أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر فيكون أنفع لهم في الآجل، وقد يستويان فتحصل المماثلة. وقوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) يفيد أن النسخ من مقدوراته وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية. وهكذا قوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) أي له التصرف في السماوات والأرض بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص، وهذا صنع من لا ولي لهم غيره ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال والتعظيم والإجلال. ثم قال ﵀ في آخر تفسيره لهذه الآية: وقد ثبت في البخاري وغيره عن أنس: «أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا (٣)» ثم نسخ. وهكذا ثبت في مسلم وغيره، عن أبي موسى قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت منها (ولو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوفه إلا التراب) وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات أولها (سبح لله ما في السماوات) فأنسيناها غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألوا عنها يوم القيامة) وقد روي مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر (٤) اهـ.
стр. 12742
وقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسيره الموسوم (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) عند تفسيره لهذه الآية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢) النسخ هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم
стр. 12743
مشروع إلى حكم آخر أو إلى إسقاطه وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض، فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ فقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١) أي ننسها العباد فنزيلها من قلوبهم، نأت بخير منها وأنفع لكم ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة التي سهل عليها دينها غاية التسهيل، وأخبر أن من قدح في النسخ قدح في ملكه وقدرته، فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) فإذا كان مالكا لكم متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه، فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير، كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام، فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية فما له والاعتراض، وهو أيضا ولي عباده فيتولاهم في تحصيل منافعهم وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم. ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه (٥) اهـ.
٢ - والآية الثانية التي سنذكر ما قاله بعض المفسرين في تفسيرها مما استدلوا به على جواز وقوع النسخ هي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٦) الآية.
وشاهدنا منها قوله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧) قال ابن
стр. 12744
الجوزي ﵀ في تفسيره عند كلامه على هذه الآية وللمفسرين في معنى الكلام قولان: أحدهما: لكل ملة جعلنا شرعة ومنهاجا فلأهل التوراة شريعة ولأهل الإنجيل شريعة ولأهل القرآن شريعة. هذا قول الأكثرين. قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث أمة موسى وعيسى وأمة محمد فللتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللفرقان شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل. والقول الثاني: إن المعنى لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا. هذا قول مجاهد (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) وقال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: سبيلا وعنه أيضا " منهاجا " قال سنة. وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣) سبيلا وسنة وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي أنهم قالوا في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤) أي سبيلا وسنة. إلى أن قال ﵀ بعد أن نقل قولا حكاه ابن جرير عن مجاهد: إن المخاطب بهذه الآية هذه الأمة، ومعناه لكل جعلنا القرآن منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجا أي هو لكم كلكم تقتدون به. . . إلخ. قال: (والصحيح القول الأول) ويعني به ما قاله قبل ذلك من أن هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٥) فلو كان هذا الخطاب لهذه الأمة لما صح أن يقول ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٦) وهم أمة واحدة ولكن هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع
стр. 12745
لكل رسول شريعة على حدة ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم (١) اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في تفسير هذه الآية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) الشرعة والشريعة في الأصل: الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى الماء ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين. والمنهاج: الطريقة الواضحة البينة. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد. الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها والإنجيل لأهله والقرآن لأهله وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد ﷺ (٣) اهـ.
وقال العلامة ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ (٤) أيها الأمم ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥) أي سبيلا وسنة وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال وكلها ترجع إلى العدل في وقت شرعتها وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان فإنها لا تختلف فتشرع في جميع الشرائع (٦) اهـ.
وقال صاحب تفسير المنار محمد رشيد رضا ﵀ في تفسيره عند كلامه على هذه الآية ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧) فهذه الجملة بيان لتعليل الأمر والنهي قبلها أي لكل رسول أو كل أمة منكم أيها المسلمون والكتابيون أو أيها الناس جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها وطريقا للهداية فرضنا عليهم سلوكه لتزكية أنفسهم وإصلاحها؛ لأن الشرائع العملية وطرق التزكية الأدبية تختلف باختلاف أحوال الاجتماع واستعداد البشر،
стр. 12746
وإنما اتفق جميع الرسل في أصل الدين وهو توحيد الله وإسلام الوجه له بالإخلاص والإحسان. ثم استعرض معاني الشرعة والمنهاج في اللغة واستعرض ما أخرجه غير واحد من رواة التفسير المأثور في تفسير الآية إلى أن قال ﵀: وظاهر من قول قتادة أن الشريعة أخص من الدين إن لم تكن مباينة له وأنها الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل وينسخ لاحقها سابقها وأن الدين هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء (١) اهـ.
٣ - الآية الثالثة التي نريد استعراض أقوال بعض المفسرين في تفسيرها مما استدلوا به على جواز وقوع النسخ هي قوله تعالى في سورة الرعد آية ٣٩ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢) فقد قال أبو الفرج بن الجوزي عند تفسيره لهذه الآية: قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويثبت ساكنة الثاء خفيفة الباء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي (ويثبت) مشددة الباء مفتوحة الثاء قال أبو علي: المعنى ويثبته فاستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني.
واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال، ثم مضى ﵀ يعدد تلك الأقوال الثمانية وكلها لا صلة لها بمبحثنا إلا الثاني منها فهو المتعلق بموضوعنا حيث قال: والثاني أنه الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والقرظي وابن زيد وقال ابن قتيبة يمحو الله ما يشاء أي ينسخ من القرآن ما يشاء ويثبت أي يدعه ثابتا لا ينسخه وهو المحكم (٤) اهـ.
وقال الحافظ أبو الفداء بن كثير في تفسيره عند كلامه على هذه الآية
стр. 12747
يمحو الله ما يشاء منها، أي من الكتب المنزلة من السماء من عند الله حيث نقل في تفسيره للآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ (١) قول الضحاك بن مزاحم: أي لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله ومقدار معين فلهذا يمحو الله ما يشاء منها ويثبت يعني حتى نسخت بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ثم أورد ﵀ اختلافات المفسرين في تفسير الآية التي نحن بصددها إلى أن قال: ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء. ثم مضى بعد ذلك إلى أن قال: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يمحو الله ما يشاء ويثبت يقول يبدل ما يشاء فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢) وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب.
وقال قتادة في قوله يمحو الله ما يشاء ويثبت كقوله ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٣)(٤) الآية اهـ.
وقال أبو السعود في تفسيره لهذه الآية يمحو الله ما يشاء أي ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت ويثبت بدله المصلحة أو يبقيه على حاله غير منسوخ (٥) اهـ.
وكذلك أورد الشوكاني في (فتح القدير) ما أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره الذي نقلناه آنفا عن ابن عباس للآية من أن المراد: يبدل ما يشاء فينسخه. . . إلخ. وقد قال في إسناده: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في المدخل عن ابن عباس ثم حكاه (٦) اهـ.
