى على الآخر أن ذلك العقار كان في تصرفه بالإجارتين قبل السنين المذكورة مستقلا، فلا تسمع دعواه.
الوجه الثاني: تكون بين المتصرف والمتولي، مثلا إذا تصرف أحد في عقار وقف بطريق الإجارتين مدة خمس عشرة سنة في مواجهة المتولي ذلك الوقف، وسكت المتولي تلك المدة بلا عذر فإذا ادعى المتولي بعد ذلك قائلا للمدعي عليه: إن العقار المذكور لم يؤجر لك وإنك ضبطت ذلك العقار فضولا، فلا تسمع دعواه.
دعوى التولية المشروطة: إذا تصرف أحد بوقف بصفته متوليا بالمشروطة مدة خمس عشرة سنة، ثم ظهر شخص آخر وادعى بأن المتولي لذلك الوقف بالمشروطة هو نفسه لا تسمع دعواه.
والمتولي هو الشخص الذي عين بإدارة ورؤية أمور ومصالح الوقف حسب شروط الوقفية وهو على قسمين:
القسم الأول: المتولي الذي تكون توليته من اقتضاء شروط الوقفية ويقال له: متول بالمشروطة.
стр. 12491
القسم الثاني: المتولي الذي لم يشرط من طرف الواقف شرط بأن يكون متوليا، بل هو متول ينصب القاضي له متوليا.
دعاوى الغلة: ومعنى غلة الوقف هي فائدة ومحصول الوقف، كربح النقود الموقوفة، وبدل إيجار العقار الموقوف، ومحصول المزرعة الموقوفة، وثمر الروضة الموقوفة، فعليه إذا تصرف عمرو بعد وفاة ولده بكر من أولاد أولاد الواقف في المزرعة الموقوفة المشروطة، غلتها على أولاد الواقف وأولاد أولاده في مواجهة بشر أربعين سنة مستقلا، وسكت بشر هذه المدة بلا عذر، وبعد ذلك ادعى بشر على بكر قائلا في دعواه: إنني من أولاد الواقف، وإن لي حق المشاركة في غلة المزرعة معك. فلا تسمع دعواه (علي أفندي).
فإذا استمع القاضي الدعوى التي وقع فيها مرور زمن على هذا الوجه وحكم فيها، فلا ينفذ حكمه؛ لأن الحكم والقضاء المخالف لأمر إمام المسلمين المشروع مردود (جامع الإجارتين).
المادة (١٦٦١): (تسمع دعوى المتولي والمرازقة في حق أصل الوقف إلى ست وثلاثين سنة، ولا تسمع بعد مرور ست وثلاثين سنة، مثلا إذا تصرف أحد في عقار على وجه الملكية ستا وثلاثين سنة، ثم ادعى متولي وقف قائلا: إن ذلك العقار هو من مستغلات وقفي فلا تسمع دعواه).
تسمع دعوى المتولي والمرازقة في حق أصل الوقف إلى ست وثلاثين سنة، وكل شيء يتعلق به صحة الوقف هو من أصل الوقف، وكل شيء لا يتوقف عليه صحة الوقف هو من شروط الوقف (جامع الإجارتين).
والمتولي - كما بينا آنفا - إما أن يكون بالمشروطة أو بنصب القاضي، والدعوى صحيحة من أيهما كان.
والمرازقة: هم الذين يأخذون معاشا وراتبا من غلة الوقف، ويسمى هؤلاء أهل الوظائف أيضا كإمام الجامع وخدمته.
стр. 12492
يفهم من ظاهر المجلة بأن المرازقة هم خصم في دعوى الوقف، إلا أن هذه المسألة مختلف فيها بين الفقهاء، وبيان ذلك أن حق الدعوى في الأوقاف هو للمتولي عند بعض الفقهاء، ولا يكون المرازقة مدعين مدعى عليهم في الوقف، والقول المفتى به في ذلك الحين هو هذا القول. مثلا: إذا ادعى أحد على العقار الذي في يد آخر قائلا: إن سكن هذا العقار وغلته هي وقف مشروطة لي، وادعى ذو اليد بأن العقار المذكور ملكه، فإذا كان ذلك المدعي هو متولي الوقف فتعتبر خصومته ودعواه، وإذا كان غير ذلك فلا تعتبر على القول المختار (جامع الإجارتين والنتيجة والبحر في الدعوى والإسعاف ورد المحتار وأوائل الشهادة في الوقف).
