رسول بعدي ولا نبي (١)». . . الحديث (٢).
وروى مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (٣)».
ولمسلم أيضا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم (٤)». . . الحديث (٥).
ولأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي إنما يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٦)» الحديث (٧) ولأحمد أيضا عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود (٨)». . . الحديث.
وغير ذلك من الأحاديث الدالة على عموم رسالته ﷺ وبعد: فإن شرع الله الذي حواه كتابه وبينه رسوله ﷺ هديا جامعا، يفصل كل قضية ويبين كل شيء. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٩).
стр. 12672
ويحقق العدل المطلق في حياة البشر: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١).
ويشمل الوجود كله والحياة بعقيدة كلية تنبثق عنها مبادئ الشريعة وأحكامها الفرعية فتعم الحياة بمنطق عملي واحد.
стр. 12673
رابعا: الإيمان بكمال الشريعة الإسلامية ومرونتها وصلاحها للخلود إلى يوم القيامة
إن شريعة الله تعالى تمثل منهجا متكاملا شاملا لشعب الحياة الإنسانية كلها في العقيدة والعبادة والسياسة والسلوك وحتى أمور الغيب ومشاهد القيامة وأحوالها والتطبيق العملي لأحكامها، والالتزام بما جاءت به، والوقوف على حدودها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها، هو المحرك لعوامل النصر والثبات والسعادة والاستقرار.
وأحكام الشريعة نظم متكامل متسق، لا يعتوره التخليط أو التناقض، بل يشتمل على مصالح كلية في الجملة، وعلى مصلحة جزئية في كل مسألة على وجه الخصوص، ولا مكان لعنصر ناشز غريب فيه من ابتداع أهواء البشر، بل خطة ثابتة أبدا يعتنقها المرء على وجه القطع لا التجريب، ويتخذها منهجا دائما لا تدبيرا موقوتا لبعض مراحل حياته أو ظروفها.
أما المصالح الكلية فهي أن يكون كل مكلف تحت قاعدة معينة من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته؛ إذ ليس الإنسان كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، بل هو مكلف يرتاض بلجام الشرع، فإذا سار المكلف تبعا لهواه فقد خلع ربقة التقوى من عنقه، وتمادى في متابعة هواه، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه وقدم ما أخره، وأما المصلحة الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم في خاصته.
وقد توافرت نصوص كثيرة من القرآن والسنة؛ لتدل على وحدة الشريعة ووحدة العقيدة، وأنها السبيل القاصد إلى رب العالمين، وكل سبيل غيره
стр. 12674
جائر. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، والأصول والفروع؛ ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم، غير علم الكتاب والسنة من علم الكلام وغيره، فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه (٣).
وقال جلت حكمته: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٥) قال: إن القرآن الكريم قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانا وتفصيلا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم. . . ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور
стр. 12675
المعاد، والنبوات، والأخلاق والسياسات والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن. . .؛ ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره (١).
نعم إن القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام هو منبع الخير كله، ومطلع الهداية التي أشرق نورها على قلوب الناس، فبدد منها الظلمات وأستأصل منها الضلالات، فمن تمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، فهو كلام الله رب العالمين. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٢).
فما أحوج من لم يحكم بما أنزل الله اليوم إلى عودة حميدة إلى القرآن من جديد وبناء هيكل حياته على أسس أصيلة متينة من تعاليمه، سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو العبادات أو الأخلاق أو المعاملات أو السياسة والاقتصاد، أو الأدب أو الثقافة، أو الاجتماع، فالقرآن الذي أنزله الله؛ ليسطع على العالم ما بقي الدهر، وليقود الإنسانية إلى الرشد، لا يضيق بأي شيء من أطوار الزمن، ولا بأية مشكلة تفرزها الحياة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) الآية.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
فهذه الآية خوطب بها جميع العالم؛ لبيان أن القرآن الكريم من عند الله، وأنه موعظة للعالمين، وشفاء للمؤمنين، وأنه اشتمل على ما لهم، وما عليهم
стр. 12676
وأنه من عند الله تعالى لم يختلقه محمد ﷺ ولا غيره، بل هو من عند الله ، فيه دواء لما في الصدور من العقائد الفاسدة والشكوك الواهية.
قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
فلرسالته ﷺ عمومان محفوظان، لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج فرع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.
وقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول والسفر والإقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة، والغنى والفقر والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه، حتى كأنه رأي عين، وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف، حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى إليهم، وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها، ما لم يعرفه نبي لأمته قبله. . . وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه؛ لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فقد جاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه.
فكيف يظن أن
стр. 12677
شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها - ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم، الذي وفق الله له أصحاب نبيه، الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم. . . وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
إن القرآن الكريم الذي تعبدنا الله بتلاوته وأمرنا باتباعه ولزوم أحكامه تناول في نحو خمسمائة آية جملة القواعد والأصول التشريعية وبعض الأحكام العقدية والخلقية والعملية وعكف العلماء على تفصيل آياته هذه وقسموها باعتبار موضوعها إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: العبادات وتشمل نحوا من أربعين ومائة آية:
القسم الثاني: المعاملات: وتتفرع إلى سبعة أقسام:
القسم الأول: يمكن إدراجه في الفقه العام وهو:
١ - الأحكام الدستورية الضابطة لنظام الحكم وأصوله، المحددة للعلاقة بين الحاكمين والمحكومين، والمقررة لحقوق الأفراد والجماعة وهي عشر آيات تقريبا.
٢ - الأحكام الدولية المنظمة للعلاقة بين الدولة الإسلامية، وبين غيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وهي خمس عشرة آية تقريبا.
стр. 12678
القسم الثاني:
النظم الاقتصادية التي شرعها الإسلام أو ما يتصل بها مما يسمى عند الفقهاء بالمعاملات وهي:
١ - الأحكام الاقتصادية والمالية القائمة على تنظيم العلاقة المالية من موارد وطرق إنفاق وغيرها وهي نحو عشر آيات تقريبا.
٢ - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة وغير ذلك وهي نحو من سبعين آية.