стр. 12748
٤ - والآية الرابعة والأخيرة من الآيات التي استدلوا بها على جواز النسخ هي قوله سبحانه ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) النحل (١٠١) والمعنى وإذا نسخنا آية بآية إما نسخ الحكم والتلاوة أو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (٢) من ناسخ ومنسوخ وتشديد وتخفيف فهو عليم بالمصلحة في ذلك ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٣) أي كاذب ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) فيه قولان: أحدهما: لا يعلمون أن الله أنزله. والثاني: لا يعلمون فائدة النسخ (٥) اهـ.
وقال الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتبت عليهم الشقاوة وذلك أنهم إذا رأوا تغير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٦) أي كذاب وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مجاهد: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٧) أي رفعناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة هو كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٨) الآية (٩) وقال العلامة أبو السعود بن محمد العمادي الحنفي في تفسيره عند هذه الآية ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (١٠) أي إذا أنزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (١١) أولا وآخرا وبأن كلا من ذلك ما نزلت حيثما نزلت إلا حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فإن كل وقت له مقتضى غير مقتضى الآخر فكم من مصلحة في وقت تنقلب في وقت آخر مفسدة وبالعكس لانقلاب الأمور الداعية إلى ذلك وما الشرائع إلا مصلحة للعباد في المعاش والمعاد تدور حسبما تدور المصالح. والجملة إما
стр. 12749
معترضة لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم. وفي الالتفات إلى الغيبة مع إسناد الخبر إلى الاسم الجليل المستجمع للصفات ما لا يخفى من تربية المهابة وتحقيق معنى الاعتراض أو حالية وقرئ بالتخفيف من الإنزال قالوا أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (١) أي متقول على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه وحكاية هذا القول عنهم هاهنا للإيذان بأن ذلك كفرة ناشئة من نزغات الشيطان وأنه وليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) أي لا يعلمون شيئا أصلا أو لا يعلمون أن في النسخ حكما بالغة وإسناد هذا الحكم إلى الأكثر لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكره عنادا (٣) اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في تناوله لتفسير هذه الآية ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٤) هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه. وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها وهي نسخها بآية سواها. وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة قالوا أي كفار قريش الجاهلون للحكمة في النسخ: إنما أنت يا محمد مفتر أي كاذب مختلق على الله متقول عليه بما لم يقل حيث تزعم أنه أمرك بشيء ثم تزعم أنه أمرك بخلافه فرد الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم فقال ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥) شيئا من العلم أصلا أو لا يعلمون الحكمة في النسخ فإنه مبني على المصالح التي يعلمها الله سبحانه، فقد يكون في شرع هذا الشيء مصلحة مؤقتة بوقت ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره. لو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق واللطف ثم بين سبحانه لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن رسوله ﷺ افتراه فقال ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ (٦) أي القرآن المدلول عليه بذكر الآية ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (٧) أي جبريل والقدس التطهير والمعنى: نزله الروح المطهر من أدناس البشرية فهو من إضافة
стр. 12750
الموصوف إلى الصفة من ربك أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه و ﴿بِالْحَقِّ﴾ (١) في محل نصب على الحال أي متلبسا بكونه حقا ثابتا لحكمة بالغة ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) على الإيمان فيقولون: كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا ولأنهم أيضا إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على الإيمان ورسخت عقائدهم (٣) اهـ.
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٤) الآية. يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن يتتبعون ما يرونه حجة لهم وهو أن الله تعالى هو الحاكم الحكيم الذي يشرع الأحكام ويبدل حكما مكان آخر لحكمته ورحمته فإذا رأوه كذلك قدحوا في الرسول وبما جاء به و ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٥) قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) منهم جهال لا علم لهم بربهم ولا بشرعه. إلى أن قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى بعد ذلك ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧) عند نزول آياته وتواردها عليهم وقتا بعد وقت فلا يزال الحق يصل إلى قلوبهم شيئا فشيئا حتى يكون إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي وأيضا فإنهم يعلمون أنه الحق وإذا شرع حكما من الأحكام ثم نسخه علموا أنه أبدله بما هو مثله أو خير منه لهم وأن نسخه هو المناسب للحكمة الربانية والمناسبة العقلية (٨)
стр. 12751
الفصل السادس
ما يقع فيه النسخ في القرآن
قال بدر الدين الزركشي في (البرهان): الجمهور على أنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي وزاد بعضهم الأخبار وأطلق وقيدها آخرون بالتي يراد بها الأمر والنهي (١).
وقال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي في (الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه) اعلم أنه جائز أن ينسخ الله جل ذكره جميع القرآن بأن يرفعه من صدور عباده ويرفع حكمه بغير عوض وقد جاءت في ذلك أخبار كثيرة عن النبي ﷺ دليله قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٢). وقد كان من ذلك بعضه على ما روي من سورة الأحزاب، وإنما يؤخذ ما كان من ذلك من طريق الأخبار والله أعلم بصحته ومنه ما رفع لفظه أن يتلى وبقي حفظه غير متلو على أنه قرآن وثبت حكمه بالإجماع كآية الرجم فالرواية المشهورة أنه كان فيما يتلى (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) فرفع رسم ذلك من المصحف المجمع عليه ولم تثبت تلاوته وبقي حكمه ولم ينس لفظه.
والذي هو عمدة هذا الباب هو ما يزيل الله جل ذكره حكمه ويبدله بغيره من حكم متلو ويبقى المنسوخ متلوا غير معمول به وقد ذكرنا مثاله، أو يزيل حكمه ولفظه بحكم آخر متلو، وهذا كله إنما يجوز في الأحكام والفرائض والأوامر والنواهي والحدود والعقوبات من أحكام الدنيا فهذا قول عامة العلماء وعليه العمل عند فقهاء الأمصار وهو الذي لا يجوز في النظر غيره، فأما ما لا يجوز نسخه فهو كل ما أخبرنا الله تعالى عنه أنه سيكون أو أنه كان أو وعدنا به أو قص علينا من أخبار الأمم الماضية وما قص علينا من
стр. 12752
أخبار الجنة والنار والحساب والعقاب والبعث والحشر وخلق السماوات والأرضين وتخليد الكفار في النار والمؤمنين في الجنة هذا كله وشبهه من الأخبار لا يجوز نسخه؛ لأنه يتعالى أن يخبر عن الشيء على غير ما هو به. وكذلك ما أعلمنا به من صفاته لا يجوز في ذلك كله أن ينسخ ببدل منه فأما جواز أن ينسخ ذلك كله بإزالة حفظه من الصدور -ونعوذ بالله من ذلك- فذلك جائز في قدرته تعالى يفعل ما يشاء (١) وقال الزرقاني في مناهل العرفان: إن تعريف النسخ بأنه (رفع حكم شرعي بدليل شرعي) يفيد في وضوح أن النسخ لا يكون إلا في الأحكام وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات. . . ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء.
