← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

بالمعروف، كما قال جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) فحق عليهم - بعدم التناصح، وراحة النفس بالجريمة التي يعملها الآخرون - أن وجب عليهم لعن الله، وهو الطرد من رحمته جل وعلا. والعصيان والاعتداء جريمة؛ لأن في ذلك مجاوزة لحدود الله التي حد لعباده، وأعظم الجرائم عصيان الله في أمره، والاستكبار على شرعه، كما فعل إبليس- لعنه الله- حيث أخرجه ذلك من رحمة الله واستحق مقته وغضبه إلى الأبد، فأعظم بها من خسارة، قال ابن كثير في تفسيره: قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم (٣)» قال يزيد، وأحسبه قال: «في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم: وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس فقال: لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرا (٥)» وفي رواية ابن مسعود ﵁: «كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو تقصرنه على الحق قصرا (٦)». فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأسس المتينة، التي تقي المجتمعات من الجريمة، وبهيمنة الرجال العارفين لما يدعون إليه المدركين حقيقة ما ينهون عنه بحكمة وموعظة حسنة يمكن بتوفيق من الله، وبالنية المخلصة، والصدق في القول والعمل - حماية للأمة من تسلط فئة نبت الشر في قلوبهم، وفقدوا هيمنة الرقابة الذاتية لنقص إيمانهم، والرقابة الأسرية

стр. 12637

لعدم توجيههم وقت التهيؤ الذهني، والاستعداد العقلي للقبول؛ لأن أمثال هؤلاء في المنزلة الثالثة، بحيث تردعهم السلطة، وتؤثر فيهم التوجيهات، وتخوفهم الجزاءات الملائمة معهم، ذلك أن سلطة الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر يجب أن تكون مستندة إلى قاعدة صلبة من الإيمان، الذي يملأ النفس بحرارة اليقين، ويمدها بالشحنات الدافعة إلى العمل، كما يجب أن تدعم بالسلطة الشرعية، لينزجر المعاندون، ويقمع المكابرون، ويجازى المتجاوزون المصرون؛ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن (١)، والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. لقد جعل الله جل وعلا في شرائع دين الإسلام، وفي كل أمر ونهي حكمة بالغة، تنصلح بها الحياة في كل زمان ومكان، فالزواجر والحدود التي شرعها الله، ونظمتها تعاليم الإسلام، ليست إلا وقاية للمجتمع من تسلط فئة على فئة، وحماية لأفراده وأمنه من أصحاب النزعات الشريرة، أو الإغراءات المادية. ولما كان الدين النصيحة والتوجيه، فإن الفرد مسئول بأن يكون عينا تراقب الأضرار؛ للتنبيه عليها والتساند مع الجهات المعينة في إنكار المنكر، والترغيب في المعروف، كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢)». رواه مسلم. فنصح العامة يتم بالتوعية والتنبيه على الأخطاء برفق ولين؛ لأن الثمرة لا تتم إلا بهما. أما إذا خيف اتساع النطاق، واستمراء الباطل، فيجب على الجهة المعنية أخذهم على الحق بالقوة، كما جاء في الحديث الذي ساقه ابن كثير في تفسيره، ومر بنا آنفا. ذلك أن رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم الذين عرفوا في تاريخ دولة الإسلام برجال الحسبة،

стр. 12638

وأخذ فكرتهم وجزءا من مهماتهم رجال الغرب، وسموهم برجال الآداب، أو بوليس الآداب، وعنهم أخذت هذه الفكرة بعض الدول العربية والإسلامية، لكن ذلك سار في درب يختلف عما عهد عن المسلمين في أعمال الحسبة، حيث عرف عنهم أعمال كثيرة منها: - الحرص على متابعة صغائر الشر حتى لا يستفحل خطرها. - مراقبة المكاييل والموازين، والاهتمام بالأسعار ومنع الغش. - المحافظة على الأمن، وذلك بمتابعة الجانحين من الشباب، وتتبع أصحاب الجرائم الأخلاقية. - منع النساء من مخالطة الرجال في الأماكن العامة، ومزاحمتهم في الأسواق. - الاهتمام بمداخل الفتنة، والنصح والتوجيه لكل من يتجرأ على حدود ومحارم الله. - الاهتمام بتأمين الطرق، والقضاء على شتى صور التعدي فيها على الفرد أو الجماعة (١). - منع الجار من الاعتداء على جاره، وردع القوي من التسلط على الضعيف. وغير هذا من أعمال، كلها تدعو إلى الاهتمام بما يصلح المجتمع الإسلامي، وإغلاق منافذ الشر فيه، والمفضية إلى الجريمة؛ لأن في متابعة تلك الأمور حصرا للشرور قبل حدوثها، وحجزا بالحدود، حتى يمتنع الناس من التحايل على بعضهم، وحتى يشعر من لديه ريبة بأن هناك أعينا يقظة، ترصد أحوال الشرور، وتتابع المنتمين إليها؛ لتقضي عليها قبل بروزها، مما