أما إذا أولت هذه الفقرة (بأنه تسمع دعوى المرتزقة برأي القاضي فتكون موافقة للرأي المختار) مثلا إذا كان المتولي غائبا أو لم يدع، كما أنه لم يوكل الموقف عليه فتسمع دعوى الموقوف عليه بإذن القاضي.
وعند بعض الفقهاء إن للموقوف عليه أن يكون مدعيا في الأوقاف كما للمتولي حق بذلك؛ فلذلك إذا كان الوقف على معين فدعوى الموقوف عليه المعين صحيحة (الحموي).
ويرى أن المجلة قد اختارت هذا القول.
وأصل دعوى الوقف سواء كان عقارا، وقد ذكر في المجلة، أو كان منقولا كالنقود والدعاية التي تتعلق بأصل النقود الموقوفة تسمع إلى ست وثلاثين سنة.
مثلا إذا أتلف أحد كذا دينارا من النقود الموقوفة التي تحت توليته بصرفها على نفسه، ثم عين متول آخر على ذلك الوقف، ولم يدع ذلك المتولي تلك النقود، وبعد مرور خمس عشرة سنة نصب على الوقف متول آخر، وادعى على المتولي الأول بتلك النقود، فليس للمتولي الأول أن يقول للمتولي: لا تسمع دعواك حيث قد مر خمس عشرة سنة (علي أفندي).
стр. 12493
أما الدعوى المتعلقة بربح النقود الموقوفة فتسمع إلى خمس عشرة سنة فقط، ولا تسمع دعوى المتولي والمرتزقة في حق أصل الوقف بعد مرور ست وثلاثين سنة. ومرور الزمن في ذلك هو مرور الزمن الذي هو حكم اجتهادي. والدعوى في حق أصل الوقف تكون على صورتين:
الصورة الأولى: تكون بين الملكية والوقفية، مثلا إذا تصرف أحد في عقار ستا وثلاثين سنة على وجه الملكية ثم ادعى متولي الوقف قائلا: إنه من مستغلات وقفي، فلا تسمع دعواه.
أما إذا كانت المدة التي مرت أقل من ست وثلاثين سنة، فتسمع الدعوى، فعليه لو ضبط أحد بضعة حوانيت، وتصرف فيها على وجه الملكية مدة خمس وعشرين سنة، ثم ادعى متولي وقف أن تلك الحوانيت هي وقف فلان، فتسمع دعواه (علي أفندي).
الصورة الثانية: تكون بين وقفين، مثلا لو أجر متولي وقف عقارا على أنه من مستغلات الوقف الذي تحت توليته مدة ست وثلاثين سنة في مواجهة متولي وقف آخر، وسكت متولي الوقف الثاني في هذه المدة بلا عذر، ثم ادعى على متولي الوقف الأول أن العقار المذكور من مستغلات وقفه، فلا تسمع دعواه.
المادة (١٦٦٢): (إن كانت دعوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في عقار الملك، فلا تسمع بعد مرور خمس عشرة سنة، وإن كانت في عقار الوقف، فللمتولي أن يدعيها إلى ست وثلاثين سنة، وكما لا تسمع دعاوى الأرض الأميرية بعد مرور عشر سنوات، كذلك لا تسمع دعاوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في الأراضي الأميرية بعد أن تركت عشر سنوات).
إن كانت دعوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في عقار الملك فلا تسمع بعد مرور خمس عشرة سنة.
ويستعمل الطريق الخاص والمسيل في معنيين:
стр. 12494
أولهما: بمعنى رقبة الطريق ورقبة المسيل، وقد مر في شرح المادة (الـ١٢١٣، والـ ١١٤٣) تعريف الطريق الخاص كما أنه قد ذكر في المادة (الـ١٢٢٠) بأنه كالملك المشترك لمن لهم فيه حق المرور.
وقد ذكر في (١٤٤) أن المسيل هو محل جريان الماء والسيل (الهندية في باب البيع الفاسد في قوله وبيع الطريق وهبته).
وعلى هذا المعنى إذا كان الطريق والمسيل لعقار الملك فمدة مرور الزمن فيها خمس عشرة سنة، إذا كانا لعقار وقف فمدة مرور الزمن فيها ست وثلاثون سنة، وقد ذكر ذلك في مادتي (الـ١٦٦٠، والـ ١٦٦١) فإذا كان يقصد في هذه المادة هذا المعنى، فيكون تكرارا، كما إن عبارة (في العقار الملك) مانعة من إرادة هذا المعنى؛ لأنه لا يصح أن يكون الشيء ظرفا لنفسه.