أما العقائد فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغير والتبديل فبدهي ألا يتعلق بها نسخ، وأما أمهات الأخلاق فلأن حكمة الله في شرعها ومصلحة الناس في التخلق بها أمر ظاهر لا يتأثر بمرور الزمن ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير. وأما أصول العبادات والمعاملات فلوضوح حاجة الخلق إليها باستمرار لتزكية النفوس وتطهيرها ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة في رفعها بالنسخ.
وأما مدلولات الأخبار المحضة فلأن نسخها يؤدي إلى كذب الشارع في أحد خبرية الناسخ أو المنسوخ وهو محال عقلا ونقلا. أما عقلا فلأن الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال. وأما نقلا فلمثل قوله سبحانه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢). ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٣).
стр. 12753
نعم إن نسخ لفظ الخبر دون مدلوله جائز بإجماع من قالوا بالنسخ ولذلك صورتان: إحداهما: أن تنزل الآية مخبرة عن شيء ثم تنسخ تلاوتها فقط.
والأخرى: إن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شيء ثم ينهانا أن نتحدث به.
وأما الخبر الذي ليس محضا بأن كان في معنى الإنشاء ودل على أمر ونهي متصلين بأحكام فرعية عملية فلا نزاع في جواز نسخه والنسخ به؛ لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ، مثال الخبر بمعنى الأمر ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ (١) فإن معناه ازرعوا. ومثال الخبر بمعنى النهي قوله سبحانه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (٢) فإن معناه لا تنكحوا مشركة ولا زانية (بفتح التاء) ولا تنكحوا زانيا ولا مشركا (بضم التاء) لكن على بعض وجوه الاحتمالات دون بعض والفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها أن فروعها هي ما تتعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد أو هي كمياتها وكيفياتها وأما أصولها فهي ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف.
واعلم أن ما قررناه هنا من قصر النسخ على ما كان من قبيل الأحكام الفرعية العلمية دون سواها هو الرأي السائد الذي ترتاح إليه النفس ويؤيده الدليل وقد نازع في ذلك قوم لا وجه لهم فلنضرب عن كلامهم صفحا.
ويتصل بما ذكرنا أن الأديان الإلهية لا تناسخ بينها فيما بيناه من الأمور التي لا يتناولها النسخ بل هي متحدة في العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات وفي صدق الأخبار المحضة فيها صدقا لا يقبل النسخ
стр. 12754
والنقض (١) اهـ. فالذي يقع عليه النسخ إذا هو الحكم الشرعي العملي الذي لم يلحقه تأبيد ولا توقيت كالأحكام التكليفية من وجوب وندب وإباحة وتحريم وكراهة (٢).
وقال صاحب التقرير والتحبير: (محل النسخ عند الحنفية حكم شرعي فرعي يحتمل في نفسه الوجود والعدم وعند طائفة منهم غير مقيد بتأبيد ولا توقيت قبل مضيه خلافا للآخرين) (٣) وقد اتفقت كلمة القائلين بالنسخ المجيزين لوقوعه على عدم وقوعه في الأحكام العقلية كلمة القائلين بالنسخ المجيزين لوقوعه على عدم وقوعه في الأحكام العقلية وهي الأحكام التي يدركها العقل بنور البصيرة ويأتي الشرع مؤيدا لها كالإيمان بواحدانية الله تعالى وحسن الصدق والوفاء بالعهد وقبح الكفر والكذب وإخلاف الوعد (٤).
وفي معرض حديثه عن نسخ الأخبار يقول الآمدي في الإحكام: (إن الخبر إما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا بأن نكون قد كلفنا أن نخبر بشيء فينسخ عنا التكليف بذلك الإخبار) (٥) ويقول البدخشي في ذلك أيضا (لا خلاف في أن التكليف بالأخبار بشيء من عقلي أو عادي أو شرعي ثم نسخه بعد ذلك جائز) (٦).
وقد ذهب ابن حزم ﵀ إلى أن النسخ لا يقع إلا في الأوامر والنواهي فأما الأخبار فلا يقع فيها النسخ إطلاقا ولا يصح أن يقع في مدلول الخبر إلا إن كان المراد من الخبر والأخبار الأمر والنهي. وقد قسم حين تكلم عن نسخ الأخبار الكلام إلى أربعة أقسام أمر ورغبة وخبر واستفهام وبين أن
стр. 12755
القسم الأول هو الذي يقع فيه النسخ أما ما سواه فلا يقع فيها. وقد سمى الرجوع عن الأمر بإحداث أمر غيره نسخا وإذا ورد لفظ الكلام كلفظ الخبر ومعناه معنى الأمر جاز النسخ فيه مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢)(٣).
وإذا كان مضمون الخبر مما يتغير جاز نسخه مطلقا وإليه يذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وهو المختار عند الآمدي، سواء كان ماضيا أو مستقبلا وقد علل هذا الاختيار بقوله: (وذلك لأنه إذا ما دل عليه كان الإخبار متكررا والخبر عام فيه فأمكن أن يكون الناسخ مبينا لإخراج بعض ما تناوله اللفظ وأن المراد بعض ذلك المذكور كما في الأوامر والنواهي) (٤) واختار هذا القول ابن تيمية أيضا (٥) وذهب فخر الدين الرازي إلى جواز النسخ في مدلول الخبر الذي يتغير. أما أبو الحسين البصري فيجيز نسخ تلاوة الخبر كنسخ تلاوة أخبار التوراة كما يجيز نسخ الابتداء بالخبر نحو أن يأمرنا الله سبحانه أن نخبر عن شيء فيجوز أن ينسخ عنا وجوب الإخبار عنه سواء كان الخبر مما يجوز أن يتغير أو مما لا يجوز أن يتغير كالإخبار عن صفات الله سبحانه؛ لأنه لا يمتنع أن يكون في الإخبار عن ذلك مفسدة كما كان في تلاوة الجنب والحائض للقرآن مفسدة (٦) أما ابن أمير الحاج صاحب (التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام) فيقسم مدلول الخبر إلي قسمين:
стр. 12756
الأول: إن ترتب على جواز نسخه الكذب والخلف في حق من لا يجوز عليه ذلك فلا يجوز نسخه ويلحق هذا القسم بالأخبار التي يوجبها العقل في عدم جواز نسخها.
الثاني: أنه إن لم يترتب على نسخه الكذب فلا يكون خبرا ويجوز نسخه.
