الأول: إن العام بعد تخصيصه خاص، لأن مدلوله وقتئذ بعض أفراده مع أن لفظه موضوع للكل والقرينة هي المخصص، وكل ما كان كذلك فهو خاص. أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له، غايته أن الناسخ دل على أن إرادة الله تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين، وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان، ويظهر ذلك جليا فيما إذا قال الشارع مثلا: افعلوا كذا أبدا، ثم نسخه بعد زمن قصير، فإنه لا يعقل أن يكون مدلوله ذلك الزمن القصير دون غيره، بل هو ما زال كما كان مستعملا في جميع الأزمان نصا بديل قوله (أبدا) غير أن العمل بهذا النص الشامل لجميع الأزمان لفظا قد أبطله الناسخ؛ لأن استمرار العمل بالنص مشروط بعدم ورود ناسخ ينسخه أيا كان ذلك النص وأيا كان ناسخه. فإن سأل سائل ما حكمة تأبيد النص لفظا بينما هو مؤقت في علم الله أزلا؟ أجبناه بأن حكمته ابتلاء الله لعباده أيخضعون لحكمه مع تأبيده عليهم هذا التأبيد الظاهري أم لا؟ فإذا ماز الله الخبيث من الطيب والمطمئن لحكمه من المتمرد عليه، جاء النسخ لحكمة أخرى من التخفيف ونحوه.
الثاني: إن حكم ما خرج بالتخصيص لم يك مرادا من العام أصلا، بخلاف ما خرج بالنسخ، فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا.
الثالث: إن التخصيص لا يتأتى أن يأتي على الأمر لمأمور واحد، ولا على النهي لمنهي واحد، أما النسخ فيمكن أن يعرض لهذا كما يعرض لغيره، ومن ذلك نسخ بعض الأحكام الخاصة به ﷺ .
الرابع: إن النسخ يبطل حجية المنسوخ، إذا كان رافعا للحكم بالنسبة إلى جميع أفراد العام، ويبقى على شيء من حجيته إذا كان رافعا للحكم عن بعض أفراد العام دون بعض، أما التخصيص فلا يبطل حجية العام أبدا، بل العمل به قائم فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه.
الخامس: إن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة بخلاف التخصيص، فإنه يكون بهما وبغيرهما كدليل الحس والعقل فقول الله سبحانه:
стр. 12707
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) قد خصصه قوله ﷺ «لا قطع إلا في ربع دينار (٢)». وهذا قوله سبحانه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣) قد خصصه ما شهد به الحس من سلامة السماء والأرض وعدم تدمير الريح لهما.
السادس: إن النسخ لا يكون إلا بدليل متراخ عن المنسوخ أما التخصيص فيكون بالسابق واللاحق والمقارن، وقال قوم: لا يكون التخصيص إلا بمقارن فلو تأخر عن وقت العمل بالعام كان هذا المخصص ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه، كما إذا قال الشارع: (اقتلوا المشركين) وبعد وقت العمل به قال: (ولا تقتلوا أهل الذمة)، ووجهة نظر هؤلاء أن المقصود بالمخصص بيان المراد بالعام، فلو تأخر وقت العمل به لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، فلم يبق إلا اعتباره ناسخا.
السابع: إن النسخ لا يقع في الأخبار بخلاف التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها (٤).
وقد نقل الشيخ محمد حمزة في كتابه (دراسات في الإحكام والنسخ) عن الإمام الغزالي أنه حصر الفرق بين التخصيص والنسخ في خمسة أمور. ولا نجد فيها غير ما أورده غيره من الفروق التي أجملناها آنفا إلا ما كان من قوله الخامس: إن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس وبخبر الواحد وسائر الأدلة، ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع (وقد علق الشيخ محمد حمزة على ذلك بقوله: أقول تفريق ممتاز على ما في ذلك من الخلاف، فإن الأحناف اشترطوا المقارنة في المخصص للعام، فإذا تراخى عنه فهو نسخ لا تخصيص، كما تقدم ولا يجوز عند الأحناف تخصيص الكتاب بخبر الواحد؛
стр. 12708
لأن دلالة العام على عمومه قطعية عندهم وخبر الآحاد ظني، أما الحديث المشهور فهو عندهم قطعي الثبوت كالمتواتر، فيجوز تخصيص الكتاب به وتقييد مطلقه) (١) اهـ.
стр. 12709
الفصل الثالث
شروط النسخ
للنسخ شروط لا بد من توافرها لكي يعتبر من قبيل النسخ لا من قبيل غيره كتخصيص العام أو تقييد المطلق أو الاستثناء. . . إلخ. وكل ما لم تتوافر فيه هذه الشروط التي سنذكرها هنا أرجع إلى نوع من تلك الأنواع التي ذكرناها أو إلى غيرها.
وما توافرت فيه تلك الشروط اعتبر نسخا. وشروط النسخ نوعان:
أحدهما: شروط متفق عليها والنوع الثاني: شروط مختلف فيها.
فأما الشروط المتفق عليها فمنها:
١ - أن يكون المنسوخ حكما شرعيا؛ لأن الأمور العقلية التي مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات.
٢ - أن يكون النسخ بخطاب شرعي لا بموت المكلف؛ لأن الموت مزيل للحكم لا ناسخ له.
٣ - ألا يكون الحكم السابق مقيدا بزمان مخصوص نحو قوله ﵊ «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (١)».
فإن الوقت الذي يجوز فيه أداء النوافل التي لا سبب لها مؤقت، فلا يكون نهيه عن هذه النوافل في الوقت المخصوص نسخا لما قبل ذلك من الجواز؛ لأن التوقيت يمنع النسخ.
стр. 12710
٤ - أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ.
وأما الشروط المختلف فيها فمنها:
١ - أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في القوة أو أقوى منه لا دونه؛ لأن الضعيف لا ينسخ القوي.
٢ - أن يكون ناسخ القرآن قرآنا وناسخ السنة سنة.
٣ - أن يكون قد ورد الخطاب الدال على بيان انتهاء الحكم بعد التمكن من الفعل.
٤ - أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة الأمر للنهي والمضيق للموسع.
٥ - أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين.
٦ - أن يكون النسخ ببدل مساو أو مما هو أخف منه.
٧ - أن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لا يدخله الاستثناء أو التخصيص.
وقد نقل صاحب كتاب (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) عن الآمدي في الإحكام والزرقاني في مناهل العرفان أن الراجح كونه لا داعي لهذه الشروط السبعة (١).
وقد عد صاحب (الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه) من شروط الناسخ (٢) أن يكون منفصلا من المنسوخ منقطعا منه، فإن كان متصلا به غير منقطع عنه لم يكن ناسخا لما قبله مما هو متصل به، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فليس قوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٤) ناسخا لقوله ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥) في قراءة من خفف ﴿يَطْهُرْنَ﴾ (٦)؛ لأنه متصل به، فالأول يراد به ارتفاع الدم والثاني التطهير بالماء.
