← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا في حين يرى بعض النصارى المعاصرين وكذلك الشمعونيون من اليهود استحالة النسخ وامتناعه عقلا وسمعا. ورأينا كيف يثير المانعون شبها كثيرة تولى العلماء المختصون ﵏ ردها وتفنيدها وإبطالها بكل جلد وقوة وعلم. أما في الفصل الخامس فقد قمنا بتفسير تحليلي للآيات الدالة على النسخ في القرآن الكريم معتمدين في ذلك على النقل عن بعض التفاسير المعتمدة والمعتبرة مشيرين إلى الاختلاف الواقع في قراءة الآية إن وجد موضحين دلالة كل آية منها على النسخ مشيرين إلى الأوجه اللغوية وما حكاه أئمة اللغة وأئمة التفسير معا في إيضاح وبيان معاني تلك الآيات بتفصيل واف لكافة وجوهها وناقشنا بعد ذلك ما يقع فيه النسخ في القرآن الكريم فخلصنا إلى أنه لا يقع إلا في الأوامر والنواهي والأحكام والفرائض والحدود والعقوبات من أحكام الدنيا وهو قول عامة العلماء والذي عليه العمل عند فقهاء الأمصار. وأما الأخبار المحضة وما قص الله علينا من أخبار الجنة والنار والحساب والعقاب والبعث والحشر ونحو ذلك من الأخبار فلا يجوز نسخه؛ لأن الله سبحانه يتعالى أن يخبر عن الشيء على غير ما هو به. وقد أطلنا في بيان عدم وقوع النسخ في الأخبار المحضة وذكرنا آراء من شذ عن الإجماع فأجاز النسخ في الأخبار سواء من قيد ذلك بما إذا كان مدلول الخبر مما يتغير كالرازي والآمدي. أو من لم يقيد ذلك بشيء بل أجاز وقوعه فيها مطلقا كأبي الحسين البصري. وفي الفصل السابع من هذا المبحث تناولنا أنواع النسخ في القرآن وتقرر أنها ثلاثة هي: ما - نسخ تلاوة وبقي حكما. ما - نسخ تلاوة وحكما. ما - نسخ حكما وبقي تلاوة.

стр. 12777

كما استعرضنا تقسيما للنسخ باعتبار آخر هو اعتبار المنسوخ فرأينا أن مكي بن أبي طالب قد عد بهذا الاعتبار ستة أقسام. وكذلك قسم ﵀ النسخ باعتبار الناسخ إلى ثلاثة أقسام: وختمنا هذا الفصل ببيان أراء العلماء في أنواع النسخ حيث اتفق سائر مجيزي النسخ على نسخ التلاوة والحكم معا بينما منع بعض المعتزلة نسخ الحكم وبقاء التلاوة وهو النوع الذي يراه الجمهور وكذلك يرى الجمهور أيضا نسخ التلاوة مع بقاء الحكم في الوقت الذي نجد الشيخ محمد الخضري في كتابه (الأصول) يخالف رأي الجمهور في ذلك قائلا: (إن ذلك غير مفهوم وفي رأيي ليس هناك ما يلجئني إلى القول به) ورد حجة الجمهور في إثبات ذلك النوع بأنها أخبار آحاد لا تقوم برهانا على ذلك. وقد نقلنا رد الشيخ محمد حمزة في كتابه (دراسات في الإحكام والنسخ) على ما أورده الشيخ الخضري. وأخيرا ختمنا هذا البحث بإيراد أمثلة للنسخ في كتاب الله تعالى وكذلك لما توهم أنه نسخ وليس بنسخ فذكرنا للنسخ ثلاثة عشر مثالا ولما توهموه نسخا وليس كذلك ستة أمثلة. وأشرنا إلى أن ابن خزيمة ممن وهم في كتابه (الناسخ والمنسوخ) فأورد شيئا كثيرا مما عده نسخا وليس به لاشتباه التخصيص والاستثناء لديه بالنسخ. وأنهينا الفصل الثامن والأخير الذي اشتمل على الأمثلة للنسخ الصحيح والنسخ المتوهم بذكر أبرز أسباب توهم النسخ وقد عددنا منها ستة أسباب رئيسة وأشرنا إلى أن الحيز يضيق عن استقصاء جميع أسباب ذلك التوهم. والخلاصة أن علم الناسخ والمنسوخ أحد علوم القرآن الكريم التي ينبغي العناية بها وأنه غير التخصيص وأن له شروطا وأنواعا وأن الناس قد اختلفوا حوله بين مجيز ومانع وأن ما عليه جمهور العلماء المحقيقين أنه لا يقع إلا في