ولقد لخص ابن أمير الحاج موقف العلماء من وقوع النسخ في الأخبار بقوله:
قال الجمهور: لا يجري النسخ في الأخبار سواء كانت ماضية أو مستقبلة؛ لأن النسخ فيها هو الكذب والشارع منزه عنه والحد فيه أن النسخ لا يجري في واجبات العقل بل في جائزاتها وتحقق المخبر به في خبر من لا يجوز عليه الكذب والخلف من الواجبات والنسخ فيه يؤدي إلى الكذب فلا يجوز. ثم ذكر أن هناك من العلماء من قال بجواز نسخ الأخبار مطلقا سواء كانت ماضية أو مستقبلة وعدا أو وعيدا ونسب هذه القول إلى الإمام الرازي والآمدي إذا كان مدلول الخبر مما يتغير. كما ذكر أن صاحب (كشف الأسرار) قد أسند هذا القول إلى بعض المعتزلة والأشعرية إذا كان مدلوله متكررا والإخبار عنه عاما. وهناك من العلماء من فرق بين أخبار الوعد وأخبار الوعيد فمنع النسخ في خبر الوعد؛ لأن فيه إخلافا في الإنعام والخلف في الإنعام محال على الله ﵎. وأما الوعيد ففي جواز وقوع النسخ فيه حكمة بالغة وهو دليل على عفو الله وكرمه لا على خلفه (١) وخلاصة القول فيما يقع فيه النسخ في القرآن الكريم أنه يقع في الأحكام والفرائض والأوامر والنواهي والحدود والعقوبات من أحكام الدنيا باتفاق عامة العلماء وهو الذي عليه العمل عند فقهاء الأمصار وأما الأخبار فإن لعلماء الأصول في وقوع النسخ فيها من عدمه ثلاثة مذاهب:
стр. 12757
١ - منع نسخها مطلقا.
٢ - جواز نسخها مطلقا.
٣ - التفصيل في ذلك على الوجه الذي أسلفناه مجملا. .
стр. 12758
الفصل السابع
أنواع النسخ في القرآن
يقرر الباحثون في علوم القرآن باتفاق أن أنواع النسخ في القرآن الكريم ثلاثة هي:
الأول: ما نسخ رسمه وبقي حكمه كآية الرجم ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ لولا أن يقول الناس زاد ابن الخطاب في كتاب الله لكتبت في حاشيته (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) رواه أحمد ومالك في الموطأ وأبو داود. وكذلك آية الرضاع في قول أصحاب الشافعي ﵀ وقد قالت عائشة ﵂: (كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات). رواه مالك في الموطأ ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي. فالخمس منها منسوخ الرسم ثابت الحكم عند الشافعي وأصحابه. وقال مالك وأصحاب الرأي بنسخها بالرضعة الواحدة.
والقسم الثاني: ما نسخ حكمه ورسمه معا كالعشر من الرضعات عند الشافعي وأصحابه.
والقسم الثالث: ما نسخ حكمه وبقي رسمه كالآيات المنسوخة أحكامها مع بقاء نظمها في القرآن (١)
стр. 12759
وقال الزركشي في البرهان حين كر القسم الأول: (فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول) فجعل شرط العمل به أن يكون مجمعا عليه. ثم قال بعد أن أورد خبر عمر ﵁ الذي ذكر أن البخاري رواه في صحيحه معلقا: (وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بن كعب: كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور فكان فيها (الشيخ والشيخة). . . إلخ. إلى أن قال: وذكر الإمام المحدث أبو الحسين أحمد بن جعفر المنادي في كتابه (الناسخ والمنسوخ) مما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر قال: ولا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى أبي بن كعب وأنه ذكر عن النبي ﷺ أنه أقرأه إياهما وتسمى سورتي الخلع والحفد. . .) اهـ.
ثم افترض سؤالا هو: ما الحكمة في رفعه التلاوة مع بقاء الحكم وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وذكر أن أبا الفرج بن الجوزي قد أجاب على هذا السؤال المفترض في كتابه (فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن) بقوله: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي.
وقد ذكر الزركشي أن النوع الثاني من الأنواع الثلاثة ورد في ثلاث وستين سورة (١) ثم عاد إلى الأسئلة الافتراضية فقال بعد إيراده بعض الأمثلة على نسخ الحكم وبقاء التلاوة والجواب من وجهين:
أحدهما: إن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
стр. 12760
وثانيهما: إن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة وأما حكمة النسخ قبل العمل كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به وعلى نية طاعة الأمر. وعند كلامه على نسخ الحكم والتلاوة معا قال ﵀ تعليقا على قول عائشة ﵂ في حديث الرضعات: فتوفي رسول الله ﷺ وهي مما يقرأ من القرآن حسب رواية مسلم ﵀ وقد تكلموا في قولها (وهي مما يقرأ) فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك. فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة. والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ فتوفي وبعض الناس يقرؤها.
وقال أبو موسى الأشعري: نزلت ثم رفعت (١) اهـ وعلق على خبر عائشة أيضا مكي بن أبي طالب بقوله: (فهذا قول عائشة غريب في الناسخ والمنسوخ، والناسخ غير متلو والمنسوخ غير متلو وحكم الناسخ قائم) (٢).
وهذه الأنواع الثلاثة التي ذكرناها إنما هي للنسخ في القرآن الكريم من حيث هو بيد أن مكي بن أبي طالب رحمه الله تعالى قد ذكر في (الإيضاح) (٣) تقسيما آخر للنسخ باعتبار المنسوخ فأثبت ستة أقسام للمنسوخ من القرآن فيما يلي بيانها:
الأول: ما رفع جل ذكره رسمه من كتابه بغير بدل منه وبقي حفظه في الصدور ومنه الإجماع على ما في المصحف من تلاوته على أنه قرآن وبقي حكمه مجمعا عليه نحو آية الرجم التي تقدم ذكرها.
الثاني: ما رفع الله حكمه من الآي بحكم آية أخرى وكلاهما ثابت في المصحف المجمع عليه متلو وهذا هو الأكثر في المنسوخ ولا يكون في الأخبار
стр. 12761
على ما قدمنا وقد مضى تمثيله في آية الزواني المنسوخة بالجلد المجمع عليه في سورة النور كلاهما باق متلو كله.
الثالث: ما فرض العمل به لعلة ثم زال العمل به لزوال تلك العلة وبقي متلوا ثابتا في المصحف نحو قوله ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) الآية وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٢) ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣) وقوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٤) أمروا بذلك كله وفرض عليهم بسبب المهادنة التي كانت بين النبي ﵊ وبين قريش في سنة ست في غزاة الحديبية إذ صدوه عن البيت فلما ذهبت المهادنة وزال وقتها سقط العمل بذلك كله وبقي اللفظ متلوا وثابتا في المصحف الرابع: ما رفع الله رسمه وحكمه وزال حفظه من القلوب. وهذا النوع إنما يؤخذ بأخبار الآحاد وذلك نحو ما روى عاصم ابن بهدلة المقري - وكان ثقة مأمونا- عن زر أنه قال: قال لي أبي: يا زر إن كانت سورة الأحزاب لتعدل سورة البقرة. ومنه ما روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: نزلت سورة نحو سورة براءة ثم رفعت وذكر أنه حفظ منها شيء. يقول مكي: أضربت أنا عن ذكره؛ لأن القرآن لا يؤخذ بالأخبار وقد ذكر من نحو هذا أشياء كثيرة اخترت أنا الإضراب عن نصها إشفاقا والله أعلم بذلك كله.