стр. 12711
كما عد من شروط المنسوخ أن يكون غير متعلق بوقت معلوم لا يعلم انتهاء وقت فرضه إلا بنص ثان يبين أن فرض الأول إلى الوقت الذي فرض فيه الثاني ولذلك قيل في قوله تعالى ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١): إنه غير منسوخ بالأمر بالقتال في (براءة)؛ لأن الله جعل له أجلا ووقتا وهو إتيان أمره بالقتال وترك الصفح والعفو، وإنما كان يكون منسوخا بالقتال لو قال: فاعفوا واصفحوا أمرا غير مؤقت، كما قال: فاعف عنهم واصفح. فهذا منسوخ بالقتال وقيل: إنه منسوخ بالقتال؛ لأن الأجل غير معلوم، ولو قال: فاعفوا واصفحوا إلى وقت كذا. وذكر الأمر لكان النسخ غير جائز فيه، ولكنه أبهم الوقت ولم يحده، فالنسخ فيه جائز وعلى ذلك أكثر العلماء.
ومضى صاحب الإيضاح يعدد شروطا للنسخ فقال: ومن شروط الناسخ أن يكون موجبا للعلم والعمل كالمنسوخ ومن هاهنا منع نسخ القرآن بخبر الآحاد؛ لأن أخبار الآحاد توجب العمل ولا توجب العلم والقرآن يوجبهما جميعا. وإنما وقع الاختلاف في جواز نسخ القرآن بالأخبار المتواترة التي توجب العلم والعمل كالقرآن.
وقد عد الإمام العلامة مكي بن أبي طالب جواز نسخ الأثقل بالأخف من شروط الناسخ، ومثل لذلك بتخفيف قوله تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) بقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣) وأنه لذلك قال تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤) أي بأخف منها عليكم أو مثلها في الثقل وأعظم في الأجر.
وكذلك نسخ الأخف بالأثقل نحو نسخ صيام يوم عاشوراء أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر بصوم شهر رمضان
стр. 12712
وقال بعد أن ساق أمثلة أخرى لهذا الوجه (وقد ذهب بعض المؤلفين للناسخ والمنسوخ إلى أنه لا يجوز أن ينسخ الأخف بالأثقل وتأول فيما ذكرنا تأويلات تخرجه من النسخ، والعمل عند أكثرهم على ما بيناه) (١) كما عد الإمام العلامة أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه (الناسخ والمنسوخ) من شرط الناسخ والمنسوخ أن يكونا شرعيين يجوز في العقل ورود الأمر بكل واحد منهما على البدل، فأما الذي لا يجوز ورود الشرع بخلافه؛ كاعتقاد توحيد الصانع واعتقاد صفاته وعدله وحكمته، واعتقاد فساد الكفر فلا يجري في هذا النوع نسخ ولا تبديل، وكذلك كل ما دل العقل على كونه على وجه مخصوص، فلا يجوز أن يكون الناسخ والمنسوخ كلاهما منصوصا عليه أو مدلولا عليه بدليل الخطاب أو مفهومه، فأما الذي ثبت بالإجماع فلا يجوز نسخه؛ لأن الإجماع إنما يستقر بعد انقضاء زمان النسخ، فإذا اجتمعت الأمة على حكم ووجد خبر بخلافه استدللنا بالإجماع على سقوط الخبر أو نسخه، أو تأويله على غير ظاهره (٢).
стр. 12713
الفصل الرابع
الآراء في حكم النسخ ومناقشتها
هنالك إجماع من علماء المسلمين بل أجمعت الأمة كلها على جواز النسخ عقلا ووقوعه سمعا، كما أن جميع الملل تكاد تتفق على ذلك، إلا من بعض الطوائف التي أنكرت ذلك وأوردت شبها كثيرة لمنعه، واستدلت بأدلة لا تقوى على الصمود عند مناقشتها، وسنفصل القول في بيان ذلك في ثنايا هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وقد عني كثير من العلماء ببيان وجه الحق في
стр. 12714
ذلك وقرروا إمكان وقوع النسخ في شريعة الإسلام، وكذلك في الشرائع السابقة، وقاموا بتفنيد شبه المنكرين للنسخ والرد عليها وإبطالها.
فقد استدلوا على جواز وقوع النسخ في القرآن بقوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١) قال ابن عباس وغيره: معناه يمحو ما يشاء من أحكام كتابه، فينسخه ببدل أو بغير بدل، ويثبت ما يشاء فلا يمحوه ولا ينسخه، ثم قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢) قال ابن عباس: معناه عنده ما ينسخ ويبدل من الآية والأحكام، وعنده ما لا ينسخ ولا يبدل، كل في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، ومثل هذا المعنى قال قتادة وابن زيد وابن جريج وغيرهم في هذه الآية، وقد قيل غير ذلك. فهذا يدل على جواز النسخ بنص القرآن (٣).
وقد اعترض مكي بن أبي طالب على استدلال جماعة على جواز النسخ في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٤) قائلا: إن هذا إنما يدل على جواز النسخ فيما يزيد الشيطان في تلاوة النبي أو الرسول من الباطل، خاصة وليس يدل علي جواز النسخ فيما ينزله الله ويأمر به، فلا حجة فيه لمن استدل به على جواز نسخ ما هو من عند الله من الحق (٥).
ومضى مكي يستعرض الأدلة القرآنية على جواز النسخ في القرآن فقال:
(ويدل على جواز النسخ للقرآن أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٦)(١٠١) النحل فهذا نص ظاهر في جواز زوال حكم آية ووضع أخرى موضعها. إلى أن قال:
стр. 12715
ويدل على جواز النسخ للقرآن أيضا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١)(١٠٦) البقرة. فهذا نص ظاهر في جواز النسخ للقرآن بالقرآن. إلى أن قال: ويدل على جواز النسخ أيضا قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢)(٤٨) المائدة. فمعلوم أن شريعة كل رسول نسخت شريعة من كان قبله.
ورد مكي كذلك استدلال من استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٣)(٨٦) الإسراء على جواز النسخ بقوله: فهذا إنما يراد به إذهاب ما لا يجوز نسخه من الأخبار وغيرها. وما لا يجوز نسخه لو شاء الله لأذهب حفظه كله من القلوب بغير عوض (٤) وما تقدم واقع في دائرة الاستدلال القرآني بيد أن هناك استدلالات عقلية أوردها المثبتون للنسخ القائلون بجوازه وقد أجملها صاحب (مناهل العرفان) في الأدلة الأربعة التالية:
أولا: إن النسخ لا محظور فيه عقلا وكل ما كان كذلك جائز عقلا. أما الكبرى فمسلمة وأما الصغرى فيختلف دليلها عند أهل السنة عن دليلها عند المعتزلة تبعا لاختلاف الفرقتين في أن أحكام الله تعالى يجب أن تتبع المصلحة لعباده أو لا يجب أن تتبعها، فأهل السنة يقولون: إنه لا يجب على الله تعالى لعباده شيء بل هو سبحانه الفاعل المختار والكبير المتعال، وله بناء على اختياره ومشيئته وكبريائه وعظمته أن يأمر عباده بما شاء وينهاهم عما شاء، وأن يبقي من أحكامه على ما شاء وأن ينسخ منها ما شاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا ملزم يلزمه برعاية مصالح عباده، ولكن ليس معنى هذا أنه عابث أو مستبد أو ظالم، بل إن أحكامه وأفعاله كلها ﷻ لا تخلو عن حكمة بالغة وعلم واسع وتنزه عن البغي والظلم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥) (٤٦ فصلت). ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٦)(٤٩) الكهف.