стр. 12778

الأمر والنهي لا في الخبر المحض وأن من توهم في النسخ ما ليس منه إنما توهم ذلك بسبب من أسباب عديدة بينها أهل الاختصاص. . . وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. المراجع ١ - كتاب الناسخ والمنسوخ في كتاب الله تعالى لقتادة بن دعامة السدوسي تحقيق د / حاتم صالح الضامن، الطبعة االثانية ١٤٠٦هـ الناشر مؤسسة الرسالة. ٢ - الناسخ والمنسوخ من كتاب الله لهبة الله بن سلامة بن نصر المقري تحقيق زهير الشاويش ومحمد كنعان الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ الناشر المكتب الإسلامي. ٣ - الناسخ والمنسوخ للإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي تحقيق د / حلمي كامل أسعد عبد الهادي. الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ الناشر دار العدوي عمان الأردن. ١ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب. الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ تحقيق الدكتور أحمد حسن فرحات. الناشر دار المنارة بجدة. ٢ - ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي. تحقيق د / حاتم الضامن. الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ مؤسسة الرسالة. ٣ - الموافقات للشاطبي. نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر. ٤ - البرهان في علوم القرآن للزركشي. الطبعة الثالثة. نشر وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ٥ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ. نشر وتوزيع دار التراث بالقاهرة. ٦ - مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني. الطبعة الثالثة مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه. ١٠ - مباحث العرفان في علوم القرآن للشيخ مناع القطان. الطبعة التاسعة عشرة ١٤٠٦ هـ مؤسسة الرسالة.

стр. 12779

١١ - نظرية النسخ في الشرائع السماوية لشعبان إسماعيل. مطابع الدجوي القاهرة. عابدين. ١٢ - دراسات في الإحكام والنسخ لمحمد حمزة. الطبعة الأولى. نشر دار قتيبة. ١٣ - تفسير ابن الجوزي (زاد المسير) الطبعة الثالثة ١٤٠٤هـ. المكتب الإسلامي. ١٤ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير نشر دار المعرفة. بيروت. لبنان سنة ١٤٠١هـ. ١٥ - تفسير أبي السعود. الناشر مكتبة الرياض الحديثة سنة ١٤٠١هـ نشر وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ١٦ - فتح القدير للشوكاني. الناشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع سنة ١٤٠١هـ. ١٧ - تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار لمحمد رشيد رضا. الطبعة الثانية. الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت. لبنان. ١٨ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي. طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. الرياض سنة ١٤٠٤هـ. ١٩ - معجم مقاييس اللغة لابن فارس. تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون. الناشر دار الفكر سنة ١٣٩٩هـ. ٢٠ - الصحاح للجوهري. الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ. الناشر دار العلم للملايين بيروت. ٢١ - المصباح المنير للمقري الفيومي. نشر المكتبة العلمية. بيروت. لبنان. ٢٢ - المعجم الوسيط من وضع وإعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة الطبعة الثانية. مطابع دار المعارف بمصر ١٣٩٣ هـ. توزيع دار الباز بمكة. ٢٣ - التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام. ٢٤ - شرح البدخشي على شرح الإسنوي على منهاج الأصول للبيضاوي. مطبعة محمد علي صبح بمصر. ٢٥ - الإحكام للآمدي. الطبعة الأولى ١٣٧٨هـ. ٢٦ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. تحقيق أحمد شاكر. مطبعة العاصمة بالقاهرة. ٢٧ - المسودة لابن تيمية. مطبعة المدني بالقاهرة ١٣٨٤ هـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ٢٨ - المعتمد لأبي الحسين البصري تحقيق محمد حميد الله طبع دمشق ١٣٨٤ هـ. ٢٩ - النسخ في دراسات الأصوليين. الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ الناشر مؤسسة الرسالة.