стр. 12762
الخامس: ما رفع الله -جل ذكره- رسمه من كتابه فلا يتلى وأزال حكمه ولم يرفع حفظه من القلوب ومنع الإجماع من تلاوته على أنه قرآن. وهذا أيضا إنما يؤخذ من طريق الأخبار نحو ما ذكرنا من حديث عائشة ﵂ في العشر الرضعات والخمس فالأمة مجمعة على أن حكم العشر غير لازم ولا معمول به عند أحد. وإنما وقع الاختلاف في التحريم برضعة على نص القرآن في قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١) أو بخمس رضعات على قول عائشة أنها نسخت العشر وكانت مما يتلى وقد ذكرنا هذا.
السادس: ما حصل من مفهوم الخطاب فنسخ بقرآن متلو وبقي المفهوم ذلك منه متلوا نحو قوله ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) فهم من هذا الخطاب أن السكر في غير وقت الصلاة جائز فنسخ ذلك المفهوم قوله ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٣) إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤) فحرم الخمر والسكر مثل الخمر وبقي المفهوم ذلك منه متلوا قد نسخ أيضا بما نسخ ما فهم منه فيكون فيه نسخان: نسخ حكم ظاهر متلو ونسخ حكم ما فهم من متلوه. وكما قسم مكي ﵀ النسخ باعتبار المنسوخ فقد قسمه أيضا من حيث الناسخ إلى ثلاثة أقسام هي:
الأول: أن يكون الناسخ فرضا نسخ ما كان فرضا ولا يجوز فعل المنسوخ نحو قوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٥) فرض الله فيها حبس الزانية حتى تموت أو يجعل الله لها سبيلا ثم جعل السبيل بالحدود في سورة النور بقوله ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٦) فكان الأول فرضا فنسخه فرض آخر ولا يجوز فعل الأول المنسوخ وكلاهما متلو مدني.
стр. 12763
الثاني: أن يكون الناسخ فرضا ونحن مخيرون في فعل الأول وتركه وكلاهما متلو وذلك نحو قوله تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ (١) ففرض الله على الواحد المؤمن ألا ينهزم لعشرة من المشركين ثم نسخ ذلك بقوله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ (٢) ففرض على الواحد المؤمن ألا ينهزم لاثنين من المشركين فنسخ فرض فرضا وكلاهما متلو ولو وقف الواحد لعشرة من المشركين فأكثر لجاز فنحن مخيرون في فعل المنسوخ وتركه.
الثالث: أن يكون الناسخ أمر بترك العمل بالمنسوخ الذي كان فرضا من غير بدل ونحن مخيرون في فعل المنسوخ وتركه وفعله أفضل وذلك كنسخ الله-جل ذكره- قيام الليل وقد كان فرضا فنسخه بالأمر بالترك تخفيفا ورفقا بعباده ونحن مخيرون في قيام الليل وتركه وفعله أفضل وأشرف وأعظم أجرا. ثم ذكر مكي أن قوما قد زادوا في أقسام الناسخ قسما رابعا وهو أن يكون الناسخ فرضا نسخ ما كان ندبا غير فرض كالقتال كان ندبا ثم صار فرضا (٣)
стр. 12764
آراء العلماء في أنواع النسخ
أما نسخ التلاوة والحكم معا فمما اتفق عليه سائر مجيزي النسخ. وأما نسخ الحكم وبقاء التلاوة فهو رأي الجمهور ومنعه بعض المعتزلة لعدم إدراكهم الحكمة في ذلك. وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فهو رأي الجمهور أيضا مع خلاف بعض المعتزلة. كما خالف رأي الجمهور أيضا في هذا النوع الشيخ محمد الخضري في كتابه (الأصول) حيث يقول: أنا لا أفهم معنى آية
стр. 12765
أنزلها الله لتفيد حكما ثم يرفعها مع بقاء حكمها فما هي المصلحة في رفع آية مع بقاء حكمها؟ إن ذلك غير مفهوم. وفي رأيي ليس هناك ما يلجئني إلى القول به ثم قال (وحجة الجمهور أخبار آحاد لا يقوم برهانا على ذلك) وقد رد صاحب كتاب (دراسات في الإحكام والنسخ في القرآن الكريم) الشيخ محمد حمزة على استشكال الخضري بعد إيراده له بقوله: حجة الجمهور أحاديث صحيحة مشهورة لا يبعد أن يدعى تواترها. كما قال شارح مسلم الثبوت وهي تكفي حجة في كل حكم شرعي بل إن آية الرجم ثابتة بالتواتر؛ لأن الإجماع ظاهرها وليس بعد ذلك قول لقائل؛ لأن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أعلن ذلك على المنبر على مسمع من أصحاب رسول الله ﷺ ولم يخالفه أحد، وعدم مخالفة أحد من الصحابة يعد إجماعا سكوتيا (١) كما اختلفوا في الاحتجاج بحديث الرضعات الخمس الذي روته عائشة ﵂ ومثلنا به لما نسخ حكمه وتلاوته معا حيث إنه آحاد وإذا كان كذلك فإنه لا يثبت به قرآن ناسخا أو منسوخا. وإذا لم يثبت به قرآن فهل يجوز الاحتجاج به أم لا؟ قولان. فالشافعية قالوا نعم والأحناف قالوا: لا (٢) وقال الذين يرون الاحتجاج به أنه قد عمل به من الصحابة ابن مسعود وابن الزبير ﵄ وعمل به من الأئمة الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى (٣).
стр. 12766
الفصل الثامن
أمثلة للنسخ وما قيل إنه نسخ وليس بنسخ
أولا: أمثلة للنسخ:
١ - قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١) منسوخة قيل بآية المواريث وقيل بحديث «ألا لا وصية لوارث (٢)» وقيل بالإجماع حكاه ابن العربي.
٢ - قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٣) منسوخة بقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤) أخرجه ابن جرير عن عطاء بن ميسر.
٣ - قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٥) منسوخة بقوله بعده ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦).
٤ - قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٧) منسوخة بقوله سبحانه ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٨).
٥ - قوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٩)
١١ - قوله تعالى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (١) منسوخة بقوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) الآية.
١٢ - قوله تعالى ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٣) منسوخة بقوله تعالى بعدها ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) الآية.