стр. 12716
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١)(٨٣) و (١٢٨) الأنعام. والمعتزلة يقولون: إنه تعالى يجب أن يتبع في أحكامه مصالح عباده فما كان فيه مصلحة لهم أمرهم به وما كان فيه مضرة عليهم نهاهم عنه. وما دار بين المصلحة تارة والمفسدة تارة أمرهم به تارة، ونهاهم عنه أخرى. وإذا تقرر هذا فإن صغرى ذلك الدليل نستدل عليها من مذهب أهل السنة هكذا: النسخ تصرف في التشريع من الفاعل المختار الكبير المتعال، الذي لا يجب عليه رعاية مصالح عباده في تشريعه، وإن كان تشريعه لا يخلو من حكمه، وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا.
وأما على مذهب الاعتزال فننظم الدليل هكذا: النسخ مبني على أن الله تعالى يعلم مصلحة عباده في نوع من أفعالهم وقتا ما، فيأمرهم به في ذلك الوقت ويعلم ضرر عباده في هذا النوع نفسه من أفعالهم ولكن في وقت آخر، فينهاهم عنه في ذلك الوقت الآخر، وكل ما كان كذلك لا محظور فيه عقلا. وكيف يكون محظورا عقلا ونحن نشاهد أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال. إلى أن قال: وإلى هذا الدليل تشير الآية الكريمة ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢)(١٠٦) البقرة. . . إلخ.
ثانيا وهو دليل إلزامي للمنكرين: إن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما جوزوا أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، لكنهم يجوزون هذا عقلا، ويقولون بوقوعه سمعا، فليجوزوا هذا؛ لأنه لا معنى للنسخ إلا انتهاء الحكم الأول لميقات معلوم عند الله، بيد أنه لم يكن معلوما لنا من قبل ثم أعلمنا الله إياه بالنسخ، وهذا ليس بفارق مؤثر، فقول الشارع مثلا أول يوم من رمضان: (صوموا إلى نهاية هذا الشهر) مساو لأن يقول أول يوم من رمضان: (صوموا) من غير تقييد بغاية حتى إذا ما انتهى شهر رمضان، قال أول يوم شوال: (أفطروا)، وهذا الأخير نسخ لا ريب فيه وقد جوز منكروه المثال الأول فليجوزوا هذا المثال الثاني لأنه مساويه
стр. 12717
والمتساويان يجب أن يتحد حكمهما وإلا لما كانا متساويين.
ثالثا: إن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا لما ثبتت رسالة نبينا محمد ﷺ إلى الناس كافة، لكن رسالته العامة للناس ثابتة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي يطول شرحها. إذن فالشرائع السابقة ليست باقية بل هي منسوخة بهذه الشريعة الختامية. وإذن فالنسخ جائز وواقع. أما ملازمة هذا الدليل فنبرهن عليها بأن النسخ لو لم يكن جائزا وواقعا، لكانت الشرائع الأولى باقية، ولو كانت باقية ما ثبتت رسالته ﷺ إلى الناس كافة.
رابعا: ما يأتي من أدلة الوقوع السمعي؛ لأن الوقوع يستلزم الجواز وزيادة، والأدلة السمعية على وقوع النسخ نوعان: أحدهما: تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى من غير توقف على إثبات نبوة الرسول لهم. والثاني: تقوم به الحجة على من آمن بنبوته ﷺ كأبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، وكالعيسوية من اليهود، فإنهم يعترفون برسالته ﵊، ولكن يقولون: إلى العرب خاصة، وهؤلاء تلزمهم بأنهم متى سلموا برسالته وجب أن يصدقوه في كل ما جاء به، ومن ذلك عموم دعوته، والنسخ الوارد في الكتاب والسنة.
فأمثلة النوع الأول كثيرة منها:
١ - ما جاء في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من السفينة: (إني جعلت كل دابة حية مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه) ثم اعترفوا بعد ذلك بأن الله حرم كثيرا من الدواب على أصحاب الشرائع من بعد نوح ومنهم موسى نفسه كما جاء في السفر الثالث من توراتهم.
٢ - جاء في التوراة أن الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه وورد أنه كان يولد في كل بطن من البطون ذكر وأنثى فكان يزوج توأمة هذا للآخر
стр. 12718
ويزوج توأمة الآخر لهذا، وهكذا إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب، ثم حرم الله ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
٣ - إن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ﵉ ثم قال الله له لا تذبحه وقد اعترف منكرو النسخ بذلك.
٤ - إن عمل الدنيا كان مباحا يوم السبت لليهود ومنه الاصطياد ثم حرم الله الاصطياد على اليهود باعترافهم.
٥ - إن الله أمر بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ثم أمرهم برفع السيف عنهم (١) إلى غير ذلك من الأدلة السمعية التي تقوم بها الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى.
وأما أمثلة النوع الثاني وهو الذي تقوم به الحجة على منكري النسخ من المسلمين ومن يؤمن برسالة محمد ﷺ كالعيسوية من اليهود فهي كثيرة أيضا، وأوردنا طرفا منها في مستهل هذا الفصل نقلا عن الإمام العلامة مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه (الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه) (٢).
ويتبين مما ذكرناه أن أهل الأديان على مذاهب ثلاثة في النسخ:
أولها: إنه جائز عقلا وواقع سمعا. وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني ومن شايعه، وعليه أيضا إجماع النصارى من قبل معاصريهم الذين خرقوا الإجماع وركبوا رءوسهم فأنكروا النسخ؛ ليصلوا من هذا الإنكار إلى بقاء ديانتهم بجانب الديانة الإسلامية بدعوى أن الشريعة لا تنسخ الشريعة قبلها، وهو رأي العيسوية إحدى طوائف اليهود الثلاث.
стр. 12719
ثانيها: إن النسخ ممتنع عقلا وسمعا وهو ما جنح إليه نصارى هذا العصر وتقول به أيضا الشمعونية، وهم طائفة ثانية من طوائف اليهود.
ثالثها: إن النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود. كما يعزى هذا الرأي إلى أبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، ولكن على اضطراب في النقل عنه وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهور المسلمين أشبه بالخلاف اللفظي إن لم يكن كذلك فعلا (١).
كما يتبين أيضا أن النسخ مجمع على جوازه عقلا ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا " الشمعونية " إحدى فرق اليهود وبعض نصارى هذا الزمان، ولا شك أن مذهب هؤلاء المنكرين هو أخطر المذاهب وأشنعها في هذا الباب وأبعدها عن الحق وأكثرها مجانبة للصواب وولوغا في الباطل. إذ إن مجرد إنكار الجواز العقلي إنكار للوقوع الشرعي بالضرورة؛ إذ لا يمكن أن يقع في الوجود ما أحاله العقل.