стр. 12639

يجعل للمجتمع شخصية آمرة، ولرجال الحسبة الذين هم عين المجتمع مهابة وردعا لما يجب أن يتصفوا به من علم وحسن سيرة وسلوك، ويقظة التشريع الإسلامي، حتى يكون الآمر والناهي عالما بما يأمر به، عالما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، وأن تهيأ لذلك البيئة الصالحة، والظروف الطيبة؛ لأن رجال الحسبة عليهم دور مهم في الاضطلاع بالمحافظة على الدين، الذي هو قوام المجتمع، والمصلح لما فيه من اعوجاج، حفاظا عن التعدي على الحرمات، لما في ذلك من حصانة للإسلام، وسلامة لأهله. وهذا من حماية المجتمع عن كل عمل يجر إلى الجريمة؛ لأن معظم النار من مستصغر الشرر، والسكوت عن الصغائر يجعلها تستشري وتكبر، وسد الذرائع مما يوصي به كثير من الفقهاء ﵏، مخافة اتساع النطاق، والإفضاء إلى ما هو أشمل وأكبر حيث يرى الأصوليون بأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. والمجتمع بالتكافل والتعاطف، والراحة النفسية والهدوء والاستقرار، فإنه بإذن الله، سيقضي على الجريمة، بالقضاء على أسبابها، وحصر المؤثر فيها، وبكبت صغائرها قبل التفاقم، ما دام فيه من يمثل رجال الحسبة بالأمر والنهي، والنصح والتبيين، ورجال في المجتمع يتقبلون منهم التوجيه، ويستجيبون للنصح، ويمتثلون بالتطبيق، وهذا يمثل الأخذ والعطاء، أو

стр. 12640

السالب والموجب، اللذين بهما يتكامل المجتمع، ويتراحم أبناؤه، ويردع قادرهم المعتدي، وقد وصف رسول الله ﷺ المجتمع المؤمن بالترابط والمحافظة على مداخل الشر فيه من أن تنتهك، حيث جعله بمثابة الجسد الذي يتألم من أي طارئ يحس أي عضو فيه فقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (١)» رواه البخاري وأحمد في مسنده. وقد رسم ﷺ في أصول تربيته للمجتمع المسلم، وتوجيهاته لأبناء الأمة المسلمة، طرقا يستنير بها أبناء المجتمع في التوجيه والعمل، وتعينهم في رسم المنهج لبيئة الإسلام، من حيث الحصانة الفردية، والوقاية الجماعية، حيث أبان ﷺ في حديث النعمان بن بشير ﵁ أن المرء في توقيه الشبهات والمحارم كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه وأن حمى الله محارمه، ولكي يستبرئ المرء لدينه وعرضه، ويتجنب المحارم التي نهى التشريع الإسلامي عنها، فإن عليه أن يتقي الشبهات وأن يقف عند حدود الله، وبذلك يقي نفسه مسارب الجريمة، ويقوده القلب السليم إلى العمل الحسن، حيث إنه ملك الجوارح، وهو الموجه للخير إن صلح، وللشر إذا هو فسد، كما قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب (٢)». وكان الدعاء المأثور: «اللهم أصلح لي قلبي الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر (٣)». وفي البعض: ديني بدل قلبي. وروي الدارقطني وغيره من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها».

стр. 12641

الطريقة الزجرية: والمرتبة الرابعة التي تستنتج من استقراء التوجيه الشرعي، للوقاية من الجريمة، هي القوة التي تحد من استشراء الجريمة، وتغلبها على فئة من المجتمع لتفسده، وتدك دعائمه التي يقوم عليها بنيانه، تلك هي الطريقة الزجرية التي يلجأ إليها ولي الأمر عند استنفاد فرص الإصلاح، فالقلب له حالة الانطماس، والذهن له مرتبة في الانغلاق. فمن انطمس قلبه فإنه لا يفيد فيه نصح ولا توجيه؛ لأنه أصبح كالصخرة الصماء التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. والذهن إذا انغلق أصبح كالباب الموصد، لا يدخل معه أحد، ولا يخرج منه أحد، والمعاندون لشرع الله المتجاوزون لحدوده سبحانه، ممن طبع الله على قلوبهم، فلا يفيد فيهم توجيه، ولا يردعهم نصح، كهذا الباب لا يتحقق النفع إلا بكسره، أو كالجسم المريض بمرض خبيث لا يرجى برء الجسم منه إلا بقطع العضو الموبوء، ولو أنه جزء من الجسم، إلا أن الإبقاء على الجسم لا يتم إلا بذلك، ومن أجل المحافظة على الجسم يحرص الطبيب على المبادرة باستئصال العضو المصاب الذي لا يرجى شفاؤه؛ لأن نزعه من الجسم، فيه مطمع بسلامة باقي الجسم، والإبقاء على صاحبه ممتعا بصحة وسلامة ليعيش ما شاء الله له. وقد شبه بعض العلماء حوزة الإسلام بدائرة، تحيط بها من جوانبها الحدود، التي بالمحافظة عليها تسلم للإسلام نقاوته، وبتجاوزها يتخلل أمن المجتمع، ويدب الفساد في أرجائه. ولأهمية أمن المجتمع في البيئة الإسلامية، فإنه قد جاء ذكر هذه المادة ومشتقاتها في كتاب الله أكثر من أربعمائة مرة، واشتق الإيمان منها، الذي هو راحة النفس، بصدق العقيدة؛ ولذا جاء الحديث: «لا إيمان لمن لا أمانة له (١)». ومن الأمانة معرفة واجبات شرع الله، والوقوف عند حدود