ثانيا: معنى حق المرور حق المسيل، وهذا المعنى مناسب لتعبير حق الشرب، وإذا قصد هذا المعنى فلا يكون الكلام تأكيدا، بل يكون تأسيسا، والتأسيس أولى من التأكيد.
مثال للمعنى الثاني: إذا ادعى أحد بأنه له حق مرور في العرصة التي في تصرف آخر مستقلا مدة خمس عشرة سنة، وإنه كان يمر منها قبل خمس عشرة سنة، فلا تسمع دعواه. وإذا كانت في العقارات الموقوفة للمتولي أن يدعي ذلك لست وثلاثين سنة. مثلا لو كان لحانوت وقف حق مسيل في عرصة موقوفة لجهة أخرى، فلمتولي الوقف الأول أن يدعي على متولي الوقف الثاني إلى ست وثلاثين سنة وفي ذلك ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون حق الطريق واقعا في العقارات الموقوفة، وأن يكون العقار الذي يرجع إليه حق الطريق وقفا كما في المثال المذكور آنفا.
الصورة الثانية: أن يكون حق الطريق واقعا في عقارات موقوفة، ويكون العقار الذي يرجع إليه حق الطريق ملكا، كادعاء أحد على متولي عرصة بقوله: إن لداري الملك حق طريق في العرصة التي أنت متول عليها ومدة
стр. 12495
مرور الزمن في هذه الدعوى على الظاهر هي خمس عشرة سنة، تبعا للعقار الملك التي هي عائدة إليه.
الصورة الثالثة: أن يكون حق الطريق واقعا في العقارات المملوكة، ويكون العقار الذي يرجع إليه حق الطريق وقفا، كادعاء متولي وقف عقارا على آخر بقوله: إن للعقار الذي تحت توليتي حق مرور في العرصة التي هي ملكك. ومدة مرور الزمن في هذه الدعوى على الظاهر ست وثلاثون سنة تبعا للعقار الموقف التي هي عائدة إليه.
وكما أنه لا تسمع دعوى التصرف في الأراضي الأميرية بعد مرور عشر سنوات قمرية، كذلك لا تسمع دعاوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في الأراضي الأميرية بعد أن تركت عشر سنوات.
стр. 12496
يوجد في هذه الفقرة أربع مسائل ويفصل كل منها على الوجه الآتي:
المسألة الأولى: دعاوى الأراضي الأميرية، والمقصد منها دعاوى التصرف في الأراضي الأميرية، سواء كانت الأميرية أميرية صرفة، أو أميرية موقوفة. مثلا إذا تصرف أحد في مزرعة في الأراضي الأميرية عشر سنوات في مواجهة آخر، وسكت ذلك الآخر تلك المدة بلا عذر، فأقام الدعوى قائلا: إن تلك المزرعة هي بتصرفي بموجب سند طابو قبل السنين المذكورة وأنكر المدعى عليه فلا تسمع دعواه.
وقد جاء في جامع الفصولين رجل تصرف في الأراضي الأميرية عشر سنين يثبت له حق القرار ولا تؤخذ من يده.
تكون دعوى التصرف في الأراضي الأميرية على صورتين:
الصورة الأولى: تكون بإقامة الدعوى من شخص على آخر وهو كما في المثال المتقدم الذكر.
الصورة الثانية: تكون بإقامة صاحب الأرض على شخص، مثلا إذا ادعى
стр. 12497
صاحب الأرض الأراضي التي بتصرف أحد بموجب طابو محلولة من عهدة فلان، أو أنها من الأراضي الأميرية الخالية، وطلب ضبطها لبيت المال، مبينا أن تصرف المدعى عليه بها تصرف فضولي، فأنكر المدعى عليه التصرف الفضولي، وادعى تصرفه بها على كونها أراضي أميرية منذ عشر سنوات، وأثبت مدعاه فلا تسمع دعوى صاحب الأرض، أما إذا كانت المدة التي مرت أقل من عشر سنوات، فتسمع الدعوى. مثلا لو ترك أحد دعواه على آخر المتعلقة بأرض مسجلة بالطابو تسع سنوات وأحد عشر شهرا، فلا يمنع هذا الإهمال استماع الدعوى، كما أنه لو تركها تسع سنوات وأحد عشر شهرا وخمسة وعشرين يوما بلا عذر ولم تتم السنوات العشر تسمع دعواه.