стр. 12720
شبهات المنكرين للجواز العقلي وإبطالها
وسنستعرض فيما يلي أبرز شبهات أولئك المنكرين مع تفنيدها وإبطالها فنقول وبالله التوفيق:
١ - الشبهة الأولى التي يسوقونها لتمسكهم بمنع النسخ أن النسخ إما لحكمة ظهرت بعد أن لم تكن فيكون بداء، وإما أن يكون لغير حكمة فيكون عبثا، وكلا البداء والعبث على الله تعالى مستحيل. والرد عليهم إنما هو من خلال ما أثبتناه في بداية هذا المبحث من أدلة عقلية وسمعية على جواز النسخ عقلا، وأنه لا يترتب على النسخ محال عقلي؛ إذ هو فعل من أفعال الله الذي يفعل ما يشاء سبحانه، وليس النسخ من قبيل البداء، بل الفرق بينهما ظاهر، فالبداء تبديل في العلم بينما النسخ تبديل في المعلوم (١).
стр. 12721
وبعد أن أورد الشيخ محمد حمزة في كتابه (دراسات في الإحكام والنسخ في القرآن الكريم) رأي كل من اليهود والمعتزلة والماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي ومن أخذ برأيه من جمهور الأحناف ومن تبعهم، قال: وبعد ما تقدم نجيب بجواب محكم على فرية اليهود وشبهة المستشبهين فنقول: إنما يكون كل من العبث والبداء من لوازم النسخ إن ورد النسخ على حسن لا يقبل حسنه القبح، أو قبيح لا يقبل قبحه الحسن، كالإيمان والكفر، أما في الأفعال التي حسنها وقبحها باعتبار ما يترتب عليها من المصالح المختلفة باختلاف الأزمان والأمم، فإن الله تعالى يبدل ما شاء من الأحكام؛ رعاية لتلك المصالح التي يعلمها، ولا يلزم من ذلك بداء ولا عبث، وعلى ضوء ما تقدم أيضا يبطل قول المنكرين أن ما طلبه الله لحسنه، فلو نهى عنه لأدى إلى أن ينقلب الحسن قبيحا وهو محال، فنقول: إن الإحالة إنما تكون إذا اجتمع الأمر والنهي في فعل واحد من مأمور واحد في زمن واحد، وفرض المسألة غير ذلك فإن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، كشرب الدواء فإنه قد يكون نافعا في وقت دون وقت، فيختلف حسن الشيء وقبحه باختلاف الأوقات، وباختلاف الأشخاص أيضا، فالشرع للأديان كالطب للأبدان (١).
٢ - ويثيرون شبهة أخرى فيقولون لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما بحكم للزم على ذلك أحد باطلين: جهله جل وعلا، وتحصيل الحاصل.
وبيان ذلك أن الله تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد، وإما يكون قد علمه على أنه مؤقت. فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد ثم نسخه وصيره غير مستمر انقلب علمه جهلا والجهل عليه تعالى محال، وإن كان علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت، ورد عليه أن المؤقت ينتهي بمجرد انتهاء وقته فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل وهو باطل، وتدفع هذه الشبهة بأن الله تعالى قد سبق في علمه أن الحكم
стр. 12722
المنسوخ مؤقت لا مؤبد، ولكنه علم بجانب ذلك أن توقيته إنما هو بورود الناسخ، لا بشيء آخر كالتقييد بغاية في دليل الحكم الأول، وإذن فعلمه بانتهائه بالناسخ لا يمنع النسخ بل يوجبه. وورود الناسخ محقق لما في علمه لا مخالف له شأنه تعالى في الأسباب ومسبباتها، وقد تعلق علمه بها كلها مع ملاحظة أن النسخ بيان بالنسبة إلى الله تعالى ورفع بالنسبة إلينا (١).
٣ - والشبهة الثالثة التي يثيرونها هي قولهم لو جاز النسخ للزم أحد باطلين وما هو في معناه.
وبيان ذلك أن الحكم المنسوخ إما أن يكون دليله قد غياه بغاية ينتهي عندها أو يكون قد أبد نصا، فإن كان قد غياه بغاية، فإنه ينتهي بمجرد وجود هذه الغاية، وإذن لا سبيل إلى إنهائه بالنسخ وإلا لزم تحصيل الحاصل. وإن كان دليل الحكم الأول قد نص على تأبيده، ثم جاء الناسخ على رغم هذا التأبيد لزم المحال من وجوه ثلاثة:
أ- التناقض؛ لأن التأبيد يقتضي بقاء الحكم ولا ريب أن النسخ ينافيه.
ب- تعذر إفادة التأبيد من الله للناس؛ لأن كل نص يمكن أن يفيده تبطل إفادته باحتمال نسخه، وذلك يفضي إلى القول بعجز الله وعيه عن بيان التأبيد لعباده فيما أبده لهم تعالى الله عن ذلك.
ج- استلزام ذلك لجواز نسخ الشريعة الإسلامية مع أنها باقية إلى يوم القيامة عند القائلين بالنسخ ويمكن دفع هذه الشبهة بما يلي:
أولا: بأن حصر الحكم المنسوخ في هذين الوجهين اللذين ذكرهما المانع غير صحيح؛ لأن الحكم المنسوخ يجوز ألا يكون مؤقتا ولا مؤبدا، بل يجيء مطلقا عن التوقيت والتأبيد كليهما، وعليه فلا يستلزم طروء النسخ عليه شيئا من المحالات التي ذكروها، وإطلاق هذا الحكم كاف في صحة نسخه؛ لأنه يدل على الاستمرار بحسب الظاهر وإن لم يعرض له النص.
стр. 12723
ثانيا: إن ما ذكروه من امتناع نسخ الحكم المؤبد غير صحيح أيضا وما استندوا إليه منقوض لوجوه ثلاثة:
الأول منها: إن استدلالهم بأنه يؤدي إلى التناقض مدفوع بأن الخطابات الشرعية مقيدة من أول الأمر بألا يرد ناسخ، كما أنها مقيدة بأهلية المكلف للتكليف، وألا يطرأ عليه جنون أو غفلة أو موت، وإذن فمجيء الناسخ لا يفضي إلى تناقض بينه وبين المنسوخ بحال.
والثاني: إن استدلالهم بأنه يؤدي إلى أن يتعذر على الله بيان التأبيد لعباده مدفوع بأن التأبيد يفهمه الناس بسهولة من مجرد خطابات الله الشرعية المشتملة على التأبيد، وهو ما يشعر به كل واحد منا؛ ذلك لأن الأصل بقاء الحكم الأول وما اتصل به من توقيت أو تأبيد، وطرد الناسخ احتمال مرجوح، واستصحاب الأصل أمر يميل إليه الطبع كما يؤيده العقل والشرع.