стр. 12642

الله، وذلك بالفقه في الدين، الذي هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلته التفصيلية (١). ذلك أن العلم بالأحكام الشرعية، يستوجب إدراك كنهها، سواء أخذت من الشرع تصريحا أو استنباطا؛ وذلك من أجل الوقوف عند حدودها، وزجر من يتجاوز هذه الأحكام الشرعية، بما يمكن السلطة، ويؤمن المجتمع، ومن أجل ذلك جاءت الأحكام الزاجرة المانعة، لكي تردع المجرمين عن الاسترسال في الجريمة، وحددت عقوبات كل جرم بما يتناسب مع مكانة ونوعية ذلك الجرم، والأثر الذي يتركه في البيئة الإسلامية، من قتل وقطع، إلى سجن وجلد، أو غرامة في الجناية، أو قصاص لعضو بدل عضو، أو تغريب عن البلد الذي أوقع فيه الجرم، إلى غير ذلك مما بسط في كتب الفقه، في أبواب الحدود والجنايات والقصاص، ومن النصوص الشرعية التي ورد فيها القول الثابت، ندرك أن فساد الأمم السابقة جاء من تركهم حدود الله ورغبتهم عن حكمه إلى أحكام البشر، كما حكى الله عن بني إسرائيل بقوله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢). وهذا في معرض التبكيت لهم، ومجانبتهم للمنهج الذي رسمه لهم شرع الله، ثم ابتغوا عنه بديلا، يتفق مع الأهواء البشرية، وتركوا حكم الله الذي أبانه لهم في التوراة التي أنزلها الله جل وعلا على موسى ﵇، فغيروا فيها، وبدلوا ورغبوا عن حكم الله إلى أحكام أخرى، من وضع البشر زادت مجتمعاتهم جريمة وتطاولا، فوصفهم الله بعدم الإيمان، وبالكفر والظلم والفسوق.

стр. 12643

والقرآن الكريم الذي هو المصدر الأول في شريعة الإسلام، قد مكن هذه الأحكام بما يخيف المجرمين؛ لأن في القصاص حياة لأولي الألباب ورغب رسول الله ﷺ في إقامة الحدود، حتى تحرص الفئة المؤمنة على التطبيق والملاحقة، فقال ﵊: «إقامة حد من حدود الله، خير من أن تمطروا أربعين سنة (١)». لأن هذا الحد يمثل الغيرة لله، والاهتمام بشرعه الذي شرع لعباده، ومن قصة المخزومية التي سرقت، حيث غضب الرسول الكريم ﵊ عندما جاء إليه من يتشفع فيها. وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام خطيبا فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (٢)». ومن هنا تشدد علماء المسلمين ﵏ في تحريم الشفاعة في الحدود، إذا وصلت القضية إلى السلطان، وفي تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى، وأن الشفاعة الجائزة فيما يمكن إصلاحه قبل الوصول إلى الحاكم الشرعي، أو من يمثل ولي الأمر. والحدود الزاجرة أهمها: - الزنا وله حكمان إذا ثبت بالبينة الشرعية إقرارا أو شهودا: الجلد والتغريب سنة لغير المحصن، والرجم للمحصن. ويقام الحد في مشهد طائفة من المسلمين؛ ليكون لذلك صدى في النفوس، وتشهير بالفاعلين، وهذا من خزي الدنيا. - وحد القذف يتم بعبارات صريحة أو كنايات دالة على المقصود، ليحدد الحاكم الشرعي نوعية القذف، وما يستوجب من التعزير. وللمقذوف

стр. 12644

التنازل وإسقاط الحق؛ لأن هذا حق فردي، يدخل في ترويع المسلم، والإضرار به، وهو صاحب الحق في المطالبة أو عدمها. - وحد السكر عند ثبوت ذلك بالبينة القطعية كالإقرار أو شهادة عدلين، من الروادع عن استشراء هذه الآفة الاجتماعية وقد يكون من القياس في هذا وغيره، إقامة الحدود في أمور جدت على الفقهاء الأوائل وما مر عليهم، كالمخدرات بأنواعها، وقياسها هي أو غيرها على ما يلائمها من الجرائم والحرابة، ونتائج الأضرار. . . كما في قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة رقم ١٣٨ تاريخ ٢٠/ ٦ / ١٤٠٧ هـ حول المخدرات. - وقد «ثبت عن رسول الله ﷺ أنه جلد في الخمر أربعين جلدة (١)»، وقال في حديث صحيح: «من شرب الخمر فاجلدوه (٢)». إلى أن قال الثالثة أو الرابعة: «ثم إن شرب الخمر فاقتلوه (٣)» وجلد أبو بكر ﵁. وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ كثر شرب الخمر بسبب كثرة الفتوحات فتشاور الصحابة في ذلك. فاجتهدوا بالجلد ثمانين؛ لأن المرء إذا سكر هذى، وإذا هذى قذف، فقاسوا الحكم على أثر القذف وحكمه. - حد السرقة وذكر ما يتم القطع به، بعد معرفة ملابسات السرقة، والدوافع إليها، وهل المسروق في حرز مثله، حيث يشترط الفقهاء في القطع للسرقة شروطا بسطت في كتب الفقه (٤) وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ تساهل في حد السرقة عام الرمادة؛ لأن الدافع إليها المجاعة التي حصلت للناس. وعندما استهزأ المتقولون على الإسلام بحد السرقة، كما قال شاعرهم: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار

стр. 12645

وهو الحد الأدنى للقطع كما ثبت عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين بذلك، فرد عليه ابن القيم ﵀: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري فالحدود والتجرؤ عليها، وعدم الوقوف عند شرع الله الذي شرع لعباده، هذه الأمور هي التي تذل صاحبها، فيستوجب الحد الذي يزجره، ويخيف غيره مما قد تسول له نفسه، بعد ما يعرف المصير. - حد القتل عمدا، وتوضيح حقيقة العمد، حيث أفاض المفسرون والفقهاء في ملابسات القتل، ومعرفة الدوافع إليه، والتمييز بين القتل عمدا، والقتل خطأ، وما يدخل في عمد الخطأ، وخطأ العمد، وما يستوجب قصاصا، أو يفادى عنه بدية، إلى غير ذلك من تفاصيل أوضحها الفقهاء أحكاما تزجر النفوس عن العدوان، وتشفي غيظ المجني عليه، وتحفظ النفوس والأطراف، وطهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ (١). كما أوضح الله في سورة النساء قيمة النفس البشرية، وحرمتها وجزاء الاعتداء عليها: جزاء دنيويا وجزاء أخرويا، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٢) إلى آخر الآية، ثم يقول سبحانه في الآية بعدها مشددا في عقوبات القاتل المتعمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣).