١٣ - قوله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥) منسوخة بقوله ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦) على رأي ابن عباس (٧) ثانيا: ما توهم أنه نسخ وليس كذلك.
هناك آيات ذكرها بعض من ألفوا في علم الناسخ والمنسوخ على سبيل التوهم منهم إذ لا يصح أن تكون منسوخة ولا علاقة لها بالنسخ يوجه من الوجوه وسنذكر فيما يلي أمثلة لما توهم أنه نسخ وليس كذلك:
١ - قوله تعالى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٨) وقوله سبحانه ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ (٩) ونحو ذلك. قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة وليس كذلك بل هو باق.
стр. 12769
أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالإنفاق على الأهل وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة والآية الثانية يصح حملها على الزكاة وقد فسرت بذلك.
٢ - قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (١). قيل: إنها مما نسخ بآية السيف وليس كذلك لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا لا يقبل هذا الكلام النسخ وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة.
٣ - قوله تعالى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٢) عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر لا نسخ فيه.
٤ - قوله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) الآية. وكذلك قوله تعالى ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦) الآية وكذلك قوله تعالى ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٧) وهذه الآيات ليس فيها نسخ وليست من بابه وإنما هي من قبيل التخصيص باستثناء أو غاية. وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ.
٥ - وكذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٨). قيل: إنه نسخ بقوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٩). وليس كذلك وإنما هو مخصوص به (١٠).
стр. 12770
٦ - قوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١). الآية. توهم قوم أن هذا منسوخ بقوله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢). وليس الأمر كذلك وإنما هو على أحد وجهين:
الأول: أن يكون تحريم وطء الحائض نزل قبل إباحة الوطء ليلة الصيام فنزل ذلك وقد استقر في أنفسهم تحريم وطء الحائض فصارت المباشرة المباحة مخصوصة ليل الصوم في غير الحائض من زوجة وأمة.
الثاني: أن يكون تحريم وطء الحائض نزل بعد هذه الآية فتكون مبينة لها ومخصصة أنها في غير ذوات الحيض فلا يجب أن يدخل هذا في الناسخ والمنسوخ (٣) وممن وهم في هذا الباب ابن خزيمة في كتابه (الناسخ والمنسوخ) فقد اشتبه عليه التخصيص بالنسخ فعد كثيرا منه نسخا كاعتباره آية ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤). الآية منسوخة بالاستثناء كلها؛ لأن الله تعالى حرم جميع ذلك ثم أباحها للمضطر بقوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). وهذا تخصيص لا نسخ كما عد الاستثناء في مواضع كثيرة نسخا أيضا مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٧) وهو كسابقه من قبيل التخصيص لا النسخ وقد عقد ابن خزيمة بابا خاصا في كتابه المومى إليه لذكر المنسوخ بالاستثناء فحصر الآيات من هذا القبيل بثلاث وعشرين آية.
стр. 12771
كما عقد بابين في كتابه المذكور أحدهما لذكر الآيات المنسوخة بآية السيف وهي قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١) فعد في هذا مائة وثلاثا وعشرين آية لا تصح دعوى النسخ في واحدة منها.
قال الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير: وأكثر المفسرين يقولون إن كل ما في القرآن من قوله فأعرض منسوخ بآية القتال. وهو باطل؛ لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال فكيف ينسخ بها؛ وذلك لأن النبي ﷺ في الأول كان مأمورا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم والجواب عنها فقيل له ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) ثم لما لم ينفع ذلك فيهم قيل له أعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به وقاتلهم. والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف يكون منسوخا بها. والباب الثاني الذي عقده ابن خزيمة في كتابه هو باب ما نسخ من القرآن بآية القتال وذكر فيه تسع آيات لا تصح دعوى النسخ في أي منها كذلك (٣).
ولعل من المناسب بعد أن ذكرنا بعض الأمثلة لما توهم أنه نسخ وليس بنسخ أن نشير بإيجاز إلى أبرز أسباب توهم النسخ فيما توهموه فيه فنقول:
أولا: اشتباه التخصيص بالنسخ عليهم وقد تقدم مثاله.
ثانيا: ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال لزوال سببه من المنسوخ فعدوا الآيات التي وردت في الحث والصبر وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين منسوخة بآيات القتال وليس الأمر كذلك تحقيقا.
стр. 12772
ثالثا: اعتبروا كل قيد لآية من قبيل النسخ كقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (١). فعده ابن خزيمة وغيره ناسخا لعموم المشركين في قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) مع أنه تخصيص بالقيد.
رابعا: إدخال كثير من الآيات الخبرية في باب المنسوخ مع أنه لا يجوز نسخ الخبر إلا إذا تضمن حكما شرعيا أما إذا كان خبرا محضا فلا، كما تقدم في موضعه من هذا البحث ومثاله ما قدمناه من اعتبارهم قوله تعالى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) و ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤) منسوخا بآية الزكاة وليس كذلك ومثله أيضا قوله تعالى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) حيث عدها هبة الدين بن سلامة منسوخة بقوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦) وليس كذلك إذ هما خبران محضان لا يجري النسخ فيهما.
خامسا: اشتباه البيان بالنسخ عليهم كقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٧) حيث عدها هبة الله بن سلامة منسوخة بقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٨) الآية. ثم اعتبر هذه أيضا منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٩) حيث قال: فصارت هذه ناسخة لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١٠) الآية. وليس هذا بنسخ وإنما هو بيان لما ليس بظلم، وببيان ما ليس بظلم يتبين الظلم.
стр. 12773
سادسا: توهم وجود تعارض بين نصين ولا تعارض بينهما في الحقيقة كتوهم التعارض بين آية الزكاة وآيات الصدقات الواردة في القرآن الكريم مما حدا بابن سلامة في الناسخ والمنسوخ وابن الجوزي في نواسخه أن يقولا: قال أبو جعفر يزيد بن القعقاع: (نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن فصارت آية الزكاة ناسخة لكل صدقة). مع أنه لا يوجد في الواقع تعارض ولا تناف بين هذه وتلك حيث يصح حمل الإنفاق في آيات الصدقات على ما يشمل الزكاة وصدقة التطوع ونفقة الأهل والأقربين ونحو ذلك وتكون آيات الزكاة من قبيل ذكر فرد من أفراد العام بحكم العام وهذا لا يخصص العام ولا ينسخه وذلك لعدم وجود تعارض حقيقي لا بالنسبة إلى كل فرد من أفراد العام حتى يكون ناسخا ولا بالنسبة إلى بعضها حتى يكون مخصصا (١).
هذه أبرز أسباب توهم من توهم ما ليس بنسخ نسخا وإلا فإن هناك أسبابا أخرى لا يتسع المجال لذكرها.