والثالث: إن جواز نسخ الشريعة الإسلامية إن لزمنا معاشر القائلين بالنسخ، فإنه يلزمنا على اعتبار أنه احتمال عقلي لا شرعي بدليل أننا نتكلم في الجواز العقلي لا الشرعي. أما نسخ الشريعة الإسلامية بغيرها من الشرائع فهو من المحالات الظاهرة بتضافر الأدلة على أن الإسلام دين خالد عام، ولا يضير المحال في حكم الشرع أن يكون من قبيل الجائز في حكم العقل (١).
٤ - وشبهتهم الرابعة هي قولهم:
إن النسخ يستلزم اجتماع الضدين واجتماعهما محال، وبيان ذلك أن الأمر بالشيء يقتضي أنه حسن وطاعة ومحبوب لله، والنهي عنه يقتضي أنه قبيح ومعصية ومكروه له تعالى فلو أمر الله بالشيء ثم نهى عنه، أو نهى عن الشيء ثم أمر به لاجتمعت هذه الصفات المتضادة في الفعل الواحد الذي تعلق به الأمر والنهي.
وندفع هذه الشبهة بأن الحسن والقبح وما اتصل بهما ليست من صفات الفعل الذاتية حتى تكون ثابتة فيها لا تتغير بل هي تابعة لتعلق أمر الله
стр. 12724
ونهيه بالفعل وعلى هذا يكون الفعل حسنا وطاعة ومحبوبا لله ما دام مأمورا به من الله، ثم يكون هذا الفعل نفسه قبيحا ومعصية ومكروها له تعالى ما دام منهيا عنه منه سبحانه، وحتى القائلون بالحسن والقبح العقليين من المعتزلة يقرون بأنهما يختلفان باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال، وبهذا التوجيه ينتفي اجتماع الضدين لاختلاف الوقت الذي يكون فيه الفعل حسنا عن الوقت الذي يكون فيه الفعل نفسه قبيحا، فلم يجتمع الحسن والقبح في وقت واحد على فعل واحد (١).
وقريب من هذا ما نقلناه فيما تقدم من كلام الشيخ محمد حمزة في كتابه (دراسات في الإحكام والنسخ) من جوابه المحكم على فرية اليهود وشبهة المستشبهين وما انتهى إليه من أن قول المنكرين: إن ما طلبه الله لحسنه، فلو نهى عنه لأدى ذلك إلى أن ينقلب الحسن قبحا، وهو محال مردود - بأن الإحالة إنما تكون إذا اجتمع الأمر والنهي في فعل واحد من مأمور واحد في زمن واحد، وفرض المسألة غير ذلك، فإن المصالح تختلف باختلاف الأوقات. . . إلخ (٢).
стр. 12725
شبهات المنكرين للنسخ سمعا (١)
١ - شبهة العنانية والشمعونية:
وتتمثل شبهتهم في قولهم: إن التوراة التي أنزلها الله على موسى لم تزل محفوظة لدينا منقولة بالتواتر فيما بيننا وقد جاء فيها (هذه شريعة مؤبدة ما دامت السماوات والأرض) وجاء فيها أيضا (الزموا يوم السبت أبدا) وذلك يفيد امتناع النسخ؛ لأن النسخ لشيء من أحكام التوراة - لا سيما تعظيم يوم السبت - إبطال لما هو من عنده تعالى وتدفع هذه الشبهة بوجوه خمسة:
أولها: إن شبهتهم هذه أقصر من مدعاهم قصورا بينا؛ لأن قصارى ما تقتضيه - إن سلمت - هو امتناع نسخ شريعة موسى ﵇ لشريعة أخرى. أما تناسخ شرائع سواها فلا تدل هذه الشبهة على امتناعه، بل يبعد أن ينكر اليهود انتساخ شرائع الإسرائيليين قبل اليهودية بشريعة موسى. فكان المنظور أن تجيء دعواهم أقصر مما هو محكي عنهم بحيث تتكافأ ودليلهم الذي زعموه، أو أن يجيء دليلهم الذي زعموه أعم من هذا حتى يتكافأ ودعواهم التي ادعوها.
ثانيها: إنا لا نسلم لهم ما زعموه من أن التوراة لم تزل محفوظة في أيديهم حتى يصح استدلالهم بها بل الأدلة متضافرة على أن التوراة الصحيحة لم يعد لها وجود، وأنه أصابها من التغيير والتبديل والتحريف ما جعلها في خبر كان.
стр. 12726
من تلك الأدلة أن نسخة التوراة التي بأيدي السامريين تزيد في عمر الدنيا نحوا من ألف سنة على ما جاء في نسخة العنانيين، وأن نسخة النصارى تزيد ألفا وثلاثمائة سنة. ومنها أن نسخ التوراة التي بأيديهم تحكي عن الله وعن أنبيائه وملائكته أمورا ينكرها العقل ويمجها الطبع ويتأذى بها السمع مما يستحيل معه كونها صادرة عن مؤمن، فضلا عن ولي، فضلا عن نبي، فضلا عن نسبتها إلى الله رب العالمين. من مثل ندم الله على إرسال الطوفان إلى العالم، وأنه بكى حتى رمدت عيناه، وأن يعقوب صارعه فصرعه، تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا. وأن لوطا سكر فثمل فزنى بابنتيه، وأن هارون هو الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل ودعاهم لعبادته من دون الله.
ومن الأدلة أيضا على فساد دعوى بقاء التوراة وحفظها ما ثبت بالتواتر عند المؤرخين، بل عند اليهود أنفسهم من أن بني إسرائيل - وهم حملة التوراة وحفاظها - قد ارتدوا عن الدين مرات كثيرة، وعبدوا الأصنام، وقتلوا أنبياءهم شر تقتيل، ولا ريب أن هذه مطاعن شنيعة جارحة لا تبقي لأي منهم أي نصيب من عدالة أو ثقة، ولا تحمل لهذه النسخ التي زعموا أنها التوراة أقل شيء من القيمة أو الصحة.
ثالثها: إن التواتر الذي خلعوه على التوراة لا يسلم لهم أيضا؛ لأنها لو كانت متواترة لحاجوا بها أفضل الرسل ﷺ ، ولعارضوا دعواه عموم رسالته بقول التوراة التي يؤمن بها ولا يجحدها، بل يجهر بأنه جاء مصدقا لها، ولكن ذلك لم يكن ولو كان لنقل واشتهر، بل إن الذي نقل واشتهر هو إسلام كثير من أحبار اليهود وعلمائهم، كعبد الله بن سلام وغيره واعترافهم بأن محمدا ﷺ هو الرسول الذي بشرت به التوراة والإنجيل.
رابعها: إن لفظ التأبيد الذي اعتمدوا عليه فيما نقلوه لا يصح حجة لهم؛ لأنه يستعمل كثيرا عند اليهود معدولا به عن حقيقته، من ذلك ما جاء في البقرة التي أمروا بذبحها: (هذه سنة لكم أبدا) وما جاء في القربان: (قربوا
стр. 12727
كل يوم خروفين قربانا دائما) مع أن هذين الحكمين منسوخان باعتراف اليهود أنفسهم رغم التصريح فيهما بما يفيد التأبيد.