القسم الثالث:
الحدود والقصاص: وهي الأحكام الجنائية المتعلقة بما يصدر عن المكلفين من جنايات وجرائم، وما يترتب على ذلك من عقوبات تحفظ على الناس أنفسهم وأعراضهم وحقوقهم، وهي نحو من ثلاثين آية تقريبا.
القسم الرابع:
نظام الأسرة وما يتصل بوضع الأفراد فيها: كالأحوال الشخصية المتناولة للزواج والطلاق والإرث والوصية والحجر وغير ذلك مما يتصل بأحكام الأسرة، ويشمل هذا القسم نحوا من سبعين آية تقريبا.
القسم الخامس:
الأحكام الشرعية المتصلة بالقضاء والشهادة واليمين وغير ذلك من الإجراءات الشرعية والترتيبات التي تمكن كل ذي حق من حقه ويشمل القسم نحوا من ثلاث عشرة آية.
القسم السادس:
الآيات الدالة على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين وهي كثيرة كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) وكقوله تعالى:
стр. 12679
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١) وكقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢).
القسم السابع:
القواعد العامة الكلية والأصول الثابتة الشرعية ومنها:
١ - الآيات الواردة بشأن التصرفات المالية كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣) وكقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤).
٢ - الآيات المتعلقة بلزوم العدل وتقوى الله عند رد العدوان مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٥).
٣ - الآيات المحددة للمسئولية وما ينتج عنها من جزاء كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦) وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.
٤ - الآيات المتعلقة بالتكليف بما في الطاقة والوسع مثل قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٧) وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.
٥ - الآيات الدالة علي الوفاء بالعهد والعدل. كقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٨) وقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٩).
стр. 12680
٦ - الآيات الدالة على رفع الحرج ودفع الأذى ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك وجميع الآيات الواردة فيما سبق جئنا بها على سبيل الاستشهاد لا الحصر.
هذا ومن الأمور المقررة شرعا أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع وعلى هذا لا ينبغي أن يفوتنا أن النبي ﷺ بين جميع أصول الدين وفروعه وظاهره وباطنه علمه وعمله، وجاءت سنته ﷺ وافية شافية كافية فيها كل ما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم. فقد جاءت إما مؤكدة لأحكام القرآن فيما هو قطعي الدلالة من نصوص لا تقبل التغيير والتبديل والتعميم والتخصيص. مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج، والنهي عن الشرك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من النواهي.
وإما: مفسرة ومفصلة كبيان صفة الصلاة، ومقادير الزكاة، وتقييد المطلق كبيان أن الحد في السرقة القطع من الرسغ، وتخصيص العام كمنع الولد القاتل لأبيه من الميراث.
وإما قواعد عامة اعتبرت أساسا تشريعيا وأصلا من أصول الدين اعتمده الفقهاء في ضبط الأحكام وتفريعها عنه وتلك أقوال كثيرة من كلامه ﷺ منها.
«لا ضرر ولا ضرار (٢)»، و «الولد للفراش (٣)»، و «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٤)» وغير ذلك.
стр. 12681
ومن السنة ما ليس تفسيرا ولا تأكيدا، وإنما مرجعه إما وحي إلى النبي ﷺ عند البعض، وإما اجتهاد منه ﷺ عند البعض الآخر؛ كتحريمه ﷺ الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وجواز خيار الشرط وجواز الرهن وما إلى ذلك مما أساسه القرآن، أو مرجعه تطبيق الأحكام العامة والمبادئ الأساسية لشريعة القرآن، التي ملأت نفسه ﷺ ، وكانت له أصلا يقيس عليه ويعتمده فيما يأمر به أو ينهى عنه، وصدق الله إذ يقول ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
ومع الإيمان المطلق بكمال هذا الدين، وفهم هذه الحقيقة بجانب الإيمان بقاعدة الوجود الكبرى وفهمها وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) يتلخص مما سبق أن الإطار العام للشريعة، والدائرة الشاملة للحياة البشرية لا تزيد على ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
جوانب ثابتة متعلقة بحقيقة الإنسان أنى وجد في أي زمان ومكان، تلك الحقيقة التي لا تتغير ولا تتبدل على الإطلاق، وهذه جاءت الشريعة لها بأحكام تفصيلية ثابتة كثباتها، وقد فصلها الله تفصيلا كالشعائر التعبدية من صلاة وصيام وحج وكأحكام الطهارة، وأحكام الأسرة، والمحرمات الرئيسة من زنا وخمر وسرقة وخيانة. . إلخ فهذه فصلت بمقتضى الحكمة والهداية الربانية التي لا يملكها البشر ولو وكل إليهم منها شيء لضلوا وتاهوا.
стр. 12682
القسم الثاني:
جوانب ثابتة الجوهر والهدف، لكنها متجددة الصورة متغيرة الأساليب، حسب سنة الله في الكون: مثل نوع الحكم وطريقته ومنهج الحياة الاقتصادية والخطط التعليمية وغيرها، وهذه وضعت لها الشريعة قواعد وضوابط عامة، لا يصح أن تخرج عنها، ولكن تركت تفصيلاتها - رحمة من غير نسيان - إلى اجتهاد الأمة في حدود تلك القواعد وتيك الضوابط الشرعية.
القسم الثالث:
الأمور الدنيوية المحضة وقد اقتضت حكمة الله أن توكل إلى سعي الإنسان وخبرته كي يحقق بنفسه معنى استخلافه في الأرض واستعماره فيها، كالضرب في الأرض وشئون الزراعة والصناعة والعمارة، وكل مظاهر الحياة المادية.
وبما أنه ليس في الحياة البشرية شيء يبقى بعد هذه الأقسام أو يخرج عنها، فلم يعد هنالك ما يبرر أية شبهة حول إسلام الحياة كلها لله خالصة له وحده، مستقيمة على حكمه وشرعه.