стр. 12780

عبد الله بن حمد بن عبد الله الشبانة. - من مواليد مدينة المجمعة عام ١٣٦٧ هـ. - حصل على شهادة الابتدائية في الرياض عام ١٣٧٩ هـ. - تخرج من معهد الرياض العلمي عام ١٣٨٤ هـ. - تخرج من كلية اللغة العربية عام ١٣٨٩هـ. - عمل بالتدريس في المعاهد العلمية مدة ثلاث سنوات، ثم التحق بديوان الموظفين العام (ديوان الخدمة المدنية - حاليا - عام ١٣٩٣هـ، ثم التحق بوزارة الإعلام عام ١٣٩٤هـ، ثم التحق للعمل في مجال الدعوة بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مديرا لمركز الدعوة والإرشاد بظفار في المنطقة الجنوبية لسلطنة عمان عام ١٣٩٩هـ ثم مديرا لمركز الدعوة والإرشاد بالفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة عام ١٤٠١هـ، ثم رشح مديرا عاما للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام ١٤٠٣هـ، ثم عين أمينا عاما مساعدا لهيئة كبار العلماء عام ١٤٠٦هـ وهو عمله الحالي. له من المؤلفات: ١ - كتاب: موجز القول. ٢ - كتاب: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء. ٣ - كتاب: خطرات ونظرات. ٤ - كتاب: المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية. ٥ - الزفرات الحرى " ديوان شعر ". ٦ - تحية للوطن " ديوان شعر ". كما أن له بعض البحوث والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والإسلامية.

стр. 12781

مخطوطة الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل تأليف: شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: الدكتور عواد بن عبد الله المعتق (١) تقديم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإلى القارئ الكريم فتوى من فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية المولود في ١٠ وقيل ١٢ ربيع الأول، وقيل في ذي الحجة سنة ٦٦١هـ، بحران، ثم انتقل مع والده إلى دمشق بسبب اجتياح التتار لبلادهم، وفي دمشق نشأ في أسرة تعنى بالعلم، فتعلم ونبغ في كثير من العلوم، وتميز عن كثير من العلماء المعاصرين له بالتزامه طريقة السلف ومحاربته للبدع، كما تميز أنه يجهر بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم.

стр. 12782

ولذا تعرض لكثير من الأذى واعتقل عدة مرات حتى أنه توفي في قلعة دمشق سجينا- ﵀ ليلة الاثنين لعشرين من شهر ذي القعدة سنة ٧٢٨هـ وخلف ﵀ مصنفات كثيرة منها هذه الفتوى، وهي: إجابة على سؤال عن رجلين اختلفا في الاعتقاد، فقال أحدهما: من لم يعتقد أن الله في السماء فهو ضال. وقال الآخر: إن الله لا يحصر في مكان. وهما شافعيان. فبينوا لنا ما نتبعه من عقيدة الشافعي ﵀ وما الصواب في ذلك؟ فأجاب بهذه الفتوى المسماة بـ (الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل) ﵀ رحمة واسعة- مؤيدا فتواه بالكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة رحمة الله عليهم. ونظرا لأهمية هذه الفتوى وخصوصا في هذا الزمان الذي تكالب فيه أعداء الله على الإسلام والمسلمين بوسائلهم المختلفة، ولأنه لم يسبق تحقيقها؛ لذا رأيت إخراجها للقارئ الكريم مستعينا بالله ثم متبعا المنهج الآتي:

стр. 12783

منهج التحقيق: لقد قمت بالتحقيق معتمدا بعد الله على ثلاث نسخ خطية:

стр. 12784

الأولى: وقد رمزت لها بحرف (أ) عنوانها: (الجواب الفاصل بين الحق والباطل) مكانها: المكتبة السعودية رقمها ٧٠/ ٨٦. تاريخ النسخ: وافق الفراغ من نسخها ١٦ ذي الحجة سنة ١٣٣٧هـ وتقع في (١٠) ورقات =١٨ صفحة، في الصفحة ١٨ سطرا. السطر = ٩ كلمات. الثانية: ورمزت لها بحرف (ب) عنوانها: (القول الفاصل بين الحق والباطل) مكانها: مكتبة جامعة الملك سعود ضمن مجموع من ص ١٢٦ - ١٣٥، رقمها: ٢٢٦٣/ ٣م. تاريخ النسخ: في القرن الثالث عشر الهجري تقديرا، وتقع في (١٠) صفحات، في الصفحة: ٢٥ سطرا. السطر= ١١ كلمة. الثالثة: ورمزت لها بحرف (ج) عنوانها: الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل مكانها: مكتبة جامعة الملك سعود - رقمها: ١٦٣٩/ ٢٠م. وتقع ضمن مجموع (من ص ٤٤٧ - ٤٥٦) = ١٠ صفحات - الصفحة ٢٥ سطرا، السطر = ١٠ كلمات، تم نسخها في ٢٣ شعبان ١٣٥٠هـ بخط عبد الله بن إبراهيم بن محمد المعروف (بالربيعي).

стр. 12785

أما المنهج: فقد اعتمدت منهج النص الوافي المختار في الأصل وخلافه في الحاشية؛ لأني أبحث عن نص المؤلف- ﵀ ففي أي نسخة وجدت النص الوافي الصحيح أثبته في الأصل، وأشرت إلى النسخ الأخرى في الحاشية للتوضيح. نسبت الآيات القرآنية إلى أماكنها من كتاب الله، كما قمت بتخريج الأحاديث والآثار. وثقت أقوال الأئمة التي استشهد بها المؤلف بإرجاعها إلى مصادرها أو مصادر أخرى موثوقة.

стр. 12786

عرفت بالأعلام الواردة في هذه الفتوى. قمت بالتعليق على بعض الكلمات التي فيها غموض وتحتاج إلى توضيح، كما عرفت بالفرق الواردة. وأخيرا أسأله تعالى أن يتقبل صوابه ويتجاوز عن خطئه إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سئل (١) العالم العلامة تقي الدين أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجلين اختلفا في الاعتقاد (٢)، فقال أحدهما: من لم يعتقد أن الله في السماء فهو ضال وقال آخر: إن الله لم ينحصر في مكان، وهما شافعيان (٣)، فبينوا لنا ما نتبعه من عقيدة الشافعي ﵁ وما الصواب في ذلك (٤) (أفتونا مأجورين رحمكم الله) (٥) فقال: الجواب (٦): الحمد لله اعتقاد الشافعي ﵁ هو اعتقاد سلف الأمة أئمة

стр. 12787

الإسلام (١) كمالك، والثوري والأوزاعي وابن المبارك، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم كالفضيل

стр. 12788

بن عياض، وأبي سليمان الداراني (١)،، وسهل (٢) بن عبد الله التستري وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة -رحمة الله عليه- فإن الاعتقاد الثابت عنه (٣) في التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان (٤) عليه الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب (٥)، والسنة، قال الشافعي ﵁ في أول خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه (٦) فبين ﵀ أن الله موصوف بما وصف به نفسه في كتابه (٧)، وعلى لسان رسوله ﷺ وكذلك قال أحمد بن حنبل ﵀: لا يوصف الله إلا

стр. 12789

بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث (١)، وكذلك (٢) مذهب سائرهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما (٣) وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف (٤) ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يثبتون له (٥) ما أثبته

стр. 12790

لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العليا ويعلمون أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله فإنه كما أن ذاته ليست كالذوات المخلوقة فصفاته (١) ليست كالصفات المخلوقة بل هو -سبحانه -موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، وهو -سبحانه (٢) وتعالى -في صفات الكمال لا يماثله شيء فهو حي قيوم سميع بصير عليم قدير رءوف رحيم، وهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما (٣) في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا، ولا يماثله شيء من الأشياء (٤) في شيء من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته (٥) قدرة أحد ولا كرحمته (٦) رحمة أحد ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره (٧) سمع أحد ولا بصر أحد، ولا كتكليمه تكليم (٨) أحد، ولا كتجليه تجلي (٩) أحد، والله سبحانه قد (١٠) أخبرنا أن في الجنة لحما

стр. 12791

ولبنا وعسلا، وماء وحريرا، وذهبا وقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست كهذه (١) المخلوقات المشاهدة مع اتفاقها في الأسماء فالخالق أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق، وإن اتفقت الأسماء. وقد سمى نفسه حيا عليما سميعا، بصيرا، ملكا رءوفا، رحيما، وسمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها رءوفا رحيما (٢) وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير ولا الرءوف كالرءوف ولا الرحيم كالرحيم، قال الله تعالى:

стр. 12792

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٩)، وهو قد قال في كتابه ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (١٠).