خامسها: إن نسخ الحكم المؤبد لفظا جائز على الصحيح، فلتكن هاتان العبارتان اللتان اعتمدوا عليهما منسوختين أيضا، وشبهة التناقض تندفع بأن التأبيد مشروط بعدم ورود ناسخ، فإذا ورد الناسخ انتفى ذلك التأبيد.
стр. 12728
٢ - شبهة النصارى:
يقولون إن المسيح ﵇ قال: (السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول) وهذا يدل على امتناع النسخ سمعا وندفع هذه الشبهة أولا: بأنا لا نسلم أن الكتاب الذي بأيديهم هو الإنجيل الذي أنزل على عيسى، وإنما هو قصة تاريخية وضعها بعض المسيحيين يبين فيها حياة المسيح وولادته ونشأته ودعوته. . . إلخ. ورغم أنها قصة فقد عجزوا عن إقامة الدليل على صحتها وعدالة كاتبها وأمانته وضبطه، كما أعياهم اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة. بل ثبت علميا تناقض نسخ هذه القصة التي أسموها الإنجيل، مما يدل على أنها ليست من عند الله، وصدق الله في قوله في القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١)
ثانيا: إن سياق هذه الكلمة في إنجيلهم يدل على أن مراده بها تأييد تنبؤاته، وتأكيد أنها ستقع لا محالة، أما النسخ فلا صلة لها به نفيا ولا إثباتا.
ثالثا: إن هذه الجملة على التسليم بصحتها وصحة رواتها وكتابها الذي جاءت فيه لا تدل على امتناع النسخ مطلقا، وإنما تدل على امتناع نسخ شيء من شريعة المسيح فقط فشبهتهم على ما فيه قاصرة قصورا بينا عن مدعاهم.
стр. 12729
٣ - شبهة العيسوية:
يقول هؤلاء اليهود أتباع أبي عيسى الأصفهاني: لا سبيل إلى إنكار نبوة محمد ﷺ ؛ لأن الله تعالى قد أيده بالمعجزات الكثيرة القاهرة
стр. 12730
ولأن التوراة قد بشرت بمجيئه ولا سبيل أيضا إلى القول بعموم رسالته؛ لأن ذلك يؤدي إلى انتساخ شريعة إسرائيل بشريعته. وشريعة إسرائيل مؤبدة بدليل ما جاء في التوراة من مثل. " هذه شريعة مؤبدة عليكم ما دامت السماوات والأرض " وإنما هو رسول إلى العرب خاصة. وعلى هذا فالخلاف بينهم وبين من سبقهم أن دعواهم مقصورة على منع انتساخ شريعة موسى بشريعة محمد ﷺ وشبهتهم التي ساقوها متكافئة مع دعواهم هذه، ويفهم من اقتصارهم على هذا أنهم يجوزون تناسخ الشرائع سمعا فيما عدا هذه الصورة. وندفع شبهتهم هذه بأمرين:
أولهما: إن دليلهم الذي زعموه هو دليل العنانية والشمعونية من قبلهم وقد أشبعناه تزييفا وتوهينا بالوجوه التي أسلفناها آنفا فالدفع هنا هو عين الدفع هناك فيما عدا الوجه الأول.
ثانيهما: إن اعترافهم بأن محمدا ﷺ رسول أيده الله بالمعجزات وجاءت البشارة به في التوراة يقضي عليهم لا محالة أن يصدقوه في كل ما جاء به، ومن ذلك أن رسالته عامة وأنها ناسخة للشرائع قبله حتى شريعة موسى نفسه الذي قال فيه ﷺ «لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي (١)» أما أن يؤمنوا برسالته ثم لا يصدقوه في عموم دعوته، فذلك تناقض منهم لأنفسهم ومكابرة للحجة الظاهرة لهم.
стр. 12731
٤ - شبهة أبي مسلم:
النقل عن أبي مسلم مضطرب: فمن قائل: إنه يمنع وقوع النسخ سمعا على الإطلاق، ومن قائل: إنه ينكر وقوعه في شريعة واحدة، ومن قائل: إنه ينكر وقوعه في القرآن خاصة، ورجحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن، وأبعد الروايات عن الرجل هي الرواية الأولى؛ لأنه لا يعقل أن مسلما فضلا عن عالم كأبي مسلم ينكر وقوع النسخ جملة، إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط، فإنها تهون حينئذ على معنى أن ما نسميه نحن نسخا يسميه
стр. 12732
هو تخصيصا بالزمان مثلا، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين. قال التاج السبكي: (إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذي نسميه نحن نسخا، ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه، ويسميه تخصيصا) اهـ.
وقد احتج أبو مسلم بقوله سبحانه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) وشبهته في الاستدلال أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا، والنسخ فيه إبطال لحكم سابق. وندفع مذهب أبي مسلم وشبهته بأمور أربعة. . .
أولها: أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته، لكان دليله قاصرا عن مدعاه؛ لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ، وهو نسخ الحكم دون التلاوة، فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن، أما نسخ التلاوة مع الحكم، أو مع بقائه، فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل.
ثانيها: إن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق، والنسخ حق، ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره مطابقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (٣) وتفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه؛ لأن النسخ كما تقرر تصرف إلهي حكيم تقتضيه الحكمة وترتبط به المصلحة.
стр. 12733
ثالثها: إن أبا مسلم على فرض أن خلافه مع الجمهور لفظي لا يعدو حدود التسمية نأخذ عليه أنه أساء مع الله في تحمسه لرأي قائم على تحاشي لفظ اختاره جلت حكمته، ودفع عن معناه بمثل قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) وهل بعد اختيار الله اختيار؟ وهل بعد تعبير الله تعبير؟.
رابعا: إن هناك فروقا بين النسخ والتخصيص وقد فصلناها فيما سبق.
стр. 12734
الفصل الخامس
تفسير تحليلي للآيات الدالة على النسخ في القرآن الكريم .
يستدل المجيزون للنسخ عقلا القائلون بوقوعه سمعا ببعض الآيات التي وردت فيها الإشارة إلى ذلك إما صراحة أو ضمنا.
فمما أشار إلى النسخ صراحة قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (١) (البقرة: ١٠٦) وما أشار إليه ضمنا قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) (المائدة: ٤٨). وقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٣) (الرعد: ٣٩)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٤) (النحل: ١٠١) فهذه أربع آيات دلت إحداها دلالة صريحة على النسخ بمعنى أنها اشتملت على لفظه ودلت الثلاث الباقية عليه دلالة ضمنية.
وسنستعرض -تتميما للفائدة- ما قاله في تفسيرها بعض المفسرين لزيادة إيضاح المقصود من الاستدلال بها على جواز وقوع النسخ فنبدأ بالآية الأولى وهي آية البقرة (١٠٦) حيث يقول تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥) فنبين أنهم اختلفوا في قراءتها في موضعين:
стр. 12735
أحدهما: في قوله ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (١) فإنهم اختلفوا فيه على وجهين فقرأ عبد الله بن عامر الشامي وحده (ما ننسخ) بضم النون وكسر السين. وقرأ الباقون ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (٢) بفتح النون والسين.