وبعد فإن منهج الإسلام كل متكامل يشد بعضه بعضا، ونظم متناسق تتحد معانيه، وتلتقي فيما يحقق سعادة البشرية، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وكل زيادة أو إضافة يتكلفها المرء ليست من الشريعة، بل هي بدعة
стр. 12683
مردودة. قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)» فإذا صح عزم المرء وخلصت نيته في التوجه إلى الله، فإن في أحكام الشريعة دليلا له إلى معالم الصراط المستقيم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢)
стр. 12684
خامسا: الإيمان بأن الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة
إن ثمة حقيقة لا ريب فيها وهي: (إن دين الله واحد، جاءت به الرسل جميعا، وتعاقبت عليه الرسل جميعا، وعهد الله واحد، أخذه على كل رسول من لدن آدم ﵊ إلى خاتم الرسل محمد ﷺ . ولكن كما كان دين الأنبياء والمرسلين دينا واحدا، وأمتهم أمة واحدة، كان لكل واحد منهم شرعة ومنهاج. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
فهذه الحقيقة أعلنها القرآن وهي تدحض شبه المارقين والماديين الذين ينكرون الأديان بسبب اختلافها في جوهرها وأصولها، ويدعون وهم الظالمون بأن كل نبي يأتي من عنده بدين يناقض سابقيه، وهذا ادعاء كاذب مجاف للواقع، ولا يمت إلى حقيقة الأديان بصلة، فالدين واحد في أصوله،
стр. 12685
ولكن تختلف الأديان في تشريعاتها لاختلاف أحوال الأمم الاجتماعية ودرجة استعدادها العقلي. لقد كانت الرسالات قبل الرسالة المحمدية رسالات محلية، قومية، محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين - وكانت كل رسالة تتضمن تعديلات وتحويرا في الشريعة، يناسب تدرج البشرية، وكانت البشرية تخطو على هدى هذه الرسالات خطوات محدودة، حتى جاءت رسالة محمد بن عبد الله ﷺ إلى الإنسانية كلها، وختم الله سبحانه بها جميع الرسالات السماوية، وجعلها ناسخة لها، وأتم بها نعمته على العالمين، واختار الأمة المسلمة؛ لتتلقى تراث الرسالة كله، وتقوم على دين الله في الأرض) (١).
قال تعالى: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) الآية وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (٣)».
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤) ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)
стр. 12686
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية:
(يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه الصلاة السلام إلى عيسى ﵊ لما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول من بعده - ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته؛ ولهذا قال تعالى وتقدس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) الآية وقال علي بن أبي طالب ﵁ وابن عمر وابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وقال طاوس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه) (٢).
ويروي الإمام أحمد في مسنده بسنده عن عبد الله بن ثابت قال: «جاء عمر إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله: إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، قال: فسري عن النبي ﷺ ، ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين (٣)».
وللحافظ أبي يعلى: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني (٤)».
стр. 12687
وروى الإمام أحمد ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة (١)».
نعم، لقد جمعت الشريعة الخاتمة محاسن الرسالات السابقة، وفاقتها كمالا وجلالا. قال الحسن البصري ﵁: (أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان (القرآن) ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان) (٢) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(إن القرآن قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانا وتفصيلا، وفصل الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة. وبين أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج، التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة، فهو شاهد بصدقها وشاهد بكذب ما حرف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات، ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية، وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات، وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاحها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن) (٣).
стр. 12688
نستخلص مما سبق أن الإسلام هو آخر الشرائع الإلهية إلى البشر، وأن محمدا ﷺ خاتم النبيين، وأن شريعة الإسلام ودعوته خالدتان، فليست شريعة الإسلام موقوتة بوقت مستقبل محدود، يقف عنده وجوب تطبيقها لإصلاح الحياة البشرية، بل هي رسالة عامة للبشرية كلها، رسالة خاتمة أنزلت على خاتم الأنبياء والرسل. رسالة تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور، ولا ينالها التغيير ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) وقد فصلت هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها تحتوى على كل ما يحتاج إليه، منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان.
وبرهان آخر على نسخ الشريعة الإسلامية للشرائع السابقة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٢) ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ (٣) الآية.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ (٤) الآية.
فأهل الكتاب مأمورون بالإيمان بمحمد ﷺ ، وبالكتاب الذي أنزل عليه، وألا يسارعوا إلى الكفر به، فيصبحوا أول الكافرين، وكان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين. ولا يحكم عليهم بالكفر إلا إذا كانت الشريعة الإسلامية ناسخة لشرائعهم، وقد أمر الله تعالى بقتالهم حتى يؤمنوا بشريعة محمد ﷺ . يقول تعالى:
стр. 12689
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١).
وبعد فتلك ملامح شريعتنا الغراء بوجهها المشرق الوضيء، وآثارها الطيبة في سعادتنا وعزنا ومرضاة ربنا جل وعلا.
فإيمان بالله يتخلل كل وجود المؤمن، ويتغلغل في سويداء قلبه، فيتذوق حلاوته، ولا يرضى به بديلا، وعقيدة راسخة في القلب، يعبر عنها اللسان، وتسري في دم الإنسان المسلم، وتخالط وجدانه وتمتزج بمشاعره، وعمل ينبثق من صدق الإيمان وبواعثه؛ مسارعة إلى الخير وإذعانا لله وانقيادا لشريعته، فيرى الناس فيه الواقع الحي للإيمان ومقتصياته.
وإيمان بأن محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده، قد اصطفاه ربه لإبلاغ آياته وحمل رسالته، وأن أقواله وأفعاله وتقريراته وأخلاقه بل ونواحي حياته كلها تعد ركنا في الدين وشريعة للمؤمنين، والمسلم مكلف بأن يبذل وسعه في معرفة ما جاء به والعمل به، وتقديمه على غيره، ورد كل ما سواه، وإيمان بأن الشرعية الإسلامية هي الرسالة الأخيرة إلى البشر، بل إلى الثقلين جميعا، أراد بها منزلها جل وعلا أن تكون كذلك شريعة عامة خالدة، وشريعة مثالية محكمة، قد أتت بالمبادئ التشريعية والخلقية، التي تسمو بالإنسان إلى أعلى درجات الكمال، وتضمن له إن هو عمل بمقتضاها وسار على منهجها خيري الدنيا والآخرة.