стр. 12774
خاتمة البحث
وهكذا يتبين لنا بعد التجوال في ميدان هذا العلم من علوم القرآن الكريم أعني (الناسخ والمنسوخ) أنه علم من آكد العلوم وأوجبها تعلما وحفظا وبحثا وفهما وخاصة لمن أراد أن يخوض غمار تفسير كتاب الله تعالى وأن يغوص في لجته لاستخراج الدرر الثمينة والجواهر النفيسة. بل إنه علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهله كما قال ذلك مكي بن أبي طالب القيسي رحمه الله تعالى.
وإن مما يدل على عظم شأن هذا العلم وجليل خطره أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه عداه شرطا لكون الإنسان عالما. وأن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة اعتبره شرطا للإفتاء بل قال: إنه لا يحل لأحد أن يفتي حتى يعرفه.
وتبين لنا من خلال بحثنا أن النسخ في اللغة معناه الإزالة والتغيير تقول (نسخت الشمس الظل) أي أزالته (ونسخت الريح آثار الدار) أي غيرتها كما يأتي بمعنى النقل كقولك (نسخت الكتاب) إذا نقلت ما فيه. وهو بهذا دائر في ثلاثة أوجه هي: النقل، والإزالة مع حلول المزيل محل المزال، والإزالة مع عدم حلول المزيل محل المزال فكأنه بمعنى المحو.
وأنه في الاصطلاح (رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر) كما هو عند جمهور المحققين.
وهنالك تعريفات اصطلاحية أخرى للنسخ أثبتناها في موضعها لا تخرج في جملتها عن مضمون هذا التعريف.
стр. 12775
كما بينا في ثنايا هذا البحث الفرق بين النسخ والتخصيص وقلنا: إن هنالك فروقا سبعة بينهما ذكرناها في موضوعها بالتفصيل مع أمثلتها التي توضحها.
ثم عرجنا على ما يتعلق بشروط النسخ فبينا في الفصل الثالث أن شروط النسخ نوعان: نوع متفق عليه. ونوع مختلف فيه وذكرنا أربعة من الشروط المتفق عليها وسبعة من الشروط المختلف فيها وذكرنا أن صاحب (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) قد نقل عن الآمدي في (الأحكام) والزرقاني في (مناهل العرفان) أن الراجح كونه لا داعي لهذه الشروط السبعة المختلف فيها.
ونقلنا عن كل من مكي بن أبي طالب وعبد القاهر بن طاهر البغدادي عددا من الشروط التي يشترطانها لتحقيق النسخ.
ثم انتقلنا إلى استعراض آراء العلماء أفرادا وطوائف في حكم النسخ مع مناقشة تلك الآراء وتفنيد ما تستدعي الحال تفنيده منها وبيان وجه الحق في ذلك مستعرضين أدلة وحجج المجيزين والمانعين له على السواء وقد رأينا أن أدلة المجيزين له هي الأظهر وأن حجتهم هي الأبلغ والأقوى لانطلاقها من كون الله تعالى هو الفعال لما يريد يأمر عباده بما شاء وينهاهم عما يشاء يبقي من أحكامه على ما يشاء وينسخ منها ما يشاء بناء على اختياره ومشيئته وكبريائه وعظمته سبحانه إذ لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا ملزم يلزمه جل وعلا.
وقلنا: إن مذهب هؤلاء المنكرين للنسخ هو أخطر المذاهب وأشنعها في هذا الباب وأبعدها عن الحق وأكثرها مجانبة للصواب وولوغا في الباطل.
واتضح لنا أن هنالك إجماعا على جواز النسخ عقلا ووقوعه سمعا لم يخرج عليه سوى من لا يعتد به كالشمعونية إحدى فرق اليهود الثلاث وبعض نصارى هذا الزمان وأبي مسلم الأصفهاني ومن شايعه الذي يرى أن
стр. 12776
النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا في حين يرى بعض النصارى المعاصرين وكذلك الشمعونيون من اليهود استحالة النسخ وامتناعه عقلا وسمعا.
ورأينا كيف يثير المانعون شبها كثيرة تولى العلماء المختصون ﵏ ردها وتفنيدها وإبطالها بكل جلد وقوة وعلم.
أما في الفصل الخامس فقد قمنا بتفسير تحليلي للآيات الدالة على النسخ في القرآن الكريم معتمدين في ذلك على النقل عن بعض التفاسير المعتمدة والمعتبرة مشيرين إلى الاختلاف الواقع في قراءة الآية إن وجد موضحين دلالة كل آية منها على النسخ مشيرين إلى الأوجه اللغوية وما حكاه أئمة اللغة وأئمة التفسير معا في إيضاح وبيان معاني تلك الآيات بتفصيل واف لكافة وجوهها وناقشنا بعد ذلك ما يقع فيه النسخ في القرآن الكريم فخلصنا إلى أنه لا يقع إلا في الأوامر والنواهي والأحكام والفرائض والحدود والعقوبات من أحكام الدنيا وهو قول عامة العلماء والذي عليه العمل عند فقهاء الأمصار. وأما الأخبار المحضة وما قص الله علينا من أخبار الجنة والنار والحساب والعقاب والبعث والحشر ونحو ذلك من الأخبار فلا يجوز نسخه؛ لأن الله سبحانه يتعالى أن يخبر عن الشيء على غير ما هو به.
وقد أطلنا في بيان عدم وقوع النسخ في الأخبار المحضة وذكرنا آراء من شذ عن الإجماع فأجاز النسخ في الأخبار سواء من قيد ذلك بما إذا كان مدلول الخبر مما يتغير كالرازي والآمدي. أو من لم يقيد ذلك بشيء بل أجاز وقوعه فيها مطلقا كأبي الحسين البصري.
وفي الفصل السابع من هذا المبحث تناولنا أنواع النسخ في القرآن وتقرر أنها ثلاثة هي:
ما - نسخ تلاوة وبقي حكما.
ما - نسخ تلاوة وحكما.
ما - نسخ حكما وبقي تلاوة.
стр. 12777
كما استعرضنا تقسيما للنسخ باعتبار آخر هو اعتبار المنسوخ فرأينا أن مكي بن أبي طالب قد عد بهذا الاعتبار ستة أقسام.
وكذلك قسم ﵀ النسخ باعتبار الناسخ إلى ثلاثة أقسام:
وختمنا هذا الفصل ببيان أراء العلماء في أنواع النسخ حيث اتفق سائر مجيزي النسخ على نسخ التلاوة والحكم معا بينما منع بعض المعتزلة نسخ الحكم وبقاء التلاوة وهو النوع الذي يراه الجمهور وكذلك يرى الجمهور أيضا نسخ التلاوة مع بقاء الحكم في الوقت الذي نجد الشيخ محمد الخضري في كتابه (الأصول) يخالف رأي الجمهور في ذلك قائلا: (إن ذلك غير مفهوم وفي رأيي ليس هناك ما يلجئني إلى القول به) ورد حجة الجمهور في إثبات ذلك النوع بأنها أخبار آحاد لا تقوم برهانا على ذلك.