والموضع الثاني: قوله تعالى ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٣) وقد اختلفوا في قراءته على خمسة أوجه بعضها معروف وبعضها شاذ. فقرأ عمر بن الخطاب ﵁ (أو ننساها). بألف وكذلك قرأ النخعي ومجاهد وعبيد بن عمير وعبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء وقرأها علي ﵁ ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٤) بنون مضمون من غير ألف ومن غير همزة وبه قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب الحضرمي وهي أيضا قراءة الحسن وسعيد بن المسيب وقتادة.
وقرأ سعد بن أبي وقاص ﵁ (تنساها) بالتاء لقوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٦)، وكذلك رواه شبابة عن أبي عمرو بن العلاء البصري وقرأها أبي بن كعب ﵁ (أو ننسك) وحده. وقرأها عطاء بن أبي رباح (أو ننسئها) بياء مهموزة مكان الألف واختلاف هذه القراءة كلها معروفها وشاذها إن صحت الروايات فيها لاختلاف الغرض فتكون هذه الآية نازلة على هذه الوجوه كلها ويكون حكم ما اختلف لفظه واتفق معناه منها كقوله تعالى ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ (٧) و" انبجست " وما اختلف لفظه ومعناه منها كقوله تعالى ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٨) بالضاد واتفق معناه: البخيل. و (بظنين) بالظاء ومعناه المتهم (٩) ومعنى هذه الآية على قراءة الجماعة أن الله جل ذكره يخبر عن نفسه يقول ما نرفع من حكم آية ونبق تلاوتها أو ننسكها يا محمد لا تحفظ تلاوتها نأت بخير منها لكم أي نأت بآية أخرى هي أصلح لكم وأسهل في التعبد أو نأت بمثلها
стр. 12736
في العمل وأعظم في الأجر فهذا قول صحيح معروف وقد قيل: إن معناها: ما نرفع من حكم آية وتلاوتها نأت بخير منها أي أصلح لكم منها: وقال ابن زيد: إنساؤها محوها وتركها (١).
فأما قراءة من قرأ (أو ننساها) بالألف والنون فمعناه نؤخرها ويقال نسأت إذا أخرت ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢) وإنما أراد به تأخيرهم الوقوف بعرفة عن ذي الحجة في كل عام بعشرة أيام ليقع حجهم أبدا في الربيع ويقال: أنسأت الشيء أنسأ، والنسيء اسم وضع موضع المصدر، ونسأ الله في أجله، وأنسأ الله أجله، أي أخره، وفي الحديث «من أحب أن ينسأ الله في أجله فليصل رحمه (٣)» والنسأ التأخير وفي حديث عمر (ارموا فإن الرمي عدة، فإذا رميتم فانتسئوا عن البيوت) أي تأخروا عن البيوت. والمنسأة العصا لأنه يوخز بها الدابة يقال: نسأت الدابة إذا ضربتها بالمنسأة. قلت: ومنه قوله تعالى في عصا سليمان ﵇ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ (٤) ونسأت اللبن إذا جعلت فيه الماء ليكثر وهو النسوء وامرأة نسوء إذا كان مظنونا بها الحمل ونسوة نساء وإنما قيل لها نسوء؛ لأن الحمل زيادة فيها وإنما قيل نسأت اللبن؛ لأن الماء زيادة فيه.
والتأخير زيادة في أجل الشيء ومدته فقوله (ننسأها) معناها نؤخرها كما بينا ومن قرأ ﴿نُنْسِهَا﴾ (٥) بضم النون وكسر السين فمعناه ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابن عباس ﵄ (كان القرآن ينزل فيثبت الله منه ما يشاء وينسخ منه ما يشاء وعنده أم الكتاب).
ومن قرأ (أو تنساها) بالتاء أو قرأ (أو ننسك) أراد به نسيان النبي ﷺ ، فإن النسيان جائز عليه في صفته وغير جائز في صفة الله تعالى، ومن قرأها بياء مهموزة بدل الألف أراد به التأخير أيضا لأنه قرأها بالإمالة (٦).
стр. 12737
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (١) ما نبدل من آية. وقال ابن جريج عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٢) أي ما نمحو من آية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٣) قال: نثبت خطها ونبدل حكمها. حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵃. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية محمد بن كعب القرظي نحو ذلك. وقال الضحاك ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٤) ما ننسك. وقال عطاء أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (٥) فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم يعني ترك فلم ينزل على محمد ﷺ وقال السدي ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٦) نسخها قبضها وقال ابن أبي حاتم: يعني قبضها رفعها مثل قوله (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) وقوله «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا (٧)» وقال ابن جرير ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٨) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها وكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارة إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عبارتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولحظ بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل وعكسه والنسخ لا إلى بدله ولم يشأ ﵀ أن يتوسع في تفصيل ذلك فقال وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوطة في أصول الفقه. ثم قال: وقوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٩) يقول ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها وقال عطية العوفي: أو ننسأها نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا الربيع بن أنس وقال الضحاك: (ما ننسخ من آية أو ننسأها) يعني الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية: (ما ننسخ من آية أو ننسأها) نؤخرها
стр. 12738
عندنا. وروى ابن جرير عن الحسن أنه قال في قوله ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١) إن نبيكم ﷺ قرأ قرآنا ثم نسيه وعن قتادة أيضا أنه قال: كان الله ينسي نبيه ﷺ ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقوله تعالى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) أي في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (٣) يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وقال أبو العالية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٤) فلا نعمل بها (أو ننساها) أي نرجئها عندنا نأت بها أو نظيرها. وقال السدي ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٥) يقول: نأت بخير من الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه. وقال قتادة ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٦) يقول آية فيها رخصة فيها أمر فيها نهي (٧) اهـ.
وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره (زاد المسير): قوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٨) سبب نزولها أن اليهود قالت لما نسخت القبلة: إن محمدا يحل لأصحابه إذا شاء ويحرم عليهم إذا شاء فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: النسخ في اللغة إبطال شيء وإقامة آخر مقامه تقول العرب: نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وفي المراد بهذا النسخ ثلاثة أقوال: أحدها: رفع اللفظ والثاني: تبديل الآية بغيرها رويا عن ابن عباس، والأول قول السدي والثاني قول مقاتل، والثالث: رفع الحكم مع بقاء اللفظ رواه مجاهد عن أصحاب ابن مسعود وقال أبو العالية: وقرأ ابن عامر (ما ننسخ) بضم النون وكسر السين. قال أبو علي: أي ما نجده منسوخا كقولك: أحمدت فلانا أي وجدته محمودا وإنما يجده منسوخا بنسخه إياه. قوله تعالى ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٩) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بفتح النون مع الهمزة والمعنى نؤخرها. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض فأنا أنسأها إذا أخرتها، ومنه النسيئة في البيع وفي معنى نؤخرها ثلاثة أقوال: أحدها: نؤخرها عن
стр. 12739
النسخ فلا ننسخها قاله الفراء. والثاني: نؤخر إنزالها فلا ننزلها ألبتة. والثالث: نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها حكاهما أبو علي الفارسي. وقرأ سعد بن أبي وقاص (تنسها) بتاء مفتوحة ونون وقرأ سعيد بن المسيب والضحاك (تنسها) بضم التاء وقرأ نافع (أو ننسها) بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة أراد (أو ننسكها) من النسيان. قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (١) قال ابن عباس بألين منها وأيسر على الناس. قوله تعالى ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) أي في الثواب والمنفعة فتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار. اهـ (٣) وجاء في تفسير العلامة أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) في تفسير هذه الآية قوله ﵀: ما ننسخ من آية أو ننسها. كلام مستأنف مسوق لبيان سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاغين فيه إثر تحقيق حقيقة الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا، قيل: نزلت حين قال المشركون أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. والنسخ في اللغة الإزالة والنقل يقال: نسخت الريح الأثر أي أزالته، ونسخت الكتاب أي نقلته، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما جميعا.