وإيمان بأن الشريعة الإسلامية نظم متكامل متسق، لا يعتوره نقص ولا يشوبه خلل، شامل لشعب الحياة كلها: في العقيدة والعبادة والسياسة والسلوك، وحتى أمور الغيب، ومشاهد القيامة وأحوالها، والتطبيق العملي لأحكامها ومبادئها، والوقوف عند حدودها، والالتزام بما جاءت به هو المحور المحرك لعوامل النصر والثبات والسعادة والاستقرار، وإيمان بأن الشريعة
стр. 12690
الإسلامية شريعة خاتمه ناسخة لما قبلها من الشرائع، متضمنة خلاصة الرسالات السابقة، بل وزائدة عليها ما به كمال الإنسانية وسعادتها.
وبعد: فإن الإيمان بهذه الأصول والأسس للدين الإسلامي، يحتم على المسلم العمل بمقتضاها، والسير على نهجها، وألا يكون إيمانه بها مجرد شعار زائف، وادعاء يزيد في قيام الحجة، وثقل المسئولية عليه يوم القيامة، وتعريض نفسه لعذاب الله ونكاله. إلى جانب أن حاجة الناس إلى شرع الله ضرورة حتمية تلزم كل حاكم تنفيذها في محكوميه ومن ولاه الله عليهم.
стр. 12691
حاجة الناس إلى شرع الله تعالى
إن حاجة الناس إلى تطبيق شرع الله تعالى تفوق حاجتهم إلى ما يقيم صلبهم من طعام وشراب، فكما يعنى الحكام بتوفير الأمن والاستقرار والرفاهية لشعوبهم ودفع الجهل والفقر والمرض عنهم، فلزم عليهم كذلك أن يعنوا بإقامة شرع الله بينهم، وتمكينهم من العمل به، وإلا فسلبية العمل بغير ما أنزل الله ومضارها ستنتهي بهم إلى عواقب وخيمة، تفقدهم الحياة السعيدة التي هي وسيلة إلى السعادة في الآخرة؛ لأنهم سيحيون حياة بؤس وشقاء وفراغ روحي، قال تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (٢) ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٣) إن حاجة الإنسان إلى ما يهذب روحه ويسمو بها تفوق حاجته إلى ما يحفظ جسده من طعام وشراب وملبس ومسكن؛ لأن النفس الإنسانية إذا لم تكن عامرة بالإيمان بالله تعالى وحده خاضعة لشريعته، مزقتها الأهواء والشهوات، وأورثتها الخلل والاضطراب والحيرة والفزع وباتت على شفا جرف هار يوشك أن ينهار بها في مهاوي الهلكة والخسران.
стр. 12692
إن تطبيق شريعة الله سيحول دون صرف الناس عن التصورات الخاطئة فكرا وسلوكا، تلك التصورات التي يروج لها دعاة الفساد في كل زمان ومكان ويتخذونها وسيلة من وسائل محاربة الإسلام، وأداتهم في ذلك تسخير وتشجيع فئات تدخل في المفاهيم الإسلامية أغاليط وأكاذيب وتلفيقات ومبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يعرفها الصدر الأول من المسلمين. إن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يعد نفلا ولا تطوعا ولا محض اختيار، إنما هو الإيمان أو فلا إيمان قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) الآية وما نشاهده في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم من الويلات المتلاحقة والنكبات المروعة والمشاكل المحزنة والأوضاع المخزية التي لا حصر لها، لا مصدر لها سوى البعد عن الله والصد عن الحكم بما أنزل الله وصدق الله العظيم القائل:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢) إننا إذ نقرر هذا ونحن نتحدث عن هذا الوضع المزري لكثير من الدول التي تنتسب للإسلام وقلوبنا تعتصر ألما لما يشهده العالم الإسلامي من ضياع وتمزق وتفكك ومحن وإحن، لنا إذن أن نتساءل ما الذي أدى بنا إلى هذا الحد؟ ولماذا آل أمر المسلمين إلى هذا الوضع من التمزق والتناحر والمصائب والكوارث، على الرغم من تلك المؤتمرات التي تعقد والندوات الإسلامية التي تقام إلى جانب البحوث المتخصصة، والتي كلها تنادي بضرورة تحكيم شرع الله في أرض الله، وحمل الناس على العمل به، ولكن تذهب مع الريح أو يزج بها في زوايا النسيان، ولا تخرج عن حيز التوصيات التي لا تعدوها إلى التنفيذ؟ إن لذلك أسبابا عدة:
стр. 12693
أولا: ضعف الوازع الديني لدى الكثير من المسلمين والذي بدا ظاهرة فاشية عندما انتشر الجهل بأحكام الإسلام، وانعدمت التربية الدينية في مختلف الأوساط، وتزعزع كيان الأمة الإسلامية، وسيطر الظلم وانتشر الجور، واستبدت بالحاكمين الأهواء، وسيطر عليهم أعداء الإسلام، واستدرجوهم حتى ركنوا إليهم في جانب من أهم جوانب حياتهم، وراحوا يستبدلون بشرع الله القوانين الوضعية، التي هي معول هدم وأداة دمار وشنار على الأمة الإسلامية، فبدل أن يكون الحق وحده ملزما والنظام الخير الكامل الشامل متبعا ومطبقا، تكون العادات السيئة محكمة والأعراف البائدة مملية للتشاريع، وما دامت تتفق ومصالح الإنسان العاجلة فسيعلن رضاه عنها وتجاوبه معها وقبوله لها، وإن أحس منها تعارضا مع مصلحته وحائلا لتحقيق رغباته ونزواته، ألقاها عن عاتقه وطرحها معلنا براءته منها، وإن حاد به ذلك عن الحق وخالف به ناموس العدالة.
إن نقل الأمة عن مثل هذه المهازل والترهات أمل حتمي على كل من تولى أمر المسلمين وصارت إليه قيادتهم وريادتهم، وإلا فماذا يقول غدا بين يدي جبار السماوات والأرض سائلا له عن تفريطه وضياعه لرعيته وتقصيره في سعادة من ولاه الله عليهم، حقا سيندم ولات ساعة مندم.
ثانيا: ما يثار حول تطبيق الشريعة الإسلامية من شبه يقصد منها تعطيلها، وأول هذه الشبه اتهام التشريع الإسلامي بالجمود وعدم مسايرته لتطورات العصر، وتلك فرية دبرها أعداء الإسلام للنيل منه، وأنى لهم ذلك! وهذا دليل على مدى الحقد الدفين للإسلام وأهله، وهو منهم تصور خاطئ ينهض على ركام كبير من الجهالة بأحكام الإسلام وشريعة الإسلام. فقد مضى بنا أن شريعة الإسلام ما جمدت في عصر أو تخلفت عن ركب التقدم في دولة، وإنما هم أنفسهم الذين جمدت عقولهم وعميت أبصارهم عن الحق والصواب ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١).