стр. 12793

وثبت في الصحيح «عن النبي ﷺ أنه قال للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال:

стр. 12794

أعتقها فإنها مؤمنة (١)» وهذا الحديث رواه مالك، والشافعي (٢) وأحمد (٣) بن حبل، ومسلم في صحيحه وغيرهم، لكن ليس معنى ذلك (٤) أن الله في جوف السماء أو أن السماوات تحصره، وتحويه، فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هم متفقون على (٥) أن الله فوق السماوات (٦) على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وقد قال مالك بن أنس ﵀: إن الله في السماء وعلمه

стр. 12795

في كل مكان، وقالوا لعبد الله بن المبارك، بماذا نعرف ربنا؟ قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. وقال أحمد بن حنبل ﵀ كما قال هذا، وهذا (١) (٢). وقال الشافعي ﵀: خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب أوليائه (٣). وقال الأوزاعي ﵀: كنا - والتابعون متوافرون - نقر بأن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته (٤) فمن اعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط به وأنه مفتقر إلى العرش أو غير العرش من المخلوقات أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد ولا على العرش

стр. 12796

إله يصلى له ويسجد وأن محمدا لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل (١) القرآن من عنده (٢)، فهو ضال معطل (٣) فرعوني مبتدع، فإن فرعون كذب موسى في أن (٤) ربه فوق السماوات، وقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ (٥) ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (٦) ومحمد ﷺ صدق موسى في أن (٧) ربه فوق السماوات فلما كان ليلة المعراج وعرج به إلى الله وفرض عليه ربه خمسين صلاة ذكر أنه رجع إلى موسى وأن (٨) موسى قال له ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجع إلى ربه فخفف عنه عشرا، ثم رجع إلى موسى فأخبره بذلك فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك (٩). وهذا الحديث في الصحاح، فمن وافق فرعون وخالف موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فهو ضال، ومن مثل الله بخلقه فهو ضال.

стр. 12797

قال نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس في (١) ما وصف الله به نفسه ولا رسوله ﷺ (٢) تشبيها (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤)، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٦)،، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٨)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (٩)

стр. 12798

وقال تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (١)، فدل ذلك (٢)، على أن من عنده (٣) قريبون إليه (٤) وإن (٥) كانت المخلوقات كلها تحت قدرته فالقائل الذي قال: من لا يعتقد أن الله في السماء فهو ضال، إن أراد بذلك من لا يعتقد أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ، وإن (٦) أراد بذلك من لا يعتقد ما جاء به الكتاب، والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها (٧) من أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب، فإن من (٨) لم يعتقد ذلك يكون مكذبا لرسول (٩) الله ﷺ متبعا غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلا لربه نافيا له فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يقصده ويسأله.

стр. 12799

وهذا (١) قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون المعطل، والله قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو لا يقصدونه تحت أرجلهم. ولهذا (٢) قال بعض العارفين: ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه

стр. 12800

قبل (١) أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، والقائل الذي قال: (٢) إن الله لا ينحصر في مكان إن أراد به أن الله لا ينحصر في جوف المخلوقات وأن الله لا يحتاج إلى شيء منها، فقد أصاب، وإن أراد أن الله ليس فوق السماوات ولا هو على العرش وليس هناك إله يعبد ومحمد ﷺ لم يعرج به إلى الله، فهذا فرعوني جهمي معطل (٣) بين الضلال (٤) وكذلك إذا ظن الظان أن صفات الرب كصفات خلقه فيظن أن الله سبحانه على عرشه كالملك المخلوق (٥)، على سريره، فهذا تمثيل وضلال وذلك أن الملك مفتقر إلى سريره ولو زال سريره سقط والله غني

стр. 12801

عن العرش وعن كل شيء، والعرش وكل (١) ما سواه فقير إلى الله وهو حامل العرش وحملة العرش وعلوه عليه لا يوجب افتقاره إليه، فإن الله قد جعل المخلوقات عاليا وسافلا وجعل العالي غنيا عن السافل كما جعل الهوى فوق الأرض وليس هو مفتقرا إليها وجعل السماوات فوق الهوى، وليست محتاجة إليه فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض وما بينهما أولى أن يكون غنيا عن العرش وسائر المخلوقات، وإن كان عاليا عليها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وجب التصديق به مثل علو الرب واستوائه على عرشه ونحو ذلك.