وإنساؤها إذهابها من القلوب و (ما) شرطية جازمة (لننسخ) منتصبة به على المفعولية، وقرئ (ننسخ من انسخ) أي: نأمرك أو جبريل بنسخها أو تجدها منسوخة، وننسأها من النسيء أي نؤخرها، وننسها بالتشديد وتنسها وتنسها على خطاب الرسول ﷺ مبنيا للفاعل وللمفعول، وقرئ (ما ننسخ من آية أو ننسكها) وقرئ (ما ننسك من آية أو ننسخها) والمعنى: عن كل آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى بدل أو إلى غير بدل.
стр. 12740
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (١) أي نوع آخر هو خير للعباد، وبحسب الحال في النفع والثواب من الذاهبة، وقرئ بقلب الهمزة ألفا ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) أي فيما ذكر من النفع والثواب وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار فيما دونها أيضا، وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب. والنص كما ترى دال على جواز النسخ، كيف لا وتنزيل الآيات التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية إنما هو بحسب ما يقتضيه من الحكم والمصالح، وذلك يختلف باختلاف الأحوال ويتبدل حسب تبدل الأشخاص والأبصار كأحوال المعاش فرب حكم تقتضيه الحكمة في حال تقتضي في حال أخرى نقيضه، فلو لم يجز النسخ لاختل ما بين الحكمة والأحكام من النظام. اهـ (٣) وقال العلامة الشوكاني في تفسيره (فتح القدير) في معرض تفسيره لهذه الآية بعد أن عدد وجوه القراءات في ﴿نُنْسِهَا﴾ (٤) وقرأ الباقون ﴿نُنْسِهَا﴾ (٥) بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها ومنه قوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٦) أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وحكى الأزهري أن معناه نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء أي أمرته بتركه ونسيته تركته ومنه قول الشاعر:
إن علي عقبة أقضيها ... لست بناسيها ولا منسيها
أي ولا آمر بتركها. وقال الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك. لا يقال أنسي بمعنى ترك، قال: وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٧) قال: نتركها لا نبدلها فلا يصح. والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٨) نبح لكم تركها، من نسي إذا ترك ثم تعديه، ومعنى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٩) نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل أو في أحدهما أو بما هو مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ، فقد يكون الناسخ أخف فيكون
стр. 12741
أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر فيكون أنفع لهم في الآجل، وقد يستويان فتحصل المماثلة. وقوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) يفيد أن النسخ من مقدوراته وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية. وهكذا قوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) أي له التصرف في السماوات والأرض بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص، وهذا صنع من لا ولي لهم غيره ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال والتعظيم والإجلال. ثم قال ﵀ في آخر تفسيره لهذه الآية: وقد ثبت في البخاري وغيره عن أنس: «أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا (٣)» ثم نسخ. وهكذا ثبت في مسلم وغيره، عن أبي موسى قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت منها (ولو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوفه إلا التراب) وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات أولها (سبح لله ما في السماوات) فأنسيناها غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألوا عنها يوم القيامة) وقد روي مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر (٤) اهـ.
стр. 12742
وقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسيره الموسوم (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) عند تفسيره لهذه الآية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢) النسخ هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم
стр. 12743
مشروع إلى حكم آخر أو إلى إسقاطه وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض، فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ فقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١) أي ننسها العباد فنزيلها من قلوبهم، نأت بخير منها وأنفع لكم ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة التي سهل عليها دينها غاية التسهيل، وأخبر أن من قدح في النسخ قدح في ملكه وقدرته، فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) فإذا كان مالكا لكم متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه، فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير، كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام، فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية فما له والاعتراض، وهو أيضا ولي عباده فيتولاهم في تحصيل منافعهم وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم. ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه (٥) اهـ.
٢ - والآية الثانية التي سنذكر ما قاله بعض المفسرين في تفسيرها مما استدلوا به على جواز وقوع النسخ هي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٦) الآية.
وشاهدنا منها قوله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧) قال ابن
стр. 12744
الجوزي ﵀ في تفسيره عند كلامه على هذه الآية وللمفسرين في معنى الكلام قولان: أحدهما: لكل ملة جعلنا شرعة ومنهاجا فلأهل التوراة شريعة ولأهل الإنجيل شريعة ولأهل القرآن شريعة. هذا قول الأكثرين. قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث أمة موسى وعيسى وأمة محمد فللتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللفرقان شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل. والقول الثاني: إن المعنى لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا. هذا قول مجاهد (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) وقال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: سبيلا وعنه أيضا " منهاجا " قال سنة. وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣) سبيلا وسنة وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي أنهم قالوا في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤) أي سبيلا وسنة. إلى أن قال ﵀ بعد أن نقل قولا حكاه ابن جرير عن مجاهد: إن المخاطب بهذه الآية هذه الأمة، ومعناه لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجا أي هو لكم كلكم تقتدون به. . . إلخ. قال: (والصحيح القول الأول) ويعني به ما قاله قبل ذلك من أن هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٥) فلو كان هذا الخطاب لهذه الأمة لما صح أن يقول ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٦) وهم أمة واحدة ولكن هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع
стр. 12745
لكل رسول شريعة على حدة ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم (١) اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في تفسير هذه الآية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) الشرعة والشريعة في الأصل: الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى الماء ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين. والمنهاج: الطريقة الواضحة البينة. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد. الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها والإنجيل لأهله والقرآن لأهله وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد ﷺ (٣) اهـ.
وقال العلامة ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ (٤) أيها الأمم ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥) أي سبيلا وسنة وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان فإنها لا تختلف فتشرع في جميع الشرائع (٦) اهـ.
وقال صاحب تفسير المنار محمد رشيد رضا ﵀ في تفسيره عند كلامه على هذه الآية ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧) فهذه الجملة بيان لتعليل الأمر والنهي قبلها أي لكل رسول أو كل أمة منكم أيها المسلمون والكتابيون أو أيها الناس جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها وطريقا للهداية فرضنا عليهم سلوكه لتزكية أنفسهم وإصلاحها؛ لأن الشرائع العملية وطرق التزكية الأدبية تختلف باختلاف أحوال الاجتماع واستعداد البشر،