إن
стр. 12694
الشريعة السمحة دين ودولة واقع ونظام، ماض وحاضر، علم وثقافة، سياسة واجتماع، إنها لم تكن أبدا كما يتوهمون مجرد عقائد فردية يدين بها الأفراد، لا إنما هي نظام كامل شامل مستقل له أسلوبه المعين وأحكامه الخاصة به وتوجيهاته التي لا يتقبلها إلا من هدي إلى الصراط المستقيم.
ثالثا: يزعمون أن تطبيق الشريعة الإسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة، وهذه فرية أخرى يفوح منها العداء للإسلام والمسلمين فهم يقولون، قاتلهم الله: إن تطبيق الشريعة الإسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة - في البلاد التي يعيش فيها أناس غير مسلمين - ويهيج النوازع والأحقاد الطائفية في نفوسهم، مما يعرض الأمة لخطر التدابر والانقسام ويهدد وحدتها وتألفها، ويزعمون أن الأمة تكون في مأمن من هذا الخطر عندما تلتقي على شرعة وضعية لا صلة لها بالعقيدة أو الدين مما يتخالف الناس فيه، ولكن على هؤلاء أن يعلموا أن الأقليات غير المسلمة لم تنعم بجزء من العدل والأمن والطمأنينة بمثل ما تنعم به في بلاد الإسلام.
فالإسلام لا يكره أحدا على الدخول فيه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١) والإسلام لم ينهنا عن بر غير المسلمين والإحسان إليهم إذا كفوا أيديهم عنا، وأعلنوا الانضواء تحت سلطان المسلمين. وهل من منكر أنهم يمارسون شعائر دينهم في بلاد الإسلام، ويتصرفون بإرادتهم في أحوالهم الشخصية وغيرها؟ وهل من منكر ينكر ما نسمع عنه ونشاهده من التفرقة العنصرية والاحتكام إلى الأغلبية في كثير من البلدان؟ إن الإسلام لا يطلب من هؤلاء سوى الانتظام في سلك العدالة والحق في بلد هم أحق بالانتظام فيه من غيرهم، باعتبارهم بعض رعاياه أو مواطنيه.
وفي ختام بحثي هذا أقولها باسمي وباسم كل مسلم غيور يعيش في مشارق الأرض ومغاربها: تنبهوا حماة الإسلام واحذروا أن يفتنكم هؤلاء المغرضون أو يثنوكم عن عزيمتكم ويصدوكم عن دينكم، وعن الحكم بما أنزل
стр. 12695
الله بشبه يقصد منها إماتة حماسكم وإطفاء جذوة الدعوة إلى تحكيم شرع الله بينكم، وليأخذ كل قادر على الإصلاح في علاج القلوب والعقول مما ران عليها من سنة الغفلة، ومن تقاليد وعادات تنزل بالإنسان إلى مزالق الشر وحضيض الهوان والخسران. وليق كل منا ما استرعاه الله عليه من الانحرافات العقدية والفكرية والنفسية والتحلل السلوكي والأخلاقي، ولتكن القناعة تامة بأن التشريع الإسلامي إنما هو حكم الله لا تقوم في سبيل تطبيقه عقبة، ولا يعاني الناس حياله من وهم أو تخليط، بل هو شرع ومنهج لازم على المسلمين اتباعه، وفي اتباعه يكون الخير والهدى والبركة، وبالصد عنه يكثر الهرج والمرج وتلتبس المسالك وتستبد بالناس الأهواء، نسأل الله العون والهداية ونستهديه أقوم طريق ونستمد منه الهدى والرشاد والنصر والتوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 12696
صالح بن غانم بن عبد الله السدلان.
- من مواليد مدينة بريدة عام ١٣٦٢ هـ.
- حصل على الشهادة الجامعية في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٣٨٦ هـ، ثم حصل على درجة الماجستير في الفقه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٣٩١ هـ، ثم حصل على درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء عام ١٤٠٣ هـ.
- عمل مدرسا بوزارة المعارف عام ١٣٨٦ هـ، ثم محاضرا بكلية الشريعة عام ١٣٩٥ هـ، ثم أستاذا مشاركا في الكلية عام ١٤٠٣ هـ وهو عمله الحالي.
- له من المؤلفات:
١ - النية وأثرها في الأحكام الشرعية (رسالة دكتوراه).
٢ - الإيضاح في الشروط في النكاح (رسالة ماجستير).
٣ - التوبة إلى الله تعالى.
٤ - الرهص والوقص لمستحلي الرقص من الصوفية.
٥ - زكاة الأسهم والسندات والورق النقدي.
٦ - وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية.
٧ - القواعد الفقهية وشرح القواعد الخمس الكلية.
٨ - مقدمات طلب النكاح (تحت الطبع).
٩ - أحكام صلاة الجماعة (تحت الطبع).
١٠ - القرائن ودورها في الإثبات (تحت الطبع).
- كما أن له بحوثا ودراسات ومقالات أخرى متنوعة منشورة في الصحف والمجلات المحلية والإسلامية.
- له مشاركات عديدة في المحاضرات والندوات والمؤتمرات الدينية محليا وخارجيا.
- شارك في أعمال عديدة في جهات مختلفة بجانب عمله الأصلي وله خبرات استشارية قدمت لهيئات في الداخل والخارج.