стр. 12646

- أما الجنايات المختلفة التي يتسبب عنها أضرار وجروح، ففي بعضها أرش عن الجناية، وفي بعضها قصاص، وفي بعضها مبادلة شيء من الأعضاء تالف بالجناية، بمقابله من أعضاء الجاني، وقد يصطلح الطرفان على الدية التي حددها الشارع، بحسب العضو المجني عليه، والضرر الذي أصابه، أو أعاقه عن العمل، والديات والأرش تتفاوت بحسب نوعية الجناية، وباختلاف الزمان والمكان، وحال المجني عليه. ذكرا كان أو أنثى، مسلما أو كافرا، جنينا أو صبيا متكاملا (١). - وقطاع الطرق المحاربون لله ولشرعه، المخيفون للناس الآمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وقد أوضح الله في سورة المائدة حكمهم، ونوعية العقاب الشديد الذي يجب أن يحل بهم، جزاء وفاقا؛ لتماديهم في الجريمة، وإخافة لمن تسول له نفسه أن يعمل عملهم، ويستهين بالسلطة الحاكمة، ويتجرأ على حدود الله وشرعه، حيث حرم ﷺ على المسلمين دماء بعضهم البعض، وأموالهم وأعراضهم فقال في حجة الوداع، مؤكدا ذلك الحكم: «أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر العيد الأكبر، فقال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر الله الحرام، قال: أي بلد هذا؟ قالوا بلد الله الحرام، فقال ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، اللهم بلغت اللهم فاشهد (٢)». ويقول ﷺ : «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٣)» رواه مسلم. وقد أعطى جل وعلا في التشريع الإسلامي لولي الأمر سلطة تنفيذية؛ لإقامة حكم الله في الفئات المخالفة، إذا لم تتب من عملها قبل أن يقدر عليهم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤).

стр. 12647

قال كثير من أهل العلم: يطبق الجزاء الوارد في الآية، كحد من حدود الله الرادعة والمريحة، حتى يستتب الأمن في المجتمع الإسلامي، بحسب نوعية الحرابة، من سطو وقتل وسرقة، أو شهر سلاح، أو تعد على السلطة، أو إخافة للآمنين، فهي جزاءات خمسة للولي الشرعي أن ينفذ منها ما يزجر ويؤمن المجتمع بدون مثلة أو تعذيب، ولكل جريمة ما يماثلها من الجزاء. - ومقاتلة البغاة الخارجين على السلطة أو إخافة للآمنين من الروادع ذات الأثر؛ لأن منهج الإسلام الالتفاف حول قيادة موحدة، وهو من يرتضيه المسلمون إماما لهم، حيث يحرم الخروج عليه؛ لما في ذلك من فتح باب الإجرام والفوضى والقتل والهتك، وقد توعد رسول الله ﷺ من خرج على بيعة الإمام، أو من جاء ينازع من في أعناق الناس له بيعة. ومن حرص الإسلام على الإمامة يؤكد المصطفى ﷺ على أهميتها حتى في السفر، بضرورة تنصيب أمير من المسافرين، حتى ولو كان عددهم ثلاثة؛ إذ عليهم أن يؤمروا أحدهم والصدور عن أمره، كما جاء في الحديث قال رسول الله ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم (١)» «وأن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (٢)»؛ وذلك لأهمية الجماعة في الإسلام، وضرورة السمع والطاعة للإمام، وتمثل ذلك الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، بانقياد المصلين للإمام، وسيرهم خلفه.

стр. 12648

يقول ﷺ : «إن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شذ في النار (١)». - أما من ارتد عن دينه، فإنه مجرم يجب محاربته، بعد إتاحة الفرصة له بالاستتابة، فإن تاب وإلا نفذ فيه حكم المرتد بالقتل لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٢)». وقوله ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين (٣)». متفق عليه.

стр. 12649

الحكمة: - ويبرز من حكمة العقوبات المفروضة في الإسلام قوة هذا الدين في إسناد السلطة؛ لإيقاع الجزاء الوفاق على كل عمل ينافي سلامة وحوزة الإسلام، مهما كان نوع هذا التعدي؛ إذ لكل ما يسيء للمجتمع أو يضر بالفرد ما يلائمه من الزواجر؛ لكي يشعر المجتمع الإسلامي بقوة السلطة التي جعلها الله لولي الأمر، في ملاحقة المجرمين، واستئصال شأفة المفسدين، بما يشفي الصدور، ويؤمن الخائف، ويردع من لا وازع له، وبهذا يسعد المجتمع بالأمن، ويحيا الأفراد بالقصاص، وبدون ذلك يتحول المجتمع إلى الفوضى، ثم يلي ذلك طغيان القوي على الضعيف، وانتهاك الأعراض، وتنظيم عصابات البغي والعدوان. ومن أصدق من الله حكما، فالله الرءوف الرحيم بعباده، هو جل وعلا أعلم بما يصلح أحوالهم، وأدرى بما تستقيم به حياتهم، وبما ترتدع به نفوسهم. وإذا كانت أكثر العقوبات جاءت من تجاوز الناس بعضهم على بعض، أو من ظلم الإنسان لنفسه، بالاستهانة بالحرمات، فإن في الكفارات عن كثير من الذنوب والمعاصي كالظهار، ومواقعة الزوجة في نهار رمضان، والنذر والقتل الخطأ، وغير ذلك مما أبانه كتاب الله جل وعلا، أو شرحته سنة