كذلك لو تصرف أحد مع آخر في مزرعة من الأراضي الأميرية بالاشتراك السنوي عشر سنوات، وسكت ذلك الشخص هذه المدة بلا عذر، وادعى بعد مرور السنوات العشر بأن جميع المزرعة هي بتصرفه بموجب طابو فلا تسمع دعواه.
وقد صدرت إرادة سلطانية بتاريخ ٢٢ محرم سنة ١٣٠٠هـ، و ٢٢ تشرين الثاني سنة ١٢٩٨ بسماع دعوى مأمور الأرض المتعلقة برقبة الأرض الأميرية إلى ست وثلاثين سنة.
مثلا إذا تصرف أحد في أرض على كونها ملكه فتسمع دعوى مأمور الأراضي بأنها أراض أميرية إلى ست وثلاثين سنة.
كذلك إذا ادعى صاحب الأرض بأن الأرض من الأراضي الأميرية وادعى المتولي ذي اليد بأنها وقف فتسمع دعوى صاحب الأرض إذا لم يمر ست وثلاثون سنة. أما إذا مر ست وثلاثون سنة فلا تسمع دعواه.
المسألة الثانية: دعاوى الطريق الخاص في الأراضي الأميرية. إذا ادعى أحد قائلا: إن لمزرعتي التي تحت تصرفي بموجب طابو طريقا خاصا في المزرعة التي تحت تصرفك بموجب طابو فلا تسمع الدعوى فيها إذا مر عشر سنوات.
стр. 12498
المسألة الثالثة: دعاوى المسيل في الأراضي الأميرية. إذا ادعى أحد قائلا: إن لهذه المزرعة التي تحت تصرفي بموجب طابو حق مسيل في المزرعة التي تحت تصرفك بموجب طابو فلا تسمع الدعوى فيها إذا مرت عشر سنوات.
إن الصور الثلاث التي ذكرت في شرح الفقرة الثانية من المادة الآنفة تلاحظ في هاتين المسألتين.
المسألة الرابعة: دعاوى حق الشرب في الأراضي الأميرية. إذا ادعى أحد قائلا إن لهذه المزرعة التي تحت تصرفي بموجب طابو حق شرب في النهر الموجود في المزرعة التي تحت تصرفك بموجب طابو فلا تسمع الدعوى فيها إذا مرت عشر سنوات وإلا فتسمع.
المادة (١٦٦٣): (والمعتبر في هذا الباب أي في مرور الزمن المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط، وأما مرور الزمن الحاصل بأحد الأعذار الشرعية ككون المدعي صغيرا أو مجنونا أو معتوها، سواء كان له وصي أو لم يكن له أو كونه في ديار أخرى مدة السفر أو كان خصمه من المتغلبة فلا اعتبار له؛ فلذلك يعتبر مبدأ مرور الزمن من تاريخ زوال واندفاع العذر. مثلا لا يعتبر الزمن الذي مر حال جنون أو عته أو صغر المدعي، بل يعتبر مرور الزمن من تاريخ وصوله حد البلوغ. كذلك إذا كان لأحد مع أحد المتغلبة دعوى، ولم يمكنه الادعاء لامتداد زمن تغلب خصمه، وحصل مرور زمن لا يكون مانعا لاستماع الدعوى وإنما يعتبر مرور الزمن من تاريخ زوال التغلب).
والمعتبر في هذا الباب أي في مرور الزمن المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر، أما الزمن الذي مر بعذر شرعي ككون المدعي أي صاحب الحق صغيرا أو مجنونا أو معتوها سواء كان له وصي أو لم يكن أو كان المدعي أو المدعى عليه في ديار أخرى مدة السفر، أو كان خصمه أي المدعى عليه من المتغلبة فلا يعتبر، فلذلك يعتبر مبدأ مرور الزمن من تاريخ زوال واندفاع العذر (علي أفندي).
стр. 12499
فعلى هذه الصورة لو كان لزيد حق ثابت في ذمة عمرو، فتغيب عمرو بعد ثبوت ذلك الحق أربع عشرة سنة ثم حضر، فمبدأ مرور الزمن يعتبر من تاريخ حضور عمرو، فلو أقام زيد الدعوى بعد التاريخ المذكور بثلاث عشرة سنة تسمع دعواه.