стр. 12802

وأما الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات مثل قول القائل هو في جهة أو ليس هو (١) في جهة، وهو متحيز أو ليس بمتحيز ونحو ذلك من (٢) الألفاظ المبتدعة (٣) التي تنازع فيها الناس، وليس مع أحد (٤) نص (٥) لا عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة المسلمين، فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله في جهة ولا قال: ليس هو (٦) في جهة ولا قال (٧) هو متحيز ولا قال ليس بمتحيز، ولا (٨) قال هو جسم أو

стр. 12803

جوهر ولا قال ليس بجسم (١) ولا جوهر، فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع (٢) والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحا وقد يريدون معنى فاسدا فمن أراد معنى صحيحا موافقا للكتاب والسنة، كان ذلك المعنى مقبولا منه (٣) وإن أراد معنى فاسدا مخالفا (٤) للكتاب والسنة كان ذلك المعنى مردودا عليه، فإذا قال ذلك القائل إن الله في جهة قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أن الله في جهة موجودة تحصره وتحيط به مثل أن يكون في جوف السماء، (٥)، (٦) أم تريد بالجهة أمرا عدميا وهو ما فوق العالم فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الجهة الوجودية (٧) وجعلت الله محصورا في المخلوقات فهذا باطل، وإن أردت الجهة العدمية وأردت أن الله وحده فوق المخلوقات بائنا عنها فهذا حق ولكن ليس في هذا (٨) أن (٩) شيئا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل

стр. 12804

هو العالي عليها (١) والمحيط بها وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) (٣)، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ «أن الله يقبض الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ (٤)». وقال ابن عباس ﵄: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن (٥) في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم وفي حديث آخر: (٦) أنه يرميها كما يرمي الصبيان الكرة.

стр. 12805

فمن تكون (١) جميع (٢) المخلوقات بالنسبة (٣) إلى قبضته في هذا الصغر والحقارة كيف تحيط (٤) به وتحصره، ومن قال إن الله ليس في جهة قلنا (٥) ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد ولا على العرش إله يصلى له ويسجد ومحمد ﷺ لم يعرج إلى الله تعالى والأيدي لا ترفع إلى الله في الدعاء (٦) ولا تتوجه القلوب إليه، فهذا فرعوني معطل جاحد لرب العالمين وإن كان معتقدا (٧) أنه مقر به (٨) فهو جاهل متناقض في كلامه (٩) ومن هنا دخل أهل الحلول

стр. 12806

والاتحاد كابن عربي، وابن السبعين، وقالوا إن الله بذاته (١) في كل مكان وأن وجود المخلوقات هو وجود الخالق، وإن قال مرادي بقولي ليس في جهة أنه لا تحيط به المخلوقات بل هو (٢) بائن عن (٣) المخلوقات فقد أصاب في هذا المعنى.

стр. 12807

وكذلك من قال إن الله متحيز أو قال (١) ليس بمتحيز إن أراد بقوله متحيز أن المخلوقات تحوزه وتحيط به، فقد أخطأ، وإن أراد به (٢) أنه منحاز عن المخلوقات بائن عنها عال عليها (٣)، وأنها لا تحويه فقد أصاب. (ومن قال: ليس بمتحيز، إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب (٤)، وإن أراد أنه ليس ببائن (٥) عنها: بل هو لا داخلا فيها (٦)، ولا خارجا عنها فقد أخطأ. والناس في هذا (٧) الباب ثلاثة أصناف: أهل الحلول والاتحاد، وأهل النفي والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة. فأهل (٨) الحلول يقولون إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة فيقولون وجود المخلوقات وجود الخالق كما هو مذهب ابن عربي صاحب الفصوص وابن سبعين ونحوهما.