стр. 12650

رسول الله ﷺ دليلا آخر على صيانة حرمات التشريع، وإذاقة النفس ألم التراخي، وتسليم القيادة للشهوات والرغبات. وما حرص المسلم على السؤال عن هذه الكفارات، إلا رغبة في إبراء الذمة، والحرص على التوبة مما اقترفت النفس، وتنمية القوة الإيمانية بالامتثال، وتوعية الآخرين بحسن الاستجابة والقناعة. والبشر طباعهم تختلف، وشعورهم يتباين، ونظرتهم للحدود والزواجر تختلف أيضا بحسن فهمهم ووقوفهم عند النص الشرعي بحسب قوة الإيمان، وسلامة النية. فقد تقام الزواجر والحدود، ولا يرعى القلب، ولا يرتدع الفاعل عن تكرار أعماله؛ ولذا جاء الحكم بتشديد العقوبة، أو استئصال الشأفة؛ لأن حماية المجتمعات أمكن من وقاية الأفراد. ولن تبقى للإسلام مهابة، ولمجتمعه أمن، إلا بالصدور عن حكم الله في ملاحقة المجرمين، وردعهم بسلطة التشريع، وقوة حكم الله، حيث يتميز المجتمع الإسلامي في كل عصر مصر بالمكانة الأمنية المرموقة، كلما حرص ولاة الأمر على الاهتمام بشرع الله، وتطبيق حدوده. أما عندما يأتي التراخي في ذلك، ووصف أحكام الله بالشدة والقوة، فإن المجتمع سيجني ثمار ذلك قلقا اجتماعيا، وجريمة منظمة، وخوفا مستمرا على النفس والمال والولد، كما يلمس هذا في المجتمعات التي لم ترض بحكم الله، ولم تحرص على حدوده. إن المجرم مع جرأته جبان إذا أدرك ما ينتظره من جزاء عادل، ولكنه شرير مخيف إذا عرف أنه لن يمس بأذى، أو أنه سيمكث في السجن أو الإصلاحية فترة وجيزة، يثبت فيها حسن سيرته، وتأدبه مع نظرائه في السجن، ليخرج بعد ذلك بأسلوب جديد، وعمل منظم، مما يجعل رواد السجون في نظر رجال البوليس في بعض الجهات أناسا ثابتين، وإذا

стр. 12651

كان الإمام مالك بن أنس ﵀ قد قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. فأولها صلح بالإسلام، وآخرها لا يصلحه إلا الإسلام؛ ولذا فإن أهل الحل والعقد من المسلمين عليهم دور مهم في المحافظة على شرائع الله، وبالذات في الجنايات والحدود، وترسيخ العقيدة في القلوب، حيث يضمن للمجتمع الاطمئنان، ورخاء العيش، وإلا حل بالمسلمين ما وقع بغيرهم من الخوف والقلق، والفزع والتعدي، وتفشي أمراض لم تعرف فيمن قبلهم، وذلك بما كسبت أيدي الناس، مع أن ما يعفو الله عنه كثير، وكثير جدا. والله الموفق.

стр. 12652

صفحة فارغة

стр. 12653

حتمية تطبيق شرع الله في الأرض إعداد الدكتور صالح بن غانم السدلان (١) عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام شرعة ومنهاجا، وأنزل الفرقان هدى ورحمة وتفصيلا؛ فأمر سبحانه فيه ونهى، ودعا فيه إلى الحق واجتناب الهوى، فقال جل وعلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله واحد في ربوبيته، وألوهيته وأسمائه وصفاته وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وأمينه على وحيه القائل: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٣)».

стр. 12654

اللهم صل وسلم على من بعثته رحمة للعالمين ورسولا إلى الناس أجمعين وحجة على المخالفين والمعاندين وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد. فيسعدني جدا أن ألتقي بك أيها القارئ الكريم في هذه الأسطر وذلك لنبحث معا أمرا يهم الجميع، وخاصة من ولاهم الله أمر المسلمين وهو " حتمية تطبيق شرع الله في الأرض " في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرها، ما يتعلق منها بالأفراد وما يتعلق بالجماعات وكذلك علاقة الفرد بالحاكم، وعلاقة الحاكم بالمحكومين وعلاقة المحكومين بعضهم ببعض، فما دمنا قد آمنا بالإسلام دينا وعقيدة، فلا بد أن نرضى به حكما وتشريعا ومنهجا في كل جوانب الحياة، ولا نرضى به بديلا أو عنه تحويلا، وإلا كان هذا تناقضا منا وتجاهلا لما هو واجب علينا، وانحرافا عن جادة الحق والصواب؛ لأن أوامر الله ونواهيه تنتظم حياة الفرد في جانبها الخاص، وأسرته ومجتمعه وأمته ودولته، فاقتضى التوحيد الكامل احترام هذه الأوامر وإقامتها في ظل هذه الجوانب جميعا أي في نفس الإنسان وأسرته ومجتمعه وأمته ودولته، وفي كل الأصعدة وعلى جميع المستويات، الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي والدولي والاقتصادي وفي كل شأن من شئون المسلمين، ولا يمكن الاستجابة لذلك إلا بأمور أهمها:

стр. 12655

أولا: الإيمان بالله تعالى: إن الإيمان بالله هو المحرك الأساسي والعنصر الفعال في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، ومن ثم الاستجابة لتحكيم شرعه. ويعني الإيمان به الإيمان بأنه الرب الخالق الحكيم المدبر لهذا الكون كله. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)