والمدة التي تمر بأعذار كهذه لو بلغت أربعين أو خمسين سنة فتسمع الدعوى؛ لأن من المقرر أن الترك لا يتأتى من الغائب له أو عليه لعدم تأتي الجواب منه بالغيبة، والعلة خشية التزوير ولا لتالي بالغيبة الدعوى عليه (رد المحتار).
الأعذار الثلاثة، يطلق على الأعذار المبينة في هذه المادة الأعذار الثلاثة:
الأول: القاصرية وهو عبارة عن كون صاحب الحق صغيرا أو مجنونا أو معتوها فالمدة التي تمر أثناء القاصرية لا تدخل في حساب مرور الزمن سواء بلغت حد مرور الزمن أو لم تبلغ.
مثلا لو دامت القاصرية خمس سنوات وزالت في ابتداء السنة السادسة فيبتدئ مرور الزمن اعتبارا من السنة السادسة، كما أنه لو دامت القاصرية خمس عشرة سنة وزالت في ابتداء السنة السادسة عشرة، فيحسب مرور الزمن من ابتداء السنة السادسة عشرة، أما إذا بدأ مرور الزمن حينما لم تكن القاصرية موجودة وقبل اكتمال مرور الزمن، حصلت القاصرية ثم زالت بعد مدة، فهل يجب تنزيل المدة التي كان فيها في حالة القاصرية من مدة مرور الزمن؟ يعني مثلا لو باع زيد وهو أهل للتصرف مالا لعمرو بعشرين دينارا، وبعد خمس سنوات طرأ على عمرو قاصرية دامت عشر سنوات، ثم زالت ثم ادعى بعد زوال القاصرية بثماني سنوات، فإذا نزلت من المدة مدة القاصرية، فيكون مجموع المدة ثلاث عشرة سنة ويجب سماع الدعوى، وفي حالة عدم تنزيلها تكون المدة ثلاثا وعشرين سنة ويجب عدم سماع الدعوى؟
стр. 12500
إن هذه المسألة محتاجة للحل ومن الموافق لسماع الدعوى لحين وجود مسألتها الصريحة.
الثاني: الغيبة، وهي أعم من غيبة الداعي أو المدعى عليه، فالمدة التي تمر في حالة الغيبة سواء بلغت حد مرور الزمن أو لم تبلغ، فلا تأثير لها في مرور الزمن إذا كان ثبوت الحق المدعى به في حالة الغياب.
مثال على كونه بالغا مدة مرور الزمن: إذا كان لأحد في ذمة آخر حق وهو مقيم في ديار بعيدة مدة السفر وتحقق في ذمة الغائب بطريق البيع أو الإجارة أو الإقراض بطريق المكاتبة أو المراسلة أو بإتلاف المال، ولم يتمكن من الادعاء بمطلوبه ثم بعد مرور خمس عشرة سنة حضر ذلك الشخص ثم بعد مرور أربع عشرة سنة من حضوره أقام صاحب الحق عليه الدعوى فتسمع دعواه.
مثال على عدم بلوغ مدة مرور الزمن: إذا ثبت لأحد في ذمة آخر حق وهو مقيم في ديار أخرى بعيدة مدة السفر ودامت غيبة المدين مدة خمس سنوات إلا أنه حضر في ابتداء السنة السادسة فبما أنه يبتدئ مرور الزمن من السنة السادسة فللمدعي أن يقيم الدعوى بعد تسع عشرة سنة اعتبارا من مبدأ ثبوت الحق.
يوجد بعض مسائل تحتاج للحل في عذر الغيبة:
١ - إذا بدأ مرور الزمن في عدم وجود الغيبة وقبل أن يتم مرور الزمن تخللته الغيبة ثم زالت الغيبة بعد مدة، فهل يجب تنزيل مدة الغيبة من مرور الزمن أو لا يجب؟ فالظاهر أنه يجب تنزيلها، يعني لو أقرض زيد لعمرو عشرة دنانير وسلمها إياه ثم أقام الاثنان في بلدة واحدة خمس سنوات، ثم غاب عمرو وسافر إلى ديار بعيدة مدة السفر مدة عشر سنوات، ثم حضر فادعى المدعي بعد حضوره بأربع سنوات، فإذا نزلت مدة الغيبة يكون مر تسع سنوات فقط، وإذا لم تنزل يكون قد مر تسع عشرة سنة، والظاهر أنه يجب تنزيل مدة الغيبة.