стр. 12808

وأما أهل النفي والجحود فيقولون لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا مباين (١) له، ولا حال فيه ولا فوق العالم ولا فيه ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه ولا يدنو منه شيء ولا يتجلى لشيء (٢) ولا يراه أحد ونحو ذلك. وهذا قول متكلمة الجهمية المعطلة كما أن الأول قول عباد الجهمية، فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء وكلاهما مرجعه إلى التعطيل والجحود الذي هو قول فرعون. وقد علم أن الله كان قبل أن يخلق السماوات والأرض، ثم خلقهما، فإما (٣) أن يكون دخل فيهما وهذا حلول باطل، وإما أن يكونا دخلا وهو أبطل وأبطل (٤).

стр. 12809

وإما أن يكون الله بائنا عنهما لم يدخل فيهما ولم يدخلا فيه، وهذا قول أهل الحق والتوحيد والسنة، ولأهل الجحود والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وما فطر الله عليه عباده وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة، فإن هذه الأدلة كلها متفقة على أن الله سبحانه فوق مخلوقاته عال عليها قد فطر الله على ذلك العجائز (١)، والأعراب والصبيان في الكتاب كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة (٢) فأبواه

стр. 12810

يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة (١) جمعاء (٢) (٣) هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها (٤) (٥)» ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٦).

стр. 12811

وهذا معنى قول (١) عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب (٢) أي (٣) عليك بما فطرهم الله عليه، فإن الله فطر عباده على الحق، والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويل الفطرة وتغييرها، وأما أعداء الرسل كالجهمية، و (٤) الفرعونية ونحوهم فيريدون أن يغيروا فطرة الله (ودين الله) (٥) ويوردون على الناس شبهات (٦) بكلمات متشابهات لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها ولا يحسن أن يجيبهم (عنها) (٧) (٨).

стр. 12812

وقد بسط الكلام (في الرد عليهم) (١) في غير هذا الموضع.

стр. 12813

وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا قالها أحد من أئمة المسلمين كلفظ التحيز (١) والجسم والجهة (٢) ونحو ذلك فمن كان عارفا بحل (٣) شبهاتهم بينها ومن لم يكن عارفا بذلك فليعرض ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٤). ومن تكلم في الله وأسمائه وصفاته بما يخالف به الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله بالباطل وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين (٥) ما لم يقولوه فينسبون للشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه، ويقولون تبعهم: هذا الذي نقوله (٦) اعتقاد الإمام

стр. 12814

الفلاني فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم في ذلك كما تبين كذبهم فيما ينقلونه (١) عن النبي ﷺ ويضيفونه إلى سنته من البدع والأقوال الباطلة، ومنهم من إذا طولب بتحقيق نقله، يقول هذا القول قاله العقلاء والإمام القرني لا يخالف العقلاء، ويكون أولئك العقلاء طائفة من أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة، فقد قال الشافعي ﵁ (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل علي الكلام (٢) فإذا كان (٣) هذا حكمه فيمن أعرض عنهما فكيف حكمه فيمن عارضهما بغيرهما، وكذلك قال أبو يوسف القاضي: من طلب الدين بالكلام تزندق (٤)، وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل ما ارتدى أحد بالكلام

стр. 12815

فأفلح، (١) وقال علماء (٢) الكلام زنادقة (٣) وكثير من هؤلاء قرءوا كتبا من كتب أهل (٤) الكلام فيها شبهات أضلتهم ولم يهتدوا لجوابهم فإنهم يجدون في تلك الكتب أن الله لو كان فوق الخلق للزم التجسم (٥) والتحيز والجهة وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ وما أراد بها أصحابها فإن ذكر الجسم في أسماء الله وصفاتها بدعة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا قالها أحد من سلف (٦) الأمة ولا أئمتها (٧) لم يقل أحد منهم (٨) أن الله جسم ولا أن الله ليس بجسم ولا أن الله جوهر ولا أن الله ليس بجوهر (٩) ولفظ الجسم مجمل ومعناه (١٠) في اللغة (هو) (١١) البدن ومن قال أن الله مثل بدن الإنسان فهو مفتر علي الله بل من قال إن الله يماثل شيئا من المخلوقات فهو
следующие страницы →