стр. 12697
النسخ في القرآن الكريم
إعداد: الشيخ عبد الله بن حمد بن عبد الله الشبانة (١)
الأمين العام المساعد لهيئة كبار العلماء
مقدمة:
الحمد لله الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله ﷻ ، وأحسن الحديث حديثه ، فلا غرو إذا أن يكون الاشتغال به تعلما وتعليما ودراسة وتفهما أشرف ما عمرت به الأوقات، وأعظم ما اشتغل به الأفراد والجماعات؛ ذلك أنه الدليل إلى كل خير، والعاصم من كل شر؛ لأنه حبل الله المتين الذي من تمسك به نجا وسعد في الدارين، ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكا، ويحشر يوم القيامة أعمى، فيكون نصيبه والعياذ بالله خسارة الحال وخسارة المآل. وقد اشتغل بكتاب الله الكريم وتفسيره وسائر علومه نفر غير قليل من العلماء قديما وحديثا فألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، وكتبوا البحوث المستفيضة في تفسير كلام الله ﵎، وإيضاح مبهمه وتفصيل مجمله، وشرح ألفاظه وبيان معانيه، واستنباط الأحكام من آياته وبيان ناسخه
стр. 12698
ومنسوخه ومكيه ومدنيه، وغير ذلك مما يندرج تحت ما يسمى بعلوم القرآن الكريم.
وقد عد الدكتور حاتم صالح الضامن محقق كتاب (الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى) لقتادة بن دعامة السدوسي واحدا وسبعين مؤلفا في هذا الباب (١) مما يدل على عظم شأن هذا العلم من علوم كتاب الله العزيز، وأنه مدخل من أهم مداخل تفسيره، والبحث في لجته والغوص في أعماقه.
يدل على ذلك ما ذكره العلماء اتفاقا من أن معرفة هذا العلم واجبة على كل من تصدى لتفسير القرآن الكريم، أو استنباط الأحكام منه، أو تصدى للإفتاء أو للقضاء بين الناس؛ لئلا يوجب على خلق الله ما لم يوجبه الله عليهم، أو يسقط عنهم أمرا أوجبه عليهم. فقد روى ابن عبد البر بسنده عن يحيى بن أكثم قال: (ليس من العلوم كلها علم هو واجب على العلماء وعلى المتعلمين وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ لأن الأخذ بناسخه واجب فرضا، والعمل به واجب ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهى إليه، فالواجب على كل عالم علم ذلك؛ لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرا لم يوجبه الله، أو يضع عنهم فرضا أوجبه الله) (٢) اهـ.
وقال الإمام العلامة مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه (الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه) ص ٤٥ (نشر دار المنارة): (وإن من آكد ما عني أهل العلم والقرآن بفهمه وحفظه والنظر فيه من علوم القرآن، وسارعوا إلى البحث عن فهمه وعلمه وأصوله علم ناسخ القرآن ومنسوخه، فهو علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهله). اهـ.
وقد قال علي ﵁: (لا يفتي الناس إلا من عرف الناسخ والمنسوخ) (٣). وروي عنه ﵁ أنه دخل المسجد فرأى رجلا يذكر
стр. 12699
الناس فقال له: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وفي لفظ آخر أنه قال له: من أنت؟ قال: أنا أبو يحيى قال: بل أنت أبو اعرفوني (١) وجاء عنه في خبر آخر أنه ﵁ مر بقاض فقال له: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت (٢) وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالحكمة في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) هو معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره ونحو ذلك (٤) وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي (ابن راهويه) ﵀: (من لم يعرف الصحيح والسقيم من الحديث والناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة لم يكن عالما) (٥) وقال أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ﵏ فيمن يتصدر لمهمة الإفتاء: (لا يحل له أن يفتي حتى يعرف أحكام الكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ وأقاويل الصحابة والمتشابه ووجوه الكلام) (٦).
فمن ذلك تظهر لنا قيمة هذا العلم وأهميته البالغة لعموم المسلمين، ولمن تصدى منهم لتفسير كتاب الله أو للقضاء، أو لفتيا على وجه الخصوص؛ إذ حاجة هؤلاء إليه أمس، وضرورة إحاطتهم به أشد.
وسأحاول في هذه العجالة المتمثلة في هذا البحث المتواضع عن (النسخ في القرآن الكريم) أن ألم بكامل الموضوع إلمامة عجلى، فأوضح معنى النسخ في اللغة وفي الاصطلاح، ثم أذكر الفرق بينه وبين التخصيص. ثم أشير إلى
стр. 12700
شروط النسخ التي ذكرها العلماء، ثم أعرج على بيان آراء العلماء في حكم النسخ ووقوعه أصلا من عدمه، مع مناقشتها وترجيح ما يترجح لدي منهما. بعد ذلك سأورد تفسيرا تحليليا للآيات الدالة على النسخ في القرآن الكريم. ثم أبين ما يقع فيه النسخ في القرآن، ثم أتحدث عن أنواع النسخ في القرآن الكريم، مختتما ذلك بإيراد أمثلة للنسخ في القرآن، وأمثلة لما قيل أنه نسخ وليس كذلك، جاعلا الحديث عن كل قسم من ذلك في فصل مستقل إيضاحا له، وتركيزا عليه، وفي نهاية البحث سأورد خاتمة له تتضمن نتائج البحث وخلاصة له.
وأرجو من الله سبحانه العون وأستمد التوفيق. وهو المسئول سبحانه أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا من لدنه علما.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 12701
الفصل الأول
النسخ لغة واصطلاحا
قال الجوهري في الصحاح: نسخت الشمس الظل وانتسخته: أزالته ونسخت الريح آثار الدار: غيرتها ونسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته كله بمعنى. والنسخة بالضم: اسم المنتسخ منه، ونسخ الآية بالآية إزالة مثل حكمها، فالثانية ناسخة والأولى منسوخة، والتناسخ في الميراث: أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم لم يقسم (١) اهـ.
وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: النون والسين والخاء أصل واحد إلا أنه مختلف في قياسه. قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره
стр. 12702
مكانه وقال آخرون: قياسه تحويل شيء إلى شيء: قالوا: النسخ: نسخ الكتاب والنسخ: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى. وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه وانتسخت الشمس الظل والشيب الشباب. وتناسخ الورثة: أن يموت ورثة بعد ورثة وأصل الإرث قائم لم يقسم، ومنه تناسخ الأزمنة والقرون.
قال السجستاني: النسخ: أن تحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى قال ومنه نسخ الكتاب (١) اهـ.