стр. 12656

فلزام على البشر- كل البشر- أن يعلموا أن الله خالق الخلق ومدبر شئونهم، وهو وحده أعلم بما يصلحهم وما يصلح لهم؛ فتجب طاعته ويتحتم التزام أمره والوقوف عند حدوده، ويجب التحرر المطلق من كل عبودية للأوهام والأشخاص والنظم والأساطير والبدع والخرافات، والخروج عن دواعي النفس والهوى، والدخول بالكلية تحت سلطان الله رب العالمين. والإيمان بالله تعالى لا يتم إلا باستلام الكيان الإنساني كله قلبا وعقلا وسلوكا لحكم الله وهيمنته على خلقه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). إن الإيمان بالله عقيدة يختزنها الجنان وكلمة يرددها اللسان وعمل يصطبغ به السلوك الإنساني كله باتباع مرضاة الله والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه. إن الإيمان بالله قوة عاصمة من الدنايا دافعة إلى المكرمات، ومن ثم فإن الله تعالى عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر، يجعل ذلك مقتضى الإيمان المستقر في قلوبهم، وما أكثر ما ينادي الله عباده بوصف الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) ثم يذكر بعد ما يكلفهم به: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤) الآية (٥) إن لكل شيء علامة تدل عليه ويعرف بها، ومن علامات الإيمان الصادق: أن يكون الله ورسوله أحب إلى الإنسان من كل شيء، وأن يظهر ذلك في جميع تصرفاته فيصاحبه طاعة الله وطاعة رسوله وعمل بشرع الله الذي يحمله الرسول والاستجابة التامة لأوامره ونواهيه قال تعالى:

стр. 12657

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢). إذن فليس الإيمان مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد، والتزام طاعة الله، ودينه ظاهرا وباطنا. وليس حب الله دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله ﷺ والسير على طريقته والعمل بسننه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤). قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: (هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥)». قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٦) ثم قال تعالى آمرا لكل أحد من خاص وعام ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٧) الآية، أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف

стр. 12658

بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويقترب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه. ويقول عمر بن عبد العزيز ﵁: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان (١). نعم إن الإيمان الحق عقيدة ثابتة تنسب الخلق والأمر جميعا إلى الله وحده، وعلم موحد يتسع لأبعاد الوجود غيبه ومشهوده، ولأوامر الله في الطبيعة والشريعة ولمراحب الحياة أولاها وأخراها، وموقف في الحياة لا يختلف يتخذ لقاءه تعالى غاية مجردة، وعبادته وسيلة مخلصة ويجعل هديه المنزل صراطا إليه مستقيما (٢). إن الإيمان معنى يتخلل كل وجود المؤمن وينبغي أن يتمثل في كل لحظة ولمحة من حياته، فالعقائد مرتبطة بالأعمال، والأعمال مرتبطة بالمشاعر والنيات وليس مؤمنا من اعتقد أن التكاليف والعبادات والأوامر والنواهي ليس مطلوبا منه أن يعمل بها، وإنما يكفي التصديق بها فحسب. وليس مؤمنا من فرق بين الصوم والصلاة والجهاد وسائر العبادات في لزومها وفرضيتها، أو جحد لزوم حد من الحدود، وشأن من اعتقد ذلك شأن من كفر بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا. قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣)

стр. 12659

وبعد: فكل من انحرف عن هذا الخط المستقيم وانخرط في سلك شهواته ونزواته، فقد انحرف عن طريق الجادة وانصاع لأهوائه وأمانيه واستوحى منهما ضوابط سلوكه في حياته، وعندها سيسقط في مهاوي الهلكة تمزقه الأهواء وتورثه الشهوات الحيرة والفزع والخلل والاضطراب، ويضل سعيه في الحياة الدنيا ويحشر يوم القيامة أعمى، وبهذا يكون قد ظلم نفسه، ولم يجن في الحياتين إلا الذل والشقاء والضياع والهوان. نسأل الله تعالى أن يرزقنا إيمانا صادقا وأن يلهمنا عملا صالحا متقبلا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 12660

ثانيا: الإيمان برسالة محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين: لقد من الله على عباده ورحمهم بإرسال رسله إليهم، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وحتى لا يقولوا ما ندري ما أراده الله منا، وما جاءنا من بشير ولا نذير فقطع الله المعذرة وأقام الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لبيان حكم الله تعالى فيما اختلف فيه خلق الله، وإيضاح شرعه فيما جهلوه، وأمرهم بالتزام حكمه تعالى والوقوف عند حدوده والبعد عما يضرهم في العاجل والآجل. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). واختار الله رسله من بين خلفه؛ ليكونوا نموذجا للكمال وعنوانا للفضل وحملة لمشعل النور والضياء، وقادة لركب الحضارة الإنسانية على

стр. 12661

مدى الأزمان والدهور واصطفاهم المولى- جلت حكمته- ليكونوا دعاة الحق وهداة الخلق، فاختارهم من بين خلقه وصنعهم على عينه وشرفهم بأكمل الأوصاف، فجعلهم أئمة الدنيا والدين ورزقهم قوة العقل واليقين؛ ليكونوا وسطاء بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره والتحذير من غضبه وعقابه، والإرشاد إلى ما فيه سعادة البشر في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (١). وكان ختام المسك محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أفضلهم وإمامهم وخاتمهم، آمن بما آمنوا به، ودعا إلى ما دعوا إليه. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢) فكان صلوات ربي وسلامه عليه أعلى ما يكون هداية وإرشادا، وكان ما جاء به أسمى ما يكون تشريعا وتبصيرا، ختم الله به الرسالة وأتم به النعمة وجعله للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤) وجعل دينه دين القوة والرحمة، ودين الحياة، ودين الكفاح والجهاد ودين التمكين والعزة والنظافة والطهارة والإخاء والمساواة والهناء والرخاء قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٥) قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية:. . . فهذه الآية