وقد نقلنا رد الشيخ محمد حمزة في كتابه (دراسات في الإحكام والنسخ) على ما أورده الشيخ الخضري.
وأخيرا ختمنا هذا البحث بإيراد أمثلة للنسخ في كتاب الله تعالى وكذلك لما توهم أنه نسخ وليس بنسخ فذكرنا للنسخ ثلاثة عشر مثالا ولما توهموه نسخا وليس كذلك ستة أمثلة.
وأشرنا إلى أن ابن خزيمة ممن وهم في كتابه (الناسخ والمنسوخ) فأورد شيئا كثيرا مما عده نسخا وليس به لاشتباه التخصيص والاستثناء لديه بالنسخ.
وأنهينا الفصل الثامن والأخير الذي اشتمل على الأمثلة للنسخ الصحيح والنسخ المتوهم بذكر أبرز أسباب توهم النسخ وقد عددنا منها ستة أسباب رئيسة وأشرنا إلى أن الحيز يضيق عن استقصاء جميع أسباب ذلك التوهم.
والخلاصة أن علم الناسخ والمنسوخ أحد علوم القرآن الكريم التي ينبغي العناية بها وأنه غير التخصيص وأن له شروطا وأنواعا وأن الناس قد اختلفوا حوله بين مجيز ومانع وأن ما عليه جمهور العلماء المحقيقين أنه لا يقع إلا في
стр. 12778
الأمر والنهي لا في الخبر المحض وأن من توهم في النسخ ما ليس منه إنما توهم ذلك بسبب من أسباب عديدة بينها أهل الاختصاص. . .
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المراجع
١ - كتاب الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى لقتادة بن دعامة السدوسي تحقيق د / حاتم صالح الضامن، الطبعة االثانية ١٤٠٦هـ الناشر مؤسسة الرسالة.
٢ - الناسخ والمنسوخ من كتاب الله لهبة الله بن سلامة بن نصر المقري تحقيق زهير الشاويش ومحمد كنعان الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ الناشر المكتب الإسلامي.
٣ - الناسخ والمنسوخ للإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي تحقيق د / حلمي كامل أسعد عبد الهادي. الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ الناشر دار العدوي عمان الأردن.
١ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب. الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ تحقيق الدكتور أحمد حسن فرحات. الناشر دار المنارة بجدة.
٢ - ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي. تحقيق د / حاتم الضامن. الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ مؤسسة الرسالة.
٣ - الموافقات للشاطبي. نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
٤ - البرهان في علوم القرآن للزركشي. الطبعة الثالثة. نشر وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
٥ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ. نشر وتوزيع دار التراث بالقاهرة.
٦ - مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني. الطبعة الثالثة مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
١٠ - مباحث العرفان في علوم القرآن للشيخ مناع القطان. الطبعة التاسعة عشرة ١٤٠٦ هـ مؤسسة الرسالة.
стр. 12779
١١ - نظرية النسخ في الشرائع السماوية لشعبان إسماعيل. مطابع الدجوي القاهرة. عابدين.
١٢ - دراسات في الإحكام والنسخ لمحمد حمزة. الطبعة الأولى. نشر دار قتيبة.
١٣ - تفسير ابن الجوزي (زاد المسير) الطبعة الثالثة ١٤٠٤هـ. المكتب الإسلامي.
١٤ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير نشر دار المعرفة. بيروت. لبنان سنة ١٤٠١هـ.
١٥ - تفسير أبي السعود. الناشر مكتبة الرياض الحديثة سنة ١٤٠١هـ نشر وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
١٦ - فتح القدير للشوكاني. الناشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع سنة ١٤٠١هـ.
١٧ - تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار لمحمد رشيد رضا. الطبعة الثانية. الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت. لبنان.
١٨ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي. طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. الرياض سنة ١٤٠٤هـ.
١٩ - معجم مقاييس اللغة لابن فارس. تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون. الناشر دار الفكر سنة ١٣٩٩هـ.
٢٠ - الصحاح للجوهري. الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ. الناشر دار العلم للملايين بيروت.
٢١ - المصباح المنير للمقري الفيومي. نشر المكتبة العلمية. بيروت. لبنان.
٢٢ - المعجم الوسيط من وضع وإعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة الطبعة الثانية. مطابع دار المعارف بمصر ١٣٩٣ هـ. توزيع دار الباز بمكة.
٢٣ - التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام.
٢٤ - شرح البدخشي على شرح الإسنوي على منهاج الأصول للبيضاوي. مطبعة محمد علي صبح بمصر.
٢٥ - الإحكام للآمدي. الطبعة الأولى ١٣٧٨هـ.
٢٦ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. تحقيق أحمد شاكر. مطبعة العاصمة بالقاهرة.
٢٧ - المسودة لابن تيمية. مطبعة المدني بالقاهرة ١٣٨٤ هـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
٢٨ - المعتمد لأبي الحسين البصري تحقيق محمد حميد الله طبع دمشق ١٣٨٤ هـ.
٢٩ - النسخ في دراسات الأصوليين. الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ الناشر مؤسسة الرسالة.
стр. 12780
عبد الله بن حمد بن عبد الله الشبانة.
- من مواليد مدينة المجمعة عام ١٣٦٧ هـ.
- حصل على شهادة الابتدائية في الرياض عام ١٣٧٩ هـ.
- تخرج من معهد الرياض العلمي عام ١٣٨٤ هـ.
- تخرج من كلية اللغة العربية عام ١٣٨٩هـ.
- عمل بالتدريس في المعاهد العلمية مدة ثلاث سنوات، ثم التحق بديوان الموظفين العام (ديوان الخدمة المدنية - حاليا - عام ١٣٩٣هـ، ثم التحق بوزارة الإعلام عام ١٣٩٤هـ، ثم التحق للعمل في مجال الدعوة بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مديرا لمركز الدعوة والإرشاد بظفار في المنطقة الجنوبية لسلطنة عمان عام ١٣٩٩هـ ثم مديرا لمركز الدعوة والإرشاد بالفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة عام ١٤٠١هـ، ثم رشح مديرا عاما للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام ١٤٠٣هـ، ثم عين أمينا عاما مساعدا لهيئة كبار العلماء عام ١٤٠٦هـ وهو عمله الحالي.
له من المؤلفات:
١ - كتاب: موجز القول.
٢ - كتاب: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء.
٣ - كتاب: خطرات ونظرات.
٤ - كتاب: المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية.
٥ - الزفرات الحرى " ديوان شعر ".
٦ - تحية للوطن " ديوان شعر ".
كما أن له بعض البحوث والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والإسلامية.