وجاء في المعجم الوسيط الذي وضعه مجمع اللغة العربية بالقاهرة في مادة نسخ: نسخ الشيء نسخا أزاله يقال: نسخت الريح آثار الديار ونسخت الشمس الظل ونسخ الشيب الشباب. ويقال: نسخ الله الآية: أزال حكمها وفي التنزيل العزيز ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) ويقال: نسخ الحاكم الحكم أو القانون: أبطله. والكتاب: نقله وكتبه حرفا بحرف.
انتسخ الشيء: نسخه والكتاب نسخه وتناسخ الشيئان: نسخ أحدهما الآخر يقال: أبلاه تناسخ الملوين. وتناسخت الأشياء: تداولت فكان بعضها مكان بعض. . . (٣) إلى آخر ما قال في ذلك مما لا يعنينا إيراده هنا.
وجاء في المصباح المنير للمقري الفيومي في مادة نسخ. قوله: نسخت الكتاب نسخا من باب نفع: نقلته، وانتسخته كذلك، ثم نقل عن ابن فارس قوله المتقدم: إن كل شيء خلف شيئا فقد انتسخه. إلى أن قال المقري: و (النسخ) الشرعي إزالة ما كان ثابتا بنص شرعي، ويكون في اللفظ والحكم وفي أحدهما، سواء فعل كما في أكثر الأحكام أو لم يفعل كنسخ ذبح إسماعيل بالفداء؛ لأن الخليل ﵇ أمر بذبحه ثم (نسخ) قبل وقوع الفعل. (٤) إلى آخر ما أورده مما مر ذكره فيما قدمنا.
стр. 12703
وعلى هذا فيكون معنى النسخ في اللغة دائرا حول ثلاثة أوجه:
أولها: أن يكون بمعنى النقل (نسخت الكتاب) أي نقلت ما فيه إلى كتاب آخر فهذا لم يغير المنسوخ منه وإنما صار نظيرا له أي نسخة ثانية منه، وهو بهذا المعنى لا يدخل في النسخ الذي هو موضوع بحثنا.
وثانيها: أن يكون بمعنى الإزالة وحلول المزيل محل المزال كقولهم (نسخت الشمس الظل) إذا أزالته وحلت محله، وهذا المعنى هو الذي يدخل في موضوع ناسخ القرآن ومنسوخه الذي هو مدار بحثنا.
وثالثها: أن يكون بمعنى الإزالة مع عدم حلول المزيل محل المزال فكأنه بمعنى المحو كقولهم (نسخت الريح الآثار) إذا أزالتها فلم يبق منها عوض ولا حلت الريح محل الآثار فهذا هو معنى النسخ في اللغة وأما في الاصطلاح فإن معناه (رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر)، فالحكم المرفوع يسمى (المنسوخ) والدليل الرافع له يسمى (الناسخ)، ويسمى الرفع (النسخ)، فالنسخ إذا يقتضي (منسوخا) وهو الحكم الذي كان مقررا سابقا وهو الدليل اللاحق (١).
وعرف الإمام العلامة مكي بن أبي طالب النسخ في الاصطلاح بأنه (إزالة حكم المنسوخ كله بغير حرف متوسط ببدل حكم آخر أو بغير بدل في وقت معين فهو بيان الأزمان التي انتهى إليها العمل بالفرض الأول، ومنها ابتدأ الفرض الثاني الناسخ للأول) (٢) وعرفه العلامة عبد القاهر البغدادي بقوله (وقال أصحابنا: إن النسخ بيان انتهاء مدة التعبد) (٣) وعرفه ابن حزم في الإحكام بأنه بيان انتهاء
стр. 12704
زمان الأمر الأول فيما لا يتكرر. وهو قريب من تعريف البغدادي. وإليه ذهب الجصاص وأبو إسحاق الإسفرائيني وغيرهم وتابعهم القرافي حيث عرفوه بأنه (بيان لانتهاء مدة الحكم) زاد الجصاص (والتلاوة) (١) وهناك تعريفات أخرى كثيرة غير ما أوردنا تقترب مما أوردناه حينا وتبتعد عنه أحيانا، ولا نرى المجال يتسع لسردها جميعا وفيما ذكرناه غنية وكفاية.
стр. 12705
الفصل الثاني
الفرق بين النسخ والتخصيص
سبق أن عرفنا النسخ في الاصطلاح بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي في حين أنهم يعرفون التخصيص بأنه (قصر العام على بعض أفراده) (١) أو أنه (إزالة بعض الحكم بغير حرف متوسط فهو بيان الأعيان) وأنه إنما يجوز على قول من أجاز تأخير البيان، وهو أن يأتي لفظ ظاهره العموم لما وقع تحته، ثم يأتي لفظ نص آخر أو دليل أو قرينة أو إجماع يدل على أن ذلك اللفظ الذي ظاهره عام ليس بعام، والتخصيص إنما هو بيان اللفظ الأول أنه ليس بعام في كل ما تضمنه ظاهر اللفظ، فهو بيان الأعيان، فهذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في الفرق بين النسخ والتخصيص. فالنسخ بيان الأزمان التي انتهى إليها العمل بالفرض الأول، وابتدأ منها الفرض الثاني، والتخصيص بيان الأعيان الذين عمهم اللفظ أن بعضهم غير داخل تحت ذلك اللفظ، فالنسخ لا يكون إلا منفصلا من المنسوخ، والتخصيص يكون منفصلا ومتصلا بالمخصص (٢) وقد ذكر العلماء عددا من الفروق بين النسخ والتخصيص يجعلها بعضهم خمسة ويوصلها آخرون إلى سبعة فروق نجملها فيما يلي:
стр. 12706
الأول: إن العام بعد تخصيصه خاص، لأن مدلوله وقتئذ بعض أفراده مع أن لفظه موضوع للكل والقرينة هي المخصص، وكل ما كان كذلك فهو خاص. أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له، غايته أن الناسخ دل على أن إرادة الله تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين، وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان، ويظهر ذلك جليا فيما إذا قال الشارع مثلا: افعلوا كذا أبدا، ثم نسخه بعد زمن قصير، فإنه لا يعقل أن يكون مدلوله ذلك الزمن القصير دون غيره، بل هو ما زال كما كان مستعملا في جميع الأزمان نصا بديل قوله (أبدا) غير أن العمل بهذا النص الشامل لجميع الأزمان لفظا قد أبطله الناسخ؛ لأن استمرار العمل بالنص مشروط بعدم ورود ناسخ ينسخه أيا كان ذلك النص وأيا كان ناسخه. فإن سأل سائل ما حكمة تأبيد النص لفظا بينما هو مؤقت في علم الله أزلا؟ أجبناه بأن حكمته ابتلاء الله لعباده أيخضعون لحكمه مع تأبيده عليهم هذا التأبيد الظاهري أم لا؟ فإذا ماز الله الخبيث من الطيب والمطمئن لحكمه من المتمرد عليه، جاء النسخ لحكمة أخرى من التخفيف ونحوه.