стр. 12662

نص في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ ومن حديث جماعة من الصحابة ﵃ اهـ (١) أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم (٢)» وأخرج الحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني عند الله في أول الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام (٣)». وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (٤)» ففي هذا الحديث وما سبقه إشارة إلى فضل النبي ﷺ على سائر النبيين وأن الله ختم به المرسلين وأكمل به شرائع الدين وأن حملة

стр. 12663

الشرائع السماوية بناة بيت واحد يؤسس سابقهم للاحقهم ويشيد لاحقهم على أساس سابقهم يصور ذلك: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (١)» وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه برسالة الإسلام اللبنة المتممة لهذا البناء الشامخ، وكانت رسالته آخر لبنة وضعت فيه، واحتاج إليها هذا البناء الشامخ من لدن آدم ﵊ إلى نبينا محمد ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلا بد في الإيمان من أن تؤمن أن محمدا ﷺ خاتم النبيين لا نبي بعده. وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن، فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن. كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤) ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وخلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ فهو كافر من أولياء الشيطان (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦) الآية

стр. 12664

وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول مقترنة بطاعة رب العزة والجلال في أكثر من أربعين موضعا من القرآن الكريم. إذن فماذا يجب علينا نحن المسلمين نحو من أرسله ربه رحمة للعالمين؟ يجدر بنا ونحن في هذا المقام أن ننقل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ترغيبا في اتباع الرسول وتحذيرا من مخالفته وعصيان أمره قال رحمه الله تعالى: أما بعد: فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله. قال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢). فطاعة الله ورسوله قطب السعادة الذي عليه تدور، ومستقر النجاة الذي عنه لا تحور. وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو أربعين موضعا من القرآن الكريم - كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول وجعل متابعة الرسول سببا لمحبة الله. فجعل عبده. . فبمحمد ﷺ تبين الكفر من الإيمان والربح من الخسران والهدى من الضلال والنجاة من الوبال والغي من الرشاد والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من سبيل المغضوب عليهم والضالين، فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب، فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب في الآخرة فحق على كل أحد بذل جهده واستطاعته في

стр. 12665

معرفة ما جاء به وطاعته إذ هذا هو طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم (١) نعم: إن من الأسس التي يقوم عليها التحاكم إلى شرع الله في الأرض أن يبذل المسلم وسعه في معرفة ما جاء به ﷺ والعمل به وتقديمه على غيره ورد كل ما سواه. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها لقول أحد (٢) وقال ابن عبد البر وابن تيمية رحمهما الله تعالى: لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، وسنة رسول الله ﷺ أحق بالأخذ والعمل بها، وهذا شأن كل مسلم ومن هنا تتبين مكانة رسول الله ﷺ من الدين ومنزلته بين المرسلين، وعظم ما جاء به عن رب العالمين، فطاعته والانقياد لما جاء به حتم على جميع العالمين بل على الثقلين الجن والإنس أجمعين. والمسلم حقا هو الذي يقتفي أثر رسول الله ﷺ ويتمثل أمره ويتجنب نهيه ويهتدي بسنته. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ﴾ (٣) إذا تقرر هذا فإن محمدا ﷺ ليس قصة تتلى في يوم ميلاده كما يفعل الناس اليوم إلا من رحم الله، وليس التنويه به يكون في

стр. 12666

الصلوات المخترعة التي تضم إلى ألفاظ الأذان في كثير من بقاع الأرض، ولا إكنان حبه يكون بتأليف مدائح وقصائد يتلوها العاشقون ويتأوهون ويتوجعون، وهم عن شرعه واتباع أمره ناكبون!! كلا كلا: إن رباط المسلم برسوله ﷺ أقوى وأعمق من هذه الروابط المكذوبة الملفقة على الدين، وأنه رباط ينهض المرء فيه إلى تقويم نفسه وإصلاح شأنه، حتى يكون على هدى من سنة محمد ﷺ في معاشه ومعاده وحربه وسلمه وعلمه وعمله وعاداته وعباداته (١)

стр. 12667

ثالثا: الإيمان بعموم الشريعة الإسلامية وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان إن التشريع الإسلامي تشريع مثالي محكم وعام وخالد أتى بالمبادئ التشريعية والخلقية، التي تسمو بالإنسان إلى أعلى درجات الكمال، جاء من عند الله لكل أجناس البشر جنهم وإنسهم، لا يختص بقوم دون قوم أو جيل دون جيل، موجه إلى الناس كافة، باعتبار إنسانيتهم التي ميزهم الله بها عن سائر الحيوان، يحقق مصالحهم في كل عصر ومصر، ويفي بحاجتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه أي مجتمع من المجتمعات، ومع عمومية التشريع الإسلامي، فإنه شامل كذلك لكل جوانب الحياة ومناحي الاجتماع، لم يترك شاردة ولا واردة إلا ذكر فيها خبرا أو شملها حكما، أو أدرجها تحت أصل أو قاعدة، فالشريعة الإسلامية منذ نشأتها الأولى كذلك رسالة العالمين، طبيعتها عالمية شاملة، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة، وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد، ومن نهج إلى نهج عن طريق مصدرين أساسين هما: القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ .

стр. 12668

وقد تضافرت النصوص على تأكيد عمومها وشمولها، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على ذلك كثيرة ومنها. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) نعم: لقد وسعت الشريعة الإسلامية بمبادئها وأحكامها الفرعية جميع شئون الحياة، واستوعبت حاجات الإنسان كافة، ووفقت بين مقاصده جميعا، وبينت تحديد الغاية من خلقه قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وتناولت بيان وظيفته في الحياة ومركزه في هذا الكون الفسيح قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٦) ونظمت علاقة الإنسان بربه وصلته بإخوانه والمجتمع الذي يعيش فيه، وحددت الحقوق والواجبات، ووضعت أصولا لفض المنازعات وإيصال كل ذي حق حقه، وأرست قواعد العدل بين الناس في كل جانب من جوانب حياتهم ونشاطاتهم وأعمالهم، فهي عامة في جميع المكلفين، وجارية على مختلف أحوالهم، وإليها يرد كل أمر جاءنا ظاهرا أو باطنا، ولا نبالغ إذا قلنا: إن الشريعة الإسلامية تعد منهج حياة كلي، جمع بين الدنيا والدين والعمل والعبادة، وبين الظاهر والباطن، فضمن بذلك للإنسان خيري الدنيا والآخرة.

стр. 12669

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسالة محمد بن عبد الله ﷺ لجميع الناس: عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم وعلمائهم وعامتهم، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامة للثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته، وملازمة ما يشرعه لأمته من الدين. وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته ومطاوعته (١). إن القرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين بعنوان القومية الخاصة قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُُهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرهُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرهُ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٧) ويقول تعالى في عيسى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٨)

стр. 12670

ولكن رسولنا محمدا ﷺ يعلن عالمية دعوته ونبوته للعالمين وختمه للنبيين. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). ففي ذلك دليل على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى لا كما يدعي بعض المؤرخين - غير المسلمين - أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية. ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية أن تكون عالمية، كلا إنها عالمية منذ نشأتها الأولى، رسالة عامة موجهة إلى جميع الناس، مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم في كل زمان وفي كل مكان، ابتداء من بعثة محمد ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ويقوم الناس لرب العالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ومن الأحاديث الدالة على عموم بعثته ﷺ : ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٤)». وما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا

стр. 12671

رسول بعدي ولا نبي (١)». . . الحديث (٢). وروى مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (٣)». ولمسلم أيضا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم (٤)». . . الحديث (٥). ولأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي إنما يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٦)» الحديث (٧) ولأحمد أيضا عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود (٨)». . . الحديث. وغير ذلك من الأحاديث الدالة على عموم رسالته ﷺ وبعد: فإن شرع الله الذي حواه كتابه وبينه رسوله ﷺ هديا جامعا، يفصل كل قضية ويبين كل شيء. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٩).

стр. 12672

ويحقق العدل المطلق في حياة البشر: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١). ويشمل الوجود كله والحياة بعقيدة كلية تنبثق عنها مبادئ الشريعة وأحكامها الفرعية فتعم الحياة بمنطق عملي واحد.

стр. 12673

رابعا: الإيمان بكمال الشريعة الإسلامية ومرونتها وصلاحها للخلود إلى يوم القيامة إن شريعة الله تعالى تمثل منهجا متكاملا شاملا لشعب الحياة الإنسانية كلها في العقيدة والعبادة والسياسة والسلوك وحتى أمور الغيب ومشاهد القيامة وأحوالها والتطبيق العملي لأحكامها، والالتزام بما جاءت به، والوقوف على حدودها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها، هو المحرك لعوامل النصر والثبات والسعادة والاستقرار. وأحكام الشريعة نظم متكامل متسق، لا يعتوره التخليط أو التناقض، بل يشتمل على مصالح كلية في الجملة، وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على وجه الخصوص، ولا مكان لعنصر ناشز غريب فيه من ابتداع أهواء البشر، بل خطة ثابتة أبدا يعتنقها المرء على وجه القطع لا التجريب، ويتخذها منهجا دائما لا تدبيرا موقوتا لبعض مراحل حياته أو ظروفها. أما المصالح الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قاعدة معينة من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته؛ إذ ليس الإنسان كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، بل هو مكلف يرتاض بلجام الشرع، فإذا سار المكلف تبعا لهواه فقد خلع ربقة التقوى من عنقه، وتمادى في متابعة هواه، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه وقدم ما أخره، وأما المصلحة الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته. وقد توافرت نصوص كثيرة من القرآن والسنة؛ لتدل على وحدة الشريعة ووحدة العقيدة، وأنها السبيل القاصد إلى رب العالمين، وكل سبيل غيره

стр. 12674

جائر. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، والأصول والفروع؛ ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم، غير علم الكتاب والسنة من علم الكلام وغيره، فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه (٣). وقال جلت حكمته: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٥) قال: إن القرآن الكريم قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانا وتفصيلا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم. . . ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور

стр. 12675

المعاد، والنبوات، والأخلاق والسياسات والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن. . .؛ ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره (١). نعم إن القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام هو منبع الخير كله، ومطلع الهداية التي أشرق نورها على قلوب الناس، فبدد منها الظلمات وأستأصل منها الضلالات، فمن تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، فهو كلام الله رب العالمين. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٢). فما أحوج من لم يحكم بما أنزل الله اليوم إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد وبناء هيكل حياته على أسس أصيلة متينة من تعاليمه، سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو العبادات أو الأخلاق أو المعاملات أو السياسة والاقتصاد، أو الأدب أو الثقافة، أو الاجتماع، فالقرآن الذي أنزله الله؛ ليسطع على العالم ما بقي الدهر، وليقود الإنسانية إلى الرشد، لا يضيق بأي شيء من أطوار الزمن، ولا بأية مشكلة تفرزها الحياة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). فهذه الآية خوطب بها جميع العالم؛ لبيان أن القرآن الكريم من عند الله، وأنه موعظة للعالمين، وشفاء للمؤمنين، وأنه اشتمل على ما لهم، وما عليهم
следующие страницы →