الثاني: إن حكم ما خرج بالتخصيص لم يك مرادا من العام أصلا، بخلاف ما خرج بالنسخ، فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا.
الثالث: إن التخصيص لا يتأتى أن يأتي على الأمر لمأمور واحد، ولا على النهي لمنهي واحد، أما النسخ فيمكن أن يعرض لهذا كما يعرض لغيره، ومن ذلك نسخ بعض الأحكام الخاصة به ﷺ .
الرابع: إن النسخ يبطل حجية المنسوخ، إذا كان رافعا للحكم بالنسبة إلى جميع أفراد العام، ويبقى على شيء من حجيته إذا كان رافعا للحكم عن بعض أفراد العام دون بعض، أما التخصيص فلا يبطل حجية العام أبدا، بل العمل به قائم فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه.
الخامس: إن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة بخلاف التخصيص، فإنه يكون بهما وبغيرهما كدليل الحس والعقل فقول الله سبحانه:
стр. 12707
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) قد خصصه قوله ﷺ «لا قطع إلا في ربع دينار (٢)». وهذا قوله سبحانه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣) قد خصصه ما شهد به الحس من سلامة السماء والأرض وعدم تدمير الريح لهما.
السادس: إن النسخ لا يكون إلا بدليل متراخ عن المنسوخ أما التخصيص فيكون بالسابق واللاحق والمقارن، وقال قوم: لا يكون التخصيص إلا بمقارن فلو تأخر عن وقت العمل بالعام كان هذا المخصص ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه، كما إذا قال الشارع: (اقتلوا المشركين) وبعد وقت العمل به قال: (ولا تقتلوا أهل الذمة)، ووجهة نظر هؤلاء أن المقصود بالمخصص بيان المراد بالعام، فلو تأخر وقت العمل به لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، فلم يبق إلا اعتباره ناسخا.
السابع: إن النسخ لا يقع في الأخبار بخلاف التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها (٤).
وقد نقل الشيخ محمد حمزة في كتابه (دراسات في الإحكام والنسخ) عن الإمام الغزالي أنه حصر الفرق بين التخصيص والنسخ في خمسة أمور. ولا نجد فيها غير ما أورده غيره من الفروق التي أجملناها آنفا إلا ما كان من قوله الخامس: إن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس وبخبر الواحد وسائر الأدلة، ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع (وقد علق الشيخ محمد حمزة على ذلك بقوله: أقول تفريق ممتاز على ما في ذلك من الخلاف، فإن الأحناف اشترطوا المقارنة في المخصص للعام، فإذا تراخى عنه فهو نسخ لا تخصيص، كما تقدم ولا يجوز عند الأحناف تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛
стр. 12708
لأن دلالة العام على عمومه قطعية عندهم وخبر الآحاد ظني، أما الحديث المشهور فهو عندهم قطعي الثبوت كالمتواتر، فيجوز تخصيص الكتاب به وتقييد مطلقه) (١) اهـ.
стр. 12709
الفصل الثالث
شروط النسخ
للنسخ شروط لا بد من توافرها لكي يعتبر من قبيل النسخ لا من قبيل غيره كتخصيص العام أو تقييد المطلق أو الاستثناء. . . إلخ. وكل ما لم تتوافر فيه هذه الشروط التي سنذكرها هنا أرجع إلى نوع من تلك الأنواع التي ذكرناها أو إلى غيرها.
وما توافرت فيه تلك الشروط اعتبر نسخا. وشروط النسخ نوعان:
أحدهما: شروط متفق عليها والنوع الثاني: شروط مختلف فيها.
فأما الشروط المتفق عليها فمنها:
١ - أن يكون المنسوخ حكما شرعيا؛ لأن الأمور العقلية التي مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات.
٢ - أن يكون النسخ بخطاب شرعي لا بموت المكلف؛ لأن الموت مزيل للحكم لا ناسخ له.
٣ - ألا يكون الحكم السابق مقيدا بزمان مخصوص نحو قوله ﵊ «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (١)».
فإن الوقت الذي يجوز فيه أداء النوافل التي لا سبب لها مؤقت، فلا يكون نهيه عن هذه النوافل في الوقت المخصوص نسخا لما قبل ذلك من الجواز؛ لأن التوقيت يمنع النسخ.
стр. 12710
٤ - أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ.
وأما الشروط المختلف فيها فمنها:
١ - أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في القوة أو أقوى منه لا دونه؛ لأن الضعيف لا ينسخ القوي.
٢ - أن يكون ناسخ القرآن قرآنا وناسخ السنة سنة.
٣ - أن يكون قد ورد الخطاب الدال على بيان انتهاء الحكم بعد التمكن من الفعل.
٤ - أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة الأمر للنهي والمضيق للموسع.
٥ - أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين.
٦ - أن يكون النسخ ببدل مساو أو مما هو أخف منه.
٧ - أن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لا يدخله الاستثناء أو التخصيص.
وقد نقل صاحب كتاب (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) عن الآمدي في الإحكام والزرقاني في مناهل العرفان أن الراجح كونه لا داعي لهذه الشروط السبعة (١).
وقد عد صاحب (الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه) من شروط الناسخ (٢) أن يكون منفصلا من المنسوخ منقطعا منه، فإن كان متصلا به غير منقطع عنه لم يكن ناسخا لما قبله مما هو متصل به، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فليس قوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٤) ناسخا لقوله ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥) في قراءة من خفف ﴿يَطْهُرْنَ﴾ (٦)؛ لأنه متصل به، فالأول يراد به ارتفاع الدم والثاني التطهير بالماء.